د. عدنان باحارث http://www.bahareth.org موقع الدكتور عدنان باحارث للتربية الإسلامية طريقة تدريس مادة السيرة النبوية الشريفة مقال الأشهر من رجب إلى رمضان 1443هـ

طريقة تدريس مادة السيرة النبوية الشريفة

    السيرة النبوية: تعني السنّة، وتعني أيضاً الحالة والطريقة التي يكون عليها الإنسان، وإذا أطلقت لفظة السير أو المغازي قصد بها عند المؤرخين المسلمين تلك الصفحات والأيام من التاريخ الإسلامي، من جهاد، ودعوة ونحوها، ويدخل فيها أيضاً نشأة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وحياته، وذكر آبائه، وما سبق ولادته من الأحداث، وأعقب ذلك من الأمور والأحوال، وذكر أصحابه الذين رافقوه في دعوته وجهاده. فكل ما يتعلق بحياة الرسول عليه الصلاة والسلام وما سبقها من أحداث قريبة حتى وفاته هي محور ومادة موضوعات عموم كتب السيرة النبوية.

والسيرة النبوية تختلف عن الحديث في كونها أشمل في ذكر تفصيلات الأحداث، وما حف به كل حدث من ملابسات، وقضايا، وربط تلك الأحداث بالأسباب والأهداف والتفسيرات، أما روايات الحديث فيغلب عليها طابع ذكر الأحكام والآداب، والأخلاق التي تتضمن توجيهات مباشرة، أو تقريرات مبينة حكماً وشرعاً، أو نحو هذا.

لهذا فإن الباحث في جوانب السيرة النبوية يجد مجالاً خصباً واسعاً لذكر الأمثلة التربوية لكثرة التفصيلات والأحوال. وفي الغالب لا تخضع روايات السيرة لتمحيص رجال الرواية المحدثين، بخلاف روايات الحديث المتضمنة للتوجيهات النبوية من الأحكام وغيرها، والتي توضع على محكات التمحيص، والنقد.

وتأتي أهمية السيرة النبوية من كونها تفصيلات لأعظم شخصية بشرية عرفها التاريخ، فإنه لم يسبق ولن يحدث لرجل أن دونت تفصيلات حياته كلها، وعرفت أحواله الخفية منها والمعلنة قبل البعثة وبعدها: كما هو الحال مع هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، إلى جانب أنها التطبيق العملي الواقعي للإسلام وأحكامه، وآدابه، وتشريعاته.

وحيث إنه عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء بعثة، وخاتمهم، كان ولا بد أن تحفظ تفصيلات حياته، ودقائقها وجميع جوانبها حفظاً دقيقاً، بحيث لا يفلت منها شيء، فلا يكون لأحد من المعاندين، أو المغرضين مدخل يدخل منه للطعن في الرسالة المحمدية بسبب جهالة جانب من حياته عليه الصلاة والسلام، فكل حياته مدونة معروفة.

الأهداف العامة  لتدريس السيرة النبوية:

يُهدف من خلال تدريس السيرة النبوية العطرة إلى أمور من أهمها:

1-إبراز جانب القدوة في سيرة الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام.

2-التعرف على طريقة تعليم وتربية الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم لأصحابه وسر نجاح دعوته.

3-إبراز البطولات الإسلامية، والمواقف التاريخية العظيمة لرجال الإسلام الأوائل وتقديم سيرهم العطرة للنشء الجديد.

4-إظهار القدوة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته مع أهله، وسيرته قائداً مع أصحابه في حروبه.

5-تقويم السلوك المنحرف بما يتوافق مع منهج الإسلام الحق.

6-الوقوف على النهضة الحضارية العظيمة وجهود المسلمين وأساليبهم في نشر الدعوة الإسلامية.

7-دحض الأفكار والتصورات التاريخية المنحرفة التي تمزق وحدة الأمة وبيان عوارها.

الأهداف الخاصة لتدريس السيرة النبوية:

يمكن ذكر الأهداف الخاصة بدرس السيرة النبوية على النحو التالي:

1-التأكد من سلامة فهم الطلاب للمقطع المحدد من المقرر.

2-معرفة الطلاب معاني المفردات الغامضة في النص.

3-محاولة استنباط واستخراج الأحكام والعبر التي تضمنها النص.

4-التأكد من حسن قراءة الطلاب للنص.

5-توجيه الطلاب لأهمية العمل بما جاء في ذلك المقطع من توجيهات نبوية، مع الحث على ذلك.

التمهيد لدرس السيرة النبوية:

يهيئ المعلم طلابه في مادة السيرة النبوية مبيناً لهم، ومذكراً بأنهم يدرسون ويتعلمون سيرة أفضل إنسان سار على هذه الأرض. لا بد أن يستشعر الطلاب هذه القضية المهمة، وأن شخصيته عليه الصلاة والسلام ليست كشخصية عظيم من العظماء، بل هي السيرة الوحيدة التي ألزم الله عز وجل الناس تعلمها والاقتداء بصاحبها عليه الصلاة والسلام، فيبين للطلاب أنهم ملزمون بها شرعاً، وأن تعلمها لا يقتصر على جانب المعرفة بالتفصيلات ثم إجراء الاختبار فيها والنجاح، إنما يقصد من تعلمها تحقيق مبدأ القدوة والأسوة بهذا النبي السيد العظيم عليه الصلاة والسلام.

ويمكن للمعلم أن يدخل إلى موضوع  درسه المقرر في ذلك اليوم عن طريق سؤال التلاميذ عنه من خلال تحضيرهم المسبق للدرس، أو من خلال إثارة مشكلة اجتماعية يعاني منها المجتمع ومعالجتها من خلال الدرس، أو الدخول إلى سيرته مباشرة بذكر وقائع الدرس وجوانبه، أو من خلال ذكر سير بعض الأبطال وبيان عظم سيرته عليه الصلاة والسلام مقارنة بهؤلاء.

وهنا يمكن إجمال أساليب التمهيد على النحو التالي في حدود (5-7) دقائق:

1-عرض عام لمجمل الحوادث التي تخص الدرس.

2-عرض قصة قصيرة تلائم المقطع المخصص من السيرة في ذلك اليوم.

3-يمكن توجيه أسئلة تثير الطلاب وتسوقهم إلى معرفة موضوع الدرس.

4-ربط الدرس الماضي بالدرس الحالي بوجه من الوجوه إن أمكن.

5-الكلام العام حول جوانب السيرة النبوية.

ويمكن للمعلم أن يختار من بين هذه الأساليب ما يناسب موضوع الدرس، مع مراعاة التنويع والتجديد والبعد عن الرتابة المملة.

صفات معلم السيرة النبوية:

لا بد أن تملك العاطفة الجياشة والحماسة قلب المعلم، فإن تدريس السيرة جافة دون الاستشعار، والتحرك الوجداني يذهب بأثر الوقائع والحوادث من نفوس التلاميذ، ويسبغ على الدرس حالة من الرتابة والجفاء. ففي درسه للهجرة النبوية - مثلاً - وحالة الرسول صلى الله عليه وسلم عند خروجه من مكة متجهاً إلى جبل ثور ومعه أبو بكر الصديق رضي  الله عنه، ومكوثهما في غار جبل ثور، لا بد للمعلم أن يبين هذا الموقف، وصعوبة وصف الحالة، وملابسات الموضوع، ويثير وجدان التلاميذ للواقعة بحيث يجذب انتباههم من جهة، ويُثير في نفوسهم الأثر الوجداني والعاطفي تجاه هذا الموقف من جهة أخرى، ويبين مقدار الخطر العظيم في الدعوة الإسلامية لو عثر على الرسول عليه الصلاة والسلام ويركز على هذه المعاني، وبغير هذا لا يكون للدرس الأثر البالغ عند الطلاب.

خطوات تدريس السيرة النبوية:

يدخل المعلم على درسه بعد أن يكون قد راجع تحضيره في الكراس الخاص به، ودون ملاحظاته وبياناته، والعبر، فإنه يبدأ دخوله في الموضوع بذكر القصة الخاصة بدرسه ذلك اليوم في صورة رواية أو قصة، إذ للقصة وقع خاص في نفوس التلاميذ، وفيها جذب قوي لأذهانهم. ويحاول أن يكون عرضه مجزَّأ بحيث يتناول كل جزء من السيرة على حدة، فيعطيه ما يكفي من البيان واستنتاج العبر والعظات، ويوجه لطلابه بعد كل جزء أسئلة. ويحاول أن يربط أفكار وأجزاء القصة بحوادث الحياة المعاصرة التي يدركها التلاميذ؛ وذلك ليكون الدرس أكثر واقعية، وأبلغ في الفهم والاستيعاب. ويشرك المعلم طلابه في استنباط مواقع العبر، والعظات من كل درس من الدروس. فعلى سبيل المثال في قضية العدل مثلاً في شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه بالإمكان سرد بعض الوقائع التاريخية من السيرة النبوية التي تبين عدله عليه الصلاة والسلام، وعظم اهتمامه بهذا الجانب، ثم يحاول المعلم أن يستشف من طلابه بيان هذا المبدأ من خلال ذكر الوقائع دون أن يذكر المعلم وصفه للرسول عليه الصلاة والسلام بالعدل بحيث يستخلص الطلاب هذا المبدأ من خلال ذكر الوقائع والأحداث.

وفي نهاية الدرس يوجه المعلم بعض الأسئلة المباشرة، والتي تتناول بعض الجوانب المهمة في موضوع الدرس مستخلصاً أهم القضايا، ومركزاً على أهمية الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام في سيرته العطرة.

خاتمة درس السيرة النبوية:

وبعد انتهاء المعلم من الدرس واستخلاص العبر مع طلابه، وإثارتهم بالأسئلة حول الموضوع، يختم الدرس بخلاصة تجمع لهم شتات الموضوع، وموعظة بليغة تدفعهم إلى العمل بما علموا ونشر ما تعلموه من العلم. ويوجههم إلى قراءة الموضوع من المقرر وإجابة الأسئلة في كراريسهم، مع إشعارهم بالدرس القادم لتحضيره.

وهنا نجمل خطوات الخاتمة على النحو التالي:

1-توجيه أسئلة تقويمية و تلخيصية للطلاب للتأكد من استيعابهم للدرس وفهمهم إياه.

2-توجيه الطلاب بكلمة تربوية مؤثرة متعلقة بموضوع الدرس.

3-قراءة الدرس من الكتاب المقرر قراءة نهائية مع تصحيح الأخطاء.

4-إعطاء الواجب المنزلي.

 

 

]]>
Sun, 06 Feb 2022 19:05:51 +0300
طريقة تدريس مادة الفقه مقال الشهور محرم وصفر وربيع الأول 3441هـ

طريقة تدريس مادة الفقه

       تطلق كلمة الفقه لغة على مطلق الفهم، والبعض يخصه بالأمور الخفية المعنوية غير المحسوسات، وفي القديم أطلق الفقه على كل ماله علاقة بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام في جميع الميادين، ثم أطلق الفقه بعد ذلك على العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ويعرفه الإمام الشافعي رحمه الله فيقول: " هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية ".

        ومما تقدم يتضح أن الفقه الإسلامي يُعنى بالجوانب العملية التطبيقية، والممارسة الواقعية للأحكام، والتوجيهات الدينية، فهو حياة الناس، ومعاملاتهم، وهو عبادتهم من: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وهو كل ما يتعلق بالحركة اليومية للفرد المسلم.

ومن هنا تتضح أهمية هذا العلم، وضرورة تدريسه، وتقديمه للطلاب لينشأوا على مفاهيمه وآدابه، ويعلموا كيف يؤدون عباداتهم لله عز وجل على النهج الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى.

وقد كان الأمر محسوماً في عهد النبوة، فما من قضية تعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يسمع بها، أو يشاهدها إلا ويفتي فيها بما يوحيه الله إليه، ثم سار الصحابة من بعده على ضوء ما أفتى وبين، فإذا عرض لهم أمر جديد لم يجدوه في كتاب الله، ولا في السنة اجتهدوا رأيهم وأفتوا بما يفتح الله عليهم به.

ثم تتابع الناس ينهلون من الكتاب والسنة وطرائق المتقدمين، ويحكمون على المستجدات بما يفتح الله عليهم، ولما كثر الخوض وانتشر العلم ووقع الخطأ وضع العلماء قواعد وأصولاً للاستنباط والفهم، وأطلقوا عليها (( أصول الفقه ))، وكان أول من دوَّن في هذا المجال الإمام الشافعي رحمه الله، ولا يعني ذلك أن هذا العلم كان مجهولاً للسابقين، وإنما كان فضل الإمام الشافعي في تناوله لعلم أصول الفقه بالكتابة.

ثم انتهى علم الفقه ومدارسه المتبوعة إلى الأئمة الأربعة: الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام مالك بن أنس والإمام محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، رحمهم الله جميعاً، وأصبح هؤلاء الأعلام رموز علم الفقه، وأقطاب الفتيا، وأئمة الناس وقدوتهم في الأحكام الفقهية، وتعلقت الأحكام الفقهية بمذاهب هؤلاء الأربعة حتى أصبح من الضروري لمن أراد التفقه في الدين أن يتعلم طرقهم، ويعرف مناهجهم، ويدرسها؛ لتكمل له آلة العلم والاجتهاد.

أهداف تدريس الفقه:

يمكن إجمال أهداف تدريس الفقه الإسلامي كما يلي:

1-التعريف بالأحكام الشرعية بالأدلة والحجج النقلية والعقلية.

2-إظهار خصائص وعظمة التشريع الإسلامي مقارنة بالتشريعات الوضعية.

3-بيان واقعية التشريعات الإسلامية، واتصالها الوثيق بحياة الناس.

4-إظهار الحكمة من التشريعات والأوامر الدينية.

5-التشجيع على تطبيق الأحكام والتشريعات بعد العلم بها.

6-تحقيق الخضوع والرضا بالأحكام والتشريعات الإسلامية.

7-المحافظة على النشء من الانزلاق في المبادئ والتصورات المنحرفة الدخيلة، باعتزازهم بكمال وجمال ما عندهم من الفقه الإسلامي.

8-بيان تجدد هذا الدين، وصلاحه لكل زمان ومكان.

9-الاطلاع على تاريخ التشريع الإسلامي، وعظم الإنتاج الفقهي، والتراث الإسلامي عند المسلمين، وضخامة مكتبتهم العلمية.

10-إبراز عظمة العقلية الإسلامية وتفوقها من خلال بيان مذاهب الأئمة ونظراتهم الفقهية المختلفة.

11-تحقيق مبدأ الأدب والتقدير للعلماء السابقين، واحترام آرائهم، وتقدير مجهوداتهم.

12-تصحيح الأخطاء والتصورات الفقهية التي يمارسها النشء في عباداتهم وسلوكهم.

13-تدريب الطلاب على طرق الاستنباط، واستخراج الأحكام من الأدلة التشريعية.

14-تعريف الطلاب بالآيات والأحاديث المتعلقة بالأحكام الشرعية لتحقيق مبدأ الربط بين جوانب مواد التربية الإسلامية.

التمهيد لدرس الفقه:

يراعي المعلم في تمهيده لدرس الفقه مراحل الطلاب التعليمية وقدراتهم الاستيعابية للمعلومات التي يلقيها عليهم. فطلاب المراحل الأولى يعرض عليهم الفقه على قول واحد في المسألة، فهم لا يملكون القدرة على استيعاب المسائل المختلفة والمتنوعة، ولا يملكون القدرة على التوفيق بينها، إلى جانب أنهم لا يدركون طبيعة الخلاف الفقهي، وجواز وقوعه.

أما طلاب المراحل المتقدمة فإنه يمكن أن يعرض عليهم في المسألة الواحدة أكثر من قول، وذلك بعد أن يكونوا قد أدركوا مبدأ الخلاف الفقهي، وجواز وقوعه، فإنهم إن لم يدركوا ذلك وقعت في نفوسهم خلخلة عظيمة، إذ لا يدركون عظمة هذا الدين وكمال تشريعاته، واختلاف نظرات الناس، وقدراتهم على الاستنباط، واحتمال النص لأكثر من حكم في المسألة الواحدة؛ فيقع بسبب ذلك بغض لأئمة الإسلام، وكره لطرائقهم، إذ يقول المتعلم في نفسه أليس هذا القرآن بين أيدينا، وهذه السنة أيضاً بين أيدينا، فلم إذاً الاختلاف ؟ لماذا لا نكون جميعاً على مذهب واحد وطريقة واحدة ؟ وهذا كثيراً ما يصدر خاصة من الطلاب المراهقين.

    وهنا لا بد للمعلم أن يقرب إلى أذهانهم أسباب الخلاف الفقهي، وحتمية وقوعه، ويدلل عليه من القرآن والسنة، وواقع حياة الصحابة، والتابعين، وكيف أنهم أقروه، بل وألَّف بعضهم في الاختلافات المذهبية، واعتبرها البعض رحمة بالأمة، فهذا الإمام محمد بن عبدالرحمن الدمشقي العثماني الشافعي المتوفى في القرن الثامن الهجري يؤلف كتاباً بعنوان " رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ".

      ويؤلف قبله شيخ الإسلام أحمد بن تيمية كتابه المشهور: " رفع الملام عن الأئمة الأعلام "، وغيرهما كثير، كلها تبيِّن طرائق الأئمة المختلفة في إصدار الفتوى، وشروطهم، وقواعد استنباطهم، مما لا يدع مجالاً لأحد للاعتراض عليهم، أو تسفيههم، بل يدفعه إلى النظر الصحيح في حسن اختيار الأقوال الراجحة من الأقوال المرجوحة.

    ويمكن للمعلم أن يضرب للطلاب مثلاً من واقع العهد النبوي، ففي قصة قتال بني قريظة، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يصلي أحد العصر إلى في بني قريظة: يعد مثالاً جامعاً نافعاً، موضحاً لهذه القضية أفضل توضيح.

    ويحاول المعلم في أول الأمر أن يعرض عليهم الأمر النبوي، ويقول لهم لو كنتم في ذلك الموقف ماذا كان أحدكم يعمل؟ ثم يسأل كل من يجيبه بجواب عن أدلته، فإنهم بالتأكيد سوف يختلفون في ذلك على القولين المشهورين، ويستدل أحد الفريقين بأهمية أداء الصلاة في وقتها، والفريق الآخر بضرورة طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وهنا يبين لهم كامل القصة، وأن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا على نفس القولين، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام أقر الفريقين على اجتهادهما، ولم يعنف أحدهما.

ويمكن للمعلم أن يستعين في ذلك ببعض الكتب الحديثة المؤلفة في هذا الموضوع ككتاب: " موقف الأمة من اختلاف الأئمة "، للشيخ عطية محمد سالم، وكتاب: " دراسات في الاختلافات الفقهية "، للدكتور محمد أبو الفتح البيانوني وغيرهما..

وبالإضافة إلى ما تقدم في عموم تمهيد المعلم لدروس الفقه: أن يشعر طلابه بأهمية دراسة الفقه من خلال تجسيد الحكمة من الموضوع، وبيان حاجاتهم إليه، وبيان صلته بحياتهم التي يعيشونها، وذلك ليزداد إقبالهم على العلم، والرغبة فيه.

ويراعي المعلم فروق السن بين الطلاب، ففي درس الوضوء - مثلاً - للصغار يكتفي بتعليمهم أركانه وطريقته، ويبين أنه طهارة للأعضاء الظاهرة من الأوساخ والقاذورات، أما مع الكبار فإنه يزيد على ذلك بأن الوضوء مطهرة للظاهر والباطن، وأنه استعداد للوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى في الصلاة التي توصل العبد بربه، وأنها تسمو بالعبد إلى مدارج القبول، والشفافية والروحانية، وترفعه فوق الشهوات والنزوات الساقطة الرخيصة، كما أنها تذهب بذنوبه مع كل قطرة من قطرات الماء الساقطة من المتوضئ.

ويراعي المعلم أن سير عجلة الفقه في العصور المتأخرة بطيء جداً، فكثير من القضايا المعاصرة لم تعالج فقهياً بعد، مما يسوق الشباب إلى الاعتقاد بانتهاء هذا الدين، وأنه لا ينفع لزماننا، وهنا على المعلم أن يبين في هذا المجال ما يكون رداً نافعاً لإقناع الشباب، كما يراعي حاجة الشباب إلى الكتب الفقهية الميسرة، إذ إن الكتب القديمة أُلِّفت وعُرضت لتناسب الكبار دون الصغار، وهذا يتطلب من المعلم جهداً مضاعفاً لتدارك هذا النقص ومعالجته.

خطوات تدريس الفقه:

ترتبط دراسة الجوانب الفقهية، وما يتعلق بها من أحكام بالعقيدة ومقتضياتها؛ فالعبادات، والمعاملات، وغيرهما ترتبط بإيمان المسلم، ومدى اعتقاده وتمسكه بالشريعة وأحكامها، فالقرآن والسنة يصفان المؤمن بأنه يقيم الصلاة، ويؤدي الزكاة، ويصوم، ويقوم بالعبادات، قال الله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٍ } [الأنفال:2-4]. فلا ينبغي للمعلم عند تناوله قضايا الفقه والأحكام أن يعالجها بعيداً عن المعتقدات الإيمانية، فإن كل مسألة جاء بها الدين - واجبة أو مستحبة أو محرمة أو مكروهة - إنما هي إيمان واعتقاد، فهي لم تكتسب الحكم من وجوب، أو ندب، أو كراهة ونحوها إلا من خلال الوحي المبارك، الذي هو صلب معتقد المسلم، وقاعدة إيمانه ويقينه، فلا بد من الربط الوثيق بين العقيدة والأحكام الفقهية.

ومن أهم ثمرات هذا الربط: الوصول بالتلاميذ إلى مبدأ التسليم لله عز وجل في جميع ما شرع، فهموا الحكمة من التشريع أم لم يفهموها، خاصة في هذا العصر الذي كثر فيه الجدل، والاعتراض على جوانب كثيرة من الأحكام الشرعية.

ويراعي المعلم أيضاً عند تدريسه أن يتجنب البدء بالتعريفات الفقهية، بل يجعلها مرحلة أخرى، وذلك لأن التعريفات عبارة عن مفاهيم محدَّدة مستخلصة من الأمثلة الكثيرة، بل الأفضل البدء بالأمثلة التي يمكن أن يدركها الطلاب ثم بعد ذلك يعرض عليهم التعريف، وقد أدركوه من خلال الأمثلة.

ويتنبه المعلم في دروسه الفقهية ألا يبدأ بعرض الحكمة من التشريع قبل أن يبيِّن التشريع نفسه؛ لأن معرفة الحكمة واستخلاصها من التشريع عملية أعمق بكثير من مجرد معرفة التشريع نفسه؛ فعلى سبيل المثال لا يمكن للطلاب أن يتصوروا مبدأ المساواة بين الناس في الحج إلا بعد أن يعرفوا الأحكام المتعلقة بالحج كاللباس، والاجتماع في مكان واحد، وتساوي الجميع في المناسك ونحو هذا، لهذا لا بد من مراعاة ذلك.

وحول المصطلحات القديمة خاصة ما يتعلق بالأوزان والمسافات، فعلى المدرس أن يراعي فهم التلاميذ لهذه المصطلحات، فيقربها لهم بالمقاييس الحديثة، مبيناً أن منهج السلف كان منهجاً دقيقاً، بعيداً كل البعد عن الفوضى، والتسيب، مراعياً أيضاً تيسير بعض هذه المصطلحات والتعبيرات الفقهية، مركزاً على القضايا والأحكام المعاصرة، والتي تمس حياة الناس والمجتمع مباشرة، ويكن الاستعانة في هذا الباب بما ألفه بعض الفقهاء المعاصرين من تبسيط الموازين والمكاييل والمسافات، وفق ما يقابلها من المقاييس الحديثة.

وقبل الدخول في الدرس لا بد أن يكون المعلم قد ألمَّ بموضوع درسه، وحضره في كراسه الخاص، وراجعه قبل الدخول إلى الفصل، وعند البدء يحاول أن يدخل في موضوعه من خلال سؤال الطلاب عن ذلك الموضوع، ليعرف ما لديهم من معلومات حوله، أو يحاول أن يناقشهم مناقشة قصيرة يصل من خلالها إلى عنوان درسه، أو يدخل على الموضوع مباشرة - في بعض الأحيان - خاصة إذا ضاق الوقت.

ويذكر المعلم الحكم الفقهي مجرداً عن الدليل في أول الأمر، اقتداء بكتب الفقه الميسرة للمبتدئين، والتي تضع الحكم دون الدليل، ثم يدلل عليها من الكتاب والسنّة، ثم يشرح هذه الأحكام، ويبيّن وجه الدلالة فيها على الحكم الذي ذكره في أول الدرس.

وإن كان درسه متعلقاً بجانب عملي كالوضوء والصلاة، فإن الأسلوب العملي - خاصة بالنسبة للطلاب في الصفوف الأولى - يكون أنفع لهم، فيصطحبهم إلى المسجد، ويبيّن لهم عملياً طريقة الوضوء، ويشرح لهم عملياً طريقة الصلاة.

ثم يقرأ المعلم، أو أحد التلاميذ الدرس من المقرر، ثم يبادر بسؤالهم عن الموضوعات التي تناولها في الدرس ليعرف مدى استيعابهم، ووصول المعلومات المطلوبة إلى أذهانهم.

ولا بأس أن يعطي الطلاب فرصة - خاصة الكبار منهم - لعرض أسئلتهم الفقهية الخاصة، ويجيب عما يعرفه منها، أو يؤخر بعضهم إلى الدرس القادم فيجيبهم بعد الرجوع إلى الكتب والمراجع.

ويمكن إجمال خطوات سير درس الفقه على النحو التالي:

1-كتابة عناصر الدرس على السبورة، أو على ورقة كبيرة وتوضع أمام الطلاب.

2-توجيه أسئلة حول العنصر المراد شرحه، ثم بيان حكمه وتسجيل ذلك على السبورة، مع بيان أهميته، والدليل النقلي والعقلي الخاص به.

3-ثم يتولى المعلم كل عنصر بالطريقة نفسها شرحاً وبياناً.

خاتمة درس الفقه:

يختم المعلم درسه الفقهي ببيان أهمية ووجوب التطبيق، وأن من بلغه علم صحيح وجب عليه العمل به، وممارسته وإلا كان من الذين يقولون ما لا يفعلون، ويضع المعلم هذه الفكرة في هيئة موعظة مؤثرة تدفع الطلاب إلى العمل بما علموه.

ويمكن تكليفهم بإجابة أسئلة المقرر عن الموضوع، مع المراجعة في الكتاب، وتحضير الدرس القادم، ولا بأس أن يحيلهم - خاصة في المراحل المتقدمة - إلى بعض المراجع وأمهات الكتب الخارجية، لمن أراد أن يستزيد خاصة من الطلاب المتفوقين.

 

]]>
Tue, 07 Sep 2021 13:42:58 +0300
طريقة تدريس مادة التوحيد مقال الأشهر شوال وذي القعدة وذي الحجة 1442 هـ 

طريقة تدريس مادة التوحيد

التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو قاعدة الإسلام، ومحور الإيمان، ومدار هذا الدين، لا يقبل الله من عبد يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً إن لم يأت بالتوحيد الخالص لله عز وجل.

وهو دعوة الرسل الكرام، فما من رسول إلا ودعا قومه إلى التوحيد، ونبذ الشرك قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36]. وقال عليه الصلاة والسلام: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله )). 

والتوحيد أول منازل الطريق إلى الله عز وجل، وأول مقام يقومه العبد لربه عز وجل وهو أول واجب على المكلف يقوم به، وحدُّه أن يعلم العبد ويعتقد ويعترف بأن الله متفرد بكل صفة كمال، وأنه منزَّه عن كل نقص، لا شريك له، ولا مثيل له في كماله، وأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.

وينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام مهمة، أولها: توحيد الربوبية والملك وهو: "الإقرار بأن الله تعالى ربُّ كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك"، وهذا النوع لا يكفي لنجاة العبد يوم القيامة، فقد أقر به مشركو مكة في أول الأمر، فلم ينفعهم.

أما النوع الثاني فهو:  توحيد الأسماء والصفات وهو: الإثبات والإقرار والإيمان بجميع الأسماء والصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم، دون تشبيه أو تعطيل أو تأويل، مع الاعتقاد والإقرار بأن الله على كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم، وأنه بكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأنه الجبار المتكبر، إلى غيرها من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا النوع أيضاً لا ينفع صاحبه إن لم يأت بالنوع الثالث. وهو توحيد الإلهية المتضمن والمقتضي لكمال محبة الله عز وجل، والخوف منه، والإخلاص له، والرجاء، والتوكل، والدعاء، وإخلاص العبادة له دون سواه من المخلوقات أياً كانت.

ويدخل في علم التوحيد كل ماله علاقة بعلم الغيب الذي جاءنا علمه من الكتاب الكريم، أو السنة المطهرة، من الجنة والنار، والصراط، والميزان، والحساب، وحياة البرزخ، وغيرها من قضايا اليوم الآخر وعالم الغيب، كما يدخل فيه اعتقاد نبوة الأنبياء، والإيمان بهم جميعاً دون تفريق، وإجمال ذلك الاعتقاد الجازم والتام بكل ما ورد في كتاب الله U عز وجل، وما نقل صحيحاً من السنة المطهرة.

أهداف تدريس التوحيد:

يمكن إجمال أهداف تدريس مادة التوحيد فيما يلي:

1-        تكوين العقيدة السليمة والقوية في نفوس النشء مستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة.      

2-    تكوين القدرة للدفاع عن العقيدة الإسلامية بالحجة الدامغة والبرهان القوي.

3-    استبعاد الخرافات والتصورات الشاذة بعيدًا عن أذهان النشء.

4-    إبراز سماحة وكمال العقيدة الإسلامية، واعتدالها في تصوراتها واعتقاداتها من خلال مقارنتها بغيرها.

5-    تقويم السلوك والآراء بما يوافق مقتضيات العقيدة الإسلامية.

6-    بناء العقيدة السليمة في نفوس النشء بعيداً عن التقليد الأعمى.

7-    حماية النشء من العقائد، والفلسفات، والآراء الإلحادية الهدامة.

8-    إيجاد الاطمئنان والسكن النفسي لدى النشء من خلال تعريفهم على التصورات والمعتقدات الصحيحة.

9-    إيجاد العزة والسمو بهذا الدين، والتضحية في سبيله من خلال حبهم لعقيدة التوحيد وتعلقهم بها.

10-    التأكيد على قضية اختصاص الله عز وجل بحق التشريع، والحكم، وأنه المتصرف في عباده كيف يشاء، لا يشاركه في حكمه وملكه أحد.

التمهيد لدريس التوحيد:

للمعلم في طريقة دخوله إلى موضوع درسه طرق عديدة يمهد بها، ويهيئ أذهان تلامذته للتلقي، والفهم. وموضوع التوحيد وما يتعلق به من موضوعات، ومفاهيم، وأفكار، وتصورات، يحتاج من المعلم قدرة في نفسه وشخصيته ومستواه العلمي، ويحتاج أيضاً إلى بعد نظر، بحيث يعرف ماذا يمكن أن يعرض على الطلاب، وماذا يحجب عنهم من الموضوعات والتصورات، ويمكن للمعلم أن يختار من الأساليب المتقدمة أسلوباً أو أكثر لكل درس يمهد به لموضوعه، ويدخل به إلى درسه، مع حسن اختيار الأسلوب خاصة في موضوعات العقائد.

وذلك لأن موضوعات العقائد موضوعات شائكة، ومحيرة، قد تاه فيها جهابذة عظماء، غلطوا في اختيار المنهج الأصوب في النظر إلى العقيدة، وفهمها. فخرجوا على الناس بآراء وتصورات شاذة أذاقت الأمة ويلات الفرقة، ووحشة النفوس.

لهذا فإن المعلم الناجح لا بد أن يعرض قضايا العقيدة عرضاً سهلاً ميسراً، كما عرضها القرآن الكريم، والسنة النبوية، بعيداً عن الجدل العقائدي السقيم، وأساليب الفلاسفة وأهل الكلام المحيرة، وطرقهم العقيمة في عرضهم للعقائد.

كما يتجنب في العموم التعرض لآراء وأفكار الفرق الضالة المنتسبة إلى الإسلام، فإنه إن تعلم التلميذ الطريق الحق، والفكر الصائب أنكر ما سواه؛ فإن القضايا الدقيقة، والعميقة لا تصلح لعوام الناس والصغار بل هي للعلماء والمشايخ.

بل على المعلم أن يبدأ مع طلابه بالعقيدة الصحيحة مبيناً معانيها ومقتضياتها، شارحاً لجوانبها، مبتدئاً بالأهم فالأهم، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره: " ومن الحكمة، الدعوة بالعلم، لا بالجهل، والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين ".

لا بد للمعلم أن يدرك القضايا السابقة، ويجعلها نصب عينيه عند تناوله لموضوعات التوحيد، فلا يخلط على التلاميذ تصوراتهم وأفكارهم، ويشتت أذهانهم في قضايا لا تنفعهم ولا تهمهم.

ويحاول المعلم قبل إلقائه الدرس أن يكون مستحضراً نية الإخلاص لله U، مستحضراً خشية الله، فهو يعلم ويعرف الطلاب بمعبودهم، فأي تقصير في حقهم يعد إجراماً. فعليه بعد ذلك أن يكون ملماً بموضوع الدرس، مدوناً ذلك في كراسته الخاصة، مطلعاً على الموضوع في المراجع الإضافية؛ ليتمكن من إجابة طلابه عن أسئلتهم، خاصة وأن موضوعات العقائد تثير في نفوس الطلاب أسئلة غريبة تحتاج من المعلم إلى اطلاع ومعرفة.

ويمهد المعلم لدرسه تمهيداً مناسباً، يتناسب مع الموضوع المقرر. فإن كان موضوعه مثلاً (الدعاء) فإنه يمكن أن يمهد لدرسه بعرض فيلم عن زيارة القبور غير الشرعية وكيف أن الناس يدعون أصحاب هذه القبور من دون الله ، فيكون بذلك دخل إلى موضوعه من خلال معالجة مشكلة تهم الجميع.

ولا بد من إثارة الطلاب، وجذب انتباههم حتى يمكن للمعلم أن يلقي درسه بكل حيوية وسهولة، والموضوعات الاجتماعية، أو التي تهم المجتمع مباشرة، يكون في معالجتها جذب وشد لانتباه الطلاب.

ويركز المعلم على قضايا إبراز عظمة الله عز وجل في الكون، وتعليق قلوب التلاميذ بجنابه وجلاله عز وجل، من خلال بيان قدرته، وقوته في هذا الكون مستفيداً من آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، إلى جانب استخدام الوسائل الحديثة مثل الصور والأفلام العلمية التي تتحدث عن الكون والنجوم والكواكب، والأزهار والأشجار، والحيوانات، وعجائب خلق الإنسان. فإن فيها مادة خصبة تنمي الإيمان، وتركز اليقين بالله عز وجل، كما أن فيها مداخل جيدة لموضوعات التوحيد.

وقضية أخرى لا بد أن يراعيها المعلم وهي قضية الفروق في العمر بين التلاميذ، فما ينفع الطلاب الصغار، لا يكون نافعاً دائماً للكبار، بل عليه أن يعطي كلاً بحسبه، وعلى قدر ما يستطيع أن يتحمل من المعلومات، والتصورات.

خطوات تدريس مادة التوحيد:

يمكن تلخيص خطوات شرح الدرس على النحو التالي:

1-قراءة النص المراد شرحه قراءة واضحة.

2-شرح النص شرحاً وافياً.

3-ذكر المناسبة والشاهد.

4-استخلاص أهم الفوائد والأفكار.

إن حصول ثمرة تدريس التوحيد لا تحصل بمجرد التدريس، بل إن الثمرة تتحصل بعد زمن؛ إذ تُبنى العقيدة شيئاً فشيئاً في القلوب، وتترسخ بزيادة المفاهيم، وتتعمق بالأمثلة التطبيقية والقصص الواقعية حتى تصبح قوية راسخة متمكنة في النفس، فتتذوقها وترتاح إليها.

وفي المراحل الأولى يكون عرض العقيدة من خلال التذكير بنعم الله في النفس وفي الأرض والسماء، والنعم التي يشاهدها الطفل ويعايشها كنعمة الوالد والوالدة، ونعمة الطعام والشراب والمسكن، بحيث يمس المعلم حاجات المتعلم المهمة التي يشعر بضرورتها مساً عاماً دون تفصيلات، بل يجعل التفصيلات للمراحل المتقدمة، فالطفل كلما كبر كان استيعابه للجزئيات أكبر.

وفي المراحل المتقدمة يكون إثبات وجود الخالق عز وجل عن طريق الاستدلال العقلي، إذ إن كل موجود لا بد له من موجد، ويتعرض المعلم لقضايا وجود الملائكة والجن والجنة والنار، وكل ما يتعلق بعلم الغيب، وهكذا يعطي المتعلم في كل مرحلة ما يناسبه حتى مرحلة البلوغ التي يصاحبها - أحياناً - القلق والاضطراب النفسي، وكثرة الأسئلة عن العقائد والمذاهب والتيارات الفكرية ونحوها، وهنا لا بد من إتاحة الفرصة للنقاش والبيان والاستدلال، فيأخذ المعلم بيد الطالب فيدلل له على كل قضية بما يناسبها من الأدلة العميقة الشاملة، العقلية منها والوجدانية.

وفي هذه المرحلة يفضل أن يزود المعلم طلابه بالبحوث والدراسات الإسلامية التي تُثْبِّت العقيدة، وترد على الأفكار والمذاهب الهدامة، والتي تقاوم المغريات وتحارب الفساد، كما يمكن للمعلم إذا تمكن من الإقناع العقلي للتلاميذ أن يلهب العاطفة الدينية عندهم فيسهل عليه توجيههم للسلوك القويم. ويحاول أن يربطهم بالعبادات التي هي ثمرة المعتقدات والعقائد، فيركز من خلال درسه على أهمية الصلاة، والصيام، وطاعة الوالدين، وحب الخير للناس، وغير ذلك من واجبات الدين.

ولا بد للمدرس أن يكون مقتنعاً بما يقول، عاملاً به، قدوة في نفسه، منسجماً مع مادته، وإلا فإن أثره في التلاميذ لن يتعدى حدود نهاية الدرس.

ويحاول في نهاية درسه أن يترك للطلاب المجال لمناقشة وإبداء الآراء على ضوء الشرح، ثم يسألهم بعض الأسئلة حول الدرس ليتأكد من فهمهم للموضوع على النحو المطلوب.

