الصفحة الرئيسة @ المقال الشهري @ الاستخفاف بالفتن


معلومات
تاريخ الإضافة: 1/7/1441
عدد القراء: 289
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

مقال شهر رجب 1441هـ

الاستخفاف بالفتن

الحمد لله الكريم المنَّان ، العظيم الرحيم الحنَّان ، والصلاة والسلام على النبيِّ الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإن الابتلاء بالفتن : واقعٌ طبيعيٌّ في الحياة الإنسانيَّة ، لا يسلم منه أحد ، وإنما يتفاوت الناس في حجم ما يُبْتلون به منها : كثرةً وشدَّة وتنوُّعاً ، وما يترتـَّب على ذلك فيهم من الثبات والسلامة ، أو من الافتتان والتعاسة .

ولقد ارتبطت الفتن والبلايا بالصالحين من عباد الله تعالى ؛ كالأنبياء والأولياء والأصفياء ، والأمثل فالأمثل ، كما أنها في غيرهم من عموم الناس ، غير أنها في حقِّ الصالحين رفعة وصفاء ونقاء ، ثم هي فيمن دونهم من الأماثل كذلك ، إلى أن تخلص الفتن إلى أراذل الناس وشرارهم ، فتكون في حقِّهم عقوبة وحزناً ، فمنهم من تُكفِّر من أخطائه وسيئاته ، ومنهم من لا تزيده إلا إثماً ودماراً .

ولهذا يكذب من يزعم أنه آمن من الفتن ، أو أنه يملك مهارة الوقاية منها حين يبدو رأسها ، فلا يلْحقه من ضررها شيء !! رغم أن الله تعالى يقول في حقِّ نبيه إبراهيم - عليه السلام - : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ ) (37/106) ، ويقول في حقِّ نبيه موسى - عليه السلام - : (...وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا...) (20/40) ، ويقول في حقِّ نبيِّه سليمان - عليه السلام - : ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ) (38/34) ، وهكذا كبار الأولياء يُبْتلون بأنواع البلايا والفتن ، فما من نبيِّ إلا ونال حظَّه من ذلك ، ممَّا هو - في جملته - أعظم من بلاء غيرهم من عامة الناس ، فكيف يُبْتلى هؤلاء الصفوة الأخيار من الأولياء الأصفياء ، ثم ينجو مَن دونهم بزعم المهارة وحسن الأداء ؟! فإن هذا مُخالفٌ لسنَّة الله تعالى في عباده ، مع ما فيه من الغرور والاستخفاف .

ومع ذلك فإن الرزيَّة كلُّ الرزيَّة فيمن يُبْتلى بالفتن ، وربَّما غرق فيها إلى شحمة أذنيه : ثم هو بعد ذلك يزعم أنه سليمٌ منها ، حين لم يعد يشعر بوطأتها عليه ، فإن أسوأ ما يكون من طبيعة بعض الفتن : أنها تُهْلك صاحبها وهو لا يعلم ، فتسْلبه قدراً من دينه وأخلاقه ، بل ربَّما ذهبت بدينه كلِّه في ساعة افتتان ماحقة ساحقة ، ومع ذلك لا يشعر في نفسه بما لحقها من التهْلكة ، ولا يحسُّ في داخلته بما نال قلبه من التغيير ، فإن من طبيعة المؤمن : أنه يستنكر قلبه إذا طرأ تغييرٌ عليه ، ويستهجن نفسه إذا اختلفت عليه ، ولا يغفل عن مثل هذا من نفسه إلا مخذولٌ وضيع ، هذا فضلاً عن شقيٍّ يعلم كلَّ هذا ويعرفه ، ومع ذلك يُصرُّ ويتمادى .