خاتمة درس التوحيد:

على المعلم خاصة في درس العقيدة أن يبين للطلاب أن مادة التوحيد التي يتعلمونها هي مفتاح الجنة، وأن من تعلمها للاختبار فحسب دون الرغبة فيما عند الله، ودون الالتزام بمقتضياتها فهو من جُثا جهنم، وبهذه الموعظة المؤثرة يختم درسه تاركاً في نفوس طلابه رهبة وخشية يطول أثر بقائها في نفوسهم، ويكون قد أدى شيئاً من واجبه نحو طلابه، ومن ثم تجاه مجتمعه. ثم يعقب ذلك تقديمه خلاصة درسه وموجزه.

ثم يحدد لهم الدرس القادم، ويطلب منهم تحضيره، مع تزويدهم ببعض الأسئلة حول الدرس المشروح، أو توجيههم لمراجعته في الكتاب المقرر.

ويمكن تلخيص خطوات الخاتمة على النحو التالي:

1-يوجه المعلم بعض الأسئلة التلخيصية والتقويمية للطلاب للتأكد من مدى استيعابهم للدرس.

2-تزويد الطلاب بالتوجيهات التربوية المستفادة من الدرس.

3-توجيه بعض الطلاب بقراءة النص من الكتاب مع تصحيح الأخطاء.

4-إعطاء الواجب المنزلي.

 

 

]]>
Tue, 18 May 2021 19:56:37 +0300
طريقة تدريس مادة الحديث النبوي الشريف مقال الأشهر جمادى الأولى والآخرة ورجب 2441هـ

طريقة تدريس مادة الحديث النبوي الشريف

       الحديث في اللغة هو الخبر القليل منه أو الكثير، والخبر هنا يراد به اللفظ المركب أو غير المركب، والحديث في الاصطلاح هو: " خبر نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو سكوتاً منه عند أمر يعاينه ". وأما علم الحديث فهو علم يختص بمعرفة أحوال أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله. ويعرف ابن الأكفاني علم الحديث الخاص بالرواية بقوله: " علم يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وروايتها، وضبطها، وتحرير ألفاظها "، ويعرف علم الحديث الخاص بالدراية فيقول: " علم يعرف منه حقيقة الرواية، وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الرواة، وشروطهم، وأصناف المرويات، وما يتعلق بها ".

وهذا العلم علم شريف عظيم، فالسنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي، والمتواتر منها حجة بالإجماع، كما أن الآحاد منها حجة أيضاً على الراجح من الأقوال. وتستمد شرفها من كونها تختص بصاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام. فهو المبلغ عن الله عز وجل وهو الذي أقام الدين وطبقه، وهو الذي قال: (( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه )). فلا يسع أحداً الخروج عليها. وهي أصل قائم بذاته في استنباط الأحكام الشرعية. فقد نص القرآن الكريم على ذلك في مواضع عدة، منها قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا اَّلذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [النساء:59]، وقوله عز وجل: { وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَكُمْ تُرْحَمُونَ } [آل عمران:132]، إلى غيرها من النصوص الدالة على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة.

وسنته عليه الصلاة والسلام هي المنهج العلمي التطبيقي للإسلام، فلا يمكن معرفة مرادات الله تبارك وتعالى من عباده إلا من خلال السنة المطهرة، فالصلاة وركعاتها وأحكامها التفصيلية، والزكاة، والحج، والصوم،والآداب، وغيرها من القضايا الكثيرة التي جاء القرآن فيها بالإجمال دون التفصيل كلها مفتقرة إلى سنته عليه الصلاة والسلام بالشرح والبيان، قال الله تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَلِتُبَيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [النحل:44].

وقد جاء الحث من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالاستمساك بها، والتحذير من الخروج عنها فقال: (( لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه )).

فالسنة مقامها من القرآن مقام المعاونة، فهي تفصل مجمله، وتبين مبهمه، وتخصص عمومه، وتبين الناسخ والمنسوخ، وتوضح الفرائض الثابتة في القرآن كماً وكيفاً، كما أنها تأتي بأحكام جديدة ليست في القرآن الكريم.

وقد نشأ هذا العلم العظيم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يتلو عليهم القرآن العظيم ويحدثهم بغير القرآن، فكانوا ينقلون عنه، والقليل منهم يكتب. فنهاهم في أول الأمر عن الكتابة لكي لا يختلط قوله عليه الصلاة والسلام بالقرآن الكريم، ثم أذن لهم بعد ذلك.

وكان المعوَّلُ عليه في بادئ الأمر هو حفظ الصدور دون السطور، فلما كثرت الفتوحات في عهد الخلفاء، ومات كثير من الصحابة، وانتشر العلم في الأمصار، ودخل في هذا الدين طوائف كثيرة مختلفة مشاربها، ومقاصدها، وبدأ الكذب والوضع في الحديث، كانت هناك بداية الجمع والتأليف والكتابة. فقيض الله لهذا العلم علماء عظماء أفذاذاً، سخَّروا أنفسهم، ووقفوها للذود عن حياض السنة المطهرة، وتنقيتها مما وقع فيها، ومن أمثال هؤلاء الإمام عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج المتوفى سنة (150) للهجرة، والإمام مالك بن أنس، والإمام وكيع بن الجراح، والإمام أحمد بن حنبل، حتى انتهى العلم إلى الإمامين الجليلين البخاري ومسلم رحمهما الله، ثم تتابع العلماء يصنفون ويجددون في هذا العلم العظيم.

الأهداف العامة لتدريس الحديث النبوي:

 بناء على ما تقدم من التعريف بهذا العلم الشريف فإنه يمكن استخلاص أهداف تدريس الحديث على النحو التالي:

1-تأصيل حب الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم في قلوب النشء من خلال معرفة شخصيته وأحواله وفضائله.

2-التعريف بسنته الشريفة واعتباره قدوة للتلاميذ.

3-سلامة الفهم لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

4-إظهار عظمة السنة في معالجتها لجزئيات المشكلات ودقائق الأمور.

5-تكوين القدرة والاستعداد لاستنباط الأحكام والقيم من الحديث النبوي.

6-التعريف بخواص السنة النبوية، ومراتبها، وطرق وصولها إلينا.

7-التعريف بعلم مصطلح الحديث.

8-تذوق الأدب النبوي وبلاغته وفصاحته وأخلاقه.

9-تعريف الطلاب الفرق بين نصوص القرآن الكريم، ونصوص السنة المطهرة، وإعطاؤهم القدرة على التفريق بينهما.

10-إطلاع الطلاب على الجهود العظيمة التي بذلها علماء الحديث والتعريف بهم وبمكانتهم.

الأهداف الخاصة لتدريس الحديث النبوي:

يمكن تحديد الأهداف الخاصة لكل درس من دروس الحديث النبوي، فإذا كان موضوع الدرس مثلاً بر الوالدين فإن الأهداف الخاصة تكون على النحو التالي:

1-التأكد من سلامة فهم الطلاب لمعاني الحديث الإجمالية فيما يخص بر الوالدين.

2-التأكد من فهم الطلاب للمفردات الغامضة في النص.

3-استخراج واستنباط الأحكام والآداب التي يتضمنها الحديث.

4-التأكد من حسن قراءة الطلاب للنص.

5-السعي في العمل بما جاء في الحديث، والحث على ذلك.

التمهيد لدرس الحديث النبوي:

لا بد للمعلم قبل أن يخوض في تدريس وشرح موضوع الدرس أن يمهد لدرسه بتمهيد مناسب، يتوافق مع مستوى تلامذته، ويكون قاعدة جيدة للدخول في لب الدرس وموضوعه.

ومن أهم الخطوات التي يتخذها لذلك تهيئة أذهان الطلاب لسماع الحديث، كأن يبين لهم أهميته، وعظمة موضوعه، ومواقف العلماء وتلامذتهم منه. كأن يقص لهم خبر الإمام مالك في احترامه للحديث، وتعظيمه له، واستعداده لدرسه في الحديث بالتطيب ولبس أحسن الثياب. ثم يدخل في موضوعه بأن يقص عليهم مشكلة قائمة في حياة الناس، ويحاول أن يعالجها من خلال موضوع الحديث، أو يعالج من خلال الحديث مشكلة من المشكلات العالمية كالطلاق، والحرية، والإخاء، والعدل، والمساواة، ونحوها، أو يمكنه أن يلخص معنى الحديث فيجعله مدخلاً للموضوع.

كما يمكن للأستاذ أن يجري مع تلامذته حواراً مناسباً يهدف من خلاله الوصول إلى فكرة الحديث، فيعدهم لسماعه وفهمه.

ومن الضروري بل من المحتم على المعلم قبل أن يدخل على الطلاب أن يراجع تحضيره، ويحدد معالم درسه، وتمهيده. فإنه مهما كان المعلم قديماً، متقناً، إلا أنه لا يزال محتاجاً إلى تنظيم معلوماته، وترتيبها، فهو لا بد له من التحضير المنزلي لكل درس، كما أنه لا بد له من إعداد نقاط التمهيد لكل درس، وكيفية الدخول المناسب على الطلاب بموضوع الدرس في ذلك اليوم. وقبل هذا وبعده يكون مستحضراً النية الحسنة، والمقصد الطيب، وبدونه فلا أجر له عند الله، مع الاستزادة قدر الإمكان من المراجع الأخرى التي يمكن أن تثري معلوماته، ويفيد بها الطلاب.

خطوات تدريس الحديث النبوي:

بعد أن يكون المعلم قد مهَّد للدخول في الدرس، بحيث يمكِّن الطلاب من معرفة فكرة الموضوع. فإنه يبدأ بكتابة الحديث مضبوطاً على اللوح ثم يقرأ نص الحديث قراءة نموذجية، ثم يعطي الطلاب فرصة للقراءة، مع تصويب أخطائهم اللغوية، مراعياً الفرق بين الخطأ في قراءة الحديث وقراءة القرآن الكريم. ويبدأ المعلم في شرح الأفكار الرئيسة أولاً للموضوع مكتفياً بها بالنسبة للطلاب في المراحل الأولى، أما في المراحل المتقدمة فإنه يخوض معهم في جزئيات الأمور، والتوجيهات النبوية الدقيقة. ثم يشرح المفردات الصعبة ويكتبها على اللوح، ثم يحاول أن يستخلص المعاني والدروس المستفادة من الموضوع.

ويحاول المعلم أن يكون جاداً في تدريسه، بعيداً عن المزاح واللغو، مستشهداً بالآيات والأحاديث عند معالجته لجوانب موضوعات درسه.

وبعد إتمامه الشرح يمكنه أن يعطي الطلاب فرصة ليعبروا عن معاني الحديث وتوجيهاته بأنفسهم إما عن طريق الأسئلة المباشرة، أو عن طريق الطلب من بعضهم شرحاً وافياً للحديث.

ويختم المعلم درسه بملخص كامل لجوانب الدرس، وما يستفاد منه في حياة التلاميذ، مع وعظهم وتذكيرهم بأهمية التطبيق، وأن هذا العلم لا يكفي فيه المعرفة فقط بل لا بد من التحلي بآدابه وتطبيقه.

خاتمة درس الحديث النبوي:

ويختم المعلم كامل درسه بالأسئلة المباشرة ومعرفة مدى استيعاب جميع طلابه لأهداف الدرس، وموضوعاته، ثم يوجه طلابه إلى أهمية مراجعة الدرس في المنزل، مع تكليفهم بالإجابة عن بعض الأسئلة إن وجد. كما يمكنه أن يكتب بعض الفوائد العلمية المستخلصة من الدرس على اللوح ويأمر الطلاب بكتابتها في كراساتهم، ولا بأس أن يبين لهم موضوع الدرس القادم ليحضروه، ويستعدوا له.

وتتلخص خطوات الخاتمة على النحو التالي:

1-يوجه المعلم بعض الأسئلة التلخيصية والتقويمية للتأكد من مدى استيعاب الطلاب للدرس.

2-تزويد الطلاب بالتوجيهات التربوية المستفادة من عموم الدرس.

3-توجيه بعض الطلاب إلى قراءة النص قراءة جهرية مع تعديل الأخطاء.

4-إعطاء الواجب المنزلي.

 

 

 

 

 

]]>
Thu, 28 Jan 2021 19:02:06 +0300
طريقة تدريس مادة تفسير القرآن الكريم مقال شهر صفر وربيع الأول 1442هـ

طريقة تدريس مادة تفسير القرآن الكريم 

التفسير هو البيان والكشف، وهو غير التأويل، وقد ذكر العلماء أقوالاً كثيرة في بيان معنى التفسير والتأويل، ولعل أجمعها ما ذكره الزركشي في معنى التفسير حيث قال: "التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحِكَمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ". وقال بعض العلماء في معنى التأويل: " نقل الكلام عن وضعه فيما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، فهو مأخوذ من قولك: آل الشيء إلى كذا، أي صار إليه "، إلا أن المنقول عن السلف أنهم كانوا يستخدمون كلمة "التأويل" بمعنى التفسير، كما هو نهج الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره.

والحاجة إلى علم التفسير حاجة ملحة، فالقرآن الكريم كتاب معجز في جميع جوانبه، ومن إعجازه جمعه المعاني الدقيقة الكثيرة في الألفاظ الوجيزة، وهذا من كمال عظمته، لهذا يحتاج إلى التفسير لبيان هذه المعاني الخفية، وكذلك احتمال اللفظ لأكثر من معنى، فيحتاج إلى الترجيح وإلى غير ذلك. قال إياس بن معاوية: ( مثل من يقرأ القرآن ومن يعلم تفسيره أولا يعلم، مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلاً، وليس عندهم مصباح، فتداخلهم لمجيء الكتاب روعة لا يدرون ما فيه، فإذا جاءهم الصباح عرفوا ما فيه ) ، وهذا تمثيل رائع يوضح أهمية علم التفسير، وضرورته لقارئ القرآن.

ويستدل الإمام الألوسي رحمه الله على شرف علم التفسير بشرف موضوعه فموضوعه هو كلام الله عز وجل، ومن هنا كانت عظمة مكانة هذا العلم وأهميته.

أهداف تدريس مادة التفسير:

يقصد من مادة التفسير الوصول بالمتعلم إلى أهداف وغايات من أهمها ما يلي:

1-سلامة الفهم لكتاب الله عز وجل، في ضوء قواعد اللغة العربية، وتفسير القرآن الكريم، وتفسيره في ضوء الحديث النبوي الشريف.

2-غرس الإيمان والاعتقاد الجازم بأن القرآن الكريم هو دستور الإنسان في هذا الوجود، ولن تصلح الإنسانية بغيره.

3-ربط معاني القرآن الكريم بأوضاع الحياة العملية وبباقي العلوم الإسلامية ليكمل للقارئ حسن تذوق آياته البينات.

4-تكوين القدرة على استخلاص واستنباط الأحكام والمعاني من آيات القرآن الكريم.

5-إظهار جوانب الإعجاز المختلفة في القرآن الكريم وذلك من الناحية العلمية والتربوية والأدبية.

6-تحقيق التأثر القلبي والوجداني لدى المتعلمين من خلال فهمهم لمعاني الآيات التي يتلونها.

التمهيد لدرس التفسير:

  لا بد للمعلم قبل دخوله في تدريس المادة المقررة أن يمهد لكل موضوع تمهيداً يناسبه. فالجزء من الآيات المطلوب تدريسها تختلف في موضوعاتها، فعلى ضوء هذا الاختلاف يختار المعلم ما يتناسب معها، وما يكون فيه من تجديد وتنويع للطلاب، فيمكنه - في بعض الأحيان - أن يعتبر أسباب نزول الآيات مدخلاً للموضوع خاصة إن كان فيها قصة تحكي سبب النزول. كما يمكنه أن يثير مشكلة حيوية يدركها التلاميذ، ويحاول من خلال الآيات حلها، كما يمكنه في بعض الأحيان أن يقدم للموضوع بمقدمة موجزة عن موضوع الآيات المراد شرحها. والمقصود هو التنويع وتهيئة أذهان ونفوس الطلاب للتلقي، وهنا يمكن اختيار أسلوب من أساليب التمهيد المذكورة في التلاوة، أو اختيار أسلوب آخر يناسب الموضوع.

  فعلى سبيل المثال سورة {عبس} فإن في أسباب نزولها مادة حية، ثرية بالمعلومات، والتوجيهات التربوية العظيمة، فيمكن أن تكون قصة الرسول صلى الله عليه وسلم مع ابن أم مكتوم بداية لتفسير السورة. فيوضح المعلم من خلالها وحدة البشرية أمام هذا الدين، وأنه لا فضل لغني على فقير، ولا لأبيض على أسود، ولا لعربي على عجمي. بل الكل أمام هذا الدين سواء في حقوقهم بأن يعرفوا دين الله وأحكامه ومراداته من عباده.  

ويراعي المعلم من تمهيده، أنه يعلم طلابه هذه المادة ليوقظ فيهم الهمم، وينير لهم الطريق لفهم مراد الله عز وجل، محبباً إليهم القرآن الكريم، مشعلاً في صدورهم جذوة الحماس لأخذ هذا الدين بقوة وصبر، مشعراً إياهم أنه روح تحيى به القلوب وتستنير به العقول، وأنه هدايتهم إلى الله، وأنه منة الله عليهم، وأنه برحمته وفضله أنزله إليهم ليتدبروه، ويفهموه، ويعملوا بما جاء فيه.

وهنا لا بد أن تصاحب دراسة القرآن الكريم وتلاوته فرحة غامرة تطير بالمسلم إلى حيث شاء، فرحة أعظم من فرحته بأي شيء في الوجود، فالقرآن وما تضمنه من الأحكام والأوامر والعلوم هو الحياة الحقيقية، وبه تكون الفرحة العظمى، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَّرَحْمَةٌ للِمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:57-58].

واقتصار المعلم على بيان المعاني من المفردات ونحوها، وتفسير الآيات بإيجاز بعيداً عن ربطها بالواقع، وبعيداً عن استشعار نعمة القرآن على البشرية يعد تقصيراً في واجبه تجاه التلاميذ.

خطوات تدريس مادة التفسير:

  يراعي المعلم قبل دخوله على طلابه أن يكون قد حضّر في دفتره درسه، وأن يكون قد راجع المادة من الكتاب المقرر ومن بعض الكتب الأخرى، وذلك ليتمكن من إثراء أذهان الطلاب بالمعلومات، إلى جانب إجابة أسئلتهم حول الموضوع، أو التي يمكن أن تكون خارجة عن حدود الكتاب المقرر.

  ويراعي الأستاذ قدر الإمكان الاستفادة من الوسائل التعليمية المتاحة، خاصة بالنسبة لطلاب المراحل الدراسية الأولى، فهم أقرب إلى الأمور المحسوسة منهم إلى المعاني المجردة، كما أن منهجه معهم في الدرس يعتمد على أسلوب الحركة والصوت، والتركيز على المعاني العامة، وكلما تقدمت السن بالطالب أصبحت قدرته على تذوق المعاني المجردة أكبر بحيث يمكنه أن يستغني عن كثير من الوسائل التعليمية والأسلوب الحسي الواقعي، فيتذوق ويفهم المعاني بالتعبير عنها بالكلام.

     ويشرع المعلم في إلقاء درسه - بعد أن يكون قد مهد لدرسه على ضوء ما تقدم في التمهيد - بأن يقرأ الآيات المراد تفسيرها بنفسه قراءة خاشعة متقنة. ثم يعطي الطلاب فرصة للقراءة إما جهرية أو سرية حسب ما يتوفر لديه من الوقت.

     وهنا يمكنه الدخول في شرح هذه الآيات، إما بأسلوب شرح كل آية على حده، أو بشرح مجموع الآيات التي تتضمن وحدة فكرية واحدة، أو يبدأ بذكر معاني الكلمات الصعبة والمفردات الغريبة. كما يمكنه أن يدخل إلى هذه الآيات عن طريق ذكر أسباب النزول، فإن كانت قصة ذكرها، وإن كانت موقفاً ذكره وتكلم عليه بما يفتح الله عليه به.

     كما يمكنه في المراحل المتقدمة أن يدخل إلى درسه عن طريق استثارة أذهان الطلاب بالأسئلة ومحاولة معرفة مفاهيمهم للآيات من خلال إطلاعهم عليها قبل الدرس، ومن خلال تمهيد المعلم لها. فإن لم يكن بهذا الأسلوب ولا بالآخر فإنه يمكن أن يستخدم الواقع المعاش فيضرب لهم الأمثال من الحياة والتي يعالجها النص القرآني فيكون مدخلاً جيداً للدرس.

     ويراعي المعلم في درسه الإخلاص لله، والرغبة الأكيدة في تعليم الطلاب، وإيصال المعلومات إليهم بكل أمانة مستخدماً في ذلك أسلوب الإقناع الفكري، وإلهاب الحماسة الدينية، والغيرة لحدود الله، بعيداً عن المذهبية والطائفية الممقوتة، مقتدياً ظاهراً وباطناً بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.

ثم يأخذ المعلم في شرح الآيات شرحاً مستوفياً جميع الجوانب، معتمداً على المقرر الدراسي وبعض كتب التفسير مراعياً البدء بالأفكار السهلة اليسيرة ثم التدرج إلى الأصعب فالأصعب، مراعياً أسلوب البدء بالكليات ثم الجزئيات، فإن الإنسان يدرك الكل أولاً ثم الجزء.

وفي نهاية درسه يتأكد من أن التلاميذ فهموا ما أراد إيصاله إليهم من المعلومات، وحصل لهم التأثر القلبي، والتدبر الذي هو لب تعلم القرآن الكريم، فيختم الدرس بموعظة تشمل جوانب الموضوع، ليتنبه الغافل، ويتذكر الناسي.

وهنا يمكن تلخيص خطوات سير الدرس في النقاط التالية:

1-كتابة النص على السبورة، أو على وسيلة أخرى، وتكون على يمين السبورة.

2-قراءة النص القرآني قراءة نموذجية من المعلم.

3-قراءة بعض الطلاب للنص قراءة جهرية.

4-قراءة جميع الطلاب للنص قراءة صامتة ( إذا سمح الوقت بذلك ).

5-استخراج الكلمات الصعبة وكتابة معانيها على السبورة.

6-الشرح المفصل للآيات من المعلم.

7-استنباط الأحكام وكتابتها على السبورة.

خاتمة درس التفسير:

يقوم المعلم في ختام الدرس بالنقاط التالية:

1-     توجيه أسئلة تلخيصية وتقويمية للطلاب للتأكد من استيعابهم للدرس.

2-     إعطاء توجيهات تربوية في ضوء الآيات المشروحة؛ لتربط بالواقع.

3-     قراءة بعض الطلاب للدرس من الكتاب المقرر، وتصحيح الأخطاء، وشرح الغامض.

4-     إعطاء الواجب المنزلي.

 

 

 

]]>
Sun, 27 Sep 2020 13:45:15 +0300
طريقة تدريس مادة تلاوة القرآن الكريم مقال شهر محرم 1442هـ

طريقة تدريس مادة تلاوة القرآن الكريم

القرآن الكريم كتاب الله عز وجل وكلامه الذي أوحاه إلى نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة أمين الوحي الملك الكريم جبريل عليه السلام، وهو المعجز في عبارته، والمعجز في بلاغته، والمعجز في تشريعه ونظامه، تحدى الله به البلغاء من صناديد العرب فعجزوا. وهو كلام الله غير مخلوق، وعلى هذا اتفق أهل السنة من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، وذكر الطحاوي رحمه الله في عقيدته كفر من زعم أنه قول البشر.

والقرآن العظيم مُتعبَّد بتلاوته، أي أن لقارئه على مجرد القراءة أجراً، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف )).

والمسلمون على مر العصور حريصون على حفظ هذا الكتاب، ونقله إلى الأجيال بأمانة، وعن طريق المشافهة، فإن " الاعتماد في نقل القرآن الكريم على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة ". وقد تكفَّل الله تبارك وتعالى بحفظه للبشرية مناراً للهدى والنور حيث قال في كتابه العزيز: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر:9].

وهذا الكتاب الكريم هو دستور الإسلام، فقد تضمن عقيدة المسلمين، ومنهج عبادتهم، وأسلوب معاملتهم، وعلاقتهم بهذا الكون العظيم، إلى جانب ما تضمنه من الآداب والأخلاق المتنوعة، فإنه لا يمكن أن يتصور قيام مجمتع فاضل في أي زمان أو مكان بعيداً عن هذا الكتاب الرباني العظيم. وما تخلت جماعة من الجماعات البشرية عنه إلا ضلَّت في ظلمات بعضها فوق بعض لا يكاد يرى فيها شعاع من نور، { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهَ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } [النور:40].

ومن هنا كان تدريس القرآن الكريم، وتعليم تلاوته للنشء من أهم العلوم التي يجب أن يهتم بها المعلمون والمربون. فلا يتقدم على القرآن وعلومه أي علم كان، حتى يتعلق النشء به تعلقاً كاملاً، فتمتزج به قلوبهم، وتلتئم به أرواحهم، فيصبح دليلهم وقائدهم إلى الله تعالى.

الأهداف العامة لتدريس التلاوة:

  تهدف دراسة مادة القرآن الكريم وتلاوته وتعلم علومه إلى تحقيق أهداف كثيرة جليلة منها أهداف عامة وأخرى خاصة:

1-اطلاع المتعلمين على المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي.

2-تقوية إيمانهم وصلتهم بالقرآن الكريم ليصبح دستورهم في الحياة.

3-تدبر القرآن الكريم والانتفاع بما حواه من العلوم الشرعية والأخلاق      والآداب.

4-تحقيق الخشوع القلبي والاطمئنان النفسي للمتعلمين.

5-السمو بمستوى الطلاب اللغوي من خلال إجادتهم تلاوة القرآن الكريم، وحسن النطق بآياته، ومراعاة أحكام التجويد.

6-زيادة الثروة اللغوية عندهم من خلال حفظهم القرآن الكريم بحيث تنمو لديهم القدرة على الاستفادة من العبارات والكلمات القرآنية التي تثري نشاطهم الثقافي والاجتماعي.

7-إثراء الجانب الفكري لديهم بالمعلومات والمفاهيم الإسلامية التي تتناول حياة المسلم.

8-إتقان تلاوة القرآن الكريم.

9-تكوين التذوق من قراءة القرآن الكريم.

10-تكوين روح العمل بأحكام القرآن الكريم، والتخلق بأخلاقة وآدابه.

الأهداف الخاصة لتدريس التلاوة:

أما الأهداف الخاصة، فإنها تخص كل درس على حده، فعلى سبيل المثال يمكن إجمال أهداف تدريس سورة الضحى مثلاً على النحو التالي:

1-إتقان تلاوة هذه السورة.

2-استيعاب معاني هذه السورة.

3-معرفة أسباب نزول هذه السورة.

4-العمل بأحكام وآداب هذه السورة.

وعلى ذلك يتضح أن الأهداف العامة في العادة لا تتغير، أما الأهداف الخاصة فإنها تتغير حسب أجزاء القرآن الكريم وسوره، فتعالج كل سورة على حده.

التمهيد لدرس التلاوة:

لكل علم مكانته ومنزلته، ويحتاج لمقدمات وتمهيدات للخوض فيه، وذلك لتهيئة المتعلمين لما سوف يُلْقى عليهم من العلوم والمعلومات. والقرآن الكريم أولى المواد بهذا التمهيد. إذ لا بد أن يعرف المتعلم مكانة القرآن وعظم شأنه ليعطيه حقه من الانتباه والتركيز.

ويمهد المعلم لطلابه للدخول في علوم القرآن الكريم وآداب تلاوته بتمهيد مناسب، وذلك بأن يقنعهم بأن حاجتهم إلى هذا الكتاب العظيم أكبر من حاجتهم إلى أي شيء آخر في هذا الوجود، ويبين لهم أن هذا الكتاب هو آخر رسالة للبشر من عند خالقهم عز وجل، وأنه الوثيقة الوحيدة الصحيحة من عند الله التي لم يخالطها تحريف أو تزييف مبيناً أن ما عند اليهود والنصارى لا يساوي شيئاً، فهم بين محرف مجرم، وضال هالك. ويضيف إلى هذا البيان أن القرآن كلام الله خاطب به الناس، وهذا أوقع في نفوس المتعلمين إذ يعلمون أن الله يخاطبهم بهذا القرآن، وأنهم ملزمون بما جاء فيه، ومأمورون بتنفيذ أوامره.

وأما ما يخص التمهيد لكل درس، فإن المعلم لا بد أن يذكِّر طلابه في كل درس بأن يكونوا على طهارة من الحدث الأصغر والأكبر، فقد انعقد إجماع الأئمة الأربعة رحمهم الله على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر. وهذا يهيئ أنفسهم إلى حسن التلقي، كما يوقع فيها تعظيم القرآن واحترامه، إلى جانب ما في مس الماء من النظافة والنشاط والحيوية.

ولا بأس قبل البدء في الدرس أن يعطي الطلاب نموذجاً من حال السلف رضوان الله عليهم، مبيناً حالهم مع القرآن الكريم، وكيف شغلهم عن الدنيا، وكيف كان وقعه على نفوسهم، فمنهم من شغله القرآن عن النوم، ومنهم من كان يقوم الليل بآية واحدة يرددها، ومنهم من كان يختم المصحف في ليلة. وفي بعض الأحيان يلقي عليهم موعظة خاشعة تعدُّهم للدخول في الموضوع، ولا بأس في بعض الأحيان أن يبين لهم طرفاً من الإعجاز العظيم في آيات القرآن الكريم.

ويراعي المدرس مراجعة دفتر تحضيره عند كل درس، ولا يهمل ذلك معتمداً على ذاكرته، وخبرته، فإن الغفلة والسهو من طبيعة الإنسان، ففي مراجعته الدرس ربما تذكر شيئاً ما يضيفه، أو كلمة يبين معناها، أو احتاج إلى مراجعة كتب أخرى للاستزادة من المعلومات، فإن العلوم في تقدم وتجدد، والمؤلفين في جميع الميادين لا يكادون يقفون عند حد، بل المؤلفات تصدر يومياً بما هو جديد ومفيد.

ويراعي المعلم ربط آيات القرآن الكريم بواقع التلاميذ، بحيث يبين لهم أن فيه حل جميع المشكلات، وأنه شفاء لما في الصدور، ويضرب لذلك الأمثلة حتى يبقى القرآن حياً في صدورهم.

ولا بد أن يعرف المعلم أن وظيفة التمهيد في أساسها تحريك العقول، وتنبيهها لما يلقى من المعلومات، فكل أسلوب مناسب يوقظ أذهان التلاميذ يمكن للمعلم أن يستخدمه في ذلك.

ويمكن للمعلم أن يستفيد من الأمور التالية في تمهيده للدروس، مع مراعاة التنويع والبعد عن الرتابة المملة:

1-عرض عام لأهم ما يدور حول الآيات المخصصة للقراءة من أحكام، وأفكار، وسبب نزولها.

2-عرض قصة قصيرة تناسب موضوع الدرس.

3-توجيه أسئلة توصل إلى موضوع الدرس.

4-محاولة ربط الدرس السابق بالدرس الحاضر.

5-التحدث عن جانب من جوانب عظمة القرآن الكريم.

على أن يكون هذا التمهيد في حدود (7) دقائق أو أقل.

خطوات تدريس التلاوة:

يراعي المعلم قبل دخوله الفصل الدراسي أن يراجع ما كتبه في دفتر تحضيره، مع اختياره فاتحة مناسبة يدخل بها إلى موضوع درسه، ويفضل أن تكون ذات صلة بموضوع الآيات التي سوف تُقرأ. فإن فهم الطلاب الإجمالي للآيات، ومعرفتهم بمعانيها يساعدهم على حفظها وحسن قراءتها، وعلى المعلم أيضاً أن يجنب الطلاب الخطأ في التلاوة فلا يفاجئ أحدهم بالقراءة، ولا يبدأ الطلاب بالقراءة إلا بعد التمهيد للدرس، مع بيانه لهم، وتعريفهم بالرسم العثماني للمصحف، فما خفي عليهم من الكلمات وضحها لهم بحيث لا يدخل الطالب على التلاوة إلا بعد أن يكمل كل شروطها وآدابها.

كما يتأكد الأستاذ من أن لكل طالب مصحفاً يقرأ فيه ويتابع، مع التأكد من حسن الإضاءة في الفصل. ثم يقرأ لهم الآيات قراءة متأنية خاشعة مراعياً فيها جميع أحكام التجويد، مع الاستعانة بالتسجيلات الصوتية إن احتاج الأمر. ثم يشرح الآيات شرحاً إجمالياً موجزاً، مع كتابتها على اللوح إن احتاج الأمر، ثم يعطي الطلاب فرصة للقراءة الصامتة، ثم يقرأ المدرس النص قراءة نموذجية أخرى، ثم يتبعه التلاميذ فيقرؤون واحداً واحداً حتى يمر عليهم جميعاً، أو على أكثرهم إن ضاق الوقت، ويفضل أن يبدأ بأحسنهم تلاوة، ثم يبين الأستاذ ما اشتملت عليه الآيات من أحكام، ويربط ذلك بالواقع مستشهداً بالأحاديث والقصص. ويراعي الأستاذ تصحيح أخطاء الطلاب مباشرة عند وقوعها ولا ينتظر حتى يكمل الطالب الآية، وذلك ليقف الطالب وزملاؤه على الخطأ ومعرفة الصواب، مع إعطاء الطالب الفرصة لتصحيح خطئه، فإن عجز طلب من الآخرين تصحيحه ليحصل انتباه الجميع، وإن ضاق الوقت بهذه الطريقة فإنه ليس من الضروري أن يقرأ الطالب كامل القسم المقرر من التلاوة بل يشترك في القسم أكثر من طالب فتعم الفائدة الجميع. ويرى البعض بأنه لا ينبغي اعتماد القراءة الجماعية بصوت واحد، لأن فيها تفويتاً لأخطاء الطلاب في التلاوة، إلى جانب أنها تحدث ضجيجاً يزعج الفصول المجاورة.

خاتمة درس التلاوة:

بعد أن يكون المعلم قد مهد لدرسه، وشرحه، ودرب التلاميذ على حسن الأداء، فإنه لا بد من أن يقيم أداء الطلاب ليتأكد من حسن أدائهم، وفهمهم لما شرحه، وألقاه من المعلومات، وهذا يكون بإلقاء الأسئلة المباشرة حول جوانب الدرس المشروح، ويفضل أن تكون عن طريق عرض موقف أو مشكلة من حياة التلاميذ، ثم يطالبهم الأستاذ بحلها في ضوء ما فهموه من الآيات المقروءة في الدرس.

كما يختم درسه أيضاً بسؤال الطلاب عن الفوائد التي توصلوا إليها من هذا الدرس، ثم يلقي عليهم كلمة نهائية تجمع لهم شتات الموضوع، وتبقى لهم ذكرى في نفوسهم ينتفعون بها.

وينهي الأستاذ درسه بتحديد الواجب المنزلي المتضمن مراجعة الآيات المقروءة، ومعانيها وحفظها، مع تحضير الآيات الخاصة بالدرس المقبل. ويفضل أن يزود الأستاذ طلابه ببعض التسجيلات الصوتية للأجزاء المطلوبة منهم ويلزمهم بالاستماع إليها كواجبات منزلية.

وعملية التقويم التي يقوم بها المعلم لا شك أنها مهمة للغاية، إذ إنه هو الذي عاين الطلاب، واحتك بهم فهو أدرى الناس بمستوياتهم، ومشكلاتهم، وهو أقدرهم على وضع الحلول المناسبة لهم، ومن هنا لا بد أن يكون متابعاً بدقة نمو طلابه العلمي، فيدون جميع ملاحظاته، واختباراته لتعينه على توجيه طلابه إلى تحسين وضعهم.

وقضية أخرى مهمة ترتبط بتمكين الطالب من تقويم نفسه، فإن استطاع المدرس أن يصل بتلاميذه إلى القدرة على أن يقوِّم كل طالب أداءه، فإنه يكون قد نجح نجاحاً طيباً، إذ إنه من السهل أن يقوِّم الأب، أو الأستاذ طلابه، ولكن من الصعب أن يقوِّم الطالب نفسه فلا بد من عون المدرس ومساعدته.

 

 

]]>
Tue, 01 Sep 2020 19:49:32 +0300
وباء كورونا العالمي - التوثيق التاريخي للحدث مقال شهر شعبان ورمضان وشوال وذو القعدة 1441هـ

وباء كورونا العالمي

( التوثيق التاريخي للحدث )

مقدمة :

الحمد لله حقَّ حمده ، والصلاة والسلام على خير خلقه ، نبيِّنا وسيِّدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريَّته ، وسلَّم تسليماً كثيراً .. أما بعد .. فإن مشاعر الإحباط ، وظلال اليأس ، التي تنتاب الأمة الإسلاميَّة في عقودها الأخيرة ، وما رافقها من الإخفاقات المتواصلة ، والهزائم المتعدِّدة ، والأحزان المُتلاحقة : تحطُّ بثقلها الشديد على نفس المسلم المعاصر ، فتُغلق عليه بوادر الأمل ، واحتمالات الانفراج ، وتُحاصره بمشاعر التشاؤم والقنوط ، التي تعمل في مجموعها على تكوين الشخصيَّة الإنسانيَّة اليائسة ، التي لا تعوِّل على شيء من الرجاء .

ولئن كان هذا الواقع النفسيُّ يعمُّ شرائح واسعة من أبناء الجيل المعاصر من المسلمين ، ضمن ظروف اجتماعيَّة واقتصاديَّة وسياسيَّة مؤلمة : فإن القنوط من فرج الله تعالى لا يجوز في دين الإسلام ؛ لأن كلَّ ما يجري في الكون ، من كبير أو صغير ، من جليل أو حقير : إنما يجري بسابق تقدير أمضاه الله تعالى في الأزل على عبيده ، فلا يعدو شيءٌ - ممَّا قدَّره الله تعالى - موضعه : زماناً ومكاناً وقدْراً ، حتى ما كان تافهاً ومُهملاً من الأحوال والوقائع والأحداث ، فكلُّ ذلك مقدَّرٌ ومضبوط في صحائف لا تُغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها .

إذا كانت قطرة الماء حين تنزل من السماء : مضبوطة في موقعها من الأرض ، ومكانها من النفع أو الضرُّ ، وورقة الشجرة حين تنفصل عن غصنها ، هابطة إلى الأسفل : قد عُلم سبيلها في الأرض ، فلا تعدو مكانها المُقدَّر لها ، هذا فضلاً عن دواب الأرض - ممَّا يُرى وممَّا لا يُرى - كلٌّ محكومٌ بإرادة ربِّه وسلطانه ، هذا عدا ملكوت السموات السبع وما تُقلُّه من المخلوقات ، والأرضين السبع وما تحويه من الكائنات ، إضافة إلى الملأ الأعلى المُسبِّح بحمد ربِّه تبارك وتعالى ، كلُّ ذلك مضبوطٌ ومحكومٌ بإرادة واحدة ، فكيف - بعد كلِّ هذا - يتصوَّر إنسان : أنه يمكن أن يغيب عن هذه الإرادة العظيمة ، سواء فيما مضى من قضائه وقدره ، أو فيما يستقْبله من عظيم شأنه ودقيقه .

تكريم الإنسان ورعايته :

إن الرعاية والتكريم والإجلال ، التي حباها الله تعالى للإنسان ؛ بأن سخَّر له ما في السماوات والأرض ، وخصَّه بمسئوليَّات التكاليف الجسام ، واختاره من بين جميع المخلوقات ؛ فجعل فيه النبوَّة والرسالات ، وواعده لقاء الآخرة : لا يمكن - بعد كلِّ هذا - أن يغيب عن ربِّه في هذا الكون الفسيح ، أو أن يتوه عن خالقه اللطيف الخبير ، بل لا بدَّ أن يبقى على الدوام في رعايته - عزَّ وجلَّ - وفي كنفه ورحمته - تبارك وتعالى - يعلم بالتفصيل حاجاته وضروريَّاته ، ويعلم بالدقَّة مصالحه ورغباته ، ولكن بحكمته البالغة : يُقدِّم لعبده أموراً ، ويُؤخِّر عنه أخرى ، يُعاجله بوقائع وأحداث ، ويُرجئ عنه غيرها ، فلا يُدرك العبد من مصالحه ما يعْلمه الخالق - جلَّ جلاله - منها ، وإنما المؤمن يُسلِّم لربِّه الكريم في اختياره له ، ويتلمَّس ألطافه في كلِّ قضاء قضاه له ، فكلُّ ذلك خيرٌ للمؤمن ، لا يفوته الأجر والثواب بمحبوب أحبَّه ، أو بمكروه كرهه ، ما دام أنه راضٍ بكلِّ ما قسم الله تعالى له من محبوباته ومكْروهاته .

الإسراف في بغض الدنيا :

وإن من أسوأ المشاعر السلبيَّة ، التي قد تنتاب بعض المسلمين : بغضهم الشديد للدنيا ، وليس ذلك عن زهد فيها ، وإنما لشدَّة ما يجده بعضهم من لأوائها ، في أبدانهم ، أو في أرزاقهم ، أو فيما يلحق بهم من أزماتها وعنف صراعاتها ، لا سيما في هذه الأزمنة المتأخِّرة ، التي نزل فيها بالأمة من الأهوال والشدائد ما تشيب له رؤوس الولدان الصغار ، فإن الوصف الدقيق لعظيم مصابات الأمة في هذا العصر ، وحجم أزماتها ، وثقل شدائدها : يفوق قدرات الواصفين ، من الكتَّاب والخطباء والبلاغيين ، حتى إن العجز قد يُصيب أبلغ الفصحاء ، وأبرع الخطباء ، وأجود الكتَّاب ، فلا تسعفهم الأقلام العِراض بمدادها ، ولا الألسنة الحداد بكلماتها ، حتى يقف الواحد منهم مشدوهاً أمام بعض ما نزل بالأمة في هذه الأوقات العصيبة .

ومع كلِّ هذه العظائم والفظائع : فإن الدنيا لا تُذمُّ بذلك ؛ لأنها الطريق الوحيد إلى مباهج الآخرة وكراماتها ، فلا سبيل إلى الجنة ورضوان الله تعالى إلا بها ، وإنما الدنيا مكانٌ وزمانٌ لأفعال الإنسان : حسنها وسيئها ، طيِّبها وقبيحها ، فلا يُنسب لها حُسنٌ ولا سوء ، وإنما هي ثمار أفعال بني آدم ، في تفاعلاتهم وصراعاتهم ، في عدلهم وظلمهم ، في خيرهم وشرِّهم ، يجنونها جميعاً بما كسبت أيديهم .

وقد سبقت إليهم النذر ، وتواردت إليهم الأنباء ، بما كان في غابر الأزمان من الفتك ببعض الأقوام ، والرحمة بآخرين ، فمن كان من القوم ظالماً : فقد ناله الانتقام ، ومن كان منهم مظلوماً : كُفِّر عنه بعموم البلاء ، فإن الخير في الغالب لا يتعدَّى أهله ، وأما الشرَّ فيعمُّ بهلاكه الجميع ، حتى إذا وافوا القيامة : تمايزوا بمقاصدهم .

بدايات انبعاث الوباء والتعامل معه :

وإن من غريب المُصادفات : ما نزل بالعالَم حديثاً - مع بداية السنة الميلاديَّة الجديدة - من الوباء العام ، الذي يُصيب الإنسان في جهازه التنفُّسيِّ ، فلا يُمهله طويلاً - إن تمكَّن منه - حتى يقتله بإذن الله تعالى ، لا سيما من كان كبيراً في السنِّ ، أو مُصاباً ببعض الأمراض المزمنة ، التي تُهيئ لتمكُّن هذا الفيروس منه .

وقد تعارف الأطباء على تسمية هذا الفيروس باسم : ( كورونا المُسْتجد ) أو ( كوفيد - 19 ) ، وهو سلالة جديدة مُتطوِّرة ، من عائلة فيروسات سابقة أصابت بعض الناس عند ظهورها ، فما لبثوا - في حينها - أن استصنعوا لها علاجات وأمصالاً نافعة بإذن الله تعالى .

وريثما تستجمع البشريَّة المعاصرة قواها ، وتستصنع علاجاً ناجعاً ، ولقاحاً واقياً من هذا الوباء المُتجدِّد الفتَّاك : فإنه - حسب التوقُّعات - سوف يحصد جماهير من الناس ؛ لكونه سريع الانتشار بالعدوى المباشرة ، سواء من الأشخاص فيما بينهم ، أو من خلال لمس الأجسام الملوَّثة بالفيروس ، فهو أسرع وأمضى في الفتك بضحاياه من الفصائل السابقة ، لا سيما أنه انبعث في عالم انفتح بعضه على بعض ، فما يُصيب شرقه : لا يلبث طويلاً حتى يلحق غربه .

هذا إضافة إلى أنه داءٌ يُساوي بين الناس ، فلا يُحجم عن أحد بلغه ، قد تساوت أمامه رؤوس البشر ، وفُتحت أمامه حدود الجغرافيا ، ومن هنا كانت العناية العالميَّة بهذا الوباء أبلغ من غيره ؛ لكونه قد تخطَّى البيئات المحليَّة ، وتجاوز الأعراق والجنسيَّات والأديان ، وأصبح تهديده يعمُّ الكوكب بأسره .

وما زالت وسائل الإعلام الرسميَّة : تتحدَّث عن إصابات بليغة في علْية القوم ، وقد عمَّ الوباء الأرض بأكملها بنسب مُتفاوتة ، ممَّا أثار الهلع في نفوس الناس ، وأدخل عليهم الفزع ، ربَّما إلى حدِّ الهستيريا ، من احتمالات الإصابة بالعدوى ، فلم يُترك - في الضمير - مجالٌ لحسن الظنِّ ، في ظلِّ التغذية الإعلاميَّة المُرعبة ، التي زلزلت الناس بتقاريرها المُتشائمة ، حتى عمَّ الاضطراب العالم أجمع .

ولهذا هرعت الدول عامة إلى أخذ الوقاية اللازمة والتدابير الحافظة ، رجاء التخفيف من آثار هذا الوباء المدمِّر ، حتى إن دولاً أغلقت حدودها ، وأوقفت تعاملاتها ، وكفَّت مواطنيها ، حتى علِق كثيرٌ من المسافرين على حدود بعض الدول ، لا يدخلون ولا يخرجون .

وبلغ الأمر ببعض الدول أن أنزلت فرقاً من جيوشها إلى الشوارع ؛ لضمان تنفيذ التعليمات الصحيَّة والوقائية ، وربَّما حاصرت فيها مدناً بأكملها ، وأغلقت مساكن موبوءةً على أهلها ، لا يدخل عليهم أحدٌ ، ولا يخرج منهم أحدٌ ، تماماً كما أمر الشرع الإسلامي الحنيف بالحَجْر الصحِّيِّ لمن أصابهم الوباء المُعدي .

سنَّة التأديب الإلهي :

ومن عجائب أقدار الله تعالى : أن أوَّل ظهور لهذا الوباء كان في الجمهوريَّة الصينيَّة الشعبيَّة ، التي تعدَّت بالظلم والطغيان على المسلمين فيها ، حتى إنها حجرت على ملايين منهم في مُعسكرات أمنيَّة مغلقة ، فشتَّت شمل الأسر ، وفرَّقت بين الوالدة وولدها ، فلم تُمْهل طويلاً أن عاقبها الله تعالى من جنس قبيح فعلها ، بوباء شتَّت شمل كثير من أسرهم ، وسجن ملايين منهم ، وكلَّف الحكومة الصينيَّة مليارات الدولارات للرعاية الصحِّية والوقائيَّة ، هذا إضافة إلى ما أصاب اقتصادهم من الأضرار الفادحة ، وما يُؤخِّره الجبَّار - تبارك وتعالى - من العقوبات - للمعاندين - أشدُّ وأعظم .

ويلحق بهذا أيضاً : تفشِّي هذا الوباء القاتل في جمهوريَّة إيران - معقل الرافضة وغلاتها - لتكون الدولة الثانية الأشدَّ ضرراً بعد الصين ، ليُذيقهم الله تعالى بعض ما كسبوا ، فقد أفحشت حكوماتها المُتعاقبة - منذ ثلاثة عقود تقريباً - على الفتك بأهل السنَّة في العراق والشام واليمن ، فأقدمت فرق موتها - الرسميَّة والمتطوِّعة - على مجازر همجيَّة مروِّعة ، لا يمكن تخيُّل وصفها ، لولا ما وثـَّقته بعض عدسات الكاميرات ، ممَّا لا يمكن تصديق صدوره عن أسوء الخلْق سلوكاً ، فضلاً عمَّن يزعم المُقاومة وحماية الدين !! إلى جانب استقدامهم للجيش الروسي الملْحد ، ليتولَّى تسوية المدن على أهلها ، ضمن مشاهد لم تعرف البشريَّة لها مثيلاً .

هذا إضافة إلى حروب الإبادة الجماعيَّة المُستمرَّة على المسلمين المستضعفين في الهند ، وفي كشمير ، وفي بورما ، وفي غيرها - منذ عقود طويلة - وقد وقف العالم بأسره تجاه كلِّ هذه المآسي ، بين : عاجز ، وشامت ، ومُتآمر ، يُشاهد ويُعاين طحن جماهير من الشعوب المستضعفة ، ليس لسبب سوى أنهم مسلمون ، فأراد الربُّ بعدله : أن ينالهم شيءٌ ممَّا نال هؤلاء ؛ ليكون تذكرة بعذاب أشدُّ وأبقى .

حتى إذا تفاقم حجم الكارثة على الدول المُتقدِّمة في أوروبا وأمريكا ، وانكشف عجزهم أمامها ، وأُسقط في أيديهم : أخذوا يسْتجدون حلول السماء ، في تصريحات عامة نادرة ، لم يكونوا يتفوَّهون بمثلها حال الرخاء ، حتى إن دولاً في أوروبا : أذنت للمسلمين - في هذه الأيام العصيبة - برفع الأذان علناً ، حين لم تكن - منذ قرون - تأذن لهم في ذلك .

وهكذا - دائماً - القوَّة لله جميعاً ، وقد تجلَّت أبلغ ما يكون - في هذه الكارثة الإنسانيَّة - في أضعف الخلْق وأصغرهم ؛ ليعلم المُتكبِّرون ضعفهم ، ويُوقنوا بأن ما خفيَ عنهم من عظيم البطش شيءٌ شديد ، وما كُفَّ عنهم من سريع الانتقام أمر مهول .

فرض الربوبيَّة على المُلحدين : 

والعجب كلُّ العجب في أناس يتشكَّكون في وجود الله تعالى ، وأنه هو القادر المُدبِّر للكون ، ثم - هم بعد ذلك - يُقرُّون جميعاً : بوجود فيروس صغير حقير ، أخبر بوجوده بعض الباحثين ، يتحكَّم في أهل الأرض جميعاً ، وقد أذعنوا له كلُّهم ؛ فيقتل بعضاً ، ويحبس بعضاً ، ويُفرِّق بعضاً ، ويجمع بعضاً ، فاستطاع كائنٌ مجهريٌّ لا يعقل : أن يُدير المشهد العالمي بأكمله ، وفق شروطه القاسية المُجحفة ، فاستباح من الناس ما لا يستبيحه العتاة من الضعفاء ، إلى درجة أن أكبر دول العالم وأقواها : هي الأضعف أمام حركة هذا الكائن وفتكه ، حتى غدت ضحاياه من المرضى والقتلى تُقدَّر بمئات الألوف ، في غضون ثلاثة أشهر فقط من انبعاثه ، والتوقُّعات تصل بها إلى الملايين إذا طال أمد بقائه ، لا سيما إذا جدَّد الفيروس أشكاله ، وأخذ يظهر تِباعاً في مواسم مُقْبلة ، ممَّا يُنذر بمزيد من الضحايا ، الذين لن يجدوا من يتولى رعايتهم ، هذا فضلاً عن القتلى الذين لن يجدوا من يتولى تجهيزهم ودفنهم ، فإن بوادر ذلك قد بدت واضحة في بعض المُجتمعات ، لا سيما في الدول الفقيرة .

لقد انكشف العالم بأجمعه أمام هذا المخلوق الصغير ، وظهرت به هشاشة نظمه الصحيَّة ، في التصدِّي لأزمات وبائيَّة على هذا النحو الشامل الفريد ، حتى أنذر بعض المُراقبين بتداعيات سياسيَّة عظيمة وخطيرة ؛ كتفكك الاتحاد الأوروبي ، وتغيُّر وجه العالم بأسره ، وتقويض فكرة العولمة ، بانكفاء الدول ؛ كلٌّ على نفسه ، مع التبشير بولادة نظام عالمي جديد ، يقوم على أنقاض نظام عالم اليوم ، الذي انتهت صلاحيَّته في البقاء منذ عقود ، وجاءت هذه الجائحة الوبائية لتُتمِّم الإجهاز عليه ، فقد تعوَّد البشر أن الأوبئة العامة الكبرى : يعقبها - في العادة - تغيُّرٌ في نظام حياة الناس ، فتتأسَّس - على إثر ذلك - منظومة عالميَّة جديدة ، هي ربَّما تكون أكثر عدلاً وإنصافاً ، فوباء اليوم إنما يحكي أحداث أوبئة تاريخيَّة سابقة ، وفق دورة الحياة البشريَّة المُتجدِّدة ، حتى وإن كان وباء اليوم يُوصف بالأعنف والأشدِّ والأوسع .

إذا كانت كلُّ هذه الأحداث الكبيرة ، وتداعياتها الواقعة العظيمة : قد أقرَّ الناس بها - دون نكير - لهذا المخلُوق المجهريِّ الدقيق ؛ فإن من الأولى : إقرارهم بما خفيَ عنهم من مخلوقات أخرى عظيمة وحقيرة في هذا الكون الفسيح ، وأولى منه إقرارهم بقوَّة عظيمة مُطْلقة خلف كلِّ هذا ، تُدبِّر الكون وفق حِكَمٍ بالغة جليلة ، فإن إنكار الملاحدة للخالق المُبدع العظيم : لا يعدو أن يكون معاندة للحقائق المستقرَّة في الواقع والفطرة ، ومُكابرة لِمَا دلَّ عليه العقل الصريح ؛ فإن العقل إذا انبعث بكلِّ طاقاته ومواهبه ، دون عوائق النفس والشيطان : فلا بدَّ - بالضرورة - أن يشهد : أن لا إله إلا الله .

سكرة الوباء :   

ومن المُفارقات العجيبة : أنه في الوقت الذي يتطلَّع فيه بعض الساسة الغربيين إلى نفحة ربَّانيَّة تُخلِّصهم من هذا الوباء : أبدت طوائف من المُتشيِّعة مسالك شركيَّة غبيَّة ، في تعاملهم مع هذا الوباء ؛ فظنُّوا أن عتباتهم المُقدَّسة تمنع من الإصابة بالداء ، وتمنح المُصابين الشفاء ، فلم يأخذوا بأسباب الوقاية ، فما ازدادوا بذلك - في أنفسهم - إلا هلاكاً وخبالاً ، وما ازدادوا - عند غيرهم من الناس - إلا استخفافاً وحقارة ، مع ما في هذه المسالك الوضيعة من إثم الصدِّ عن سبيل الله تعالى .

ولم يكن هؤلاء وحدهم المُحتكرين لمشاهد الغباء والاستخفاف بالوقاية الصحيَّة ، ممَّن جمعتهم الخرافة العقديَّة ، فقد شابههم في ذلك طوائف من المتديِّنين اليهود والنصارى ، يزعمون أنهم محفوظون بشركهم من العدوى ، فأبدوا من السخرية السلوكيَّة والاستخفاف ، ما جعلهم أضحوكة للعقلاء ، في عصر لم يعد فيه السلوك الفردي - فضلاً عن الجماعي - مستوراً عن أعين الناس ، فقد حفلت بعض وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع سلوكيَّة مُخجلة ، لمن يُسمَّون عندهم بالمتديِّنين !!

وقد لحق بهؤلاء أيضاً بعض مُتصوِّفة أهل السنَّة ، حين أبدوا شيئاً من الاستهتار بالعدوى ، ليُقْنعوا أتباعهم بحسن توكُّلهم على الله تعالى ، وعدم خشيتهم من الإصابة بالمرض !! وفرقٌ كبير بين الجرأة على مظنَّة العدوى ، وترك الاحتياط الواجب لها ، وبين الرعب غير المُبرَّر من احتمالات الإصابة بالعدوى .

ولئن كان الشرع الإسلاميُّ الحنيف : قد نهى عن الهلع والجزع أمام أقدار الله تعالى ، وأمر - في مقابل ذلك - بالصبر والرضى : فإنه - مع ذلك - شرع الأخذ بأسباب الوقاية الصحيَّة كأحسن ما ينبغي ، ونهى عن الاستهتار بما عُلم بالطبِّ والتجربة فساده ، من سلوك التواكل والإهمال ، المؤدِّي - في الغالب - إلى الضرر على النفس أو الآخرين ، فالاعتدال - في كلِّ هذا - هو نهج الشرع المُطهَّر .

الافتضاح الحضاري :    

ولعلَّ من حسنات هذه الأزمة العالميَّة : انكشاف ما أخفته الحضارة الماديَّة بزخارفها ، من قبائح سلوك إنسان الغرب ، الذي بقيَ زمناً طويلاً يسْتتر بعيوبه خلف مظاهر سلوكيَّة تقدُّميَّة ، من معاني الوحدة الإنسانيَّة ، والحريَّة والعدالة والمساواة ، حتى إذا عمَّت هذه الجائحة مُدنهم الحضاريَّة ، وأحسُّوا عندها بضيق الأزمة : ظهر على جمهورهم جشع النفس ، وقبح الطبع ، وفقر الضمير ، ضمن سلوكيَّات اجتماعيَّة فجَّة ، من مظاهر العنصريَّة الاجتماعيَّة ، والأنانيَّة المُفرطة ، وهوس التسوُّق ، الذي لا يخلو أحياناً من التعدِّي والسرقة ، حتى بلغ الهوس ببعض الحكومات إلى قرصنة شحنات المستلزمات الطبيَّة المُرسلة بين الدول !! في صور شاذة من القبائح السلوكيَّة والأخلاقيَّة ، التي تنمُّ عن ظلمة النفس المُسْتترة ، خلف زخارف الصور الحضاريَّة ودعاياتها ، فما لبثوا طويلاً حتى سقطوا عند أوَّل اختبار مُحرج لاتفاقيَّاتهم الدوليَّة المُبرمة فيما بينهم للتعاون المشترك ، بعد الحرب العالميَّة الثانية ، فبدوا غير مُتضامنين ، في وقتٍ هم أحوج ما يكونون فيه إلى تضامن الجميع ، بما فيهم الدول الفقيرة النامية ؛ إذ لم يعد - في ظلِّ هذه الجائحة العامة - مجالٌ للانفراد بالقرار عن الجماعة الإنسانيَّة ، فالكلُّ أصبح رهينة سفينة دوليَّة واحدة ، فقد وحَّد الفيروس الغامض حاجاتهم واتجاهاتهم ، فلا مجال بعد الآن لاجتهاد فرديٍّ خارج المجتمع الدولي .

ورغم ذلك ذهبت كلُّ دولة تنادي - جهاراً - بمصالحها الخاصَّة على حساب الآخرين ، هذا فضلاً عمَّا أبدوه صريحاً - في هذه الأزمة - من إسْقاط حقوق شعوب دول العالم الثالث في الحياة الكريمة ؛ ليكونوا آخر المُنتفعين بأسباب الوقاية والسلامة الصحيَّة ، ومع ذلك جاءت أقدار الله تعالى بغير ما اشتهت أنفسهم المُظلمة ، حتى اسْتحرَّ القتل فيهم أكثر من غيرهم . 

التداعيات الاقتصاديَّة العامة :

ولقد كان من التداعيات الاقتصاديَّة العامة لهذا الوباء : أن تعطَّلت غالب الأنشطة التجاريَّة والاستثماريَّة والسياحيَّة ، واهتزَّت أسواق البورصة العالميَّة ، مع موجات من الإفلاس العام ، التي تُنذر بضرب شركات عملاقة كبرى ، ودخل العالم أجمع في أزمات اقتصاديَّة بالغة ، لا يُدرى - حتى الآن - حجم تداعياتها المستقبليَّة ، ومدى احتمالات التعافي من آثارها الاقتصاديَّة الشاملة ، إضافة إلى تعطُّل الحياة الفرديَّة والجماعيَّة بمنع التجوُّل : بما فيها حركة النقل بكلِّ أنواعها ، حتى الأنشطة التعليميَّة بمستوياتها المختلفة : تعطَّلت حركتها الطبيعيَّة ، فعمَّ الحياة شللٌ عامٌّ ، توقِّياً من احتمال العدوى ، حتى غدت شوارع أكبر مُدن العالم كثافة : خاوية من أهلها ، وقد اعتصم الناس في بيوتهم محبوسين خشية الوباء .

وهذا الوضع غالباً ما يعقبه كساد اقتصاديٍّ عام ، يكشف هشاشة الرأسماليَّة في بنائها الاقتصادي ، أمام مُفاجآت الأسواق وتقلُّباتها ، ولهذا غالباً ما يقع الفتْك أوَّل ما يقع على صغار المُستثمرين ، وأصحاب المشاريع الصغيرة ، ومن هم ضمن قطاعاتهم من العمَّال والفنيين الصغار ، وبخاصَّة أولئك الذين يعملون بالأجر اليومي ، من الذين يُباشرون عموم المواطنين بخدماتهم ، لا سيما المتعلِّقة بتوفير المواد الغذائيَّة والاحتياجات الضروريَّة اليوميَّة ، ممَّا قد يكون ضرره عاماً على الجميع .

وقد شاعت - في هذه الأجواء الموبوءة - النصائح الطبيَّة : بالامتناع عن المُصافحة والتقبيل والعناق ، وتجنُّب ملامسة الآخرين ، مع ضرورة ترك مسافات كافية بين المُختلطين ، والحرص على التزام البيوت ، وترك التجوُّل خارجها لغير ضرورة ، ومثل هذه الممارسات السلوكيَّة الصارمة صعبة الالتزام ، لاسيما في البيئات العربية المُفعمة بالعواطف الاجتماعيَّة .

وهذا الوضع - لا سيما إن طال أمده - يُنذر بآثار اقتصاديَّة وخيمة على الأسر ، التي تقتات عن طريق حركتها الاجتماعيَّة ، إضافة إلى الآثار الأخرى النفسيَّة لتكدُّس الأفراد في مساكن صغيرة محدودة المرافق ، ممَّا يُخلِّف - في الغالب - مُضاعفات اجتماعيَّة شاملة ، ولعلَّ شيئاً من الدراسات الميدانيَّة - في المستقبل القريب - تكشف عن حجم الأزمة الخانقة ، التي انتابت الأسر والأفراد في خاصَّة أنفسهم ، من شدَّة الضغوط النفسيَّة التي أحاطت بهم .

ولهذا خفَّت القبضة الصحيَّة - بعض الشيء - على حركة الناس بعد أشهر من التضييق ، حين يئس المجتمع الدولي من توفير علاج سريع للوباء ، أو مصْلٍ عاجل يحفظ المواطنين من احتمالات العدوى ، في ظلِّ مخاوف جادَّة من انبعاث موجات جديدة من الوباء ، ومع ذلك ترجَّح قرار التعايش معه ، والتأقلم مع مُضاعفاته المُتوقَّعة ، بعد أن لُوحظ انخفاض عدد الإصابات والوفيَّات ، لا سيما إذا فُرضت على المواطنين احترازات الوقاية الصحيَّة والسلامة ، مُراعين - في هذا القرار - حجم الأضرار الاقتصاديَّة الناجمة عن شلِّ الحركة الاجتماعيَّة ، ممَّا قد يوازي أو يفوق حجم الإصابات المُحتملة على المدى الطويل .

ولئن كانت بعض المؤشِّرات تتحدَّث عن بداية تعافي الصين من آثار هذا الوباء ، باعتبارها كانت الدولة الأولى ، التي انبعث بركان الداء في وجهها ، رغم تكتُّمها في أوَّل الأمر ، فمنطقيٌّ أن تكون هي أوَّل المُتعافين أيضاً ، هذا إن صحَّت هذه المُؤشرات في ظلِّ التعتيم الإعلامي ، وضعف الشفافيَّة ، مع ما أبدته الحكومة من صرامة وقسوة في تعاملها مع الحدث ، ومع ذلك : فإن الإفراط في التفاؤل ؛ بعودة الاقتصاد الصينيِّ إلى ما كان عليه قبل كورونا : أمرٌ بعيد على المستويين القريب والمتوسِّط ، في ظلِّ تداخل الاقتصاد العالمي بعضه في بعض ، فإن تعافي الصين مرهونٌ بتعافي شركائها من : المُصنِّعين ، والمُستثمرين ، والمموِّلين ، فهي أحوج إلى غيرها - في هذا العالم - من حاجتها إلى نفسها ، فإن قوَّة الاقتصاد الصينيِّ - بالدرجة الأولى - مُستمدَّةٌ من شراكاتها الدوليَّة ، ومن أسواق الاستهلاك العالميَّة .

هذا إضافة إلى ما ينتظر الحكومة الصينيَّة من توعُّد كثير من دول العالم بمقاضاتها لدى المحاكم الدوليَّة ، على تباطئها في تحذير العالم من حولها بانبعاث هذا الوباء ليأخذوا حذرهم ، فتكتَّمت عليه حتى خرج عن السيطرة ، وقد كان من الممكن - من أول الأمر - السيطرة عليه ضمن نطاق محدود ، أو على الأقل التخفيف من سعة انتشاره وسرعتها ، ممَّا يحمِّل الحكومة الصينيَّة القسط الأكبر من مسئوليَّة كارثة كورونا ، وآثارها الصحيَّة والاقتصاديَّة .  

التداعيات الاقتصادية الخاصَّة :

وإن للمتأمِّل - في هذا الصدد - أن ينظر حجم التداعيات الخطيرة - غير المسبوقة - التي لحقت بأسواق النفط ، لا سيما صناعة النفط الصخري ، التي بدأت بعضها في إعلان إفلاسها ، من جرَّاء ضعف الطلب من جهة ، ومن تداعيات تنافس المُنتجين الكبار من جهة أخرى ، الذين زادوا من إنتاجهم في أثناء انتشار الوباء ، فكثر بذلك العرض إلى حدِّ التخمة ، فانخفضت معه الأسعار ، بل انهارت انهياراً تاريخيًّا ، في مقابل قلَّة الطلب ، في ظلِّ الشلل العام الذي فرضته الجائحة .

وشركات النفط الجديدة - التي دخلت الأسواق مُؤخَّراً - لا تُطيق انخفاض الأسعار ؛ بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج لديهم ، لا سيما إذا كان الانخفاض شديداً على هذا النحو ، ثم طال أمده إلى فترات طويلة ؛ لأن تكاليف التخزين - إذا طالت مُددُها - فإنها سوف تفوق قيمة المخزون نفسه !! وأقصى ما يمكن القبول به من الأسعار للبقاء في السوق النفطيَّة : هو تساوي الربح مع الخسارة ، وهو ما يُسمَّى : ( نقْطة التعادل ) ، المُعبَّر عنها بالصِّفر ؛ فالمدخول يتساوى مع المصروف ، فهذا الوضع الصفْري : هو أقْصى ما يمكن القبول به للبقاء في السوق ، وهذا مُقدَّر - عند بعض شركات الإنتاج - بقيمة أربعين دولاراً للبرميل !! فكيف - والحالة هذه - إذا كان واقع البيع بالسالب دون الصِّفر ؟!

ولهذا أخذت بعض شركات النفط - بالفعل - تُعطِّل بعض خطوط إنتاجها ؛ بقصد خفض خسائرها المُتفاقمة من جهة ، والإبقاء - قدر المستطاع - على نفسها داخل الأسواق من جهة أخرى ، فإن قرار الخروج من السوق بالكلِّية : يعني الانتحار الاقتصادي ؛ فإن جهات التمويل لن ترحم ، كما أن إعادة التشغيل بعد جلاء الوباء : يُشبه - إلى حدٍّ كبير - إعادة التأسيس من جديد ، فهي موازنة صعبة وعسيرة : أحلاها مرٌّ .

ولهذا تبيع بعض الشركات مخزونها من النفط للمشترين بالآجال المُريحة ، في سابقة لا مثيل لها ، حتى بلغت تداعيات الأزمة ببعض الأسواق : أن يدفع البائع للمشتري ؛ ليتخلَّص من حجم مخزوناته ، التي فاضت بها الصهاريج العظيمة ، سواءٌ الأرضيَّة منها ، أو تلك العائمة في المُحيطات الواسعة ، حتى انتهى الأمر ببعض الباعة المُنتجين إلى تكليف شركات خاصَّة : إتلاف مخزناتهم من النفط الثقيل ، بإعادة حقْنها في باطن الأرض !! دونما اعتبار لما قد يؤول إليه هذا التصرُّف الجريء من أضرار بيئيَّة جديدة .

وهذا - لعمر الله - هو غاية العجب في هذا الزمان ، حين يفقد الذهب الأسود قيمته إلى ما دون الصفر ، بعد عمر مديد من التفوُّق والصعود ، فلا شيء يدوم على حاله ، مهما طال أمد عافيته ، حتى وإن كانت السلعة العالميَّة الأولى .

وهذا الواقع يُذكِّر بما سوف يؤول إليه معدن الذهب في آخر الزمان من فقدان قيمته الماليَّة ، فقد ثبت في صحيح الإمام مسلم : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( تقيء الأرض أفلاذ كبدها ، أمثال الأُسطوان من الذهب والفضَّة ، فيجيءُ القاتل ، فيقول : في هذا قَتلتُ ، ويجيءُ القاطع ، فيقول : في هذا قَطعت رحمي ، ويجيءُ السارق ، فيقول : في هذا قُطعت يدي ، ثم يدَعونه ، فلا يأخذون منه شيئاً ) ، وهذا الوصف هو النهاية في عجائب آخر الزمان ، حين تفقد هذه الأثمان الغالية قيمتها السوقيَّة ، بعد أن بقيَت في عليائها الدهر كلَّه ، فلا بدَّ من زمن ترجع فيه الدنيا إلى حقارتها ، ويثبت ذلك عياناً للناظرين ، فلا تعود للأموال التي في أيدي الناس قيمة ، حتى إن الرجل - في آخر الزمان - لا يجد موضعاً لزكاته ، حين تكثر الأموال ، وتفيض عن حاجات الناس ، ومثل هذه الأخبار النبويَّة الصادقة : يسهل قبولها بعد أن شهد الناس هذا التراجع الرهيب للذهب الأسود .

والغريب أن كل هذه الأحداث حصلت في أسابيع معدودة ، منذ انهيار الاتفاق بين الدول المُنتجة ، في ظلِّ أزمة كورونا ، وهكذا أحداث آخر الزمان وغرائبه تكون سريعة مُتلاحقة ، لا تُمهل المُتباطئين عن فهمها وإدراكها ، والخوف كلُّ الخوف من أن تنجلي هذه الأزمة عن اندلاع حرب عالميَّة ثالثة تفتك بالبيئة والإنسان ، فإن طبول الحرب تُقْرع بابتزاز الصين ، لتعويض دول العالم عن أضرار الوباء ؛ لكونها بلد منشأ الفيروس من جهة ، ولأنها تستَّرت - في أوَّل الأمر - على انبعاث الوباء .

ولعلَّها حرب تفتح المجال لصعود قوىً سياسيَّة واقتصاديَّة جديدة ، على غرار ما تمخـَّضت عنه الحربين العالميَّتين السابقتين ، فيكون في هذا القضاء خيرٌ للمسلمين عامة ، وللعرب على وجه الخصوص ، فإن المسلم لا يقْنط ولا يتشاءم .

وعلى الرغم من أن هذا التدني لأسعار النفط ، الذي كان من المفروض : أن يُنعش اقتصاديَّات الأفراد ، وصغار المُستهلكين : فقد حال الوباء العام بينهم وبين استمتاعهم بذلك ، حين فرض عليهم الإقامة المنزليَّة الإجباريَّة ، فعاد الجميع مُتضرِّراً : الكبار والصغار على حدٍّ سواء .

حسنات الوباء :

ولعلَّ الحسنة الطيِّبة التي تُذكر هنا ، من وراء هذا السكون الحركي الشامل ، الذي انتاب الناس : هو انتعاش كوكب الأرض ، حين بدأ يتنفَّس بطريقة طبيعيَّة ، بعد أن انقطعت عن أجوائه العليا كثيرٌ من انبعاثات مداخن مصانع سكَّان الأرض ، وعوادم مُحرِّكاتهم ، بعد أن انخفضت مُعدَّلات استهلاك الوقود الأحفوري ، فقد أظهرت - مؤخَّراً - بعض صور الأقمار الصناعيَّة : انخفاضاً ملْحوظاً في درجات التلوث البيئي ، بعد عقود طويلة من الإسراف في حقِّها ، ولو استمرَّ السكون على حاله زمناً أطول ؛ لكان في هذا نفعٌ عامٌّ للبشر من هذه الجهة ، وإن كانت الأزمة شديدةً على كثير من مناحي الحياة الأخرى .

إن الجشع الاقتصاديَّ البغيض ، الذي انتهجته الشركات الكبرى ، وما رافقه من الاستهتار السياسيِّ غير المسئول ، وما ظهر معه من العجز التَّام لمنظَّمات المجتمع المدني : أدَّى - في مجموعه - إلى أزمة المناخ العالميَّة ، رغم تحذيرات مراكز الأبحاث العلميَّة ، ونداءاتها المُستمرَّة والمُتكرِّرة ؛ بخطورة الوضع الصحِّيِّ على كوكب الأرض من جرَّاء الاحتباس الحراري ، وما قد ينجم عنه من كوارث بيئيَّة عنيفة .

في هذا الخضمِّ المُتلاطم : كان لا بدَّ لهذا الانفلات المحموم - في حقِّ البيئة - من كابح خارجيٍّ عنيف ؛ يضبط اندفاع أهل الأرض واستهتارهم ، حين لم يبقَ لهم - من أنفسهم - وازعٌ كافٍ ، يُلْجم نزواتهم الاقتصاديَّة ، ويحدُّ من جشعهم التجاري ، ويكفُّ من نهمهم المالي ، الذي تجاوز حدود المعقول ، إلى هوس الطفولة الرعناء .   

لا سيما وقد ثبت لدى الباحثين في مجال المناخ : أن الجيل المعاصر من أهل هذا الكوكب ، هم آخر الأجيال البشريَّة ، المعنيَّة باستدراك ما قد فات من تداعيات أزمات التغيُّر المناخي ؛ إذ لن يكون للأجيال القادمة فرصة - مهما حاولوا - لاستدراك ما فات - إلا أن يشاء الله تعالى - وإنما سوف تنحصر مُهمَّتهم في محاولات التأقلم مع التغيُّرات المناخيَّة الحادَّة ، التي سوف يتعرَّضون لها ، فلعلَّ في هذه الجائحة ما يُوقظ نوَّام هذا الجيل ، ويُنبِّه الغافلين منهم ؛ لمحاولة استدراك ما يمكن استدراكه ، قبل أن تفوت الفرصة على الأجيال اللاحقة .

استيعاب الرسالة الإلهيَّة :  

إن لحظات تأمُّل فيما أحدثه هذا الفيروس من الأزمات والاضطرابات في حياة الناس : ضروريَّةٌ لاستقبال الرسائل الإلهيَّة بصورة صحيحة ؛ فإن الابتلاء بالخير والشرَّ من سنن الله تعالى في عبيده ؛ رجاء إحداث يقظة روحيَّة طويلة الأمد ، تعقبها انعطافةٌ صادقةٌ نحو الجادَّة ، بهدف تصحيح المسار ، فقد أمعنت البشريَّة المعاصرة في طغيانها في كلِّ اتجاه ، وتجاوزت كلَّ الحدود الدينيَّة والأخلاقيَّة والإنسانيَّة ، ولم يعد من حدود الله تعالى شيئاً لم تنتهكْه ، سواء كان بأقوال وآراء تتكلَّمها ، أو بأفعالٍ وأعمال تسْلكها .

إن فرح بعض الشعوب المعاصرة بما أُوتوا من القوَّة والتمكين ، حين ظنُّوا أنهم قادرون على ما في أيديهم من كنوز الأرض وخيراتها ، ماضون في مُتعهم الماديَّة والحسيَّة دون رقيب ، مُمْعِنون في ظلمهم لغيرهم وبطشهم دون حسيب ، مُعرضون عن وازع الضمير في عقولهم ، مُغفلون عن نداء الفطرة في نفوسهم : كان لا بدَّ - في خضمِّ هذه الغفلات المُتراكمة والبلادة المُستحكمة والظلم المستشري - من آية تُوقظ النوَّام ، وتُنبِّه الغافلين : فكانت الآية في أضعف خلق الله تعالى : فيروس صغير حقير ، لا يُرى إلا بالمجاهر الإلكترونيَّة المُتطوِّرة ، وقد كان حجم طغيان البشر وكبرِهم وغرورِهم : يستدعي من الآيات ما هو أشدُّ وأعظم ، ومع ذلك كان بعث هذا المخلوق الصغير وحده كافياً لتأديب طغيان البشر ، وتعريفهم حدودهم الطبيعيَّة ، وأحجامهم الحقيقيَّة ، فكان موعظة للعالمين ، ومع ذلك فقد لا يعدو أن يكون هذا الفيروس مقدِّمة لما هو أعظم وأنكى ، إذا لم يستقبل البشر الموعظة بصورة إيجابيَّة .