وإنما يسْتهين بالفتن ويستخفُّ بها من لا خلاق له من الناس ، ممَّن وصف الله تعالى حالهم - من الفتن - بقوله : (...وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا...) (9/49) ، فلا تكفي للسلامة المزعومة دعوى توقي الفتن ، أو حسن الأداء عند قدومها ، حتى يكون من المؤمن صدق اللُّجوء إلى الله تعالى ، بدوام الطاعة له - جلَّ وعلا - ولرسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - فإذا كان ذلك من العبد : جاز له - حينئذٍ - أن يجتهد في شأن الفتن ومُتغيِّراتها المُختلفة حين تُداهمه ، فيما يجب عليه تجاهها من الاختيارات الاجتهاديَّة ، سواء صحَّ اختياره أو لم يصحَّ ، ما دام أنه قد أفرغ وسعه في طلب الحقِّ ، فهو غير معصومٍ فيما ينتهي إليه اجتهاده ، ما دام أنه مُتَّقٍ ربَّه في كلِّ ذلك ، صادق النيَّة ، حسن المقْصد ، يرجو الصواب ويرومه ، ويتجنَّب الخطأ ويتحاشاه .

ومن ظنَّ أن الأصل في التعامل مع الفتن : هو تجنُّبها بإطلاق ، فلا يكون منه شيءٌ تجاهها : فليس بصحيح على إطلاقه ؛ فقد يكون الصواب في خوضها ؛ بقصد درء ما هو أسوأ من أحوالها ، وقد يكون أيضاً في الكفِّ عنها مُطْلقاً ، وعدم التعرُّض لها ، فالمسألة - من هذه الجهة - اجتهاديَّة ، وما كان من المسائل اجتهاديًّا ؛ فإنه لا يُنقض باجتهاد آخر ، وإنما القطْع فيما ثبت فيه إجماع .

وليس لمن اختار رأياً في فتنة ، ثم بان صوابه بعد جلائها : أن يُعيَّر من أخفق في اجتهاده فيها ، فهذا مسلك قبيحٌ في مثل هذه المواقف الفقهيَّة الشائكة ، وإنما التقيُّ من يسأل الله تعالى العافية من اجتهادٍ لا يُحالفه الصواب ، فإنه ليس للمجتهد من الاختيارات المُتاحة إلا ما بدا له احتمال صوابه ، فهذا فرضه تلك الساعة ، فإن كان الأمر كما ظنَّ : فذاك فضل الله تعالى عليه ، وإن كانت الأخرى ، فهذا قضاؤه - سبحانه وتعالى - فيه ، فكلا الأمرين من عند الله تعالى : (...قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ...) (3/78) .

وجمهور الصحابة - رضوان الله عليهم - اختاروا القتال في الفتنة الأولى (انظر: فتح الباري لابن حجر 13/41) ، التي نشبت بين عليٍّ ومعاوية - رضي الله عنهما - رغم أنها حادثة خطيرة فريدة لا سابق لها ، ومع ذلك انتهى اجتهاد غالبهم - من الطرفين - إلى التفاعل معها بإيجابيَّة كاملة ؛ فأهل الشام تعاملوا معها ، حين لم يروا أنهم مُلْزمون بالبيعة ، وأهل العراق تعاملوا معها نصرة للشرعيَّة التي اكتسبها أمير المؤمنين عليٌّ - رضي الله عنه - بالمبايعة ، فهم مُلْزمون - بمقْتضى هذه البيعة - بطاعته ، فيما أحبوا من الأمور أو كرهوا .

والقلَّة من الصحابة - رضي الله عنهم - من الذين لم يُبايعوا ، أو بايعوا ولكنهم اشْترطوا ، هم الذين آثروا اعتزال الفريقين ، حين انتهى اجتهادهم إلى التوقُّف في ذلك ، ولم يتبيَّن لهم أفضل ممَّا اختاروا ، فلم يكن اجتهاد هؤلاء القلَّة بأولى من اجتهاد أولئك الكثرة ، لا سيما وأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصف إحدى الطائفتين المُقاتلتين بالبغي ، والأخرى بأنها أولى بالحقِّ .

وليس هذا من باب إقرار فتن التنازع والاقتتال بين المسلمين ، فإن الصلح أحسن وأفضل ، وهو المُتعيِّن على المُتنازعين إن تيسَّرت أموره ، وإنما تترجَّح الأخرى لدفع أعظم المفسدتين بأهونهما ، حين لا يكون بدٌّ من القتال ، ولهذا قال النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - : ( إذا بويع لخليفتين فاقْتلوا الآخر منهما ) ؛ وذلك لقطْع مادة الفساد السياسي ، فإذا أمكن تحقيق هذا المقْصد بغير دماء : تعيَّن ذلك ؛ لأن قتال الخليفة الآخر : بمنزلة دفع الصائل ، فمتى اندفع شرُّه عن المسلمين باليسيرة ، لم يتعدُّوها إلى العسيرة .