ولهذا لم يكن غريباً أن تستجدَّ في حياة الناس أمور من البلايا العظام ، والفتن الجسام ، تُقابل بعض ما عملوا من الموبقات ، فتكون في حقِّ طائفة تكفيراً من السيئات ، وفي حقِّ أخرى رفعاً للدرجات ، وفي حقِّ ثالثة مزيداً من العقوبات .

وإن من عظيم ما يُؤلم المؤمن البصير - في خضمِّ هذه النازلة الوبائيَّة العظيمة -  ضعف الاعتبار بها ، في مقابل استحكام الغفلة المُطْبقة عند بعضهم ، فإن المقصود من وراء الابتلاء : هو الاستذكار والانتباه ، فإذا لم يحصل هذا المقصود ، أو كان وقع النازلة باهتاً على النفوس : فهو إيذانٌ - والعياذ بالله تعالى - بمزيد من البلايا الكبار ، التي قد لا تأذن للمجرمين بزمن للنظر والاستبصار ، فإن من استمرأ صغار البلايا ، فلم تُجدِ في يقظته شيئاً : جاءته كبارها ، التي لا تُبقي ولا تذر .

تعليق الصلاة في المساجد :

وإن من عظيم ما نزل بأبناء هذا الجيل من المسلمين ، ممَّا استجدَّ في حياتهم ، ولم يكن لهم به سابق خبرة ولا تجربة : هو اجتماع كلمة جمهور علماء المسلمين المعاصرين ، على مشروعيَّة تعليق صلاتي الجمعة والجماعة في المساجد عدا الأذان ، إلى أن يأذن الله تعالى برفع هذا البلاء ، فهذه نازلةٌ شرعيَّة فريدة ، لا مثيل لها من تاريخ المسلمين ، على هذا النحو العام والشامل والطويل ، الذي عمَّ الكثير من أمصار المسلمين جملة واحدة ، حتى غدا الحَرَمان الشريفان بلا معتمرين ولا زوَّار ، بما في ذلك المسجد الأقصى المبارك ، وأصبحت الكعبة المشرَّفة كالجوهرة العظيمة النفيسة في وسط صحن المطاف ، لا يقْربها أحد ، وقد أُخْليَ الصحن من الطائفين إلا قليلاً ، على غير ما اعتاد هذا الجيل رؤيته من التزاحم والتدافع عند البيت العتيق ، لا سيما في العشر المفضَّلة من أواخر شهر رمضان المبارك ، وما يختمون به شهرهم - في العادة - من التوافد العام لصلاة العيد ، فكلُّ ذلك حصل هذا العام على غير ما اعتاده الناس وألفوه ، فلم تُبقِ هذه الجائحة شيئاً من أحوال الناس إلا تناولته بالتغيير والتحويل ، حتى شاع بين المسلمين تعلُّم فقه أداء الصلاة في البيوت ، لا سيما صلاتي الجمعة والعيد ، اللَّتين لا عهد لعوام المسلمين بالنهج المشروع لهما .

وإن أسوأ الظنون - فيما آلت إليه بيوت الله تعالى - وأخوفها : أن يكون هذا طرداً من الجبَّار - جلَّ وعلا - للمُصلِّين عن بيوته ، فلم تعد له - سبحانه وتعالى - فيهم حاجة ، وقد فرَّطوا وخرَّبوا أزماناً طويلة ، ومع ذلك ما زالوا يتمتَّعون بنفحات الله تعالى في بيوته متى شاءوا ، فأراد الغنيُّ - تبارك وتعالى - أن يُذيقهم بعض إعراضه ليتَّعظوا ، ويتعرَّفوا - عن يقين - نعمة الله تعالى عليهم ، فإذا صحَّ هذا الظنُّ ، وكان هذا الحال مع عُمَّار بيوت الله تعالى : فكيف هو الحال بغيرهم ؟ بل كيف هو الحال بغير أهل الصلاة ؟

ولعلَّه أن يعقب هذه الموعظة المؤلمة : رجعةٌ صادقةٌ إلى الله تعالى ؛ يتوب فيها المفرِّطون ، ويستزيد فيها المُقْتصدون ، ويُوقِن فيها المجتهدون ، فليس أحدٌ - مهما بلغ من الفضل والإحسان - بمأمن من قضاء يُزعجه ، أو ربَّما يُهْلكه ، فالعبرة كلُّ العبرة ، فيما نزل بالأنبياء العظام - عليهم السلام - وكثير من الأولياء الكرام : من عظيم البلاء ، فغيرهم من المُخلِّطين أولى أن ينالهم بعض ما يكرهون ، فإنه ما بقيَ - بعد هؤلاء - إلا مُخلِّط .

ورغم ما في هذه الفتوى من الحزن والألم ، بفوات نعم بيوت الله تعالى ؛ لما رآه العلماء وأصحاب القرار من المصلحة الشرعيَّة في ذلك ؛ لأنه يحدث للناس من الأقْضية الشرعيَّة : بقدر ما أحدثوا في حياتهم من التجاوز والفجور ، ومع ذلك فإن فيها أيضاً إشارة إنذار لغرائب أخبار آخر الزمان ، ووقائعه العجيبة المُنتظرة ، من تلك التي لا تستوعبها كثيرٌ من العقول ، وربَّما لا يستسيغ بعضهم قبولها ، فإذا وقعت ، وشاهدها الناس : علموا حينها وأدركوا معانيَ ما أُخبروا به من غرائب الأحداث ، التي سوف يستقبلونها في آخر الزمان ، ممَّا أخبر بها الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - فإن المؤمن السعيد من وقف عند الثابت من الشرع : يقبله بقلبه ، ولا يُحاكِمه بعقله ، فإن كبار أشراط الساعة إذا بدأت : تتابعت مُسْرعة ، فلا تُمْهل بليداً ، ولا تنتظر متردِّداً ، ففائزٌ بعمله وإيمانه ، وخاسرٌ بكفره وعصيانه .

وحتى عودة الناس إلى مساجدهم - بعد نحو ثلاثة أشهر من الإغلاق - لم تكن على نحو ما اعتادوه من أداء الشعيرة التعبُّديَّة ، فرغم ما انتاب العودة من البطْء والتدرُّج ؛ فقد اقْتضت شروط العودة : الاستمرار في أخذ الاحتياطات الوقائيَّة اللازمة ، وبخاصَّة التباعد الجسدي ، الذي اقْتضى تجنُّب التقارب بين المُصلِّين توقياً من العدوى ؛ بحيث يترك كلُّ مصلٍّ مسافة متْرين تقريباً ، من الاتجاهات الأربعة المحيطة به ، حتى بدت صفوف المُصلِّين : أشبه ما تكون بصفوف المُتدرِّبين الرياضيين ، ممَّا اضطرَّ بعضهم إلى اتخاذ الساحات الواسعة المفتوحة : مُصلَّيات عامة لاستيعاب أعداد المُصلِّين ، الذين ضاقت بهم مباني المساجد المحدودة ؛ من أجل شرط التباعد الذي لا بدَّ منه .

ولا شكَّ أن هذا التباعد الجسدي بين المصلِّين - على هذا النحو - يُضعف من روحانيَّة صلاة الجماعة ، التي يبعثها التلاحم بين صفوف المُصلِّين ، والتراص الجسدي فيما بينهم ، حتى غدا المُصلُّون - حين يلتقون في المساجد - يتناظرون عن بُعد ، ويُشير بعضهم إلى بعض دون تماس ، يتوقَّى كلٌّ منهم لمس جسد أخيه ، خشية أن يكون مُصاباً بالوباء .

ومن ظنَّ من السذج أن مثل هذا التباعد لا يُؤلم النفس ، ولا يثقل عليها : فلا رأي له ، ولعلَّه معذورٌ يحكي تجربته الشخصيَّة الطويلة في الانعزال الاجتماعي ، التي أفقدته الإحساس برحمة التلاحم الجماعي ، وأنـْستْه مشاعر التعاطف بين الأصدقاء وذوي القربى ، حتى تحجَّرت نفسه على أشكالٍ خارج طبيعة سلوك الثدييات ، فعاد جسداً بلا حياة ، فإن الشخصيَّة الانعزاليَّة - التي تختار العزْلة بغير سند شرعيٍّ - لا تُدرك مُسوِّغاً للتعاطف الإنساني ، ولا تفهم معنىً للاختلاط الاجتماعي ، وربَّما داخلها رُهاب التجمُّعات البشريَّة ، فلا يصحُّ أن يكون شواذ الناس : معياراً للسلوك الإنسانيِّ القويم .

ولا يغيب عن الأذهان العقوبة التي أنزلها الله تعالى بالسَّامري ؛ انتقاماً منه على إضلاله بعض بني إسرائيل ، حين غاب موسى - عليه السلام - لميقات ربِّه - عزَّ وجلَّ - فزيَّن للقوم عبادة العجل ، فعُوقب أن يمضي في الحياة بلا مساس ، فلا يمسُّ أحداً ولا يمسُّه أحد ، حتى توحَّش فانفرد عن الناس في الأحراش والأدغال ، فلينظر المُتأمِّل كيف عمَّت عقوبته هذه الناس أجمعين ، فأصبحوا يتنافرون من مساس بعضهم بعضاً ، وهم داخل مدنهم وأسواقهم ومنازلهم ، يتوقون ذلك بالكمَّامات والقفَّازات .

والغريب أن هذه العقوبة - بقطع حاسَّة اللَّمس - كانت بين أصناف العقوبات التي مُورست على المعتقلين بسجن غوانتانامو ، الواقع في جنوب شرق جمهوريَّة كوبا ، ضمن أمريكا الجنوبيَّة ، حيث اتخذت منه السلطات الأمريكيَّة معتقلاً خارج حدودها الرسميَّة ؛ لتمارس فيه سلْطة مُطْلقة خارج القانون ، ضدَّ من صنَّفتهم أخطر الإرهابيين ، فكانت عقوبة قطْع حاسَّة اللمس للأشياء والأشخاص : ضمن العديد من العقوبات الأخرى ، التي شملت قطع جميع حواس المُعتقل عمَّا حوله ؛ بهدف تحطيم بنائه الشخصيِّ ، وهذا - لا شكَّ - من أشدِّ ما يمكن أن ينزل بالإنسان من العذاب النفسي .

وهاهم الناس في عالم اليوم - في ظلِّ وطأة هذه الجائحة الوبائيَّة العامة - قد نالهم شيءٌ من هذه المشاعر الانعزاليَّة المؤلمة ، التي فرضت عليهم قدراً ضروريًّا من التباعد الاجتماعيِّ ، وبعثت فيهم أحاسيس التوجُّس والريبة من الآخرين ، حتى غدت النفْرة اختيار الجميع تجاه الجميع ، على نحوٍ عالميٍّ عام ، لم يكن لهم به سابق خِبرةٍ ولا خَبر ، فما كان سلوكاً مستهجناً قبل الأزمة : أصبح بعدها سلوكاً مستحسناً ، بل فرضاً ضروريًّا لازماً ، تُعاقب على انتهاكه القوانين والتشريعات .

وهكذا تغيُّرات آخر الزمان تأتي غريبة وسريعة ، لا تترك للناس فرصة لتأمُّلها وتفحُّصها ، فضلاً عن أن تسمح لهم بتجنُّبها ، أو تعديل مساراتها ، وإنما تسوقهم في دروبها سوقاً ، لا يدَ لهم في شيء من فصولها وأحداثها ، فالسعيد من تحضره منيَّته على التوحيد ، طيِّب النفس ، صادق الود ، لا يُسرُّ ضغينة ولا حسداً ، قد خزن من لسانه ، وكفَّ من يده : ما يُحبُّ أن يُقابله الناس بمثله .

صدق الوحي والنبوَّة :

وفي هذا الصدد : فقد أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الناس في آخر الزمان - حين يفجُرون - يُبتلون بأمراضٍ لم يسبق لأسلافهم بمثلها ، ومصداق هذه النبوءة المحمَّديَّة من الوقائع الشاهدة لا يُنكره عاقل ، فقد بلغ الفساد بكثير من المجتمعات المعاصرة مبلغاً لم يسبقهم إليه أسلافهم ، وتجرَّؤوا على مُحرَّمات خلقيَّة وسلوكيَّة ، وعقديَّة وروحيَّة ، ومحرَّمات أخرى صحيَّة ؛ من مأكولات بغيضة نتنة ، ومشروبات خبيثة قذرة ، حتى ما عاد عند بعض الشعوب المعاصرة شيئاً يتَّقونه من المحرَّمات ، اللهمَّ إلا ما كان من تجاوز حدود قوانين الصخرة والطغيان الجائرة ، فلم تكن سنَّة الله تعالى - في عقوبة المخالفين - لتفوت هؤلاء ولا غيرهم ، حتى نالتهم حظوظهم من أرجاس العذاب وصنوفه .

في هذا الخضمِّ المتلاطم : يستحضر المؤمن جمال دينٍ أباح لأهله الطيِّبات ، وحرَّم عليهم الخبيثات ، وأمرهم بالصالحات ، ونهاهم عن المُفسدات ، حتى عاد المؤمن مصوناً بدينه ، مُحصَّناً بشريعته ، محفوظاً بسنَّته ، فما يكاد يمضي زمنٌ يسيرٌ من الوقت ، حتى يصدر عن بعض مراكز الأبحاث العلميَّة المرموقة : ما يُؤيِّد الوحي المبارك ، في واجبات أوجبها ، أو في مناهيَ حرَّمها ، أو في طرائق سنَّها ، حتى غدت آيات الله تعالى شاهدة - على الناس - في الآفاق : تُبشِّر وتُنذر .

وما أدلَّ على ذلك - في هذه الواقعة العالميَّة العامة - من ظهور عظيم أحكام الوضوء وفضائله ، وما يلحقه من الآداب الشرعيَّة ، التي أصبحت فرضاً للوقاية من تفشِّي هذا الوباء القاتل ، فكم تُراه انتفع المُتوضِّئون والمُتأدِّبون منذ قرون - على كثرتهم - من هذه الشرْعة الربَّانية الحميدة ؟ وكم خسر - في مقابل ذلك - المُتنجِّسون الوقحون من فوات هذه المصالح الصحيَّة الشريفة ، هذا فضلاً عمَّا رتـَّب عليه الشارع الحكيم من ثواب اتـِّباع السنَّة ، وإسباغ الوضوء للمسلم ، بتكفير السيئات ، ورفع الدرجات ، ووعد الجنَّة للأطهار .

ولو ذهب الباحثون الشرفاء - ممَّن لم تعبث بهم العقائد والأهواء - ليتناولوا أحكام الشرع الإسلاميِّ المطهَّر : حكْماً حكْماً ؛ لوجدوا في كلٍّ منها آية للحكمة والاعتبار ، ممَّا يزيد في إيمان المؤمنين ، ويقيم الحجَّة على الكافرين .

ومع ذلك يقْبع المسلمون - في هذا العصر - في ذيل ركب الحضارة الإنسانيَّة ، ضمن هامش الحياة المعاصرة ، يعيشون عالة على المجتمع الدولي ، فيقتاتون من زرع غيرهم ، ويلبسون من نسج غيرهم ، ويركبون من صنع غيرهم ، ويُقاتلون بسلاح غيرهم ، ويتعالجون بدواء غيرهم ، حتى ما عادت لهم حجَّةٌ - من واقعهم - يتذرَّعون بها مع هؤلاء الأغيار ، حتى غدا المسلمون فتنة للقوم الظالمين .

حتى في هذه النازلة العظيمة - التي لهم فيها الكثير من حجج الشرع - لم يكن للباحثين المسلمين - للأسف - سهمٌ جادٌّ ضمن الجهود الطبيَّة العالميَّة ، المُتنافسة في مضمار تطوير علاجٍ لهذا الفيروس القاتل ، أو تركيب لقاح لحماية الناس من انتشاره المرعب ، فإنه لمن المحزن حقًّا : أن تتنافس دول العالم المتقدِّمة - عبر مراكز أبحاثها العلميَّة - في محاولة للظفر بالسبق في وضع علاج ناجع لهذا الفيروس ، أو تركيب مصلٍ يقي الإصابة به ، ومع ذلك تبقى أمة الإسلام في منأىً عن هذا التنافس الطبيِّ البنَّاء ، تنتظر - مع باقي دول العالم الثالث المُتخلِّفة - ما تجود به قرائح علماء الدول المُتقدِّمة في هذا السبيل ، لتلْتقط عندها فتات مُختبراتهم العلميَّة ، وكأن الدنيا لم تنعم قطُّ بعلوم المسلمين ومُخترعاتهم ، ولم يعرف الدهر لهم يوماً كانوا فيه قبْلة العلم والمعرفة ، حتى قام مقام الأمة من عاش دهره في عصور الظلام ، يتلمَّس - من القساوسة والرهبان - صكوك الغفران ، ممَّن كانوا يتخبَّطون صرعى بين الجهل والخرافة ، وبين الظلم والاستبداد .

الجنود المجهولون :

وإن من الحقائق البارزة ، التي تجلَّت في تفاعلات هذه الكارثة الإنسانيَّة العالميَّة : الدور الحيوي والفعَّال للأطْقم الطبيَّة في المستشفيات ، والباحثين العاملين في المختبرات الطبيَّة ، ومن يتبع لهم من الفنيين والمُساعدين والإداريين ، الذين أثبتوا وجودهم في هذه المُصيبة العالميَّة ، فبرزوا لواجهة الحياة العامة والخاصَّة ، كالتَّاج على رؤوس الناس فوق الجميع ، بما فيهم الزعماء والقادة السياسيون ، ليصفُّوا جميعاً - هم والعامة - مُتفرِّجين على فرسان الساعة ، وروَّاد الوقت ، بعد أن غيَّبهم الفنانون واللاعبون والممثـِّلون دهراً من الزمان ، فعادوا ليحتلُّوا صدارة المشهد الإنساني من جديد ، وليس ذلك لمُجرَّد التسلية والترويح عن الناس ، وإنما للسعي الحثيث في إنقاذ حياتهم من الهلاك المُتوقَّع ، ومحاولة تأمين العيش الهنيء لهم ، حتى إن كان ذلك على حساب راحة أنفسهم ، أو تعرُّضهم إلى الإصابة القاتلة ، فهؤلاء - ومن في حكمهم من رجال الأمن والمستخدمين في القطاعات الصحيَّة - أولى بالثناء والشكر والتقدير ، ممَّن أخَّرتهم الكارثة الفاضحة ، فغاب وراء صخبها وغبارها ، حتى بدا واضحاً للجميع : أن الحياة يمكن أن تستمرَّ وتزدهر بغير هؤلاء العابثين ، وأن اللَّهو - المحرَّم منه أو المكروه - ليس حتماً ضروريًّا لحياة الناس ، فقد كفَّت الجائحةُ الناسَ عن كثير من لهْوهم ومُجونهم ، حتى غدت المجتمعات أكثر نقاءً ، وأفضل سلوكاً .

الوحوش المُتحضِّرة :

وإن من أعظم الآيات التي برزت للعيان - في هذه الأزمة العالميَّة - صحَّة مُعتقدات المسلمين في المطاعم المُحرَّمة ، فقد أجمع العالم على لوم الصينيين في توسيع أنواع مآكلهم ومشاربهم ، فقد بلغت بهم الجُرأة على أن تعدَّوا على مُختلف أصناف البيئة الحيوانيَّة ، بطريقة فجَّة مقيتة ، فلم يكد ينجوَ شيءٌ من المملكة الحيوانيَّة - المُتاحة في البيئة المحليَّة والبريَّة - من أن يكون طبقاً شهيًّا لموائدهم القذرة ، ممَّا أفقد البيئة الفطريَّة توازنها الطبيعي ، حين عبثوا بكائنات لم تُخلق للأكل ، وإنما خُلقت - كما خُلق كثيرٌ من الكائنات الأخرى - من أجل التوازن البيئي ، وفق حكمة الخالق العظيم جلَّ جلاله .

ولئن كان العذر قائماً لقبائل مُسْتوحشة في بعض صحارى العالم وأدغاله النائية ، حين يفقد أهلها حاسَّة التمييز الإنسانيَّة ، بين ما يُستحسن وما يُستقْبح من الأطعمة والأشربة ، لا سيما حين تضيق عليهم سبل العيش : فإن العذر ممْنوعٌ عن دولة مُتقدِّمة كالصين ، بلغت ما بلغت من التقدُّم العلمي والصناعي في جميع المجالات الحيويَّة ، حتى إن مُنتجاتهم الصناعيَّة قد غزت جميع أسواق العالم الحديث بلا استثناء ، ومع ذلك تقبع فئات واسعة من شعبها في هذه الحمأة النتنة من الرذائل السلوكيَّة .

هذا إضافة إلى أساليبهم الوحشيَّة في إعداد هذه الأطباق الفاسدة ، التي يتجرَّؤون فيها على فظائع إجراميَّة تجاه الحيوانات حيَّة ، قبل أن تزهق أرواحُها ، بل بلغت ببعضهم الجرأة : أن يتناولوا بعض هذه الحيوانات المُستقذرة حيَّة دون طْهيٍ ، ضمن سلوكيَّات مُتوحِّشة بشعة ، تصعب - على السويِّ - حكاية وصفها ، وهذه المسالك القبيحة من عجائب ما يمكن أن يصدر عن ضُلال بني آدم ، حتى ضجَّت - لذلك - العديد من المنظَّمات الحقوقيَّة منذ سنوات ، مُعترضةً على هذه الجرائم الوحشيَّة بحقِّ الحيوانات ، رجاء تكثيف الجهود لوقف هذه الممارسات الظالمة ، أو على الأقل الحدِّ منها ، فلم تسْتجب حكومة الصين إلا مُؤخَّراً ، بعد أن ظهر الوباء القاتل ، مُنبعثاً من باطن أحد هذه الأسواق الموبوءة ، فعملت على إغلاق كثير منها ، ومع ذلك بقيت أسواق الصين السوداء عامرة ببيع اللحوم القذرة الممنوعة .

وهكذا البشر - مهما بلغوا من التقدُّم الحضاريِّ - هم - على الدوام - في ضرورة مُلحَّة للهداية الإلهيَّة ، سواءً في معتقداتهم وعباداتهم ، أو في أخلاقهم وسلوكيَّاتهم ، لا يستغنون - بحالٍ - عن إلهِهِم - تبارك وتعالى - في شيء من كبير شأنهم أو صغيره ، فإذا لم يُذعنوا للعمل بحكم الشرع عن طواعية : جاءهم بطش القدر يدكُّ رقابهم ، ويدوس جباههم ، ويُرغم أنوفهم ، في صورة من صور انتقام البيئة لانتهاك طبيعتها الفطريَّة ، ليكون معلوماً ومُتحقِّقاً عند الجميع : أن المُحرَّمات الدينيَّة ليست خرافة عبثيَّة ، وإنما هي حقيقةٌ ربَّانيَّة ، ورحمةٌ إلهيَّة ، ومصلحةٌ إنسانيَّة .

وأما حديث بعضهم عن عذر الصينيين في إضافة طوائف جديدة من المملكة الحيوانيَّة إلى قوائم مأكولاتهم : إنما هو من أجل تعويض ما قضمته مصانعهم المُشيَّدة من أراضيهم الزراعيَّة ، حين تحوَّلت مساحاتٌ زراعيَّة واسعة إلى مُنشآت تصنيع وإنتاج ، لمواكبة تطلُّعات خطط الحكومة لريادة العالم الصناعي ، ممَّا انخفض معه حجم المُنتجات الزراعيَّة عن استيعاب حاجات أكبر سوق استهلاكيَّة في العالم ، فاندفعوا مُضطرِّين إلى التعويض الغذائي بالمُتاح من البيئة الحيوانيَّة ، وإن كانت مُسْتقذرة !!

ولئن كان هذا العذر منطقيًّا للمُضطَّر زمناً ما ، حين تضيق به السبل ؛ فإنه ليس بعذر لدولة كالصين ، التي أثبتت قدرتها الفائقة على استحداث أنشطة تجاريَّة واستثماريَّة مذهلة ، في أزمنة قصيرة قياسيَّة ، فلن يعوزها تطوير تربية الأنعام والدواجن والأسماك ، وغيرها ممَّا استحسنه الناس على مرِّ عصورهم المُتعاقبة ، لتلبية حاجات المواطنين ، مع توسيع الأراضي الزراعيَّة وتطوير مُنتجاتها بدلاً من قضْمها ، ضمن خطط مُحكمة متوازنة ، بين المُنشآت الصناعيَّة والأخرى الزراعيَّة ، فإن هوس الإنتاج الصناعي ، على حساب الإنتاج الزراعي لن يكون ذا جدوى في مواجهة الأزمات الاقتصاديَّة ، والجائحات الوبائيَّة المُفاجئة .

وقد أثبت التاريخ الاقتصادي : أن أمة لن تجوع ما دام أنها زراعيَّة ، وما زال المجتمع الزراعيُّ - دائماً - هو قاعدة الانطلاق نحو التحضُّر والتقدُّم ، وما نهضت المجتمعات الحديثة في أوروبَّا وأمريكا ، إلا من بطن المجتمعات الزراعيَّة ، فهي الأصل في النهضة ، وهي أيضاً الضمانة - بإذن الله تعالى - في تحقيق السلامة والأمان الغذائي .

حديث المؤامرة :

ولئن تحدَّث بعضهم - في هذه الأزمة - عن مؤامرة النخبة الرأسماليَّة المُحترمة في العالم ، على الحثالة المُسْتحقرة من الشعوب ، في تطوير سلالة هذا الفيروس الخبيث ؛ ليكون وسيلة حربٍ بيولوجيَّة جرثوميَّة فتَّاكة ، يُهلكون بها خصومهم ، ممَّن يُنافسونهم على التحكُّم في الأسواق ، ويُزاحمونهم على نهب الثروات ، فيستفردون وحدهم بالموارد الشحيحة المُتاحة ؛ لتخلُص مُقدَّرات العالم - في نهاية المطاف - إلى أيدي حفنة قليلة من الاقتصاديين والسياسيين ، تتحكَّم في حركة الناس وأنشطتهم ، من خلال شرائح إلكترونيَّة دقيقة جداً ، تُزرع في أجسادهم بحجَّة اللِّقاح ، فيُتتبَّعون من خلال شبكات الإنترنت الواسعة العملاقة ، وفي الوقت نفسه : يُطهِّرون - حسب ظنِّهم - البشريَّة ممَّن لا حاجة للحياة فيهم ؛ من المرضى المزمنين ، أو العجزة المعمِّرين ، أو الآخرين ممَّن هم عالة على غيرهم ، ممَّن يستهلكون ولا يُنتجون ، بناء على الفكرة الدارونيَّة في بقاء الأصلح .

إذا صحَّ الأمر على هذا النحو العام والشامل ، فهو أيضاً من قدر الله تعالى ؛ حين يُسلِّط الناس بعضهم على بعض ، فإنه لا يجري في كونه - جلَّ وعلا - إلا ما أراد من الخير أو الشر ، ومع ذلك فلن يتعدَّوا بمكرهم قدْراً حدَّه الله تعالى لهم ، فإن أمضى لهم - بحكمته - بعض مكْرهم : فلن يُمضيَه لهم كلَّه ، وإن أذن لهم في شيء من الأمر : فلن يأذن لهم في الأمور كلِّها ، فإن لكلِّ شيء قدْراً لا يتجاوزه : من المكان والزمان والحجم ، والله غالبٌ على أمره ، وقضاؤه لا بدَّ نافذ في خلْقه .

ومع كلِّ هذه التكهُّنات المُتداولة بين المحلِّلين : فما يزال الغموض يلفُّ قضيَّة هذا الفيروس وتداعياته العالميَّة ، والجزم بأحد الاحتمالات : يبقى ضرباً من الظنِّ ، ما لم تُؤيِّده الأدلَّة العلميَّة ، وتشهد له الوقائع القائمة .

ولا يغيب عن أذهان المراقبين - في هذه الأحداث الجارية - أن الساسة الغربيين :  هم أسرع الأقوام إفاقة عند الأزمات حين تفجَؤهم ، وأبلغهم قدرة على التأقْلم مع الأحداث حين تُباغتهم ، فلا يبعد عنهم ارتداء ثوب الزور ، بادِّعاء ما ليس لهم ، فيُوحون للعالم - عبر بعض وسائلهم اللَّطيفة - أنهم أصحاب الحدث الأكبر ، فهم من يتحكَّم في العالم وفق إرادتهم ، فما يجري فيه قد سبق الإعداد له ، وفق خطط مُتقنة مُحكمة ؛ ليكون ذلك أبلغ في سيطرتهم على الآخرين ، وأمضى في هزيمة خصومهم النفسيَّة .

لا سيما وقد ثبت في السنَّة الصحيحة - كما جاء في صحيح مسلم - أن في السنَّة ليلة ينزل فيها وباء عام ، يُصيب الآنية المكْشوفة ، فلعلَّ ما عمَّ العالم هو من هذا الوباء السنويِّ الذي ينزل ، فإن قذارة الأسواق الشعبيَّة في الصين : جديرة باستقبال مثل هذا الوباء ، وليس هو ما يدَّعيه المزوِّرون لأنفسهم من القدرات الفائقة ، ليمضوا بها فوق ما ينبغي لهم ، إمعاناً منهم في فتنة الشعوب .

والعجيب في الأمر : أن أحد رواة هذا الحديث ، وهو الإمام اللِّيث بن سعد - وأصله من فارس من أهل أصبهان - قال في تتمَّة الخبر : ( فالأعاجم عندنا يتَّقون ذلك في كانون الأول ) ، أي يتوقَّعون نزول الوباء في شهر كانون الأول ؛ ولهذا يخافون نزوله عند قدوم هذا الشهر ، وهو الشهر الثاني عشر من الأشهر الآشوريَّة ، الذي يُقابله شهر ديسمبر ، وهو الشهر الثاني عشر أيضاً من الأشهر الميلاديَّة ، وهو الشهر بعينه من عام 2019 الذي أُعلن فيه عن الوباء لأوَّل مرَّة ، فهذه موافقةٌ نبويَّةٌ واقعيَّةٌ : تربط المسلمين بدينهم ، فلا يمضون - مع المُدَّعين - بعيداً عن الحقائق .

ومثل هذه التصريحات الدعائيَّة : لا ينبغي أن تمضي على العقلاء دون مراجعة وتمحيص ، لا سيما وأن الأزمة الحاليَّة انحطَّت بثقلها على الجميع ، وانعكست على العموم ، وتصنيع الأسلحة البيولوجيَّة : لم يعد سرًّا علميًّا ، ولا حكراً على دولة بعينها ، فمن لعب منهم بالنار : فقد ناله من لظاها ، فإن المصيبة - حين نزلت - لم تُميِّز مُتآمراً ولا غافلاً .

ومن ظنَّ من الخرَّاصين : أن البشر ينقرضون بمثل هذه المؤامرات الحالمة ؛ ليخلص المُتآمرون إلى النخبة الذهبيَّة : فقد ظنَّ ما لا يكون أبداً ، فإن نفساً لن تموت قبل حضور أجلها المكتوب ، وكذلك الأمم والجماعات : قد ضرب الله لهم آجالاً ، لا يستقدمون عنها ساعة ولا يسْتأخرون ، فمن مات - من فردٍ أو جماعة - فقد مات بأجله المُقدَّر ، ضمن أمر قد فُرغ منه في الأزل ، وليس بإرادة مخلوقٍ ماكرٍ مُتآمر .

بل لو عزم أئمة الكفر المُعاصرون : على استخدام كلِّ ما أُوتوه من أسلحة الدمار الشامل : بأنواعها وأصنافها المُختلفة ؛ لإنهاء الحياة على كوكب الأرض : ما قدروا على ذلك ؛ لأن نهايتها مرهونة بنفخة الصور ، حين يأذن الله تعالى لصاحب الصور - عليه السلام - بالنفخ فيه ، أما قبل ذلك فليس الأمر إليهم .

وإنما الخشية فيما يُنتظر منهم - ممَّا لا يُؤتمنون عليه - هو احتمال استثمارهم هذه الجائحة وتداعياتها الصحيَّة ، فيما يكون فيه الضرر - بوجهٍ ما - على المسلمين ، سواءً كان ذلك في مخاطر تجارب اللقاح الجديد على البشر - فاستباحتهم لمثل هذا السلوك العنصريِّ المشين معلومة - أو في مكرهم بحقن أكبر عدد من المسلمين بما يضرُّهم في الآجل من عواقب صحيَّة ، لا يُدرى حجم آثارها المستقبليَّة ، ممَّا يُضاعف المسئوليَّة على الطواقم الطبيَّة المسلمة ، في أن يكونوا مقدِّمة الأمة للتصدِّي لهذا المكْر .

لا سيما وأن النزاع - بين الأطباء المُختصِّين - لا يزال قائماً حول جدوى الأساليب المُتَّخذة حالياً في علاج مرضى الوباء ، باعتبار أنها تسير في الاتجاه الطبيِّ غير الصحيح ، ممَّا اعتُبر تضليلاً طبيًّا ، اتـُّهمت به مُنظَّمة الصحة العالميَّة ، كما اتـُّهمت  بالتواطؤ على كتمان خطر الوباء عند أوَّل أمره ، حتى بلغ ما بلغ من الانتشار والعموم .

هذا إضافة إلى حجم الأرباح الطائلة المُتوقَّعة ، من وراء الاستثمار في صناعة الدواء وتسويقه ، لا سيما للشركات المُحتكرة ، والأخطر منه احتكار تطوير صناعات اللقاحات الوبائيَّة ، التي أصبحت حكراً على شركات عالميَّة بعينها ، تجني من ورائها أرباحاً خياليَّة ، فلا يبعد - تحت ضغط الحاجة العالميَّة والجشع التجاري - أن تتخفَّف من الْتزام بعض الخطوات العلميَّة المخبريَّة في تطوير اللقاح ، والانتقال به إلى درجة عالية من النجاعة والأمان ؛ ليكون أبلغ في كفاح الداء ، وأسلم من آثار جانبيَّة غير محمودة ، فالتداخل في المصالح بين الشأنين السياسيِّ والاقتصاديِّ : قد يسمح بنفوذ بعض هذه الشركات المُحتكرة إلى مصالحها الخاصَّة ، على حساب مصلحة المجتمع وصحَّة أفراده .    

واجب الدعوة :

إن صحَّ الخبر عن المؤامرة : فإن اللائمة تنحطُّ أوَّل ما تنحطُّ على عموم المسلمين ، أصحاب الرسالة الخاتمة ، الذين يحملون الحقَّ الصريح ، ويعرفون الطريق الصحيح ، ممَّن كلَّفهم الله تعالى الشهادة على الناس أجمعين ، ثم هم - مع ذلك - ساهون عن واجب إقامة الحجَّة على العالمين ، وقيادة البشريَّة إلى الصراط المستقيم ، وحماية الإنسانيَّة من تعدِّي المُبطلين ، ممَّن يتآمرون على إهلاك الناس ، ويسعون إلى تخريب العالم ، فأنى للمسلمين أن يُقيموا حجَّة - فضلاً عن أن يُدافعوا عن مظلوم - وهم بالمكان الذي هم فيه من التخلُّف والفرقة والهوان !!

ومع ذلك لا يُعذرون جماعات ولا فرادى - كلٌّ بحسبه - أن يعملوا بدينهم ضمن المُتاح ، ويدعوا إليه قدر المُستطاع ، ويُقيموا به الحجَّة على من يبلغونهم من الناس ، فإن العجز عن البلوغ بالدعوة الناسَ أجمعين : لا يُسقط فرض القيام بالواجب - الممكن - تجاه الواحد أو الاثنين منهم ؛ فإن ما لا يُدرك كلُّه : لا يُترك جلُّه ، وانعطاف الواحد من الكافرين إلى الحقِّ ، وإذعانه بدين الإسلام : هو خيرٌ من نفائس الأموال ، كما جاء في الحديث النبوي .

ثم ما أُتيح في هذا العصر من وسائل الاتصالات الواسعة واليسيرة : لم يترك لأهل العلم والدعوة عذراً في إهمال ما أُتيح منها في نشر الحجَّة بدين الإسلام ، سواء كان بدعوة الآخرين إليه ، أو بالعمل على إصلاح ما فسد من حياة المسلمين وأخلاقهم ، فكلُّ ذلك أصبح اليوم مُتاحاً ، فمن تُراه يعجز - من شباب هذا الجيل - أن ينشر - عبر شبكات التواصل الاجتماعي - آية قرآنيَّة ، أو حديثاً نبويًّا ، أو نصيحة خلقيَّة ، أو مقْطعاً وعظيًّا ، أو منظومة أدبيَّة ، أو نحو ذلك ممَّا ينفع الناس ، فالقيام بشيء من الواجب الدعوي : أولى عند الله تعالى من أعذار العجز والكسل ، وقد تُوفيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبلغ بالدعوة أعيان جميع أهل الأرض قاطبة ، فهذا واجب المسلمين المُتاح في هذا الوقت ، وهذا ظرف زمانهم ومكانهم الذي قدَّره الله تعالى لهم ، فليس لهم النكوص عمَّا نيط بهم من المُتيسِّر من واجب الدعوة ، فإن من المُتقرِّر شرعاً : أن الميْسور من الواجبات : لا يسْقط أداؤه بالمعْسور منها .

ثم إن المؤمن الصالح حين يموت بهذا الوباء - سواءٌ من جرَّاء مؤامرة أو بدونها - فهو إلى رحمة الله تعالى بكلِّ حال ، فالموت تحفة المؤمن في آخر الزمان ، حين لا يبقى من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنة ، فهو كالحبيب حين يأتي على شوق ، وأسوأ المسلمين حالاً من يموت بهذا الوباء ، فيكون تحت مشيئة ربِّه الكريم ، بين عدله وفضله ، ثم هو في نهاية أمره إلى رحمة ربِّه .