وللناظر أن يتأمل حال الحاكم الشرعيِّ ، الذي اتفق جمهور الجماعة على بيعته ، وفيهم أهل الحلِّ والعقد ، ثم يأتي من يُنازعه حقَّه في السلطة ، فتُسْلمه الجماعة المبايعة لعدوِّه بحجَّة الورع ، وترك القتال في الفتنة !! فهذا - على ما فيه من نقْض مقْتضى البيعة - فإن من شأنه تقْويض أركان المجتمع الإسلامي ، وارتهانه للخوارج والمُغرضين ، وتركه للغزاة الطامعين ، ممَّن ليس لهم من الورع قليلٌ ولا كثير ، ففي الوقت الذي يتورَّع فيه الصالحون عن العمل بمقْتضى بيعة الأول فالأول - التي أُمروا بها شرعاً - يستغلُّ المُبطلون - ممن لا مروءة لهم ولا دين - هذا الورع السلبي للفتْك بنظام الحياة السياسيَّة للمجتمع المسلم ، فما أسعدهم بالورع حين يأتي سلبياً من جانب واحد .

ولهذا اختار جمهور الصحابة - رضي الله عنهم - الاختيار الأصعب في هذه المسألة الحرجة ؛ وذلك بمقتضى البيعة المُلْزمة ، ولم يُؤْثروا سلامة أنفسهم ، فلم يكن الورع بمانع لهم من المُضيِّ فيما ترجَّح لهم في هذه المسألة ، وقد بدا لهم - بمقْتضى اجتهادهم - وجه الصواب فيها ، فلم يكن لهم بدٌّ من العمل بمقْتضى ما ترجَّح عندهم .

وفي مثل هذه المسائل الاجتهاديَّة لا يُوصف الاختيار فيها بالورع ، سواءً لمن اختار القتال ، أو لمن اختار الاعتزال ، فإن الورع ليس دائماً في السلبيَّة ، كما أنه ليس دائماً في الإيجابيَّة ، وإنما حقيقة الورع في عمل الأسلم للدين ، والأفضل له ، وتوقِّي ما يُحتمل منه السوء ، حين ينتهي اجتهاد الورِعِ إلى ما يظنُّ أنه الأحسن ، وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (20/139) فيما يقع من الخطأ في مسألة الورع : ( اعتقاد كثير من الناس : أنه من باب الترك ؛ فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام ، لا في أداء الواجب ، وهذا يُبْتلى به كثيرٌ من المُتديِّنة المتورِّعة ) ، فالإيجابيَّة حين تترجَّح للمُجتهد : فهي عين الورع لمن زعم أنه ينشده ، حتى وإن كانت هي الأصعب والأقْسى .

والوليُّ حين يتلبَّس بالفتنة ، ويخوض غمارها مُجتهداً : لا يضيره من ذلك شيء ، ممَّا قد يلْحق به من جرَّاء تفاعله في مُعتركها ، وقد أفرغ وسعه في طلب الصواب ، وعلم الله تعالى ذلك منه على وجهٍ يعذره فيه ، وإنما يلْحقه ما يلحقه من الإثم : بترك ما ترجَّح عنده من الصواب ، سواء كان في ترك القتال ، أو كان في المشاركة فيه مع أحد الفريقين ؛ ولهذا اعتبر أهل السنَّة أن الكلَّ في هذه الفتنة الكبرى : كان مُجتهداً معذوراً ، غير أن عليًّا - رضي الله عنه - ومن معه : كانوا أسعد الناس بإحراز الصواب .