وأما الكافر - حين يموت به - فإن مصيره إلى عذاب الله تعالى ، مفتوناً بملايين المسلمين الصادِّين عن سبيل الحقِّ والهدى ، فما أتعسه بشراكة هؤلاء المُتقاعسين عن الدعوة ، فأيُّ جناية اقترفها المسلمون المعاصرون في حقِّ هؤلاء الضالِّين ، حين حرموهم حقوقهم في نعمة الإسلام ورحمته ؟

ولا يُعتذر هنا بالقضاء والقدر ؛ فيقول القائل : لو شاء الله لهداهم !! فيُلقي بمسئوليَّة تكاليف الدعوة على المشيئة الكونيَّة ، مُتغافلاً عن واجب العمل بالمشيئة الشرعيَّة ، التي حكمت على أهل التوحيد جميعاً بفرض التبليغ ، والقيام بالشهادة على العالمين ، والنهوض بالدين للمُسترشدين ، ولو كان ذلك بقدر آية واحدة ، فمن كان - من المسلمين - سبباً في فتنة الكافر عن الدين الحقِّ : فلن يفوت الله تعالى بجرْمه ، ومن مات من الكفَّار مفتوناً بواقع المسلمين ، فلم تقم عليه الحجَّة الشرعيَّة ، التي يسقط بها عذره : فهو من أهل الفترة ، وأمره إلى الله تعالى ، ولا يظلم ربُّك أحداً .

 

]]>
Wed, 25 Mar 2020 17:21:57 +0300
الاستخفاف بالفتن مقال شهر رجب 1441هـ

الاستخفاف بالفتن

الحمد لله الكريم المنَّان ، العظيم الرحيم الحنَّان ، والصلاة والسلام على النبيِّ الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإن الابتلاء بالفتن : واقعٌ طبيعيٌّ في الحياة الإنسانيَّة ، لا يسلم منه أحد ، وإنما يتفاوت الناس في حجم ما يُبْتلون به منها : كثرةً وشدَّة وتنوُّعاً ، وما يترتـَّب على ذلك فيهم من الثبات والسلامة ، أو من الافتتان والتعاسة .

ولقد ارتبطت الفتن والبلايا بالصالحين من عباد الله تعالى ؛ كالأنبياء والأولياء والأصفياء ، والأمثل فالأمثل ، كما أنها في غيرهم من عموم الناس ، غير أنها في حقِّ الصالحين رفعة وصفاء ونقاء ، ثم هي فيمن دونهم من الأماثل كذلك ، إلى أن تخلص الفتن إلى أراذل الناس وشرارهم ، فتكون في حقِّهم عقوبة وحزناً ، فمنهم من تُكفِّر من أخطائه وسيئاته ، ومنهم من لا تزيده إلا إثماً ودماراً .

ولهذا يكذب من يزعم أنه آمن من الفتن ، أو أنه يملك مهارة الوقاية منها حين يبدو رأسها ، فلا يلْحقه من ضررها شيء !! رغم أن الله تعالى يقول في حقِّ نبيه إبراهيم - عليه السلام - : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ ) (37/106) ، ويقول في حقِّ نبيه موسى - عليه السلام - : (...وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا...) (20/40) ، ويقول في حقِّ نبيِّه سليمان - عليه السلام - : ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ) (38/34) ، وهكذا كبار الأولياء يُبْتلون بأنواع البلايا والفتن ، فما من نبيِّ إلا ونال حظَّه من ذلك ، ممَّا هو - في جملته - أعظم من بلاء غيرهم من عامة الناس ، فكيف يُبْتلى هؤلاء الصفوة الأخيار من الأولياء الأصفياء ، ثم ينجو مَن دونهم بزعم المهارة وحسن الأداء ؟! فإن هذا مُخالفٌ لسنَّة الله تعالى في عباده ، مع ما فيه من الغرور والاستخفاف .

ومع ذلك فإن الرزيَّة كلُّ الرزيَّة فيمن يُبْتلى بالفتن ، وربَّما غرق فيها إلى شحمة أذنيه : ثم هو بعد ذلك يزعم أنه سليمٌ منها ، حين لم يعد يشعر بوطأتها عليه ، فإن أسوأ ما يكون من طبيعة بعض الفتن : أنها تُهْلك صاحبها وهو لا يعلم ، فتسْلبه قدراً من دينه وأخلاقه ، بل ربَّما ذهبت بدينه كلِّه في ساعة افتتان ماحقة ساحقة ، ومع ذلك لا يشعر في نفسه بما لحقها من التهْلكة ، ولا يحسُّ في داخلته بما نال قلبه من التغيير ، فإن من طبيعة المؤمن : أنه يستنكر قلبه إذا طرأ تغييرٌ عليه ، ويستهجن نفسه إذا اختلفت عليه ، ولا يغفل عن مثل هذا من نفسه إلا مخذولٌ وضيع ، هذا فضلاً عن شقيٍّ يعلم كلَّ هذا ويعرفه ، ومع ذلك يُصرُّ ويتمادى .

وإنما يسْتهين بالفتن ويستخفُّ بها من لا خلاق له من الناس ، ممَّن وصف الله تعالى حالهم - من الفتن - بقوله : (...وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا...) (9/49) ، فلا تكفي للسلامة المزعومة دعوى توقي الفتن ، أو حسن الأداء عند قدومها ، حتى يكون من المؤمن صدق اللُّجوء إلى الله تعالى ، بدوام الطاعة له - جلَّ وعلا - ولرسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - فإذا كان ذلك من العبد : جاز له - حينئذٍ - أن يجتهد في شأن الفتن ومُتغيِّراتها المُختلفة حين تُداهمه ، فيما يجب عليه تجاهها من الاختيارات الاجتهاديَّة ، سواء صحَّ اختياره أو لم يصحَّ ، ما دام أنه قد أفرغ وسعه في طلب الحقِّ ، فهو غير معصومٍ فيما ينتهي إليه اجتهاده ، ما دام أنه مُتَّقٍ ربَّه في كلِّ ذلك ، صادق النيَّة ، حسن المقْصد ، يرجو الصواب ويرومه ، ويتجنَّب الخطأ ويتحاشاه .

ومن ظنَّ أن الأصل في التعامل مع الفتن : هو تجنُّبها بإطلاق ، فلا يكون منه شيءٌ تجاهها : فليس بصحيح على إطلاقه ؛ فقد يكون الصواب في خوضها ؛ بقصد درء ما هو أسوأ من أحوالها ، وقد يكون أيضاً في الكفِّ عنها مُطْلقاً ، وعدم التعرُّض لها ، فالمسألة - من هذه الجهة - اجتهاديَّة ، وما كان من المسائل اجتهاديًّا ؛ فإنه لا يُنقض باجتهاد آخر ، وإنما القطْع فيما ثبت فيه إجماع .

وليس لمن اختار رأياً في فتنة ، ثم بان صوابه بعد جلائها : أن يُعيَّر من أخفق في اجتهاده فيها ، فهذا مسلك قبيحٌ في مثل هذه المواقف الفقهيَّة الشائكة ، وإنما التقيُّ من يسأل الله تعالى العافية من اجتهادٍ لا يُحالفه الصواب ، فإنه ليس للمجتهد من الاختيارات المُتاحة إلا ما بدا له احتمال صوابه ، فهذا فرضه تلك الساعة ، فإن كان الأمر كما ظنَّ : فذاك فضل الله تعالى عليه ، وإن كانت الأخرى ، فهذا قضاؤه - سبحانه وتعالى - فيه ، فكلا الأمرين من عند الله تعالى : (...قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ...) (3/78) .

وجمهور الصحابة - رضوان الله عليهم - اختاروا القتال في الفتنة الأولى (انظر: فتح الباري لابن حجر 13/41) ، التي نشبت بين عليٍّ ومعاوية - رضي الله عنهما - رغم أنها حادثة خطيرة فريدة لا سابق لها ، ومع ذلك انتهى اجتهاد غالبهم - من الطرفين - إلى التفاعل معها بإيجابيَّة كاملة ؛ فأهل الشام تعاملوا معها ، حين لم يروا أنهم مُلْزمون بالبيعة ، وأهل العراق تعاملوا معها نصرة للشرعيَّة التي اكتسبها أمير المؤمنين عليٌّ - رضي الله عنه - بالمبايعة ، فهم مُلْزمون - بمقْتضى هذه البيعة - بطاعته ، فيما أحبوا من الأمور أو كرهوا .

والقلَّة من الصحابة - رضي الله عنهم - من الذين لم يُبايعوا ، أو بايعوا ولكنهم اشْترطوا ، هم الذين آثروا اعتزال الفريقين ، حين انتهى اجتهادهم إلى التوقُّف في ذلك ، ولم يتبيَّن لهم أفضل ممَّا اختاروا ، فلم يكن اجتهاد هؤلاء القلَّة بأولى من اجتهاد أولئك الكثرة ، لا سيما وأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصف إحدى الطائفتين المُقاتلتين بالبغي ، والأخرى بأنها أولى بالحقِّ .

وليس هذا من باب إقرار فتن التنازع والاقتتال بين المسلمين ، فإن الصلح أحسن وأفضل ، وهو المُتعيِّن على المُتنازعين إن تيسَّرت أموره ، وإنما تترجَّح الأخرى لدفع أعظم المفسدتين بأهونهما ، حين لا يكون بدٌّ من القتال ، ولهذا قال النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - : ( إذا بويع لخليفتين فاقْتلوا الآخر منهما ) ؛ وذلك لقطْع مادة الفساد السياسي ، فإذا أمكن تحقيق هذا المقْصد بغير دماء : تعيَّن ذلك ؛ لأن قتال الخليفة الآخر : بمنزلة دفع الصائل ، فمتى اندفع شرُّه عن المسلمين باليسيرة ، لم يتعدُّوها إلى العسيرة .

وللناظر أن يتأمل حال الحاكم الشرعيِّ ، الذي اتفق جمهور الجماعة على بيعته ، وفيهم أهل الحلِّ والعقد ، ثم يأتي من يُنازعه حقَّه في السلطة ، فتُسْلمه الجماعة المبايعة لعدوِّه بحجَّة الورع ، وترك القتال في الفتنة !! فهذا - على ما فيه من نقْض مقْتضى البيعة - فإن من شأنه تقْويض أركان المجتمع الإسلامي ، وارتهانه للخوارج والمُغرضين ، وتركه للغزاة الطامعين ، ممَّن ليس لهم من الورع قليلٌ ولا كثير ، ففي الوقت الذي يتورَّع فيه الصالحون عن العمل بمقْتضى بيعة الأول فالأول - التي أُمروا بها شرعاً - يستغلُّ المُبطلون - ممن لا مروءة لهم ولا دين - هذا الورع السلبي للفتْك بنظام الحياة السياسيَّة للمجتمع المسلم ، فما أسعدهم بالورع حين يأتي سلبياً من جانب واحد .

ولهذا اختار جمهور الصحابة - رضي الله عنهم - الاختيار الأصعب في هذه المسألة الحرجة ؛ وذلك بمقتضى البيعة المُلْزمة ، ولم يُؤْثروا سلامة أنفسهم ، فلم يكن الورع بمانع لهم من المُضيِّ فيما ترجَّح لهم في هذه المسألة ، وقد بدا لهم - بمقْتضى اجتهادهم - وجه الصواب فيها ، فلم يكن لهم بدٌّ من العمل بمقْتضى ما ترجَّح عندهم .

وفي مثل هذه المسائل الاجتهاديَّة لا يُوصف الاختيار فيها بالورع ، سواءً لمن اختار القتال ، أو لمن اختار الاعتزال ، فإن الورع ليس دائماً في السلبيَّة ، كما أنه ليس دائماً في الإيجابيَّة ، وإنما حقيقة الورع في عمل الأسلم للدين ، والأفضل له ، وتوقِّي ما يُحتمل منه السوء ، حين ينتهي اجتهاد الورِعِ إلى ما يظنُّ أنه الأحسن ، وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (20/139) فيما يقع من الخطأ في مسألة الورع : ( اعتقاد كثير من الناس : أنه من باب الترك ؛ فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام ، لا في أداء الواجب ، وهذا يُبْتلى به كثيرٌ من المُتديِّنة المتورِّعة ) ، فالإيجابيَّة حين تترجَّح للمُجتهد : فهي عين الورع لمن زعم أنه ينشده ، حتى وإن كانت هي الأصعب والأقْسى .

والوليُّ حين يتلبَّس بالفتنة ، ويخوض غمارها مُجتهداً : لا يضيره من ذلك شيء ، ممَّا قد يلْحق به من جرَّاء تفاعله في مُعتركها ، وقد أفرغ وسعه في طلب الصواب ، وعلم الله تعالى ذلك منه على وجهٍ يعذره فيه ، وإنما يلْحقه ما يلحقه من الإثم : بترك ما ترجَّح عنده من الصواب ، سواء كان في ترك القتال ، أو كان في المشاركة فيه مع أحد الفريقين ؛ ولهذا اعتبر أهل السنَّة أن الكلَّ في هذه الفتنة الكبرى : كان مُجتهداً معذوراً ، غير أن عليًّا - رضي الله عنه - ومن معه : كانوا أسعد الناس بإحراز الصواب .

والعبرة التي تسْتوقف المتأمِّل في هذه الفتنة العظيمة : كون من تلبَّسوا بها هم - في الجملة - خيار الأمة من صحابة وتابعين ، فلم يكن فضلهم ، وجليل مقامهم : بعاصم لهم من أن يذوقوا نصيبهم من الفتنة والبلاء ، وينالوا حظوظهم من القتل والجراح ، حتى نالهم ما نالهم من آلام ذلك الحدث الجلل وأحزانه ، وقضى في تلك المعارك من قضى من كرام الناس وفضلائهم .

ثم يأتي - بعد هذا من الخلوف - من يزعم أنه يُحسن التعامل مع الفتن ، فيعرفها حين تبزق بقرنها ، فيتجنَّبها بفضل ما أُوتيَ من العلم والتقوى والخبرة !! في حين أن غيره - ممَّن لم يُقلِّده في اختياره - يستشرف لها ، فيقع في أوحالها ، ويتلوَّث بأدرانها ، ويذوق من ويلاتها ، وكأن الفتن حين تأتي تدقُّ الأبواب ، وتوقظ النوَّام ، وتُحذر العبَّاد ، لا أن الأصل في طبيعة الفتنة الغموض الذي يكتنفها ، والستر الذي يُحيط بها ، ممَّا يُعيق الفطِن عن تحديد وجه الصواب فيها ، على نحوٍ يتجنَّب معه خطأ المواقف تجاهها ، فشدَّة الخفاء هو الأصل في طبيعة الفتنة ، وإلا لم تعد فتنة ؛ لذا فإن من زعم أن الفتنة مُنكشفةٌ له ، فإنها بانكشافها لم تعد في حقِّه فتنة ، وإنما هي كرامة يدَّعيها لنفسه ، حتى ينتهي به الأمر إلى أن الفتن لا تضرُّه !!

وهذا من أسوأ ما يُبْتلى به المغرور في نفسه ، فإنه لا يستخفُّ بالفتن إلا مفْتون ، ويكفيه مُصيبةً في نفسه : أن يُبْتلى في أخلاقه بصغار الفتن السلوكيَّة ، ممَّا يسْتهين بها ويسْتصْغرها ، فينكشف حاله بين الناس ، ويفْتضح أمره بينهم ، وربَّما غدا أضحوكة اجتماعيَّة ، يتندَّر الناس بشخصه في مجالسهم ، وهو باقٍ على جهله بنفسه ، لا يدري ما أصابه من الافتتان .

إن ممَّا ينبغي استيعابه : أن الأمة الإسلاميَّة تعيش - في مطْلع الألفيَّة الميلاديَّة الثالثة - فتناً سوداً ، وأهوالاً مُهْلكة ، تشيب لفظائعها رؤوس الولدان ، حتى إنها من شدَّتها ، وعظيم عنفها : تقْتلع الدين والأخلاق من جذورهما ، وتذهب بالعقول الذكيَّة ، وتمحق الأنفس الأبيَّة ، فلا تُبقي في طرقها شيئاً إلا سحقته ، ومن نأى بنفسه عنها : لم يسلم من زلْزلتها ؛ ولهذا تحتمل من أحد سخرية ولا استخفافاً ، مهما عظمة ثقته بنفسه ، بل ربَّما كان وقع الفتن على العالِم أشدَّ من وقْعها على العاميِّ ؛ لفارق العلم بينهما ، ولكونه المعنيُّ - أكثر من غيره - بالتصدِّي لها ، وبيان حكم الشرع فيها ، ومع ذلك قد لا يصمد حين يستشرف لها ، فتذهب به أبعد ممَّا تذهب بالعوامِّ من الناس .

وفرقٌ كبيرٌ بين معذورٍ تفْجأه الفتنة ، فيجد نفسه في وسط معتركاتها ، فلا يجد محيصاً من اجتهاد عاجل يتَّخذه حيالها ، وقد ضاق عليه الزمن عن طول النظر والتأمُّل ، وبين مأزورٍ يستشرف للفتنة بوجهه مُتجرِّئً عليها ؛ فيدخل مداخلها ، ويسلك مسالكها ، ثم يدَّعي السلامة من الفتن !! 

ثم هذا الادِّعاء - بالسلامة الشخصيَّة من الفتن - لم يكن لأحد قطُّ ؛ إذ لا بدَّ من ضرر ما يلْحق الأخيار منها - فضلاً عمَّن دونهم - يرفع الله تعالى بذلك من أقدارهم ، ويضع به من أوزارهم ، فمن اجتهد منهم ، وأُلْهم في الفتنة الصواب له أجران ، ومن أخفق فله أجرٌ واحد ؛ فإن كلَّ اجتهاد - استوفى شروطه الشرعيَّة - فهو مأجورٌ بكلِّ حال ، فلا يُعيِّرُ المُجتهدين المُخْفقين بقضاء الله تعالى وقدره : إلا من حكى الله قولهم لإخوانهم : (...لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ...) (3/156) ، وكأن قضاء الله تعالى - عند هؤلاء - لن ينفذ إن هم احتاطوا له وتحاشوه !! لا أن قضاءه - عزَّ وجلَّ - نافذٌ بكلِّ حال ، كما قال سبحانه وتعالى : (...لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ...) (3/154) .

ثم إن التوقُّف - فيما لم يتبيَّن وجه الصواب فيه - مذهب شرعيٌّ صحيح ، فليس لأحد أن يُزايد على مُجتهد توقَّف في أمر لم يتبيَّن له فيه وجه الصواب ، ما دام أنه مُتَّقٍ ربَّه في اختياره ، كما هو موقف بعض الصحابة - رضي الله عنهم - من عدم المشاركة مع أحد الفريقين ، وإنما المعيب توقُّف المُجتهد فيما ظهر فيه أمر الشرع جليًّا .

وإن من أعجب ما يكون من بعض المُتحذلقة : انطلاقهم بحماسة في التحذير الشديد من الفتن ، والأمر بتوقِّيها ، وعدم الاستشراف لها ، ومع ذلك ينبري لها - هذا المُتحذلق - كأقوى ما يكون ، فيقول فيها قوله ، ويصف فيها رأيه ، ويُطْلق فيها حكْمه ، فيُحلِّل ويجتهد ، فيُصوِّب هذا ، ويُخطِّئ هذا ، ومع كلِّ هذا يزعم أنه يعتزل الفتن !! فتراه يخاف على الناس من الفتنة ما لا يخافه على نفسه منها ، فهو في حصنٍ حصينةٍ من شرورها ، حتى وكأن الفتنة - في حقِّه - غيبٌ مكْشوف ، يُبصر منها ما لا يُبصره الآخرون ، وهو في حقيقة الأمر : إما مُغرضٌ صاحب هوىً ، وإما مفتونٌ قد ركن لما يظنُّ أن فيه سلامته من الأذى ، فقال بما يُحقِّق مصلحته الشخصيَّة ، وليس بما ترجَّح له من الصواب الشرعيِّ الذي يُعذر به ، سواءً أخطأ في اجتهاده أو أصاب .

إن من المُتقرِّر شرعاً : أن التعامل مع الفتن أمرٌ اجتهاديٌّ ، حافزه صدق التقوى ، ورائده عمق النظر ، ونهجه إفراغ الوسع ، وغايته طلب الصواب ، فمن جمع هذه العناصر الأربعة في اجتهاد - أيًّا كانت نتائجه - فقد أتى بشروط الاجتهاد المشروع ، وثبت له - بناءً على ذلك - أحد الأجْريْن ؛ إما مُفرداً ، وإما مُضاعفاً .

أما المصالح الشخصيَّة ، والمكاسب الآنيَّة - حين تدخل في اعتبار المرء : علم بها أو لم يعلم - فليست من الاجتهاد المشروع في شيء ، وإنما هي من حظوظ النفس القاصرة ، وحاجاتها الفرديَّة الزائفة ، التي تحجب عن صاحبها الأجر الأخروي وثوابه ، وربَّما انقلب صنيعه إثماً عليه ، وذلك بقدر ما فوَّت من العمل بعناصر الاجتهاد المشروع ، فأيُّ فتنة تُراها أعظم من أن يقول الرجل ما لا يعتقد ، أو يعمل فيما لا يظنُّ جوازه ، ثم يتحدَّث - بعد ذلك - عن مهارته في توقي الفتن ؟

 

]]>
Tue, 25 Feb 2020 21:36:07 +0300
المسئولية الاجتماعية في تربية الطفل وتهذيبه مقال شهر حمادى اللآخروة 1441هـ

المسئولية الاجتماعية في تربية الطفل وتهذيبه

(من الإرشيف)

الحمد لله الذي خلق فسوى ، والذي قدَّر فهدى ، الذي علَّم بالقلم ، علَّم الإنسان ما لم يعلم ، أحمده وأستعينه وأستغفره ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، خير من علَّم وأدَّب ، ووجَّه ونبَّه ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد ... فإن الكائن البشري يمر بسلسلة من مراحل النمو الإنساني المترابطة والمتداخلة " بدءاً من البويضة المخصبة إلى الجنين ، إلى الوليد ، إلى الرضيع ، إلى الطفل ، إلى المراهق ، إلى الشـاب ، إلى الرجـل ، إلى الشـيخ الهرم " ،  كما وصف الله تعالى مجمل هذه المراحل بقوله :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)، فهي مراحل من النمو البشري يمر بها الإنسان ، يتدرج فـيها من ضعف إلى قوة ثم إلى ضعف ، عبر سنوات عـمره المقدَّرة ،  يشمل ذلك كل جوانب شخصيته: الجسمية ، والعقلية ، والروحـية ، والاجتمـاعية ، والأخلاقية ، واللغوية ، والانفعالية ، والجنسية ، من الإخصاب إلى الممات .

وتأتي مرحلة الطفولة من عمر الإنسان - بما تحمله من المخزون الفطري الرباني -  أساساً لما بعدها من مراحل النمو البشري ، وعليها تتحدَّد نوعية الشخصية التي سوف يكون عليها الإنسان في المستقبل ،  ولهذا جاءت "... وحـدة الطفـولة البشـرية أطول من طفولة أي كائن حي آخر . . . " ، وأضعفها أيضاً ، وأكثرها اعتماداً على رعاية الآخرين ، وذلك لتأخذ التربية - بكل أبعادها وجوانبها - مداها في صناعة الإنسان ، وإعداده وفق معايير المجتمع ومبادئه وتصوراته ، فالطفل في مفهوم الإسلام كائن بشري مكرم فريد، يُعدُّ لمسئولية التكليف ، ضمن غاية العبودية التي وُجد من أجلها، كما قال الله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ،  فالأطفال الصغـار - بهذا المعنى الإسلامي - ليسـوا مـلكاً للأسـر التي أنجبتهم ،  ولا ملكاً للمؤسسات التعليمية التي تحتضنهم ، ولا ملكاً للمجتمعات التي نشأوا فيها ، بحيث يُترك لهذه المؤسسات حق التصرف المطلق في تكييف مناهج التربية وأهدافها ، وفق نظريات وضعية ، أو مذاهب فكرية،  أو أهواء شخصية ، وإنما هم عناصر بشرية مدَّخرة ، تتهيأ - من خلال التربية الإسلامية - لزمن التكليف الشرعي ، وما يلحقهم بذلك من مسئوليات ومهام تكليفية .

ولهذا فقد حفل التراث الإسلامي بثروة تشريعية عظيمة ، مستمدة من فقه الكتاب والسنة لتربية الأطفال ، وإعدادهم لسن التكليف والإنتاج والعمل ، بما يكفل تعريفهم أصول الدين ، وتهذيبهم بآداب السلوك ، وتعويدهم نهج العبادة ، حسب مراحل نموهم ، بحيث ينشأ الطفل نشأة سوية ، تشمل كل جوانب شخصيته ، ضمن منهج تربوي إسلامي ، يراعي طبيعته الفطرية ، وحاجاته الإنسانية .

ولما كان الأطفال بفطرتهم الإنسانية متنوِّعين في طبائعهم ، متباينين في أخلاقهم ، ليسوا على طبع واحد في مسالكهم الاجتماعية ، ولا هم على طريقة واحدة في استجاباتهم السلوكية ،  ولا هم أيضاً على مستوى واحد في ردود أفعالهم تجاه المواقف التعليمية ؛ فإن منهج التربية مدعوٌ ليشمل كل هذه الأطياف السلوكية ، فيتعامل معها بما يناسبها ، وفق معطيات علمية صحيحة ، ومبادئ تربوية حكيمة ، ولهذا تواجه المؤسسات التعليمية كل أنماط السلوك الصبياني بحزمة من التشريعات التربوية ، والأنظمة الإدارية ، التي تعمل في مجموعها على الحدِّ من السلوك غير المرغوب فيه ، في مقابل دعم السلوك المغاير .

إلا أن الواقع التعليمي المعاصر - على المستوى المحلي والعالمي - يشهد تراخياً تربوياً في المؤسسات التعليمية ، وفي تشريعاتها التربوية ، بسبب ضغوط سياسية ، وفكرية ، واجتماعية منذ عقود ، أدَّت - في مجموعها - إلى ظهور سلوكيات طلابية متباينة ، بعضها في غاية الشذوذ والشناعة ، مما يُصنَّف ضمن الجرائم الجنائية ، التي تتطلب - في بعض الحالات - التدخل الأمني ، والمحـاكمة القضائية ، حتى تحوَّلت بعض مؤسسـات التعـليم - في بعض أحـوالها - إلى ساحات للصراع والعنف والاقتتال ، بين الطلاب وذويهم من جهة ، والمعلمين والإدارة من جهة أخرى .

ولا يشك الباحثون أن متغيرات سلبية جديدة : اجتماعية ، واقتصادية ، وإعلامية ،  طرأت على المجتمعات الحديثة : فأسهمت بصور مباشرة وغير مباشرة في تعقيد العملية التعليمية ، واضطراب العلاقة التربوية بين المعلم والتلميذ ؛ إذ يستحيل على مؤسسات التعليم الرسمية أن تعمل وحدها في بناء الإنسان ، منفردة بالمسئولية التربوية دون باقي مؤسسات وقطاعات المجتمع ، فضلاً عن أن تناهض مؤسسات المجتمع وقطاعاته جهود مؤسسات التعليم ، وتعارض غاياتها التربوية ؛ بحيث تعمل في غير اتجاهها ، وتعاكس أهدافها ، وحينها تتعسَّر العملية التعليمية ؛ فتُفرَّغ  من محتواها التربوي ، وتتحول إلى هياكل شكلية جوفاء ، لا تبني كياناً إنسانياً صحيحاً ، يقول محمد قطب : " ... إن تربية طفل واحد على الإسلام كتربية ألف طفل ، كتربية جميع الأطفال ، تحتاج إلى البيت المسلم ، والشارع المسلم ، والمدرسة المسلمة ، والمجتمع المسلم " .

ومع كل ذلك تبقى المسئولية التربوية منوطة بالمؤسسات التعليمية ، ضمن نطاق حدودها وإمكاناتها المتاحة ، بل هي مدعوة في هذا العصر أكثر من ذي قبل للاضطلاع بمسئولياتها التربوية ، ومضاعفة جهودها التعليمية ، للنهوض بالأمة الإسلامية في عصر تخلَّفت فيه عن الإسهام الجاد في بناء الحضارة الحديثة ، فكل ما من شأنه ازدهار العملية التعليمية بدعم إمكاناتها ، وتذليل معوِّقاتها : يأتي أولوية تربوية ، لا بد أن تحظى بتأييد سياسي واجتماعي وثقافي ، يمكِّن مؤسسات التعليم من القيام بواجباتها التربوية المنوطة بها ، سواء التعليمية منها أو التأديبية، بحيث تُمكَّن من كل ذلك ضمن ضوابط وأنظمة وتشريعات محكمة ، تضمن الحقوق ، وتحكم الأداء ، في إطار العدل والتوسط ، المجانب للظلم والتطرف ؛ فقد ثبت أن القسوة في التربية تثير الحقد وتُميت الهمـة والمبـادرة ، إلا أنه لا بد من التمييز بين القسوة العمياء ، وبين الحزم القائم على احترام الحدود وضبط السلوك ؛ فإن الانفلات التربوي ، والتردد بين التسامح والحزم : يحول دون نمو منظومة القيم الخلقية اللازمة والضرورية لتوجيه سلوك التلميذ ، وتدريبـه على مهـارة التميـيز بين الخطـأ والصواب ؛  فإن الطفل في مرحلتي الطفولة المتوسطة والمتأخرة - بما تحملانه من خصائص وحاجات -  يتأثر بما يُلقى إليه من مدح أو ذم ، فيكون ذلك باعثاً قوياً له في إثارة دافعه ، ومن ثمَّ توجيهه نحو الخير ، وتحذيره من الشر .

وكذلك الشأن في جملة أساليب الثواب والعقاب ، باعتبارها محفِّزات وكوابح ، تحرك الطفل أو تكفُّه ، تعزَّز سلوكه أو تثبِّطه ؛ إذ من الصعوبة بمكان -  من الوجهة التربوية الإسلامية - تقرير قاعدة مسبقة مطردة بتحريم العقـوبة مطلـقاً ، أو الأخـذ بهـا مطلقـاً ، سـواء كانت عقوبة حسـية أو معنوية ،  وإنما المرجِّح في ذلك هو المصلحة التربوية ، المبنية على النظر الصحيح ، في ضوء التشريع الإسلامي .

وأما ما يتنادى به الغربيون من منع العقاب البدني مطلقاً ، واعتماد أسلوب الثواب فقط ، من خلال طرح آراء فقهائهم التربويين ؛ فهو إلى المثالية أقرب منه إلى الحقيقة الواقعية ، وهو إلى النظرية أقرب منه إلى الممارسة الفعلية ، وهذا واضح بيِّن في مجتمعاتهم التي عجَّت بالعنف المفرط تجاه الطفولة .

ولا يُنكر المهتمون بالشأن التربوي الفائدة الإيجابية من استخدام بعض الأساليب التربوية الحديثة كاللعب ونحوه ، في التخفيف من حدَّة المشكلات السلوكية عند الأطفال ، مما يُغني عن كثير من العقاب ، إلا أن ذلك غيرُ مطَّردٍ في كل الأحوال ، ولا عام في كل الحالات ؛ إذ لكل قاعدة شواذ لا بد من مراعاتها ، والمنهج التربوي الحق ، هو الذي يستوعب بشمول أنماطه ، وتنوُّع أساليبه جميع المواقف والأحـوال ، ويُلبي علاج مختلف الطبائع والمسالك ، ضمن برامجه التعليمية ، وتشريعاته التنظيمية .

 

 

 

 

]]>
Sun, 26 Jan 2020 12:11:30 +0300
تربية الطفل على احترام العلماء ومحبتهم مقال شهر جمادى الأولى 1441هـ

تربية الطفل على احترام العلماء ومحبتهم 

(من الإرشيف)

العلماء هم ورثة الأنبياء ومشاعل النور للناس، وسادتهم، من اتبعهم على هدى كان من الناجين، ومن خالفهم على عناد وكبر كان من الضالين الهالكين.

وقد جاء عن الله عز وجل في كتابه الكريم مدحهم ورفع منزلتهم حيث قال سبحانه وتعالى : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]، وقال سبحانه وتعالى مفرقاً بينهم وبين غيرهم من الجهلاء: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر:9]، ووصفهم عز وجل بالخشية فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر:28].

فالعلماء هم أولياء الله وأحباؤه، وأعلم الناس به، وهم أهل خشيته، ولا بد أن يكونوا كذلك؛ فإن من زاد علمه بالله، وعرف عظمته وقدره، وقعت في نفسه الخشية منه، والمهابة لجلال قدره وعظيم شأنه، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان فضل العلماء على غيرهم، وكيف أن الله اختارهم وفضّلهم:(من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فهم موقع رحمة الله وفضله ومنته، ويقول ابن رجب رحمه الله مبيناً منزلتهم وقدرهم: (إن لم يكن العلماء والفقهاء أولياء الله فليس لله ولي).

ومن هذا البيان يتضح فضل العلماء ومنزلتهم عند الله فإذا كانوا هم أولياء الله وخاصته وأحبابه، فإن حبهم وموالاتهم واجبة، كما أن مخالفتهم، والوقوع في أعراضهم، وعدم الاكتراث بهم، حرام لا يجوز في حق غيرهم من العامة فكيف بهم؟ لهذا يقول عليه الصلاة والسلام آمراً المسلمين بتعظيم حق العالم وتوقيره ومعرفة منزلته: (ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا) ؛ أي يعرف قدر وفضل العالم، ففي العلماء  اجتمعت خصلتان من الحديث: العلم وكبر السن، ففي العادة يكون العلماء من كبار السن.

وفي الأمر بطاعتهم واتباعهم يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59]، وأولوا الأمر هم الفقهاء والعلماء كما قال الضحاك رحمه الله، فطاعتهم في حدود طاعة الله وما أمر به سبحانه وتعالى: واجبة ولازمة، قال سهل بن عبد الله رحمه الله: (لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم).

ولما كان الأمر كذلك فإن طاعتهم واتباعهم لا تتم إلا بكمال محبتهم وموالاتهم؛ لهذا فإن مسؤولية المُربي في إيجاد هذا الحب والتوقير للعلماء في نفوس الأولاد أمر في غاية الأهمية، وتكون بداية الوالد في إيجاد هذا الحب عند أولاده: بذكر فضائل العلماء عند الله، ومحاسن أفعالهم، حتى يقع في نفوس الأولاد حبهم، ويذكِّرهم الأب بأسمائهم ليحفظوها، ويتعرفوا عليهم.

وتعد صلاة الجمعة من أفضل المناسبات المتكررة التي يلتقي فيها العلماء مع عامة الناس ليعظوهم ويصلوا بهم، وهي فرصة جيدة للأب ليعرف ولده على الخطباء من علماء المسلمين، فيقول له: (يا بني هذا الخطيب هو العالم الفلاني الذي أخبرتك عنه)، فإذا انتهت الصلاة أخذ ولده وتقدم إلى المحراب وسلم على الشيخ مقبلاً رأسه توقيراً له، ويأمر ولده بذلك أيضاً، ولو أمره بتقبيل يده فلا بأس؛ فقد ورد ذلك عن السلف، فعن عبد الرحمن بن رزين عن سلمة بن الأكوع قال: (بايعت النبي r بيدي هذه فقبلناها فلم ينكر ذلك).

 وقد نُقل أن ابن عمر رضي الله عنهما قبل يد النبي r، وأن بعض اليهود قبلوا يده ورجليه، ولكن لا يجعل الأب من تقبيل الأيدي عادة عند الولد، فتندثر شخصيته وتضمحل؛ بل يكون تقبيله لأبيه أو أمه أو العالم في الرأس أو اليد من باب التكريم، وتعريف الناس بقدرهم ومنزلتهم، خاصة في زمن قل فيه توقير العلماء وتبجيلهم.

ويوقع الأب في نفس الولد المهابة للعالم، فهذا منهج السلف في توقير العلماء والفضلاء، فقد روى أن ابن عباس رضي الله عنهما هاب أن يسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن مسألة حتى مر عليه عام، ثم سأله عندما حانت فرصة مناسبة لذلك.

ويعمل الأب جاهداً على إحضار ولده لدروس العلماء ومواعظهم في المساجد، أو الأندية الثقافية، ويحاول أن يربطه بهم في هذه الدروس، فيتعود على حضورها ولا يمل من الجلوس،وإذا بدا للولد سؤال وجهه الوالد لأن يسأل العلماء، فإن كان في المسجد أمره بأن يسأل الخطيب، وإن كان في البيت أمره أن يتصل بأحد العلماء بالهاتف، ولا بأس أن يعوده المراسلة في ذلك، فملازمة العلماء في مجالسهم ومزاحمتهم هي نصيحة لقمان لابنه حيث قال له: (يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بالحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر).

وتعتبر اللقاءات بين العلماء وعامة الناس مهمة جداً، وذلك ليعيش العلماء مشاكل الناس، ويتعرفوا عليها عن كثب، ويصفوا لها الحلول المناسبة، كما أن العامة يستفيدون من خلال لقائهم بالعلماء علوماً جديدة، إلى جانب أنهم يشاهدون قدواتهم من فضلاء الأمة الذين يعيشون بالإسلام منهجاً وسلوكاً واقعياً، فيوقنون أن هذا الدين صالح لكل مكان وزمان، خاصة وأن بعض الناس يظنون صعوبة، أو استحالة العيش بالإسلام في جميع شؤون الحياة، وأن هذا الدين قد انتهى، ولم يعد له دور في الحياة.

لهذا ينظم الأب مع أولاده زيارات لبعض العلماء في البلد، فيشعر العالم أو الشيخ بهذه الزيارة ويحدد معه موعدها، ويفضل أن تكون في بيت الشيخ، أو في بيت الأب، وذلك لتحصل الفرصة للأولاد ليتحدثوا مع عالمهم، ويتصلوا به مباشرة، فيسألوه ما بدا لهم، وهو بدوره يرشدهم ويعلمهم ما يناسبهم من العلوم السهلة الموافقة لسنهم.

فإن قرر الوالد ورغب الولد في ملازمة عالم من علماء البلد يدرس على يديه كتاباً، أو تفسيراً للقرآن، أو غير ذلك من العلوم في وقت الفراغ، فإن الوالد يستأذن  الشيخ أولاً فإن وافق شجع ولده على ذلك، وأدبه وعلمه أصول مصاحبة ومرافقة العلماء، فقد جمع الإمام الغزالي رحمه الله شيئاً من ذلك فقال: (يبدؤه بالسلام، ويُقِلُّ بين يديه الكلام، ويقوم له إذا قام ولا يقول له:  قال فلان خلاف ما قلت، ولا يسأل جليسه في مجلسه، ولا يبتسم عند مخاطبته، ولا يشير عليه بخلاف رأيه، ولا يأخذ بثوبه إذا قام، ولا يستفهمه عن مسألة في طريقه حتى يبلغ إلى منزله، ولا يكثر عليه عند ملله).