والعبرة التي تسْتوقف المتأمِّل في هذه الفتنة العظيمة : كون من تلبَّسوا بها هم - في الجملة - خيار الأمة من صحابة وتابعين ، فلم يكن فضلهم ، وجليل مقامهم : بعاصم لهم من أن يذوقوا نصيبهم من الفتنة والبلاء ، وينالوا حظوظهم من القتل والجراح ، حتى نالهم ما نالهم من آلام ذلك الحدث الجلل وأحزانه ، وقضى في تلك المعارك من قضى من كرام الناس وفضلائهم .

ثم يأتي - بعد هذا من الخلوف - من يزعم أنه يُحسن التعامل مع الفتن ، فيعرفها حين تبزق بقرنها ، فيتجنَّبها بفضل ما أُوتيَ من العلم والتقوى والخبرة !! في حين أن غيره - ممَّن لم يُقلِّده في اختياره - يستشرف لها ، فيقع في أوحالها ، ويتلوَّث بأدرانها ، ويذوق من ويلاتها ، وكأن الفتن حين تأتي تدقُّ الأبواب ، وتوقظ النوَّام ، وتُحذر العبَّاد ، لا أن الأصل في طبيعة الفتنة الغموض الذي يكتنفها ، والستر الذي يُحيط بها ، ممَّا يُعيق الفطِن عن تحديد وجه الصواب فيها ، على نحوٍ يتجنَّب معه خطأ المواقف تجاهها ، فشدَّة الخفاء هو الأصل في طبيعة الفتنة ، وإلا لم تعد فتنة ؛ لذا فإن من زعم أن الفتنة مُنكشفةٌ له ، فإنها بانكشافها لم تعد في حقِّه فتنة ، وإنما هي كرامة يدَّعيها لنفسه ، حتى ينتهي به الأمر إلى أن الفتن لا تضرُّه !!

وهذا من أسوأ ما يُبْتلى به المغرور في نفسه ، فإنه لا يستخفُّ بالفتن إلا مفْتون ، ويكفيه مُصيبةً في نفسه : أن يُبْتلى في أخلاقه بصغار الفتن السلوكيَّة ، ممَّا يسْتهين بها ويسْتصْغرها ، فينكشف حاله بين الناس ، ويفْتضح أمره بينهم ، وربَّما غدا أضحوكة اجتماعيَّة ، يتندَّر الناس بشخصه في مجالسهم ، وهو باقٍ على جهله بنفسه ، لا يدري ما أصابه من الافتتان .

إن ممَّا ينبغي استيعابه : أن الأمة الإسلاميَّة تعيش - في مطْلع الألفيَّة الميلاديَّة الثالثة - فتناً سوداً ، وأهوالاً مُهْلكة ، تشيب لفظائعها رؤوس الولدان ، حتى إنها من شدَّتها ، وعظيم عنفها : تقْتلع الدين والأخلاق من جذورهما ، وتذهب بالعقول الذكيَّة ، وتمحق الأنفس الأبيَّة ، فلا تُبقي في طرقها شيئاً إلا سحقته ، ومن نأى بنفسه عنها : لم يسلم من زلْزلتها ؛ ولهذا تحتمل من أحد سخرية ولا استخفافاً ، مهما عظمة ثقته بنفسه ، بل ربَّما كان وقع الفتن على العالِم أشدَّ من وقْعها على العاميِّ ؛ لفارق العلم بينهما ، ولكونه المعنيُّ - أكثر من غيره - بالتصدِّي لها ، وبيان حكم الشرع فيها ، ومع ذلك قد لا يصمد حين يستشرف لها ، فتذهب به أبعد ممَّا تذهب بالعوامِّ من الناس .

وفرقٌ كبيرٌ بين معذورٍ تفْجأه الفتنة ، فيجد نفسه في وسط معتركاتها ، فلا يجد محيصاً من اجتهاد عاجل يتَّخذه حيالها ، وقد ضاق عليه الزمن عن طول النظر والتأمُّل ، وبين مأزورٍ يستشرف للفتنة بوجهه مُتجرِّئً عليها ؛ فيدخل مداخلها ، ويسلك مسالكها ، ثم يدَّعي السلامة من الفتن !! 