فهذه آداب جيدة لو التزمها الولد مع شيخه فإنه سوف يحبه ويتعلم الولد منه الكثير.

 


]]>
Fri, 27 Dec 2019 21:45:53 +0300
عُدَّةُ الباحثين وذخيرةُ الطَّالبين مقال شهر ربيع الآخر 1441هـ

عُدَّةُ الباحثين وذخيرةُ الطَّالبين

        الحمد لله الذي علَّم بالقلم ، علَّم الإنسان ما لم يعلم ، والصلاة والسلام على سيد المعلِّمين ، وخير المرسلين ، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإن ميادين العلوم بشتَّى صنوفها ، وتنوُّع مجالاتها : قد اتـَّسعت - في هذا العصر على الخصوص - غاية الاتساع ، وتشعَّبت - في هذا العصر - أبلغ ما يمكن أن يكون عليه التشعُّب ، وبدت في أعين طلبة العلم : كأنها البحر المُتلاطم ، بأمواجه العاتية ، وأعماقه السحيقة ، التي يتُوه فيها القبطان عن وجهته ، ويضلُّ الدليل عن غايته ، فلا يصمد في هذا الخضمِّ الصعْب إلا المُحسن في أدائه ، المُتقن في عطائه ، الصابر على صعابه ، ممَّن تسلَّح بالمهارات العالية ، وتزوَّد بالوسائل الكافية ، وعمل بنهج المُصابرة ، وأخذ بأسباب المُغالبة ، فما يزال يُقاوم الخطوب المُتلاحقة ، ويُصارع المكاره المُتتابعة ، فما يزال على الجادَّة في مسيره ، كلَّما عصفت به الريح بعيداً عن وجهته : عاد بمركبه إلى الجادَّة من جديد ، وهكذا هو في جهد وجهاد ، وبذلٍ وعطاء ، حتى يبلغ - بتوفيق الله تعالى - غايته ، ويصل - بعون الله تعالى - إلى وجهته .

         إن واقع الباحث اليوم : لا يبعد كثيراً عن حال هذا القبطان ، لا سيما ذلك الباحث الجديد على مهارات البحث العلمي ، يُريد لعمله الأفضل والأحسن ، ويقصد إلى الأكْمل والأتقن ، غير أنه محدود القدرات ، ضعيف المهارات ، مُتواضع الخبرات ، يرجو ما لا يقدر عليه ، ويأمل ما لا يستطيعه ، فهو لا تعوزه الرغبة الأكيدة ، ولا تنقصه النيَّة الصالحة ، فرغم أن عينه بصيرةٌ بالمقاصد الحسنة ، والمرامي الطيِّبة ، إلا أن يده قصيرةٌ بالعدَّة الكافية ، والذخيرة الوافية ، كحال المُقاتل بسلاح بلا ذخيرة ، وكالرامي بمدفع بلا قذيفة ، فلم ينفعه سلاحه ، ولم يُغن عنه رمْـيُه .

        وهذا الصنف من الباحثين : يفتقد إلى مُحْترف كريمٍ يتولاه ، وخبيرٍ مُشفق يتبنَّاه ، فهو ولدٌ صالحٌ ، بخامة جيدة ، وبطانة طاهرة ، فما يلبث طويلاً بيد سائسه ، وتحت عين قائده ، حتى يتلقَّف مهارات البحث ، ويتشرَّب طرائق التنقيب ، فما يزال في درْبة وبناء ، وكدٍّ وعناء ، حتى ينال شرف اللَّقب ، فقد ملك مهاراته ، ونال - بفضل الله تعالى - أدواته ، فرميه الآن بقذائف ، وسلاحه اليوم بذخائر ، قد شبَّ عن الطوق بجدارة ، واستقلَّ عن المُرشد باقتدار .

        وأما من كان كَلاً في مسْعاه ، هشًّا في مبناه ، همَّته ضعيفة ، وإرادته هزيلة ، ونيَّته وضيعة ، قد أخطأ الطريق ، وضلَّ المسير ، وجاء في غير مكانه ، ودخل في غير ميدانه ، فلا هو قادرٌ ولا مُستطيع ، ولا هو مُستعدٌّ ولا مُريد ، شأنه مع العلم شأن الغربال ، يجمع نُخالة الغِلال ، فيبقى معه ما يُشبه الغلَّة ، ممَّا لا ينفع ولا يُسمن ، فيمضي هكذا على حاله بين جموع الطَّالبين ، يُشبههم في الشخوص الظاهرة ، ويُباينهم في الحقائق الباطنة .

        أحسن هؤلاء حالاً : من يمضي خفيفاً ضمن جهود الجماعة ، محمولاً ضمن عطاء الفريق ، فلا يلْحظه الغافل ، ولا يتنبَّه إليه الساهي ، فإن من فضائل الجماعة أنها تستر من نواقص الفرد وعيوبه : ما لا يقدر أن يستره إن انفرد بنفسه ، فالفطن - من هؤلاء - يسعى دوماً في أن لا يتميَّز بشيءٍ عن لون الجماعة من حوله ؛ ليبدو وكأنه واحدٌ منهم ، حتى إنهم إذا صاحوا : صاح معهم ، وإذا خفتوا : خفت معهم ، لا يدري ما بال القوم في صياحهم ، وما بالهم في خُفوتهم ، غير أنه لطيفٌ في لُقْياه ، بشوشٌ في مُحيَّاه ، لا يناقش ولا يُعارض ، ولكن يُلاطف ويُجامل ، ويُساير ويُوافق ؛ ولهذا لا يُفْتقد إذا غاب ، ولا ينفع إذا حضر .

        وأما القبيح من هؤلاء : فجريءٌ جسور ، عنيفٌ بغيض ، سليط اللِّسان ، شرس الطباع ، ثقيل الروح ، بليد العقل ، لا يُبالي بعيوبه أن تنكشف ، ولا يكترث لعورته أن تظهر ، لا يُفرِّق الرائي له بين قُبُلٍ ودُبر ، فكلُّ ذلك سواءٌ عنده ، لا يكاد يتوافق مع غيره ، فهو نسيجٌ وحده ، وليس ذلك فيما يحسُنُ من الفتى ، أن يتميَّز به عن الآخرين ، وإنما فيما يُستقبح من الإنسان ويُستنكر ، وفيما يشذ به عن سلوك الأسوياء من الطلبة الآخرين ، فلا يستحي من السقطة يفعلها ، أو الكلمة القبيحة يتفوَّهها ، ولهذا لا يكاد ينْهزم في صراع ، ولا يكاد يتراجع عن قرار ، فالكلُّ يحذره ويهابه ، والجميع مُلاطفٌ له ومُداهن ، يتَّقون بذلك شرَّه ، ويتجنَّبون به فُحْشه .

         كلُّ هذه العنجهيَّات البغيضة : من أجل سَتْر نواقصه العلميَّة ، وإخفاء جهالاته المعرفيَّة ، فيتَّخذ من أسلوب الشراسة السلوكيَّة : سواتر تحجب رؤية ما وراءها من هشاشة بنائه العلمي ، وضعف قدراته العقليَّة ، وتكرار انهزاماته المعرفيَّة ، إضافة إلى مشاعره السوداويَّة المُحبَطة ، التي تُسيطر عليه في تعاملاته وقراراته ، فالخطر - من هذا الصنف من الطلبة - لا يكمن فيما يصدر عنه تجاه الواحد أو الاثنين من زملائه ، أو فيما يُبديه لهم من مظاهر الكِبْر والعجْرفة ، فهذه تبقى محدودة الضرر ، ضعيفة الأثر في الجماعة ، فما أكثر هؤلاء المرضى في المجتمعات ؟

         وإنما الخطر يكمن : فيما إذا تمكَّن بعض هؤلاء الموتورين من المراكز والمؤسسات العلميَّة ، وغدت سلطة القرارات بأيديهم ، فلا تسأل حينئذٍ : عن حجم الضرر العامِّ المُتوقِّع منهم ، على المستويات العلمية والمعرفيَّة ، وعلى القوى العاملة البشريَّة ؛ إذ لا يمكن للواحد من هؤلاء الضواري البشريَّة - وقد تمكَّن - أن يُخْفي أمراضه النفسيَّة ، وقبائحه الخُلُقيَّة ، بل إن ما عجز عن إبدائه زمن الطلب ، من قبائحه النفسيَّة والخُلقيَّة : فقد حان الوقت لإفراغ ذلك كلِّه مرَّة واحدة ، ولن يعدم مسوِّغات ذلك ومُبرِّراته ، كما لن يعدم - في الوقت نفسه - من يوافقه على ذلك من المُنتفعين ، فما زالت مجتمعات العالم الثالث - على الخصوص - تغصُّ بأمثال هؤلاء الانتهازيين ، رغم ما قد يكون لبعضهم من شرف العلم والمعرفة ، هذا فضلاً عمَّن هم دونهم ، ممَّن دخل إلى أروقة العلم من بوَّاباته الخلفيَّة .

         في هذا المسير العلميِّ الصعب : يحتاج الباحثون الأوفياء إلى أمصال مناعة : إيمانيَّة ، وأخلاقيَّة ، ومعرفيَّة ، ونفسيَّة ، يحتمون بها - بإذن الله تعالى - من عدوى التخريب العلميِّ ، فيتحصَّنون بها من أن تنالهم أمراضه ، أو تُصيبهم أعراضه ، فهم في حاجة مُلحَّة إلى عُدَّة يتسلَّحون بها في هذا المسير ، وإلى أدوات يتزوَّدون بها في هذا الطريق ، يستعينون بها - بعد عون الله تعالى - في خوض غمار مجالات البحوث العلميَّة ، وميادين المعارف الإنسانيَّة ، بإيمان صادق عميق ، ونيَّة صالحة طيِّبة ، وروحٍ مُشْرقة زكيَّة ، ونفسٍ توَّاقة مُقْبلة ، مع حصيلة خُلُقيَّة وافرة ، ومسالك منهجيَّة مُحكمة ، تضبط مسيرتهم العلميَّة ، وتحكم أداءهم البحثي ، وفق معايير الجودة والإتقان ، ضمن الطاقة البشريَّة المُتاحة ، في غير غلوٍّ ولا تكلُّفٍ ولا شطط .

        ومن هذا المنطلق : تجدر الإشارة - بإيجاز واختصار - إلى أهم ما يفتقر إليه الباحث العلمي ، من العُدَّة الضروريَّة ، ومن المعاني الأساسيَّة ، ومن النصائح السلوكيَّة ، التي يقوم عليها صرح بنائه المعرفي ، وحُسن أدائه العلمي ؛ فإنه لا يُتصوَّر من باحث صادق النيَّة ، سليم الطويَّة ، قويَّة الإرادة ، واضح الغاية : أن يُخلَّ بجملة هذه النصائح والمعاني الأصيلة ، ولئن ترخَّص لنفسه في ترك بعضها ، مُتخفِّفاً بذلك عن تكاليفها : فلن يكون مقْبولاً بحالٍ أن يُعرض عن جملتها مرَّة واحدة .

أولاً - العُدَّة الإيمانية :

عمل كيفما شئت ، فلا ثواب بغير نيَّة صالحة ، تسبق العمل وترافقه .

  •  
  • ·         قال أُبيُّ بن كعب رضي الله عنه : « تعلموا العلمَ واعملوا به ، ولا تتعلَّموه لتتجمَّلوا به ، فإنه يُوشك إن طال بكم زمان ، أن يُتجمَّل بالعلم ، كما يَتَجمَّلُ الرجل بالثوب » .
  • ·         إذا خذلك الله : فلا مُعين لك من بعده ، فاستعن بالله ولا تعجز .
  • ·         لا يُفوِّت الباحث صلاة الجماعة ، والمعذورون يصلُّونها في أوَّل وقت الفضيلة ، ومن لم يكن من أهل الصلاة في الوقت : فلا يفوته الذكر والدعاء .
  • ·          المداومة على الرواتب : جزءٌ من عبادة الباحث اليوميَّة .
  • ·         أربع ركعات من أوَّل النهار : تُعينك بإذن الله على باقي اليوم .
  • ·                  كلُّ الليل يصحُّ أن يكون موضعاً للقيام ، وأفضله : ما كان في جوف الليل ، وأقلُّه ركعة .
  • ·                  لا يُتصوَّر أن يقلَّ ورد الباحث في اليوم والليلة : عن جزء واحد من القرآن ، ومجموعةٍ من الأدعية المأثورة والمُعوِّذات ، و1000 وحدةِ ذكر على الأقل .
  • ·                  وأقلُّ صيام النفل : ثلاثةُ أيام من كلِّ شهر .
  • ·                  البكور أنفع من السهر ، ولكلِّ باحثٍ طريقتُه .
  • ·                  لا تنْسب نعمة إلى نفسك ، فكلُّ النعم من الله تعالى .
  • ·                  استحضر على الدوام ، قول رسول الله r : « من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً : سلك الله به طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم ، وإن العالِم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتانُ في الماء ، وفضلُ العالِم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب » .

ثانياً - العُدَّة العلميَّة :

  • ·         الساحات العلميَّة واسعة ، وهي في اتـِّساع مُستمر ، فكم نصيبك منها ؟
  • ·                  لن تُبدع حتى تُوسِّع مداركك ، وتُديمَ النظر، وتُنوِّعَ مشاربك ، وما تقوقع أحدٌ إلا ضمر .
  • ·         الاستقراء العلمي : سبيلك إلى الإبداع ، والاستنباط هو كذلك لمن قدر عليه .
  • ·         لا تيأس من الإبداع : فقد يأتي متأخراً ، فخذ بأسبابه .
  • ·         التدرُّج العلمي المُتواصل : سبيلك الوحيد إلى التفوُّق .
  • ·         إذا عزمت على الإبداع : فغالباً ما تكون وحيداً ، فلا تستوحش .
  • ·         فإذا أردت أن تكون قويًّا في عصر الضعفاء : فتحمَّل .
  • ·         المبدع يسبح عكس التيار ، فانظر : هل تجد في مسيرك مُقاومة ؟
  • ·                  إذا كنت ضعيفاً في قدراتك ، عاجزاً عن تحسينها : فامضِ في ستر وهدوء ، بلا ضجيج ولا صخب .
  • ·         إنك ما تزال عالماً ما دمت مُتعلِّماً ، فإذا استغنيت عُدت جاهلاً .
  • ·         قال عمر بن الخطاب : (تفقَّهوا قبل أن تُسوَّدوا) .
  • ·         الدكتوراه مفتاح خزائن العلم ، وليست هي العلم ، وإنما تُكسبك حقَّ الخطأ .
  • ·         الدرجة التي حصلت عليها : ليست دليلاً قاطعاً على مستواك الحقيقي .
  • ·         كلُّ معلومة أو مهارة تحصل عليها : فهي لبنةٌ في بناء صرحك العلمي .
  • ·         الخلوة العلميَّة للبحث ، وطول الانقطاع له : أفضل معينٍ بعد الله تعالى .
  • ·         لا بدَّ من احترام الوقت في أقلِّ وحداته الزمنيَّة ، فكلُّ الوقت وجميع المكان يصلح أن يكون موضعاً للبحث والنظر ، فلا تنتظر وقتاً أنسب ، ولا مكاناً أفضل .
  • ·         الوسوسة في كلِّ شيء رديئة ، إلا في إتقان البحث العلمي .
  • ·         لا تزال المكتبةُ التقليديَّة : سوق الباحث الجاد ، فلا تهولُك سَعتُها .
  • ·                  القلم عسير ، قد لا يُطاوعك حين تُريده ، فكن معه على الدوام ، يكن معك حين تحتاج إليه .
  • ·         تخلَّص من العُجْمة بإدامة قراءة القرآن ، والحديث النبوي ، وكتب التراث والأدب .

ثالثاً - العُدَّة الأخلاقية :

  • ·                  لا تبحث في وسطك عن القدوة ، ولا تشترط لنفسك وجودَها ، ولكن كن أنت القدوة .
  • ·         تجنَّب الإصرار على الصغائر ، وإيـَّاك أن تقع في الكبائر .
  • ·         قبيحٌ أن تقصَّ نصًّا من مصدر ما ، وتُلْصقه في بحثك ، ثم تنسبه إلى نفسك .
  • ·                  حرمة أبحاث الناس وكتبهم : كحرمة بيوتهم وممتلكاتهم ، فاحذر أن تتناول منها بغير إذن .
  • ·         العلم الوافر ، لا يكون براحة الجسد ، ولا بالبخل بالمال .
  • ·         ليس كلُّ معلومة استقرَّت عندك سابقاً : صحيحة ، فقد تحتاج أحياناً لمراجعة بعضها ، فلا تكن جامداً ، وكن مرناً .
  • ·         من أدام طرق الباب دخل ، ومن أدام طلب العلم بلغ ، فلا تملَّ .
  • ·         بلادكم في حاجة إليكم ، وآمالها معقودة عليكم : فلا تُخيِّبوها بتقصير أو تفريط .

رابعاً - العدُّة النفسية :

  • ·                  الشعور بالمعاناة من كلِّ نوع : جزءٌ أصيلٌ من طبيعة مرحلة الدكتوراه على الخصوص .
  • ·                  ليست المشكلة في حجم المعاناة ، فالكلُّ يُعاني ، وإنما المشكلة في قدرتك على التصدي لها .
  • ·         الشعور بالهمَّة ضروريٌّ لإتمام المسير ، فإن الهزيمة غالباً ما تأتي من الداخل .
  • ·         المشجِّعون قليل ، والمثبِّطون كثير : فكن مع الأقليَّة المُشجِّعة .
  • ·         المتسلِّقون يصلون إلى أهدافهم سريعاً ، أما المنقِّبون ، فكثيراً ما يتأخَّرون ، فلا تحزن .
  • ·         انظر لمن فوقك في مهارات البحث فتقوى ، ولا تلتفت إلى من هو دونك فتضعُف .
  • ·         لديك طاقات كامنة خفيَّة ، لن تظهر لك إلا بالتجرِبة والمحاولة .
  • ·         تأكَّد أن حجم الوقت على قدر حجم العمل .

وختاماً : تذكروا دائماً قول الله تعالى : ( وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ) ، فماذا تُراه يُكتب عنك ؟!

 

 

]]>
Fri, 29 Nov 2019 21:35:13 +0300
تعليم الطفل اللغة والكلام مقال شهر ربيع الأول 1441هـ

تعليم الطفل اللغة والكلام

(من الإرشيف)

           اللغة هي القوالب والأوعية التي ينتقل من خلالها الفكر والخلق والاعتقاد، وغير ذلك مما يمكن أن تنقله اللغة، لهذا فإن لها تأثيرها البالغ في العقل والخلق والدين، (والفرد يتأقلم مع أنماط المواقف والأفكار والقيم التي تشكل ثقافة ما عن طريق اللغة بصورة أساسية … فإن اللغة تساعد على تنشئة وعي الفرد وتشكيله الاجتماعي بصورة قوية).

          لهذا (فإن نوعية الكلام الذي يستعمله الوالدان، ودقته، ومغزاه، ونوع العلاقة التي ينشئها كلاهما مع أطفالهما، هي السند القوي للنمو العقلي)، فإذا أراد الأب أن يأمر ولده بالسكوت مثلاً، فإن العبارات التي تفيد المعنى كثيرة، فبإمكانه أن يقول للولد: (اسكت)، أو (لا تتكلم)، أو ينظر إليه نظرة حادة يفهم منها الولد وجوب التزام الصمت، وهذا الأسلوب في العادة غير موفق مع الولد الصغير خاصة، بل ربما زاده عناداً وإصراراً، إلى جانب أن الولد لا يستفيد من هذه الكلمة شيئاً جديداً في عالم اللغة، ولكن الأب لو استخدم أسلوب العبارات الطويلة التي تفيد المعنى المطلوب، وتحمل معها شيئاً من الحجة والإقناع، فإن المردود أفضل من ناحية استفادة الولد وسماعه عبارات لغوية طويلة، وكلمات جديدة، إلى جانب اقتناعه بالحجة، وفهمه لسبب الأمر، أو النهي، ومثال ذلك أن يقول الأب للولد: "يا بني أرجو أن تقلع عن الصراخ فإنني لا أستطيع أن أقرأ وأنت تصرخ، وإني محتاج أن أنهي قراءة هذا الكتاب اليوم؛ لتقديم ملخص عنه غداً"، فالفرق بين العبارات واضح، ففي الأسلوب الأول استخدمت كلمة واحدة مكررة ومعروفة عند الولد، أما في الأسلوب الثاني فإن عدد الكلمات أكثر، والأسلوب أفضل وأجمع وأنفع.

          ولما كان أمر اللغة بهذا القدر من الأهمية، فإن الأب يستخدم مع ولده أفضل وأحسن الألفاظ، معتمداً على اللغة العربية مفتاح العلوم، ومتجنباً العامية قدر الإمكان، فإن تعليم الطفل الصحيح من اللغة ابتداء، أفضل من إعادة تصحيح ما أفسد منها.

          ويبدأ الأب في تعليم الولد الكلام منذ ميلاده، فإنه محتاج إلى المناغاة بقدر حاجته إلى الغذاء واللبن، فقعود الأب من وقت لآخر ليحدث ولده الصغير، أو يقرأ عليه من كتاب يؤدي إلى تحسينات كبيرة في قدرة الولد على الكلام، وزيادة في اهتماماته اللغوية، فلو قرأ الأب ورده اليومي من القرآن الكريم بجوار ولده وهو يسمعه، فإن هذه الفائدة تحصل، بجانب حصول البركة بالقرآن، والثواب على القراءة. ويراعي الأب عند القراءة تحسين صوته، فإن الصوت الحسن يجذب النفس، ويرقق القلب، وفي الحديث: ((زينوا القرآن بأصواتكم)).

        ويساعد على عملية الكلام عند الطفل وسرعته: اللعب معه ولمس جسمه خاصة الأصابع فإن (مناطق الكلام في المخ تتكون بتأثير انتقال النبضات من الأصابع عن طريق الأعصاب … هذا بالإضافة إلى النشاط الحركي المنظم أثناء حدوث الكلام له تأثير طيب على النمو العقلي للطفل، وهو يساعد على عمليات التفكير والانتباه والتذكر)، لهذا يتنبه الأب إلى أهمية الحركة عند الولد، وأن لها دوراً هاماً في نموه العقلي، فلا يزجره دائماً على كثرة لعبه وحركته؛ بل يهيئ له الجو المناسب، والمكان المناسب، لاستخراج طاقاته، وتنمية قدراته العقلية والجسمية.

       ومن الوسائل المساعدة على تعلم الأولاد للكلام تشجيعهم عليه، والاستماع لهم باهتمام، فإن التشجيع خير حافز على جد الولد في تعلم اللغة والنطق بها، كما أن وجود الولد في مجموعة من الأطفال في سنه يساعده أيضاً على ممارسة الكلام، وتعلم مفردات جديدة، على أن يلاحظ الأب في ذلك حسن اختيار الرفاق، فإن الطفل يمكن أن يتلقى منهم مفردات قبيحة يصعب على الأب بعد ذلك تخليصه منها.

        كما أن للروايات والقصص المثيرة دوراً هاماً في مساعدة الولد على تركيب الكلام والقدرة على النطق، فلو خصص الأب فترة ما قبل النوم -حيث يكون الطفل مركزاً ومقبلاً- في إلقاء بعض هذه الروايات والقصص معتمداً على اللغة العربية الفصحى، مع سهولة العبارة والإثارة العاطفية في القصة، فإن الولد سوف يستفيد من نصوص القصة مفردات جديدة، إلى جانب تعلم كيفية النطق والشجاعة على الكلام، بالإضافة إلى الأفكار، والقيم الجميلة التي يتعلمها من القصة وأحداثها.

        أما ما يخص قضية اللعثمة والتهتهة عند بعض الأطفال الصغار، فإن أسبابها تعود عادة إلى أمور منها: الوراثة: فالطفل المتوسط الذكاء ينطق بصعوبة، إلى جانب أن نطقه يتأخر، كما أن إهمال الولد الأكبر والالتفات إلى المولود الجديد، ولوم الولد عند حدوث اللعثمة منه بغير قصد، ووجود المشكلات العائلية التي تهدد بانهيار البيت، كل هذه الأمور تؤثر على الولد، وتضعف عنده القدرة على الكلام بطلاقة، ولا شك أن اهتمام الأب ومراعاته لحالة ولده النفسية، بإغفال ما عنده من بطء في الكلام واللعثمة، ومساعدته على النطق وتشجيعه عليه بالأساليب المختلفة، مع مراعاة أن يكون ذلك بعيداً عن نظر أقرانه وإخوته، يمكن أن يفيد الولد ويحسن من وضعه ونطقه.

        ويلاحظ الأب أيضاً أن الإصرار على الولد، وإجباره على تعلم اللغة قبل أن يكون مستعداً لذلك يعد من أسباب وجود هذه التهتهة واللعثمة إلى جانب التوتر النفسي الذي يحدثه هذا الإجبار والقسر عند الولد، فإن الطفل يمكن أن يبدأ النطق بكلمات لها معنى في نحو تسعة أشهر من عمره، وقبل هذا السن لا يتجاوز كلامه إصدار أصوات، وأحرف متفرقة أو مجتمعة، دون أن يكون لها معنى مقصود أو مفهوم، فيلاحظ الأب هذه المفاهيم، ويراعي قدرات الولد، وإمكاناته العقلية في سن الطفولة.

 

 

]]>
Thu, 31 Oct 2019 21:03:02 +0300
ضوابط إعطاء الطفل المعلومات الجنسية مقال شهر صفر 1441هـ

ضوابط إعطاء الطفل المعلومات الجنسية 

         يعتبر مجال التربية الجنسية مجالاً خصباً لأهل الأهواء لنشر باطلهم، وانحرافاتهم الخلقية، وأفكارهم الضالة، بدعوى العلم والموضوعية، زاعمين خوفهم على النشء الجديد من العقد النفسية، والضلال الجنسي، فمنهم من يزعم أن للطفل نشاطاً جنسياً يبدأ من ميلاده، يتمثل في علاقة الولد بأمه، وكرهه لأبيه الذي ينافسه عليها، ويسمون هذا النوع من الشعور (بعقدة أوديب)، وبعضهم لا يرى مانعاً من نظر الولد لعورة والديه في بعض الأحيان، ولا بأس عندهم من أن يتناول الأطفال من أبناء الأسرة الواحدة فروج بعضهم البعض، والبعض الآخر من هؤلاء يسعى نحو تخفيف تأنيب الضمير لدى متعاطي العادة السرية فيزعمون أنها لا تضر الجسم.

         وهكذا تصدر الكتابات الكثيرة في هذا المجال الخصب ليضلوا بها الآباء عن قصد، أو عن غير قصد، معتمدين على بعض الوقائع، أو التجارب، أو الآراء والاتجاهات الشخصية، ولعل لهؤلاء وأتباعهم من أهل الملل الضالة شيئاً من العذر؛ لقلة ما في أيديهم من وحي الله المبارك، أما المسلمون فلا عذر لهم يُقبل بعد أن حباهم الله بهذا الدين، وحفظه لهم دون تحريف، أو تبديل، ففيه الهدى والكفاية عن إتباع أهواء أهل الكتاب، ومن شابههم من أهل المذاهب الضالة.

        ولقد تضمن القرآن الكريم، والسنة المطهرة آداباً، وتوجيهات كثيرة في هذا المجال، فالاستنجاء، وآداب الغسل، والطهارة، والوضوء للصلاة، تعد مدخلاً جيداً للتربية الجنسية في مرحلة الطفولة، فيتعلم الولد أسماء الأعضاء التناسلية من خلال الممارسة العملية عند تدريبه على الاستنجاء بنفسه، فتسمى له هذه الأعضاء بأسمائها الصحيحة المؤدبة دون الأسماء العامية المنتحلة القبيحة، فيقال له عند التدريب: ((اغسل ذكرك، أو قضيبك هكذا، واغسل خصيتيك هكذا، ونظف دبرك وإليتيك هكذا))، وبهذه الطريقة أو نحوها يتعلم الولد كيف ينظف نفسه، إلى جانب أنه يتعلم - في الوقت نفسه- أسماء هذه الأعضاء من المصدر الصحيح الموثوق، دون أن تُعطى هذه الأعضاء وأسماؤها هالة من السرية، فلا تُثار رغبة الولد نحو مزيد من المعلومات حول هذا الموضوع.

        ولا بد أن يدرك الأب أن عدم إعطاء الأولاد المعلومات الصحيحة الكافية حول القضايا المتعلقة بالجنس، سوف يدفع الأولاد للحصول على معلومات من جهات مشبوهة فيؤثر ذلك سلباً على أخلاقهم، ونفسياتهم، وعقولهم.

        ولا ينبغي أن يعتقد الأب حرمة الحديث عن القضايا المتعلقة بالجنس، وتعليم الأولاد الاتجاهات الصحيحة في ذلك؛ بل هي جائزة، وربما كانت واجبة في بعض الأحيان إذا ترتب عليها حكم شرعي، من طهارة أو نحوها.

         والطفل بين السنة الثانية والثالثة يستطيع أن يدرك الفرق بين الجنسين: كأبويه، وإخوته، وأخواته، ويمكن أن يبدأ الأب معه في التربية الجنسية في هذا الجانب إذا أكثر من الأسئلة حول هذا الموضوع، ولوحظ انشغال ذهنه به.

        وكثيراُ ما يخجل الآباء من الإجابة على أسئلة الأولاد، ومصارحتهم ببعض القضايا الجنسية، مثل الفرق بين الولد والبنت، وهذا أمر طبيعي، إلا أن هناك مفهوماً ينبغي أن يدركه الآباء، وهو: أن سؤال الطفل عن الجنس، وما يتعلق به من اختلاف بين الذكر والأنثى، وغير ذلك لا يختلف عن سؤاله عن لون السماء، وذلك لأن خلفية الولد عن هذا الموضوع ضحلة كما هو مفروض، وربما أنه لا يعرف عنه شيئاً، فهو لا يدرك العلاقات الجنسية بين الكبار، ولا يعرف أن الحديث عن هذا الموضوع من العيب إلا في عامه الثامن، لهذا فإن هدوء الأب، واتزانه، وجوابه للولد عن سؤاله بالمعلومات الصحيحة المقنعة، والمناسبة لسنه، يعد الأسلوب التربوي الصحيح في هذا الجانب، فإذا سأل الطفل عن العلاقة بين الجنسين، أو كانت لديه أفكار مشوشة حول هذا الموضوع، فإن الأفكار الصحيحة تقرب إلى ذهنه من خلال اطلاعه على العلاقات الجنسية عند الحيوانات، وكيف تتم عملية تلقيح النباتات، مع ملاحظة عدم التعمق في تفصيلات جانبية كثيرة.

         ولتطبيق هذا الاقتراح يؤخذ الولد إلى حديقة الحيوان ليشاهد شيئاً من ذلك، أو تشرح له عملية التلقيح في النبات، وكيف أنه لا ثمرة إلا بهذا التلقيح، كما أنه لا حمل، ولا مولود إلا بهذا الاتصال الجنسي، على أن لا يخوض معه في كيفية الاتصال الجنسي بالنسبة للبشر، فإن ألح  في السؤال عن دور الأب فبعض التربويين يقترح أن يُجاب بأن الأب يضع بذرة تجعل الطفل ينمو في بطن الأم.

        ومع ذلك: ولا بد من الإقرار بأن الأطفال يأتون من أمهاتهم، دون الكذب بأن الطفل جاء من المستشفى، أو جاء به الطير، أو وُجد عند عتبة الباب، فالصدق أفضل وأحسن.

        ولا بد من الاكتفاء بقدر معين من المعلومات الجنسية مراعين في ذلك سن الولد، وقدراته العقلية، مع تقديم هذه المعلومات عند الحاجة بهدوء، دون فوضى، أو غضب، أو غموض وسرية، مع الاحتشام والصراحة والصدق، ولا بأس بتزويد الولد بعض الكتب الفقهية البسيطة التي تتحدث عن هذا الموضوع.

        وكل هذه الإجراءات تكون مع الولد الذي شغلته هذه القضايا وأخذ يسأل عنها بإلحاح، أما الولد الذي لم تشغله، ولم يسأل عنها: فلا داعي لإثارتها معه إلا في أضيق الحدود التي لا بدَّ منها.

 

 

]]>
Sat, 05 Oct 2019 17:39:08 +0300
قضية تعليم الإناث مقال شهر محرم 1441هـ

قضية تعليم الإناث

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أدَّبه ربه فأحسن تأديبه، وعلمه من العلوم ما لم يكن يعلم، فكان المؤدب والمعلم الأول، عليه الصلاة والسلام . . . أما بعد...

فعلى الرغم من الأهمية الكبرى، والمكانة العظمى لمقام التوحيد في الشريعة المحمدية الخاتمة، إلا أن أول ما نزل من القرآن الكريم لم يكن ليقرر قضية التوحيد بل ليؤكد قضية العلم التي عليها يقوم مقام التوحيد، الذي يُعد محور الوحي الرباني، وقضيته الكبرى .

وإن الناظر في القرآن الكريم والسنة المطهرة لا يحتاج إلى تأمُّـل كثير  ليدرك مكانة العلم في التصور الإسلامي، وما أفاضه المولى – عز وجل – من عظيم الثناء والإجلال للعلم والعلماء وطلاب العلم ؛ فكلمة " علم " ومشتقاتها – مما يفيد معنى العلم والتعلم – وردت (781) مرة، وقيل (750) مرة  في القرآن الكريم، وهذا – بلا شك – فيه دلالة واضحة بيِّنة على مكانة العلــم والتعليم في منهج الإســلام التربوي، حتى استطاع التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري – بعد استقرائه الشريعة الإسلامية – أن يقول : " ما عُبدَ الله بشيء أفضل من العلم " .

والمتتبع للآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالشأن التعليمي يجدها موجهة إلى جنس الإنسان مطلقاً، وليست خاصة بأحد نوعيه ذكراً  كان أو أنثى ؛ فالخطاب القرآني في الغالب خطاب عام يشمل نوعي الإنسان، إلا ما دل الدليل على اختصاصه بأحد النوعين؛ ولهذا لم يشترط العلماء لمقام الاجتهاد الشرعي الذكورة ؛ " لأن ما جاز للرجل من قابلية الاجتهاد جاز للنساء " ، ولكن لما كان إقبال الرجال على العلم والاجتهاد أكثر من إقبال النساء – كما هو الواقع في الغالب – استحسن العلماء تشبه النساء بالرجال في العلم والرأي، دون اللباس والهيئة .

ولئن كان التعليم يحقق للفتاة المتعلمة أغراضاً شخصية فإنه – إلى جانب ذلك – يحقق للمجتمع المسلم أغراضاً قد تكون أهم وأكبر في الجملة مما يتحقق للفتيات المتعلمات، فالرقي الاجتماعي، والتقدم الحضاري، وإحياء التراث الإسلامي، وغيرها من المقاصد الحسنة لا يمكن أن تتحقق للمجتمع المسلم إلا من وراء تعليمه الفتاة، وتربيته إياها, إلا أن هذه المقاصد الحسنة لا يمكن أن تتحقق على الوجه الصحيح، وتؤتي أُكُلها إلا ضمن نظام تعليمي أصيل، منبثق من ثقافة الأمة المسلمة وتراثها العظيم ؛ ليحقق لها آمالها التي تتطلع إليها ؛ بحيث يجمع في انطلاقته العلمية بين الأصالة والتجديد، فلا تمنعه الأصالة من الأخذ بالمفيد من الجديد، ولا يستهويه الجديد فيعرض عن أصله وخصوصيته، فلا بد أن تظل بين " الأنظمة المختلفة عناصر مشتركة، ولكن لا بد أن يكون لكل منها خصوصيتها النابعة من وجدان الأمة وضمائر
أبنائها
" .

وتتحدث العديد من الدراسات التربوية عن حق الإناث في التعليم، وتقابله بحق الذكور, وتخوض كثير من هذه الدراسات في صراع المساواة بين الجنسين في حق التعليم، فتقابل بين نسب الذكور المقيَّدين بالتعليم ونسب الإناث المقيَّدات بالتعليم, بهدف إثارة وجدان المجتمع تجاه الظلم الواقع على الإناث لقلة أعدادهن في التعليم في مقابل أعداد الذكور .

ولئن كانت هذه المسألة تحمل جزءاً من الحقيقة، إلا أن الواقع التربوي يشهد بأن الظلم الواقع على الإناث لا بد أن يكون جزء منه قد أصاب الذكور، كما أن الخير الذي يصيب الذكور لا بد أن جزءًا منه يصيب الإناث، فالمظالم الاجتماعية عادة تنحط على الجميع، إلا أنها تكون أثقل ما تكون على ضعفاء المجتمع من الإناث والمساكين والأطفال.

 

 

]]>
Sat, 31 Aug 2019 13:18:08 +0300
حاجة المجتمع إلى التعليم عن بعد مقال شهر ذي الحجة 1440هـ

حاجة المجتمع إلى التعليم عن بعد

(من الإرشيف)

تشهد الساحة التربوية العالمية توسعاً كبيراً في استخدام التليفزيون التعليمي، والذي بشَّرت به بعض الأوساط التعليمية منذ زمن، بأن المجتمع سيصبح من خلال وسائل الإعلام مدرسة واحدة، يجد فيها المتربي بغيته العلمية ضمن ظروفه الخاصة دون حرج، ويتمكَّن الجميع من التواصل العلمي والتجاري، والحصول على الخدمات المختلفة من خلال البيوت, حتى قال رئيس جامعة الهواء اليابانية عام 1985م عند افتتاحها : " فإن الهدف من تأسيس الجامعة هو مدُّ الخدمة التعليمية إلى الأفراد في المنازل، وأماكن عملهم، وحتى في الجبال أو في البحار، ولن يقتصر
الأمر على ذلك، بل ستقدم الخدمة التعليمية لجميع الأفراد مدى الحياة، وفي كل مراحل العمر
" .

ولقد شهد كثير من دول العالم خاصة المتقدمة منها توسعاً عظيماً في استخدامات التليفزيون التعليمي بوسائل مختلفة، من خلال: البث الهوائي المباشر، أو عن طريق شبكات الهاتف، أو الكيبلات المنزلية، أو الشبكات الخاصة المغلقة، أو الحاسب الآلي، أو وحدات أشرطة الفيديو المسـتقلة، أو شبكات الإنترنت الحديثــة, حتى غدا التعليم بمراحله كلِّها – العامة والعليا – متاحاً لكل أفراد تلك الشعوب دون استثناء، بما في ذلك أهل القرية والمدينة، الصغار والكبار، الذكور والإناث,
وأصبحت تقنيات استخدام هذه الوسائل التعليمية وأسلوب التعامل
معها من الوجهة التربوية، وكذلك تكاليفها الاقتصادية:
معلومة في الأوساط التربوية ومنشورة .

ورغم هذا التوجه الدولي العام نحو الإعلام التربوي إلا أن غالب الدول الإسلامية تكاد تكون في معزل عن هذه التقنية العالية, فما زالت
"
تعاني من محدودية الاستفادة من تقنية الإعلام وخبراته لتطوير العملية التربوية، مما جعل تأثير وسائل الإعلام وخاصة البرامج التليفزيونية على التحصيل الدراسي أكثر سلبية ", حتى استقر في الأذهان أن المعرفة التي يمكن اغترافها من خارج المؤسسات التعليمية لا تعدو أن تكون للاستمتاع وقضاء وقت الفراغ، في حين " أن المجتمع المثقف يُقاس على ضوء تمتع وسائل إعلامه بالقدرة على إغراء الناس بالإقبال على مصادر الثقافة، ينهلون منها، مستعينة في ذلك بكل الوسائل الفعالة ", لا أن تكون أداة صدٍّ عن المعرفة، وتجهيل للمجتمع .

" إن أفضل مواجهة لحاجات هذا العصر: أن تعرف التربية كيف تسخِّر أدوات هذا العصر لتحقيق أهدافها، وأن يعرف رجال التربية كيف يصلون إلى أفضل صيغة للتعاون مع الإعلاميين ", تماماً كما فعل اليابانيون في نهضتهم الحديثة، حين تعاضدت كل المؤسسات التربوية بما فيها المؤسسة الإعلامية على بثِّ الثقافة والمعرفة بين أفراد الشعب .

إن واقع الأمة المسلمة التربوي يعاني تخلفاً علمياً كبيراً، لا سيما في المناطق الريفية، حيث يُحرم أهلها أساسيات المعرفة، خاصة النساء الريفيات ؛ فإن غالب النساء المسلمات يسكنَّ الريف, وهن دائماً أكثر فئات المجتمع حرماناً من التعليم, وما يُوجَّه إليهن من الإعلام التربوي لا يكاد يُذكر, كما أن فتح المدارس والمعاهد العلمية عندهن في الريف ليكتفين ذاتياً : تقصر عنه الإمكانات المادية ومقدرة أهل الريف العلمية، وتخصيص فريق من المعلمـات يسـافرن من المدن إلى الأرياف ذهاباً وإياباً , لن يستوعب حل المشكلة المتزايدة بعمقها وشمولها، إضافة إلى ما في هذه الوسيلة من المجازفة بالأرواح؛ فقد أثبتت التجربة الواقعية في المملكة العربية السعودية قسوة هذه الوسيلة وعنفها، من خلال الحوادث المرورية المؤلمة , إلى جانب المحاذير الشرعية، والمخاطر الأخلاقية على المعلمات المرتحلات, وعلى أسرهن المهملة، إضافة إلى ما يشهده المجتمع السعودي من انحسار رغبات الشباب في الزواج من المعلمات المعيَّنات في القرى النائية, ولقد حلَّت بعض الدول الأوروبية مثل هذه المشكلة التعليمية ضمن ما يُسمى بالمناطق المعزولة من خلال التليفزيون التعليمي والإذاعة قبل نحوٍ من أربعين عاماً .  

إن الواقع يحتم على الدول الإسلامية والعربية أن تتبنى مثل هذه الوسيلة التربوية، فتُنشئ لها محطات خاصة بها، أو على الأقل تُخصص لها مساحة ضمن أنشطة الإعلام الحالية التي انهمكت – غالباً – في البث السلبي غير التربوي ؛ لتسهم بجدية في إيصال المعرفة إلى المرأة المسلمة في دارها أياً كان موقعها .

من خلال ما تقدم يظهر جلياً أهمية استخدام التليفزيون التعليمي لبث العلوم والثقافة للمرأة، وملاحقتها بالمعرفة النافعة في بيتها على طريقة السلف دون إحراجها للخروج طلباً للعلم، أو تعطيلها عن الزواج، ورعاية النسل، فليس كل النساء يمكنهنَّ الخروج، وليس كل من تمكَّنت من الخروج للعلم تأدَّبت بآداب الشرع، خاصة في هذا الزمن. 

ولا يصح بحال أن يفهم من هذا التوجُّه المنزلي على أنه حبس للنساء عن الخروج لحاجاتهن، فإن الحبس في البيوت كان عقوبة المرأة الزانية قبل نزول حدِّ الزنى، وإنما يُفهم هذا التوجه على نهج قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا...)، وقوله – عــز وجــل– : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى. . . ), وقولـه – جل وعلا –  : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ...)   

ويفهم هذا التوجه المنزلي أيضاً على نهج توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للفريعة بنت مالك – رضي الله عنها – لما مات عنها زوجها حيث قال لها:" امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"، وقوله في شأن صلاة النساء في المساجد : " . . . وبيوتهن خير لهن " ، وقوله أيضاً في لفت اهتمام النساء إلى بيوتهن : " . . . والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها . . . " ، وقوله في بيان الافتتان بخروج النساء : " إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي فيقعر بيتها ".  

لا بد أن يفهم هذا التوجه على نحو هذه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، والتي توجه الإناث نحو البيوت، وتلفت انتباههن إليها دون غيرها من مرافق الحياة الاجتماعية الأخرى .

 

]]>
Sat, 03 Aug 2019 12:20:15 +0300
التأكيد على الفطرة في نفوس الأطفال مقال شهر ذي القعدة 1440هـ

التأكيد على الفطرة في نفوس الأطفال

  ورد ذكر الفطرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ففي القرآن قوله جل وعلا: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ).

أما ذكرها في السنة، فقوله عليه الصلاة والسلام: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تُنْتَجُ البهيمة هل ترى فيها من جدعاء؟)). وقد اختلف العلماء على أقوال في تفسير معنى الفطرة، فمنهم من رأى أنها الإسلام مثل مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.

ومنهم من رأى أنها الإقرار بمعرفة الله تعالى، كما قال الإمام أحمد بن حنبل، وابن تيمية، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني وغيرهم.

وقد ذهب ابن حزم، والزجاج، وغيرهما إلى القول بأنها الإيمان، وأقوال العلماء في الفطرة كثيرة، ولكن مدار مذاهبهم وتفسيراتهم يتضمن صلاحها وأنها خيرة، فقد أجمع العلماء على هذا.

وعلى هذا المفهوم يتيقن المربي أن الإيمان بالله، والإقرار بربوبيته، والعلم بوجوده يعتبر قضية مسلمة في نفس الولد وعقله، فلا تحتاج إلى دليل لإثباتها، كما قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ((وضع في النفس أن المصنوع لا بد له من صانع))؛ أي: إن هذه المسألة مما اطمأنت إليها النفس واستقرت فيها.

ولا تقتصر الفطرة على الإقرار والإيمان بالله فحسب، بل تميل بطبعها إلى الخير وتحبه، وتصدق بالحق وتحبه، وتبغض الشر والباطل وتكذب به وترفضه، فإذا كان الأمر على هذا النحو، فإنه من السهل توجيه الولد، وتركيز وتأصيل ذلك المفهوم الحسن في نفسه، فيتأكد عنده بأن الله هو الذي خلقنا، ورزقنا، ووهب لنا هذا الخير والوجود، وغير ذلك من فضائل الرب عز وجلن ولا شك أن الطفل في كل هذا يكون قابلاً مذعناً مستجيباً -بدافع فطرته- إلى هذه المعاني، وما على المربي إلا أن يعمل جاهداً على تعميقها وتركيزها في نفسه.

ويستغل المربي في هذا الفرص المناسبة وخلوات الولد معه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن عباس عندما كان رديفه على الدابة، حيث علمه معاني من الأخلاق مع الله، ومراقبته، وحسن التوكل عليه، فإذا خرج الأب مع ولده في نزهة على البحر، أو في حديقة، أو في الصحراء، وجه ولده للنظر إلى السماء الجميلة ذات البروج، والنجوم المضيئة اللامعة، وإلى الأرض المزهرة والماء، ثم يسأله: ((يا بني من خلق هذا ؟ من أسبغ على هذا الكون ذلك الجمال الباهر؟ من حفظ الكواكب والنجوم في مداراتها دون اختلاط ؟))، فتثار في نفس الولد رهبة نحو هذا الكون وما وراءه مما لا يراه.

وربما اندفع الولد في بعض الأوقات يطرح الأسئلة على والده، فيسأل عن خالق الكون وموجده سبحانه وتعالى، وعن طبيعة الأشياء، ولماذا وجدت على هذا النسق، وعلى هذه الهيئة، ولا يكون لدى الأب من جواب سوى: ((الله)). أي أن الله هو الذي أعطى هذه المخلوقات تلك الصفات والهيئات.

وهذه الأوقات التي يكون فيها الولد متطلعاً لأجوبة والده تعد أفضل الأوقات وأحسنها لتوجيه الولد وتركيز معاني الفطرة في نفسه، ولا ينبغي إهمال أسئلة الولد - خاصة المتعلقة منها بالعقيدة - ظناً بأنه صغير لا يعقل، أو لا يدرك هذه المعاني العليا المجردة، فإن الفطرة تتيقظ لربها وخالقها في مرحلة مبكرة جداً من عمر الطفل.

ولا يلتفت الأب إلى آراء بعض رجال التربية أمثال (روسو) الذي يُنقل عنه النهي عن تعليم الطفل شيئاً عن الله حتى يبلغ الثامنة عشر، وذلك زعماً منه أن الطفل لا يدرك هذه المعاني، وخشية أن تصبح هذه القضايا والمفاهيم في ذهنه أوهاماً لا يعقلها ولا يفهمها، وهذا رأي مردود لما تقدمت الإشارة إليه من استقرار الفطرة في نفس الطفل، وتيقظها المبكر، وأن السنوات الأولى من عمر الطفل تتحدد وتتكون فيها نواة شخصيته الأولى، وله فيها قدرة فائقة على التعلم.

وقد أشار الغزالي رحمه الله إلى إمكانية التوجيه في مرحلة الطفولة، إذ إن قلب الطفل قابل للنقش، ومائل إلى كل ما يؤخذ به من خير أو شر.

ويمكن للمربي أن يستفيد من طريقة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في جانب تركيز التوحيد في ذهن الولد، حيث ألف كتاب (تعليم الصبيان التوحيد) بأسلوب فريد، معتمداً على طريقة السؤال والجواب، فيضع السؤال ويتبعه بالجواب، وجميع الأسئلة تدور حول توحيد الله تعالى، فلو استغل المربي هذا المنهج مستعيناً بهذا الكتاب سهل عليه تعليم أولاده التوحيد، خاصة إذا كان المربي من قليلي العلم والاطلاع، فإن لم يكن كذلك وكان متخصصاً، أو لديه ثقافة جيدة، وعلم بالكتب والمؤلفات، وطرق استخلاص المعلومات منها، فإنه يفضل أن يقوم بنفسه فيضع منهج ميسراً للتوحيد، جامعاً مادته من كتب العقائد، والتوحيد وما يتعلق بها من شروح.

فيبين من خلال هذه المراجع الأدلة على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، موضحاً كماله وجلاله، واستحقاقه العبودية والخضوع وتمام الحب والذل، مبيناً الغرض من خلق الإنسان وإيجاده، ومفهوم العبادة الشاملة، وأنواع التوحيد، وغير ذلك من القضايا العقائدية المهمة، مراعياً في كل هذا قدرات الولد العقلية وحدود فهمه حسب سنه، مستعملاً الأسلوب السهل الميسر، والصياغة الواضحة المفهومة، والإثارة والجذب ومتجنباً الجدل العقائدي، وأساليب الفلاسفة وأهل الكلام وطرقهم العقيمة في إثبات الصانع سبحانه وتعالى.

ويحذر كل الحذر من التعرض للفرق الضالة المنتسبة للإسلام أو غيرها إلا عند الضرورة، فإنه لا حاجة لمعرفتها قبل معرفة الحق المبين والمفاهيم الصحيحة، فقد يتعلم الولد الشبهة دون أن يعرف الرد عليها، وقد نص شيخ الإسلام رحمه الله على أنه لا ينبغي تعليم عامة الناس إلا ما ينفعهم مباشرة في أمور دنيهم، دون التعمق في القضايا الدقيقة التي تخص العلماء والمتخصصين، فإذا كان هذا مع العامة من المسلمين فكيف بالولد الصغير قليل الفهم والإدراك؟ فلا شك أن تعليمه هذه الأمور يعيق تفكيره، ويشتت ذهنه، ويقسي قلبه، بل ينهج المربي أسلوب التربية الإسلامية الصحيح في البدء بالعقيدة الصححية، وإظهار معانيها ومتطلباتها، فإذا عرفها الولد وفهمها -حسب قدرته - أنكر غيرها من العقائد، وما خالفها من المفاهيم والتصورات، فلا بد أن يُبدأ مع الولد بالقضايا الهامة والكلية التي تكون أنفع له وأفضل، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: (ومن الحكمة، الدعوة بالعلم، لا بالجهل، والبدأة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين) .


 

 

]]>
Thu, 11 Jul 2019 14:47:26 +0300
حقُّ الفتاة في التَّعلُّم مقال شهر شوال 1440هـ

حقُّ الفتاة في التَّعلُّم

(من الإرشيف)

إن العبرة المعوَّل عليها في تقدم الشعوب ونهضتها هي توافر الوسائل المناسبة التي تجعل المعرفة العلمية متاحة للجميع دون استثناء، بحيث تُزال كل أسباب الجهل، وعوائق التعلم المادية والمعنوية، وتصبح المعرفة في متناول القاعدة العريضة من الشعب، خاصة التعليم الأساس الأولي، فإن الاختراعات الحديثة الفائقة لم تقم كلُّها على دراسات علمية متخصصة، بل كان كثير منها نتاج خبرة صُنَّاعٍ مهرة، لا تزيد أصول معارفهم عن العلوم الأساسية الأولية .

هذا النمط المتسع للطبيعة التعليمية كان سائدًا في الحياة الإسلامية الأولى، فمع كون التعليم كان يُقدَّم للناس دون مقابل، فقد كان مشاعاً لا يُمنع عنه أحد، بحيث لا يكاد يوجد في المجتمع المسلم من لا يعرف مهارتي القراءة والكتابة ؛ فقد كتب مرة عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – إلى عامله أبي بكر بن حزم يقول له:"لتُفْشوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يَعْلَمُ ؛ فإن العلم لا يهلكُ حتى يكون سرًّا"، وهذا هو عين النهج الذي سلكته حكومة اليابان، ولا تزال تُصرُّ عليه – مهتدية في ذلك بالخبرة والمنطق – فكان سببًا رئيسًا في تقدمهم العلمي، ونهضتهم الحضاريةالحديثة.  

ورغم أن الإسلام منح الإناث حق التَّعلُّم، وإعمال الفكر والنظر إلا أن هذا الحق المشروع لم يجد الصيِّغ العملية المشروعة والكافية لتحقيقه وإعماله في الحياة الاجتماعية المعاصرة، ولهذا فهن أكثر فئات المجتمع تضررًا بقصور سبل المعرفة، ووسائلها المتاحة.

ومن هذا المنطلق فإن على التربية في العالم الإسلامي أن تسهم في إيجاد القاعدة العريضة المتعلمة، بحيث يتحقق على الأقل لكل فرد – ذكرًا كان أو أنثى – الحد الأدنى من التعليم الأساس، وتتخذ في سبيل تحقيق ذلك الأساليب التعليمية المختلفة، والوسائل التقنية الحديثة، والأنظمة التربوية المتطورة .

ولما كان للفتاة المسلمة كيانها الخاص، وطبيعتها التي تختلف عن طبيعة الذكور، ودورها المتميِّز في الحياة الاجتماعية: فإن نظام تعليمها لا بد أن يتوافق مع كيانها المتفرِّد، ويتناسب أيضاً مع طبيعتها الخَلْقية، ودورها الاجتماعي .

إن من الظلم الاجتماعي أن يوجد خلاف في مبدأ جواز تعليم الإناث، فقد عقد أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي – رحمه الله – فصلاً في وجوب طلب المرأة العلم، وجزم أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي بجواز تعلم المرأة للكتابة، وأظلم منه أن يستقر رأي أمة من الأمم على وجوب تجهيلهن، وحجب العلوم والمعارف عنهن ؛ فإن الولايات المتحدة الأمريكية – رغم إنجازاتها العلمية المعاصرة، وانفتاحها المعرفي في هذا العصر، وتمكين الإناث فيها من التعليم على قدم المساواة مع الذكور-  فإنها – مع ذلك – لم تعترف بحق الفتيات في التَّعلُّم إلا في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، وما نصَّت الجمعية العمومية للأمم المتحدة على أن التعليم الأساس إجباري وحق مشاع لكل إنسان إلا عام 1948م، وذلك بعد مرور مائة عام تقريباً على إعلان حق الفتاة الأمريكية في التَّعلُّم .

إن التربية في التصور الإسلامي تتعامل مع الإنسان بغض النظر عن كونه ذكراً كان أو أنثى، فتعمل على تنشئته بصورة شاملة من جميع النواحي: الجسمية، والروحية، والعقلية . . . وتزوِّده بالمعارف والقيم والخبرات التي تضمن سلامة نموه طبقاً لأهداف الإسلام التربوية الكبرى، بحيث يبلغ كلُّ إنسان مسلم – أياً كان – في المجتمع " درجة كماله التي هيأه الله لها، حتى يكون قادراً على القيام بحق الخلافة في الأرض " .

إن شواهد المجتمع النبوي – المجتمع المقياس – تدل على هذا المذهب بقوة، فمع أن الصحابيات – رضوان الله عليهن – كنَّ يستفدن علمياً من الجو العام الذي شاع فيه علم النبوة ؛ فقد استجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  لانفرادهن بشيء من حديثه الخاص، ولم يكن يمتنع عن إجابة أسئلتهن مهما كانت محرجة، بل حتى الموضوعات الاجتماعية العامة التي قد لا تدخل أهمية تعلُّمها ضمن ضروريات الدين: كان – عليه الصلاة والسلام – لا يبخل بتعريفهن إياها،  ومن لم يكن يستطيع – عليه الصلاة والسلام – أن يصل إليهن من النساء فقد كان يأمر محارمهن من الرجال بتعليمهن, وتبليغهن العلم .

إن هـذا الجـو المفعم بالمعرفة، المشـبع بالعلـوم، الذي يُحـثُّ فيه الرجل على أن يُعلِّم ويؤدب مملوكته : لا يمكن معه أن يرتاب مرتاب ، أو يشك في مبدأ جواز تعليم الفتيات، فإذا كان تعليم الفتاة المملوكة مُرغَّباً فيه بالأجر والثواب، فإن تعليم الحرائر – بالضرورة – آكد وأعظم أجراً ؛ فإن للفتاة الحرة ضعفي ما للمملوكة من الحق في المفهوم الإسلامي، وفي هذا يقول ابن باديس مبيِّناً أهمية تعليم الفتيات : " إذا أردنا أن نكوِّن رجالاً فعلينا أن نكوِّن أمهات متدينات، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتعليم البنات تعليماً دينياً، وتربيتهن تربية إسلامية  " .

ورغم وضوح هذا المبدأ الإسلامي في حق الفتيات في التعليم؛  فإن المجتمع المسلم المعاصر قد قصَّر في تعليمهن من جهتين :

الأولى : من جهة عدم القيام لهن بهذا الحق المفروض شرعاً حتى عمَّت الأمية – بنسب عالية متفاوتة – غالب النساء في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، واحتاجت الأمة للتوصية والتذكير بضرورة تعليمهن ضروريات الدين عبر المؤتمرات والندوات العلمية، بل احتاج أيضاً ملوك ورؤساء الدول الإسلامية إلى أن يجددوا العهد فيما بينهم على التعاون بهدف نشر التعليم في بلدانهم ومحاربة الأمية المتفشية فيها .

الثانية : من جهة عدم تعليمهن ما ينفعهن، فمن نجت من أميَّـة القراءة والكتابة، وقعت – في كثير من المجتمعات الإسلامية – في أميَّـة الدين والأخلاق، حتى حُوصرت الفتاة من الجهتين، فلم يخدمها العلم القاصر، ولم تغن عنها الأميَّة شيئاً ؛ لهذا فإن بعض العلماء يمنع من تعليم الفتاة إذا كان ذريعة إلى مفسدة .

 

 

]]>
Tue, 11 Jun 2019 13:09:29 +0300
إعداد المعلم للمسئولية التربوية مقال شهر رمضان 1440هـ

إعداد المعلم للمسئولية التربوية

(من الإرشيف)

إن من أهم ما يميِّز طبيعة نظام التعليم في الإسلام أنه مرتبط بالدين ؛ فالعملية التعليمية برمتها لا تعدو أن تكون مسئولية شرعية ، منوطة بمن يقدر على القيام بها ، ويحسن أداءها ، فهو تكليف كفائي ، لا بد أن يكون في المجتمع المسلم من يقوم به ؛\لذا كان إعداد المعلم للمسئولية التربوية فرضاً كفائياً لا بد منه .

ومع أن إعداد المعلم فرض تكليفي اجتماعي ، فيه كثير من الجهد والمشقة ؛ فإن الشرع الحنيف رغَّب في ثواب العلم ، ورفع منازل العلماء ، وأعلى من شأنهم ، فقال الله تعالى في ذلك : {... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}،وقال في تمييزهم عن غيرهم : {... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} ، وقال في وصفهم بالخشية ، التي تأتي ثمرة للمعرفة الصادقة بالله تعالى : {... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ...}.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضلهم ومكانتهم وعظيم ثوابهم :" إن العالم ليستغفرله من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، إنما ورَّثوا العلم ، فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافر " ، وقال عليه السلام عن اختصـاصـهم بالخـير : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ... " ، فهم فئة مصطفاة ، خصَّها الله تعالى بالمعرفة والعلم .

وهذه المكانة الجليلة التي رفع الإسلام إليها مرتبة العلم والعلماء : تستلزم ثلاثاً من الصفات والمسالك الأخلاقية ، التي لا بد من توافرها في شخصية المعلم للقيام بمسئوليته التربوية وهي :

1- الحرص على الإخلاص لله تعالى :

من الضروري إخلاص المعلم القصد لله تعالى في تحصيله للمعرفة العلمية ، وفي أدائها للطلاب ، بحيث يكون طلبه للعلم وأداؤه له لوجه الله تعالى ؛ فقد جاء الترهيب الشديد من فساد النية في طلب العلم ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله عز وجل ، لا يتعلمُهُ إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا : لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " ، يعني ريحها ، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً :" من تعلم علماً لغير الله ، أو أراد به غير الله : فليتبوَّأ مقعده من النار " ؛ ولهذا الوعيد كره جمع من السلف أخذ المعلم شيئاً مقابل تعليم الصبيان ، وبعضهم أجاز له الأخذ ما لم يشترط على الناس الأجر ؛ فقد سـئل التابعي الإمام طاووس بن كيسان : " عن معلم يأخذ الأجر ؟ فقال : إذا لم يأخذ بشرط فلا بأس به " .

ورغم الخلاف في مسألة أخذ الأجر على تعليم الصبيان ، لا سيما فيما يتعلق بتعليم القرآن الكريم خاصة ، فإن الأمر لا يشمل العلوم الأخرى : الشرعية وغيرها ، وبخاصة إذا لم يشترط المعلم أجراً على تعليمه ، أو كان أجره من بيت مال المسلمين ؛ إذ من الصعوبة بمكان تفرغ المعلم للتعليم دون أجر يغنيه عن طلب الكسب ، وبهـذا أفتى الإمـام مـالك فقال : " لا بأس بذلك يعلِّم الخير ، قيل : إنه يُعلِّم مشـاهرة ويطـلب ذلك ، فقال : لا بأس به ، ما زال المعلمون عندنا بالمدينة " ، وقال مرة :
" لا بأس بأخذ الأجر على تعليم الغلمان الكتاب والقرآن " ، فقـيل له : أرأيت إن اشترط مع ماله في ذلك من الأجر شيئاً معلوما ؟ ... قال : لا بأس بذلك " .

وهذا لا يطعن في نيَّة المعلم ، ولا يخلُّ بسلامة مقصده ، ولا يُشترط عليه - ليكون مخلصاً لله - أن يُعلن لأولياء أمور التلاميذ : أنه إنما يعمل لله تعالى ، وإنما يكفيه أن يعلم الله تعالى منه صدق النية ، وسلامة المقصد ، والحرص على الخير ، حتى وإن حصل على أجر منهم ، سواء اشترط عليهم أو لم يشترط ،  وهذا - لا شك - أرفق بمعلمي هذا العصر ؛ فإنه لا يُتصور منهم التفرغ لمهنة التعليم بلا مقابل يُعفُّهم عن القيام بطلب الكسب ، فالأجرة هنا على التفرغ ، والجلوس للتعليم ،وبذلك أفتى بعض المعاصرين .

وفي الجملة فإن صفة الإخلاص الضرورية لمسئولية المعلم التربوية ، لا تتعارض مع حصوله على عطاء مالي معلوم ، سواء من أولياء أمور الطلاب ، أو من بيت مال المسلمين ، إلا أن حصوله على هذا العطاء يستلزم منه الترفع عمَّا في حوزة التلاميذ مننقود وطعام ، فقد سئل الإمام أحمد : " عن الأرغفة التي يأخذها المعلمون من الصبيان ؟ قال : أكرهها ، هذا قذر جداً " ، وقال التابعي عبدالله بن شقيق : " هذه الرُّغف التي يأخذها المعلمون من السُّحت " ، بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من هذا حتى نهى المعلم أن يأخذ مالاً من والد صبي مصدره حرام ، ومنع ابن سحنون المعلم من أن يبعث الصبيان في حوائجه الخاصة ، وكل ذلك لتبقى العملية التربوية خالصة ونقية من شوائب المصالح الشخصية .

2- الحرص على طلب العلم وتبليغه :

رغم الضعف الذي انتاب الجانب العلـمي للمعلم المعـاصـر ؛ فإنه - مع ذلك - لا يزال مصدر التلاميذ للمعرفة ؛ فأطفال المدارس- لا سيما في دول العالم الثالث - لا يزالون عاجزين عن امتلاك أدوات التحصيل العلمي ، مفتقرين للمربي الرؤوف الذي يسوقهم إلى ميدان المعرفة برفق ، وهذا يستلزم من المعلم أمرين ، لا بد أن يلتزم بهما :

الأول : حرص المعلم على طلب العلم، بحيث لا يستغني بما حصَّله من المعرفة مهما كانت واسعة عن السعي الجاد في الاستزادة من العلم ؛ فقد أدب الله تعالى نبيه محمداً - المعلم الأول وصاحب الوحي عليه السلام - بأن يدعو : {... وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، فالمعرفة شيء واسع يصعب استيعابه ، وقد عبَّر السيد الخضر لنبي الله موسى عليهما السلام عن هذا المعنى حين نقر عصفور الماء أمامهما نقرة أو نقرتين فقال الخضـر عندها :" يا موسى ما نقـص عـلـمي وعـلـمك من عـلـم الله إلا كنـقـرة هذا العصـفور في البحر " ،  فلحظة شعور المعلم بالاكتفاء من المعرفة هي عين لحظة تلبُّسه بالجهل ، وفي هذا يقول التـابعي سعيد بن جبير : " لا يزال الرجل عالماً ما تعلم ، فإذا ترك العلم ، وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون " ،  ولهذا لا بد من التواضع والحذر من التعالم ، بحيث يكون التواضع صفة لازمة للمعلم ، فهو مهما بلغ في تحصيله العلمي لا بد أن تخفى عليه مسائل ومعارف ، لا سيما في عصر توسعت فيه المعرفة إلى أبعد ما يكون ، ولهذا ينصح الإمام النووي المعلم فيقول :"وإذا سئل عن شيء لا يعرفه ، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل : لا أعرفه ، أو لا أتحققه ، ولا يستنـكف عن ذلك ، فمن عِلم العـالم أن يقول - فيما لا يعلم- لا أعلم ، أو : الله أعلم " ،  ثم اسـتشـهد بقول الصحابي عبدالله بن مسـعـود رضي الله عنه: " إن من العـلم أن تقـول لمـا لا تعـلم : الله أعلم " ،  وكان الإمام مالك يكثر من ذلك ، حتى قال عنه ابن وهب : " لو شئت أن أملأ ألواحي من قول مالك : لا أدري ، لفعلت " ،وأبلغ من هذا وأعجب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع قارئاً يقرأ القرآن فقال : " رحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا أية ، أسقطتهن من سورة كذاوكذا " ،  وهذا من النسيان الجبلِّي ، الذي ينتاب عامة البشر ،  فغيره من أمته عليه السلام أولى بالنسيان والغفلة ، وأحقُّ بالقصور العلمي . 

الثاني : حرص المعلم على تبليغ العلم،بحيث يكون همه تبليغ العلم إلى طلابه ، مستفرغاً وسعه في ذلك ، فلا يبخل عليهم بعلم يعرفه ، أو فائدة حصَّلها ، يقول النووي : " وينبغيأن يكون باذلاً وسعه في تفهيمهم وتقريب الفائدة إلى أذهانهم ، حريصاً على هدايتهم " ،  فهو في حرصه هذا على حذر شديد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سئل عن علم فكتمه  ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " ،  ولهذا يقول الإمام الشـافعي : " وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على ألا يُنسب إليَّ حرف منه " ،  فهو حريص على تبليغ العلم حتى وإن لم ينسب إليه ، لكونه يحب لطلابه من الخير ما يحبه لنفسه ، فهدايتهم أبلغ مراداته ، وأجلُّ مقاصده ، وفي الحديث : "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمر النَّعم " ،  فالعلم الذي يخلِّفه في تلامذته من الصدقة الجارية ، التي تنفع صاحبها بعد مماته .

ولا ينبغي أن يفهم من تبليغ العلم مجرد إيصال المعلومة - كيفما اتفق- إلى التلميذ ، فهذا لا يتحقق به المقصود ؛ فقد تصل المعلومة إلى التلميذ مشوشة لا يفهمها ، أو ربما فهمها ولكنه قد لا يحسن تطبيقها ، فالتبليغ العلمي الحق هو الذي يجمع بين سلامة الفهم ، وحسن التطبيق ، وهذا ما انتهجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ؛ فقد" كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ، حتى تُفهمَ عنه ... " .

وأما التطبيق فقد حفلت سيرته عليه السلامساحة واسعة من التطبيقات العملية ، التي ربطت بين الفهم والتطبيق ، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر حين صُنع له ، ولم يكن ذلك من عادته ، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس فقال صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ، ولتعلَّموا صلاتي " ،  فكان هدف تعليم الناس مقصوداً في عمله هذا  عليه السلام وهذا في الشأن العام ، أما في الشأن الخاص ، ولا سيما فيما يتعلق بتعليم الشباب والصبيان ؛ وطبيعة الممارسة النبوية العملية في ذلك ؛ فقد قال عـبدالله بن مسعود رضي الله عنه واصــفاً حال النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يعلمه التشـهُّد  : " علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكفي بين كفيه - التشهُّد ، كما يُعلِّمني السورة من القرآن " ،  وقد كان  عليه السلام يلقِّنه القرآن تلقيناً ،  وكذلك في خبر الرجل الذي لم يحسـن صلاته ، فقد باشـره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوجيه العملي ، والتطبيق الواقعي .

وأما في شأن الصبيان ، فقد لازم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته ، فكان يلقِّنه القرآن ، ويعلمه التشهُّد في الصـلاة ،  وربمـا أمَّـه في بعـض صـلاة اللـيـل ،  ولمـا رأى عليه السلام عمر بن أبي سلمة عليه السلاملا يحسن تناول الطعام لصغر سنِّه قال له : " يا غلام سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك " ، وأعجب من ذلك حين مرَّ رسـول الله صلى الله عليه وسلم بغـلام يسـلخ شـاة ، والظـاهر أنه لم يكن يُحسن ذلك ، فقال له : " تنحَّ حتى أريك ، فأدخل يده بين الجلد واللحم ، فدحس بها حتى توارت إلى الإبط ... " .

هذه الشواهد النبوية وغيرها كثير تدل على أن التبليغ المجرد عن الإشراف التربوي المباشر لا يحقق المقصود من العملية التعليمية ؛ إذ لا بد مع التبليغ من التطبيق ؛ وهذا ما يشير إليه التوجيه القرآني للمعلمين في قوله تعالى : {... كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ ...}: بمعنى علماء حكماء ، تقومون على من هم تحت أيديكم بالرعاية والإصلاح ، وتتلطَّفون بهم متدرِّجين في تلقينهم العلـوم والمعـارف ، من صـغارها إلى كبارهـا ،  يقـول النـووي - موضحاً هذا المعنى بصورة تطبيقية - : " ويُفهم كلَّ واحد بحسب فهمه وحفظـه ، فلا يعطــيه ما لا يحتمـله ، ولا يقصُـر به عـمَّا يحتـمله بلا مشـقة " ،  ويقول ابن جماعة : " ولا يُلقي إليه ما لم يتأهل له ؛ لأن ذلك يبدِّد ذهنه ، ويفرِّق فهمه ، فإن سأله الطالب شيئاً من ذلك لم يجبه ، ويعرِّفه أن ذلك يضره ولا ينفعه " ،  وقال الحسين بن علي : " يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده ، وتقريب المعنى له ، من غير إكثار لا يحتمله ذهنه ، أو بسط لا يضبطه حفظه " .

3- حرص المعلم على القدوة السلوكية :

 المقصود بالقدوة السلوكية هو انسجام سلوك المعلم مع المفاهيم والمبادئ الأخلاقية التي يربي عليها تلامذته ، ويلزمهم بها ؛ بحيث لا يجد الصغار صعوبة في التوافق بين المفاهيم النظرية التي يتلقَّونها ، وبين السلوك العملي الذي يشاهدونه ، وهذه من أفضل معزِّزات التربية ، ومن أنفع وسائلها ، بل ربما هي الأهم في مجال تربية الصغار ؛ إذ إن السلوك العملي للمعلم أبلغ لوصولهم إلى الحكم الأخلاقي الصحيح ، وأنجح لبلوغهم درجة القناعة بالسلوك القويم ، فهم يتعلمون بالقدوة أكثر بكثير مما يظن المربون ،يقول أحدهم لمعلم ولده : " ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك نفسك ؛ فإن عيونهم معقـودة بعينك ، فالحسن عندهم ما صنعت ، والقبيح عندهم ما تركت " ،  فالتلقين للمفاهيم- مهما تكرر عليهم- لا يبلغ مداه من نفوس التلاميذ حتى يأتي منسجماً مع سلوك القدوة ومتطابقاً معه ، بل ربما أتى التلقين بثمار عكسية إذا صادف قدوة سيئة في شخص المربي .

وقد تنبه بدر الدين بن جمـاعة إلى أهمـية القدوة فقال في نصيحته للمعلم : " ويتجنب مواضع التهم وإن بعُدت ، ولا يفعل شيئاً يتضمن نقص مروءة ، أو ما يُستنكر ظاهراً ، وإن كان جائزاً باطناً ، فإنه يعرِّض نفسه للتهمة ، وعرضه للوقيعة ، ويُوقع الناس في الظنون المكروهة ... فإن اتفق وقوع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها : أخبر من شاهده بحكمه وبعذره ومقصوده ، كيلا يأثم بسببه ، أو ينفِّر عنه فلا ينتفع بعلمه " ،  وهـذا أقل ما ينـاله حين يفـرِّط ، فلا ينتفع النـاس بعلمه ، ولهذا قال مالك بن دينار :" قرأت في التوراة : أن العالم إذا لم يعمل بعلمه : زالت موعظته من القلوب كما يزلُّ القطر عن الصفا " ،  وقد كان الطلبة من السلف لا يأخذون العلم إلا عن القدوات ، قال أبو العالية : " كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه ، فأول ما أفتقِدُ منه صلاته ، فإن أجده يُقيمُها : أقمت وسمعت منه ، وإن أجده يُضيِّعُها : رجعت ولم أسمع منه ، وقلت : هو لغير الصلاة أضيع " .

ورغم ما يبدو من السذاجة في سلوك الأطفال ، إلا أنهم - منذ سنالتمييز- يدركون القدوة ، ويستطيعون تحديد مدى التزام المربين بما يتنادون به من التوجيهات الأخلاقية ،  فهم كائنات عاقلة مدركة ، إلا أنها ليست ناضجة بالقدر الكافي للقيام بنفسها ، والاستقلال بقرارها ، ولهذا جاء التحذير الرباني الشديد من مخالفة الأقوال للأعمال ، لما فيه من التنفير عن الخير ، وإفساد النشء ، فقال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون} ،  وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق أقتاب بطنه ، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى ، فيجتمع إليه أهل النار ، فيقولون : يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول : بلى ، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه " .

 

 

]]>
Tue, 07 May 2019 15:37:51 +0300
الدور التربوي للتليفزيون التعليمي مقال شهر شعبان 1440هـ

الدور التربوي للتليفزيون التعليمي

لقد ثبت نجاح التليفزيون التعليمي على جميع المستويات الفردية والجماعية، بكفاءة عالية، قد تفوق نظام التعليم التقليدي، حتى أصبح جزءاً مهماً في هيكل التعليم في كثير من البلاد المتقدمة , خاصة وأنه أقدر على استيعاب الأعداد الكبيرة من المتعلمين بتكلفة اقتصادية أقل من النظام التقليدي، الذي يعاني اليوم مشكلة الإهدار التربوي والمالي , كما ثبت نجاحه الفائق في الفصل بين الجنسين، وإمكانية تقديم المعرفة العلمية للفتيات المحجبات في البيوت، أو داخل المؤسسات التعليمية الخاصة بهنَّ بعيداً عن أجواء الاختلاط المشينة, فأبطل بهذا النجاح الباهر على أحد المغرضين ربطه بين تعليم الفتاة وضرورة نزع الحجاب، حيث قال : " ربما يُقال إن في طوع المرأة وإمكانها أن تستكمل تربيتها، وتتم دراستها في بيتها، وهو وهم باطل . . . ذلك لأن الحجاب يحبس المرأة في دائرة ضيقة، فلا ترى ولا تسمع ولا تعرف إلا ما يقع فيها من سفاسف الحوادث ".  