ثم هذا الادِّعاء - بالسلامة الشخصيَّة من الفتن - لم يكن لأحد قطُّ ؛ إذ لا بدَّ من ضرر ما يلْحق الأخيار منها - فضلاً عمَّن دونهم - يرفع الله تعالى بذلك من أقدارهم ، ويضع به من أوزارهم ، فمن اجتهد منهم ، وأُلْهم في الفتنة الصواب له أجران ، ومن أخفق فله أجرٌ واحد ؛ فإن كلَّ اجتهاد - استوفى شروطه الشرعيَّة - فهو مأجورٌ بكلِّ حال ، فلا يُعيِّرُ المُجتهدين المُخْفقين بقضاء الله تعالى وقدره : إلا من حكى الله قولهم لإخوانهم : (...لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ...) (3/156) ، وكأن قضاء الله تعالى - عند هؤلاء - لن ينفذ إن هم احتاطوا له وتحاشوه !! لا أن قضاءه - عزَّ وجلَّ - نافذٌ بكلِّ حال ، كما قال سبحانه وتعالى : (...لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ...) (3/154) .

ثم إن التوقُّف - فيما لم يتبيَّن وجه الصواب فيه - مذهب شرعيٌّ صحيح ، فليس لأحد أن يُزايد على مُجتهد توقَّف في أمر لم يتبيَّن له فيه وجه الصواب ، ما دام أنه مُتَّقٍ ربَّه في اختياره ، كما هو موقف بعض الصحابة - رضي الله عنهم - من عدم المشاركة مع أحد الفريقين ، وإنما المعيب توقُّف المُجتهد فيما ظهر فيه أمر الشرع جليًّا .

وإن من أعجب ما يكون من بعض المُتحذلقة : انطلاقهم بحماسة في التحذير الشديد من الفتن ، والأمر بتوقِّيها ، وعدم الاستشراف لها ، ومع ذلك ينبري لها - هذا المُتحذلق - كأقوى ما يكون ، فيقول فيها قوله ، ويصف فيها رأيه ، ويُطْلق فيها حكْمه ، فيُحلِّل ويجتهد ، فيُصوِّب هذا ، ويُخطِّئ هذا ، ومع كلِّ هذا يزعم أنه يعتزل الفتن !! فتراه يخاف على الناس من الفتنة ما لا يخافه على نفسه منها ، فهو في حصنٍ حصينةٍ من شرورها ، حتى وكأن الفتنة - في حقِّه - غيبٌ مكْشوف ، يُبصر منها ما لا يُبصره الآخرون ، وهو في حقيقة الأمر : إما مُغرضٌ صاحب هوىً ، وإما مفتونٌ قد ركن لما يظنُّ أن فيه سلامته من الأذى ، فقال بما يُحقِّق مصلحته الشخصيَّة ، وليس بما ترجَّح له من الصواب الشرعيِّ الذي يُعذر به ، سواءً أخطأ في اجتهاده أو أصاب .

إن من المُتقرِّر شرعاً : أن التعامل مع الفتن أمرٌ اجتهاديٌّ ، حافزه صدق التقوى ، ورائده عمق النظر ، ونهجه إفراغ الوسع ، وغايته طلب الصواب ، فمن جمع هذه العناصر الأربعة في اجتهاد - أيًّا كانت نتائجه - فقد أتى بشروط الاجتهاد المشروع ، وثبت له - بناءً على ذلك - أحد الأجْريْن ؛ إما مُفرداً ، وإما مُضاعفاً .

أما المصالح الشخصيَّة ، والمكاسب الآنيَّة - حين تدخل في اعتبار المرء : علم بها أو لم يعلم - فليست من الاجتهاد المشروع في شيء ، وإنما هي من حظوظ النفس القاصرة ، وحاجاتها الفرديَّة الزائفة ، التي تحجب عن صاحبها الأجر الأخروي وثوابه ، وربَّما انقلب صنيعه إثماً عليه ، وذلك بقدر ما فوَّت من العمل بعناصر الاجتهاد المشروع ، فأيُّ فتنة تُراها أعظم من أن يقول الرجل ما لا يعتقد ، أو يعمل فيما لا يظنُّ جوازه ، ثم يتحدَّث - بعد ذلك - عن مهارته في توقي الفتن ؟