وأما من جهة جدوى التليفزيون التعليمي في تحقيق الأهداف التربوية والتعليمية، فالحقيقة الواقعية تشير إلى أنه : " نهج تعليمي قائم بذاته، وأنه أكبر مشروع تربوي على الإطلاق في الوقت الحاضر، وله من الخصائص المغروسة فيه ما يمكِّنه من التسلُّط على الناشئين بقوة رهيبة ", فهو إن لم يفق التعليم التقليدي تربوياً فإنه لا يقلُّ عنه بحال, فقــد " أثبت التليفزيون دوره المتفـــوق في تدعيــم وتحسين عملية التعلم والتعليم كماً ونوعاً ", والتجربة الواقعية العالمية تثبت تفوقه التربوي، ونجاحه بقوة، فلم يعد مجرَّد آلة فحسب، أو وسيلة لتعزيز التعليم، بل أصبح جزءًا أصيلاً من العملية التربوية .

وأما من جهة أنواع العلوم التي يمكن أن تُقدَّم من خلال التليفزيون التعليمي: فقد أثبت التليفزيون – بقدر ما أثبت في الجانب السلبي – قدرته الفائقة في تعليم كل العلوم والمعارف بلا استثناء، بما في ذلك علم اللغات، والبرامج العسكرية، والعلوم الهندسية، والحاسب الآلي، وحتى الجراحة الطبية, مع تفوقه المذهل في تضخيم ومضاعفة محتويات المنهج، ونقل التجارب العلمية، والخرائط، والأفلام بصورة جيدة للمتعلمين، مع قدرته التقنية الفائقة في تحقيق أسلوب التعليم المثالي، بضرورة مراعاة التوجه الكامل أثناء الدرس إلى كل متعلم بذاته، في الوقت الذي يعجز فيه التعليم التقليدي عن تحقيق ذلك، حتى إن بعض المؤسسات التعليمية التي استخدمته
قريباً – بصورة بدائية ضمن شبكات مغلقة محدودة – قد نجحت في تخريج أفواج من الفتيات، تفوق أعدادهن وتحصيلهن – أحياناً – أعداد الطلاب الذكور وتحصيلهم في مراحل التعليم العالي؛ فقد أثبتت التجربة الواقعية في المملكة العربية السعودية نجاح التليفزيون التعليمي في تعليم الفتيات في التعليم العالي، رغم قصور هذه التجربة في أساليب استخدام هذه التقنية ومحدوديتها، حين انحصرت في مجرد دوائر تليفزيونية مغلقة.

وإضافة إلى كل هذه المميزات المتفوقة للتليفزيون التعليمي فإن بناءه التقني قد استغل حاسة البصر، وهي أعظم حواس التعلم عند الإنسان؛ فإن (90%) من معلومات الإنسان، وخبراته يكتسبها عن طريق العين، فإذا اجتمعت حاسَّتا السمع والبصر، تحسَّن التعليم بنسبة (35%)، وزادت قدرة المتعلِّم على الاحتفاظ بالمعلومات بنسبة (55%)، وقد أثبتت التجربة التطبيقية أن مجرد وجود الحاسب الآلي مع المقرر التقليدي يسهم بصورة إيجابية في تعزيز العملية التعليمية .

ومع تساوي الأنثى والذكر في مسألة النظر؛ فإن الإناث يتفوقن على الذكور في ناحية السمع؛ إذ تجد الكلمة المسموعة موقعها من عقولهن ونفوسهن أكثر مما تجده عند الذكور؛ فإن حاسة السمع في حد ذاتها يمكن أن تكون وسيلة الفتاة إلى كثير من العلوم، حتى إن أعلى درجات التفوق العلمي يمكن أن تصل إليها الفتاة عن طريق المعارف المسموعة؛ فالسيدة عائشة – رضي الله عنها – لم تبلغ ما بلغت – حتى في العلوم الطبية – إلا من خلال السماع، فإنها لم تكن تكتب، كما أن قدرتها على القراءة كانت ضعيفة، ورغم ذلك فاقت جميع قريناتها حتى من الكاتبات، فإذا اجتمع للفتاة الجادة السمع والنظر عند التَّعلُّم، حصل لها بالوسيلتين أعلى درجات التعلم، وقد أجاز علماء الحديث التواصل بالكتابة بين المعلم والطالب دون لقاء، فينقل عنه بهذه الإجازة ويروي، ولا شك أن التواصل من خلال التليفزيون التعليمي أبلغ من هذا وأتم ؛ إذ يجمع بين الصورة والصوت والكتابة في وقت واحد، ويمكــن أن يتحقق من خلاله أيضاً التواصل بالمشافهة والنظر بين المتحدثين.

ولما كان أداء التليفزيون التعليمي بهذه الجودة الفائقة ضمن فكرة التعليم عن بعد، زادت اهتمامات التربويين به دراسة وبحثاً ، حتى قام الإجماع – الذي لم يعارضه شيء يُذكر– على ضرورة استخدامه في الشؤون التعليمية، وصدرت بحقه التوصيات الجماعية عبر المؤتمرات والندوات التربوية، وكذلك التوصيات الفردية من خلال البحوث النظرية والميدانية، بأهمية إعطاء التليفزيون التعليمي مكانه المناسب ضمن العملية التربوية في البلاد الإسلامية، فلن يكون غريباً أو مستهجناً – بعد هذا – أن تشمل هذه التوصيات نصف المجتمع، الذي يُعد – في الحقيقة – أحوج أعضاء المجتمع – بحكم طبيعته وظروف مهامه الاجتماعية – إلى تنفيذها، والأخذ بها في الواقع التربوي والتعليمي، وما قد يرد من اعتراضات على بعض أساليب التعليم عن بعد؛ إنما ينحصر غالباً في أساليب التطبيق، وليس على مبدأ الفكرة .

 

 

 

 

]]>
Mon, 08 Apr 2019 19:42:57 +0300
إشعار الطفل بعبودية الحيوانات لله تعالى مقال شهر رجب 1440هـ

إشعار الطفل بعبودية الحيوانات لله تعالى

          إن لهذه الحيوانات إدراكاً خاصاً , تعرف به ربها وتعبده وتسبحه , ولكن الإنسان بغفلته لا يدرك هذا التسبيح وهذا الخضوع الكامل من الحيوان لربه عز وجل, وفي هذا يقول سبحانه وتعالى كاشفاً للبشر عن تلك الحقيقة من التسبيح والتهليل والتمجيد لرب العالمين: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ), ويقول في موضع آخر من كتابه العزيز: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)، ويقول عطاء رحمه الله معلقاً على هذه الآية: " أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة " , أي أن هذه الدواب غير العاقلة تحيا حياة فيها الخضوع والذل والعبودية لله عز وجل, كما أنها تعرف خالقها وموجدها وتسبح له وتمجده.

وقد كان نبي الله سليمان عليه السلام يعرف لغات الحيوانات ويكلمها ويعقل عنها, مما يدل على أن لهذه الدواب لغاتها التي تتفاهم بها , وقد ثبت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم إخبار أصحابه أن بقرة كلمت صاحبها, وأن ذئباً كلم راعي غنم , وقد نقل عنه في موضوع إدراك الحيوانات, ومعرفتها به شخصياً عليه الصلاة والسلام مهو كثير, فتارة يأتيه جمل يشتكي صاحبه, وتارة يشهد جمل عنده على رجل , وهكذا فقد نقل عنه عليه الصلاة والسلام في هذا الجانب ما يوقع في النفس عظمة الخالق سبحانه وتعالى , وعجائب صنعه في هذا الكون، فيخرج الإنسان من كل هذا بأدب مع هذه الحيوانات العجماوات, وعدم إغفالها بالكلية , خاصة وأنها تدرك أسباب البلاء , وتلعن أصحاب المعاصي وتكرههم, فقد ورد في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ), قال مجاهد رحمه الله: " إذا أجدبت  البهائم دعت على فجار بني آدم"، وقيل أيضاً: " ويلعنهم كل شيء حتى الخنفساء " , فهذه البهائم تعرف أن أسباب جدب الأرض, وقلة الخيرات: معاصي بني آدم وانحرافاتهم، لذلك تلعن العصاة منهم , كما أنها في الوقت نفسه تحب الصالحين منهم, وتستغفر لهم , وتدعو لهم كما جاء في الحديث: ((إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)).

فمن هذا المنطلق , ومن هذه المفاهيم الجليلة , يدرك المُربي أهمية إشعار الولد بهذا الجو المليء بالحياة , المفعم بالذكر , ليعيش الولد أوقاتاً من الزمن مستحضراً لهذا الخضوع الكوني العجيب لله رب العالمين , ومن ثم يعرف أن هذه الحيوانات , حتى الحشرات منها, تعرف أهل المعاصي فتبغضهم وتلعنهم ولا تحبهم , فيتجنب أن يكون منهم, أو أن يتشبه بهم , كما أنه في نفس الوقت يعرف أن هذه الدواب تحب أهل الخير وتستغفر لهم, فتراه يتشبه بهم, ويحاول أن يكون منهم.

ومن المستحسن أن يذكر المربي الولد بهذا الشعور من وقت لآخر, خاصة في أوقات الخلوات مع الولد, وعند الأصيل قرب الغروب إذا كانا في نزهة, على شاطىء البحر, أو بين الأشجار, ففي ذلك الوقت تكون النفس مستقرة , ومتفتحة لقبول ما يقع فيها، من مثل هذه المعاني الروحانية المباركة , فإن شعر الطفل بهذه القضية وأدركها إدراكاً لا شكوك فيه, فإنه يعيش حياة لا ملل فيها، فهو ليس الوحيد في عبادة الله , بل غيره كثير من دواب الأرض وحشراتها فضلاً عن عباد الله الصالحين , الكل منهمك في عبادة الله عز وجل, منشغل بالتسبيح والتهليل والتكبير.

إن دور الأب وعموم المربين في هذه القضية هو تركيزها في نفس الولد , وجعله يعيشها وقتاً من الزمن, متجنباً مناقشتها من الناحية العلمية المخبرية, فإن المؤمن بالله المصدق لرسوله صلى الله عليه وسلم, لا يحتاج إلى أدلة علمية ليصدق ويؤمن بما جاء عن الله ورسوله, بل يسلم بكل ما ورد عن الله ورسوله , ويحاول أن يفهم ويعقل , فإن وصل إلى بغيته من إقامة الأدلة الشرعية العلمية التجريبية على قضية من القضايا فهذا حسن , أما إن لم يتمكن من ذلك اكتفى بالإيمان بالأدلة الشرعية دون الأدلة العلمية التجريبية.

إذا فهم المربي هذا المبدأ العظيم فإنه من السهل عليه عندما يحاول الولد أن يدرك هذه القضايا الغيبية إدراكاً تجريبياً,أن يلفت نظره إلى عظم قدرة الله, وأنه قادر على كل شيء, فلا يعجزه أمر, فإن هذا الإيمان الكامل بعظيم قدرة الله عز وجل كاف لأن يصدق المسلم بكل ما يرد عن الله ورسوله من عجائب الغيب , وغرائب الكون.

ويمكن للمربي أن يركِّز هذا المبدأ عملياً في نفس ولده, فإن رآه مقدماً على إيذاء نملة أو خنفساء , أو غير ذلك من الحشرات غير الضارة, فإنه يزجره زجراً خفيفاً مشيراً له أن هذه الدابة تسبح ربها, وتدعو للصالحين , فيأمره بتركها، وبهذا الأسلوب يستقر في نفسه عملياً إدراك هذه الدواب وخضوعها لله عز وجل , فلا يقدم على إيذائها بعد ذلك.

 


 

 

]]>
Tue, 12 Mar 2019 21:06:23 +0300
تحرير العقل المسلم من سلطان الفكر الغربي مقال شهر جمادى الآخرة 1440هـ

 تحرير العقل المسلم من سلطان الفكر الغربي

إن لكل حضارة أصولها الخاصة التي تميزها عن غيرها، وتعتمد عليها، وتنطلق منها، وإن من أبطل الباطل - في الحياة المعاصرة - أن تكون هناك ثقافة عالمية يشترك فيها بنو البشر ممتزجين على اختلاف خلفياتهم الدينية، واللغوية، والجنسية، والوطنية، وأمة الإسلام كأي أمة من الأمم المتحضِّرة تعتز بحضارتها وتاريخها الطويل المجيد، ولا يمكن لها أن تعيش مطمئنة خارج نطاق هذه الحضارة؛ فإن حالة المسلمين الاجتماعية هي غير حالة الغرب من كل وجه، حتى إن الباحث ليرى بالتأمل اليسير أن هذين العالمين لا يمكنهما أن يتَّحدا على أمر في شأن من الشؤون العمرانية إلا إذا فنيَ أحدهما في جسم الآخر، وصار جزءاً منه .

ولما كان الغربيون لا يرون مستقبلاً لغير مشروعهم الحضاري، ولا يعترفون بغير إنجازهم التاريخي: كان لا بد لهم من فرض حضارتهم - بكل ما تحمله من إخفاقات - ووصايتهم على الشعوب المستضعفة بصورة عامة، والشعوب المسلمة بصورة خاصة؛ من خلال الغزو الفكري، بوسائله المختلفة التي تنتزع بقايا الخير العقدي، والفكري، والأخلاقي عند المسلمين، وتعرِّض ثقافتهم لتسميم خطير هدام، فخرجت من جراء هذا الغزو المفسد أجيال مسلمة مقتنعة بخداع الحضارة الغربية، مسلوبة الإرادة الفكرية، ضعيفة في شخصيتها الاستقلالية، لا تملك قرارها، ولا تعرف هدفها، وأصبحت التربية العربية قاصرة وضعيفة في مضامينها وأساليب عملها، ولن تستطيع أن تواجه أو تواكب العولمة، وتشارك في الحركة الحضارية المعاصرة، وهي مثقلة بجوانب الضعف والقصور العلمي والتربوي العام.

إن استمرار الصراع وبقاءه محتدماً بين أمة الإسلام وأمم الغرب هو قضاء الله تعالى للأجيال المسلمة، فإن عالم الغرب بكل انحرافاته، وضلالاته لن يزول سلطانه بالكلية من عالم الوجود، بل قد يزيد نفوذه وبروزه الحضاري في ظل مفهوم العولمة في المستقبل؛ فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( تقوم الساعة والروم أكثر الناس ))، فلا بد لأمة الإسلام أن تضع حلاً جذرياً يحدُّ من سيطرة الغرب ونفوذه بالباطل على مقدراتها، وسياستها، وفكرها، وأخلاقها، وتعمل جادة على تحرير أفرادها عامة والشباب من الجنسين خاصة من سلطان الغرب الفكري، وغزوه العقدي، والأخلاقي المدمِّر لقدرات الأمة، ومواهبها وذلك من خلال مجموعة من الوسائل:

الوسيلة الأولى: إثارة الاعتزاز في نفوس الناشئة بالمشروع الحضاري للأمة المسلمة، من خلال استعراض التاريخ، وما كتبه الغربيون المعتدلون عن حضارة الأمة، وإنجازاتها المادية، والمعنوية الكبرى، حتى تستقر في نفوسهم قدرة الأمة على النهوض مرة أخرى، وتقلُّد زمام الحضارة من جديد، وتزول عنهم مشاعر الانهزام أمام الحضارة الغربية المعاصرة وإنجازاتهما المادية، ففي الوقت الذي كانت تضم المدرسة الإسلامية الواحدة في القرن الثامن الهجري مائتي فقيه عالم، كانت أوروبا تقتل علماءها بلا هوادة؛ حتى إن القاضي الفرنسي حين أصدر حكمه بقتل الكيميائي لافوازييه عام 1794م قال: " إن الجمهورية لا حاجة بها إلى العلماء".

الوسيلة الثانية: إقناع الناشئة بإمكانية قيام الحضارة الإسلامية على غير النهج الغربي؛ فإن حضارة الغرب المعاصرة – رغم تفوقها المادي – ليست بأفضل من الحضارات الأخرى الكثيرة المعاصرة منها أو البائدة، والأمة الإسلامية في نهضتها الأولى قامت على نهج مستقل، دون إشراف أي أمة من الأمم، وإنما هلكت الأمَّة في هذا العصر بسبب انجذابها إلى حضارة الغرب، وقبولها بوصايتها الثقافية والسياسية، حتى فقدت الأمة قدرتها على الابتكار والتجديد، وأصبح همُّها محصوراً في المحاكاة والتقليد، في الوقت الذي أدركت فيه أمة اليابان سرَّ الحضارة – بعد دهر طويل من الضمور والتخلُّف – فأخذت بأسبابها، مستفيدة من كل الأنظمة التربوية المعاصرة، مع استقلال الذات والشخصية، فأقامت نهضتها الحديثة على غير النمط الغربي في كل جوانبها، فلن تعدم أمة الإسلام مخرجاً من أزمتها الحضارية المعاصرة كمخرج أمة اليابان من تخلفها، فإن نجاح التنمية في هذا العصر يعتمد – أكثر من أي عصر مضى – على البحث العلمي الجاد، الذي يُنتج العلم كقيمة من قيم الحياة، ومنهاج يُوصل إلى الكشف الدقيق عن المادة، ونواميس الكون، فعلى المربين في البلاد العربية والإسلامية أن يعلموا الشباب كيف يستطيعون أن يكتشفوا طريقاً يتصدرون فيه موكب الإنسانية لا أن يعلموهم كيف يواكبون أمم الغرب في طرائقهم، وعاداتهم ، وأن يقنعوهم بأن الغرب لن يسمح بنقل التقنية إلى بلاد المسلمين، وأن الطريق الوحيد والمضمون أمامهم للتقدم الحضاري هو البحث العلمي الجاد، معتمدين في ذلك على توفيق الله تعالى، وما بثَّهُ في منهجه المنزَّل من أسباب النهضة، والتفوق الحضاري.

الوسيلة الثالثة: تربية الناشئة على حسن الانتقاء عن الحضارات الإنسانية المعاصرة، فإن الانتقاء هو الأصل في التبادل العلمي بين الشعوب، ولم تعرف أمة من الأمم هذا الانفتاح الثقافي المتسيِّب الذي يعيشه المسلمون، فإن أمة الإسلام في نهضتها الأولى اقتبست عن الأمم التي عاصرتها علوماً ومعارف متنوعة، إلا أنها أخذتها في صورتها الخام فهضمتها، وشكَّلتها من جديد في قوالب توافق نهجها وتصوراتها، والغربيون أنفسهم كانوا من أشد الأمم انتقاءً عن الحضارة الإسلامية، فأخذوا من علومها ومعارفها ما اعتبروه مصلحة لهم، ونبذوا العقائد والأخلاق، وكذلك اليابانيون والصينيون في نهضتهم المعاصرة قلَّدوا الغربيين في التقنية، واستفادوا من أنظمتهم التربوية المختلفة إلا أنهم فصلوا بين العلم كمعرفة مشاعة، وبين الثقافة كخصوصية أمميَّة، يقول الباحث الأمريكي إدوارد بيوشامب الخبير بالنظام الياباني التربوي: "إن أيَّ نظام تعليمي يشكِّل نمواً طبيعياً لأوضاع ثقافية محددة، وإن إبعاد ذلك النظام عن الأوضاع التي نشأ فيها يعني فقدانه لمسوغات وجوده، فالنظام الياباني لا يمكن اقتلاعه وغرسه بنجاح في ثقافة أمريكية مختلفة اختلافاً جذرياً عن الثقافة اليابانية، فإن أردنا تبني النظام الياباني كان لزاماً علينا إعادة بناء مجمل حياتنا الثقافية "، إلى أن قال: " فقد يتبادر إلى ذهن المرء السؤال التالي: هل هناك شيء يمكن للأمريكيين تعلمه من اليابانيين؟ إن كان ذلك الشيء هو أخذ عناصر معينة كاملة من النظام الياباني فستكون إجابتي بالنفي قطعاً، ولكن لا تزال هناك بعض الدروس العامة ذات الأهمية، التي يمكننا تعلمها من دراسة النظام الياباني"، وبناء على ذلك فإن استيراد المعرفة العلمية من بيئة مغايرة لن يأتي مُفرَّغاً من ثقافة أهله، وبيئته الأصلية التي نشأ فيها، فإن الحياد العلمي في هذه المسألة لا يكاد يصدق، ومن هنا فإن من حق الأمة الإسلامية المهتدية؛ بل من واجبها أن تسلك نهج الانتقاء الحذر عن غيرها بما يوافق مصالحها المعتبرة غير المتوهمة، ولا يعارض دينها، ولا أصول ثقافتها، فإن الحكمة ضالة المؤمن، فليس التحرر من سلطان الغرب يعني التقوقع والانغلاق، كما لا يعني الانفتاح على الحضارات الأخرى: الذوبان والاضمحلال. 

 

]]>
Fri, 08 Feb 2019 19:03:23 +0300
ضرورة شغل وقت فراغ الشباب مقال شهر جمادى الأولى 1440هـ

ضرورة شغل وقت فراغ الشباب

(من الأرشيف)

لقد أقسم الله تعالى في كتابه العزيز بالزمن إشارة إلى عظم شأنه، وأن الإنسان فيه مُعرَّض للخسارة والربح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهميته وخطره : (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ))، أي أن غالب الخلق خاسر في الإفادة من هاتين النعمتين على الوجه الصحيح، فكلَّما "قلَّت القيم الصحيحة المتصلة بالوقت ونقصت الاهتمامات، وضعفت المهارات اللازمة لاستغلال أوقات الفراغ: ازدادت فرص اليأس، والملل، والاغتراب، والأنانية، والعنف، والجريمة، والإدمان بين الشباب على وجه الخصوص"، وقد دلَّت الأبحاث العلمية المتعددة بأن وفرة الوقت " تأتي على رأس الأسباب المباشرة لانحراف الشباب"، وانبعاث الأهواء الجامحة في نفوسهم، وبالتالي زيادة نسبة جنوحهم، لا سيما في فترات الصيف، حتى أصبحت مشكلة الفراغ قضية عالمية تعاني منها غالب الدول، خاصة المتقدمة منها، مما دفع بهم - بصورة فردية وجماعية - لدراسة أبعادها وأسبابها، ووضع الخطط العلمية والتربوية، ورصد الميزانيات والأموال الطائلة للحدِّ من خطرها، والتخفيف من سلبياتها على الفرد والمجتمع، وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح الفراغ وما يتعلق به من دراسات وأبحاث فرعاً مستقلاً من فروع علم الاجتماع، يُسمى : "علم اجتماع الفراغ"، مما يدل على أهمية الموضوع وحيويته في الحياة المعاصرة.

وقد أشار العديد من الدراسات التربوية الميدانية إلى أن الشباب - خاصة الفتيات منهم - يعانون حاجة نفسية ملحَّة لشغل أوقات فراغهم التي تتوافر لديهم بالساعات المتعددة يومياً، خاصة في فترات الإجازات، وأنهم في الغالب لا يستفيدون منها بصورة إيجابية، بل حتى حكومات الدول التي يعاني شبابها حدَّة مشكلة الفراغ لا تستغل أوقاتهم بصورة نافعة صحيحة، والفتيات في كل هذا أكثر إدراكاً لوقت الفراغ من الفتيان لوفرة الوقت لديهن، ولطبيعة أدوارهن الاجتماعية، وهن أيضاً أكثر معاناة من الأمراض النفسية المتعلقة بالفراغ، " فالهستريا هي عصاب وقت الفراغ، وتظهر أكثر ما تظهر لدى النساء اللاتي يعشن أوقات فراغ طويلة "، فالمسألة من جهتهن أكثر أهمية.

إن مشكلة الفراغ لا تنحصر في مجرَّد إهدار جزء من الوقت في شغل نافع أو ضار، فالمشكلة مع كونها ظاهرة اجتماعية عامة تحمل صفة العموم، فإنها إلى جانب هذا تحمل صفة الازدياد بصورة مطردة مستمرة، حتى إن التوقعات المستقبلية تشير إلى احتمال أن يصبح الفراغ هو الأصل في الحياة الإنسانية، والشغل طارئاً عليها، وعندها تكون البشرية قد قربت جداً من انهيار الحضارة المادية المعاصرة بصورة نهائية، يقول الفيلسوف دور كايم : "التعطُّل يوسوس بالشر، وينطبق ذلك على الجماعات كما ينطبق على الأفراد سواء بسواء، فإذا لم يجد النشاط الفردي ما يشغله فإنه ينقلب ضد نفسه".

إن منبع هذه المعضلة الإنسانية يعود إلى سببين رئيسين :

الأول: الخواء الروحي النابع من اضطراب المفاهيم الدينية الصحيحة، وضعف السلوك العبادي على النهج الحق، ضمن زيف الحضارة المادية المعاصرة، حين فقد الشباب هدف الحياة، وحكمة الوجود، والاستعداد للمصير الأخروي المحتوم الذي يُحيي في نفوسهم المسؤولية الزمنية، والاهتمام بالوقت؛ فإن أهم "خاصية للإسلام أنه عقيدة ضخمة جادة فاعلة خالقة منشئة، تملأ فراغ النفس والحياة، وتستنفد الطاقة البشرية في الشعور والعمل، وفي الوجدان والحركة، فلا تُبقي فيها فراغاً للقلق والحيرة، ولا للتأمل الضائع الذي لا ينشئ سوى الصور والتأملات" الفارغة، فالانشغال النفسي بالعمل الأخروي الصالح، أو العمل الدنيوي النافع هو منهج التربية النفسية في التصور الإسلامي، فالزمن ضمن هذا التصور هو أثمن ما يملكه المسلم، وهو رأس ماله الحقيقي، ووعاء عمله وإنتاجه.

الثاني : طبيعة النظام الاقتصادي المعاصر، حيث الوفرة المالية، وظهور الآلات والمخترعات الحديثة التي أسهمت بصورة كبيرة في تحجيم أوقات العمل، وزيادة نسبة البطالة خاصة بين الشباب، حتى غدت العلاقة وثيقة بين وفرة الوقت وتحسُّن المستوى الاقتصادي، فإن الناس إذا احتاجوا إلى المال زادت رغبتهم في العمل، فقلَّ بالتالي وقت فراغهم العابث ليرتبط بالوقت المخصص للراحة الجسمية، كما هو الحال في المجتمعات الريفية حيث التداخل والاختلاط بين زمني العمل والفراغ.

إن من الضروري لحل هذه المعضلة الاجتماعية أن يتعلم الشباب من الجنسين كيف يقضون وقت فراغهم تماماً كما يتعلمون العلوم والمهن، فتكون التربية للعمل وللفراغ في وقت واحد، مع إفعام حياتهم اليومية بالأهداف الخصبة المتجددة المتلاحقة، المملوءة بالمثيرات المشوِّقة من المشاريع الفردية والجماعية، والمهارات، والهوايات، والمعارف، والعلوم بعيداً عن الرتابة المملة التي تجلب ضعف الهمة والسَّآمة، مع ضرورة تعديل مفهوم الفراغ في أذهانهم من كونه فترة موات فكري، وخمول جسمي إلى جعله فترة تنويع للعمل العقلي، وتجديد لنوع النشاط الجسمي، فإن "الإسلام حريص على شغل الإنسان شغلاً كاملاً منذ يقظته إلى منامه، بحيث لا يجد الفراغ الذي يُشْكى منه، ويحتاج في ملئه إلى تبديد الطاقة، أو الانحراف بها عن منهجها الأصيل، وليس معنى ذلك هو استنفاد المخلوق البشري واستهلاكه"، فإن مبدأ الترويح وقطع الرتابة مشروع في التصور الإسلامي، ومعترف به تربوياً -قديماً وحديثاً- ما دام هادفاً ومباحاً؛ فإنه لولا شيء من الفراغ لكان الإنسان أشبه بالبهائم.

ولعل مما ينبغي تأكيده في علم الناشئ المسلم بأن احترامه للوقت في أصغر وحداته الزمنية كقيمة معنوية غالية : من أهم وسائل المحافظة على شخصيته صحيحة سوية، وأن إهماله للوقت، وإهداره من أهم أسباب هدم شخصيته، وهبوط همته؛ "فإن أفرغ الناس هو الذي لا يستطيع أن يملأ ساعات فراغه".

 

 

]]>
Sun, 06 Jan 2019 21:40:31 +0300
أدب الطفل مع الوالدين مقال شهر ربيع الثاني 1440هـ

 أدب الطفل مع الوالدين

(من الإرشيف)

حب الوالدين واحترامهما ومعرفة قدرهما أمر واجب على الأبناء، فكما أن للعلماء حقوقًا واجبة على المسلمين، فكذلك على الأبناء حقوق واجبة للآباء، وذلك امتثالاً لأمر الله حيث يقول: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الاسراء:23-24]، وفي موضع آخر يقول الله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ} [العنكبوت: 8] والآيات في الأمر ببر الوالدين كثيرة، تبين عظم حقهما ومنزلتهما؛ فهما اللذان قدما كل شيء في سبيل سعادة الأبناء، فلو أصابت الابن شوكة تمنيا أنها فيهما وليست فيه، يتألمان بألمه، ويسهران لسهره في مرضه، ولا تقر أعينهما إلا بسعادته وراحته، لهذا فإن حقهما كبير وعظيم، ولا يمكن للأبناء مجازاتهما وإن حاولوا، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه)) وأنى له أن يجده مملوكاً فيشتريه ويعتقه، فهذا هو الشرط الوحيد الذي يمكن أن يكون جزاء للوالدين في مقابل فضلهما وكرمهما، كما أن جميع الأعمال، أو الخدمات التي يمكن أن يقدمها الولد لوالده لا تكون جزاء يكافئ من التضحيات، وقد سئل معاذ بن جبل t عن حق الوالدين على الولد، فقال: "لو خرجت من أهلك ومالك ما أديت حقهما" فحقهما لا عدل له.

وقد جاء التحذير الشديد من عقوق الوالدين وإغضابهما، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء" لهذا كان لزاماً على الأب المسلم أن يحمي أولاده من هذا العقاب الشديد عند الله، بأن يربيهم تربية حسنة، فيعرفهم حدود الله، وأسباب غضبه ومقته، ويساعدهم ويعينهم على بره، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((رحم الله والداً أعان ولده على بره)).

ويضع الإمام الغزالي رحمه الله للوالد بعض الضوابط في تربية الأولاد ومساعدتهم حتى يكونوا بارين به غير عاقين له، فيقول: "يعينهم على بره ولا يكلفهم من البر فوق طاقتهم، ولا يلح عليهم في وقت ضجرهم، ولا يمنعهم من طاعة ربهم، ولا يمنن عليهم بتربيتهم " فالوالد لا يشتد مع ابنه ويختبر طاعته له بالامتحانات الشاقة، كأن يمنعه النوم في بعض الأوقات لإتمام عمل غير مهم، أو يكلفه من أعمال البر والملاطفة وخفض جناح ما يلغي شخصية الولد ومكانته، كأن يغضب إذا نسي الولد أن يقبل يده أو سها في أن يهيء له مجلسه، أو يقرب له حذاءه، بل يحاول الأب أن يتغافل عن بعض زلات الولد، ولا يعاقبه إلا على الواجبات إن قصر فيها، أو الأخطاء الكبيرة، كأن يسيء الأدب معه، أو يرفع صوته في وجهه، أو يسيئ أدبه مع الأم أو الجد أو الجدة.

وهذا هو منهج السلف رضوان الله عليهم فهذا خارجة بن مصعب رحمه الله ينصح الأب أن يسوق ولده إلى البر سوقاً رفيقاً، فيقول: "يعطيه ويحسن إليه حتى يبره"، وقال أبو الليث رحمه الله واصفاً حال بعض السلف في رحمتهم بأولادهم وحمايتهم من العقوق: "وكان بعض الصالحين لا يأمر ولده بأمر مخافة أن يعصيه في ذلك فيستوجب النار" وهذا فقه عظيم من رجال السلف رضوان الله عليهم إذ إن نظرهم أبعد من حدود هذه الدنيا وحبهم لأولادهم وإشفاقهم عليهم يتطلب مساعدتهم وعونهم على النجاة في الآخرة قبل كل شيء، فلا يكلفونهم ما لا يطيقون من الأوامر، بل يفكر أحدهم قبل الأمر: "هل سيطيق الولد ذلك أم يعجز عنه فأسوقه بنفسي إلى التهلكة؟" وبقدر ما يجاهد الوالد نفسه في مساعدة أولاده وتوفيقهم إلى البر؛ بقدر ما يجني في المستقبل من إحسانهم له وبرهم به؛ فإن الآباء عادة لا يتكلفون الإحسان لأولادهم لأن القضية فطرية مركوزة في قلوبهم: "أما الولد فهو في حاجة إلى الوصية المكررة ليلتفت إلى الجيل المضحي المدبر المولي الذاهب في إدبار الحياة، بعد ما سكب عصارة عمره وروحه وأعصابه للجيل المتجه إلى مستقبل الحياة"، لهذا جاءت التوجيهات القرآنية آمرة الأبناء بالإحسان إليهم.

أما الآباء فما وقر في نفوسهم من العواطف الجياشة، والميل الفطري كاف لتوجيههم ولفتهم لرعاية أبنائهم، فقلت بناء على ذلك التوصية ببر الأبناء.

ومما جاء في السنة من تعظيم حق الوالد أن مال الولد لأبيه، وأن للأب أن يأكل منه، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" وقال لمن شكا أباه: ((أنت ومالك لأبيك))، ففي الحديث دليل على أن للوالد الحق في أن يأخذه من ماله فهو من كسبه، وهذا جائز حتى وإن كان الأب غير محتاج إلى المال، على أن يراعى عدم مضرة الولد بأخذ بعض المال، وأن لا يأخذه فيعطيه غيره من الناس، كما أنه لا حد على الوالد لولده مطلقاً لعظم حق الأب ومنزلته، فإن سرق مال  ولده لم تقطع يده، وإن كان للولد على أبيه دين لم يطالبه به، وإن قذف الأب ولده لا يُحد ولا يُجلد، ولو أن الوالد قتل ابنه فإنه لا يقتل به. أما لو حدث العكس فقتل الابن والده قتل الولد حدًا لعظم حق الأب ومكانته، وهذا الفقه مبني على قوله: ((لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده)).

ومما سبق يتضح عظم حق  الوالدين، ومنزلتهما في الشريعة الإسلامية، وأنهما غير متهمين في أولادهما، فمهما فعلا مع أولادهما يؤخذ على حسن النية وسلامة الطوية، إذ إن عاطفتهما كفيلة بمنعهما من قصد الإضرار بهم أو إيذائهم؛ فإن قصد إيقاع الضرر بالأولاد لا يمكن أن يحدث إلا عند فساد الفطرة وانحرافها بالكلية.

وهذه القضايا والحقوق لا يمكن أن يفهمها الولد الصغير، ويدرك أبعادها من خلال التوجيه والإرشاد النظري فقط، خاصة إن كان الولد دون سن التمييز، بل إن الإرشاد العملي التطبيقي أمام الولد أكبر تعليم، وأفضل بيان، فالوالد الذي يقبل والده ووالدته في يديهما ورأسيهما أمام نظر الولد، يُعلِّم الولد هذا الفعل ويدربه عليه عملياً. كما أن الظهور أمام الوالدين بمظهر الذل والخضوع لهما، وتنفيذ أمرهما وتوقيرهما، كل هذا يوقع في نفس الولد عظم منزلة الوالدين ومكانتهما.

كما أن تعريف الولد بحق والديه، وأن رضاهما من رضا الله ، وأن غضبهما من غضبه I، يحي في قلبه الخشية من العقوق، كما أن تعريف الولد وإطلاعه على أجر بر الوالدين ومنزلته عند الله، وأن جزاءه الجنة، وأن عصيانهما سبب لمقت الله ودخول النار، له دوره أيضاً في تركيز معاني بر الوالدين في نفسه، فيعيش الولد بين الخوف والرجاء والترغيب والترهيب، فإن عصى أو عاند بذلك، ليراجع نفسه، ويقلع عن خطئه.

ولتعريف الولد جهد والديه معه، وما قدماه من الخدمات الجليلة له في حضانته وتربيته عندما كان صغيراً لا يعقل، فإن الأب يلفت نظره إلى المعاناة التي يلقاها الوالدان مع أخيه الرضيع، وكيف تسهر الأم تطعمه وتنظفه، وإن مرض لم تفارقه حتى يبرأ، وكيف أن الوالد يسارع بحمله إلى المستشفى لعلاجه عندما يشعر بوعكة أو ألم. كل هذه المواقف يشعر بها الولد المميز ليدرك عظم حق والديه، والجهد الذي قدماه له، فيحس في نفسه بواجب الشكر والتقدير على هذه الفضائل الأبوية العظيمة.

وللقصة وقعها في نفس الولد، فإن الأطفال يحبونها ويتأثرون بها، فيمكن للوالد اختيار بعض القصص التي تبرز جانب بر الوالدين، وكيف كانت عاقبة العاق لوالديه حيث قيض الله له من ولده من يعقه عند كبره فلقي جزاء بالمثل، كما أن الولد المطيع لوالديه، البار بهما سخر الله له من ولده من يبر به، ويطلب رضاه، فكان جزاؤه بالمثل للمحسن الإحسان، وللمسيء الإساءة، وعند سرد القصة يكثر الأب من الثناء على الطفل البار، ويذم الطفل العاق، ليقع في نفس الولد حب هذا، وبغض الآخر.

ولما كانت منزلة الأم عظيمة تفوق منزلة الأب، فإن توجيه الولد لأخذ رضا الأم أمر هام، فيأمره الأب أن يقبل يدها في كل صباح ويسلم عليها، وفي بعض الأوقات والمناسبات يقترح عليه أن يهدي لوالدته هدية مناسبة، فيعطيه بعض النقود ليختار لها هدية تناسبها، ويحاول الأب أن يوجد في نفس ولده التعظيم للوالدة ويبين له حقها ومنزلتها، وينبهه على ذلك دائماً، كأن يقول له: "هل أغضبت أمك اليوم؟"، "ماذا فعلت اليوم لتكسب رضاها"، "هل دعوت لها"، وهكذا يتابعه في ذلك ليشعر ويحس بمنزلتها.

ولا شك أن الوالدة أيضاً مأمورة ومدعوة لتعظيم حق الوالد في نفس الأولاد، وإبراز دوره، وإيجاد المهابة له في قلوبهم على أن يكون ذلك في غير رعب أو شدة أو قسوة، فإن قصرت في ذلك ذكرها الأب ونبهها.

ويحاول الأب قدر المستطاع أن يجنب أولاده سماع النزاع أو الشجار بينه وبين الأم، فإن هذا يؤلمهم، إلى جانب أنه يضعف الثقة بهما، لما يرونه من التناقض بين التوجيهات التي يسمعونها منهما، وبين سلوكهما تجاه بعضهما البعض.

 

]]>
Sun, 16 Dec 2018 17:37:10 +0300
الغاية من التنمية الاقتصادية في الإسلام مقال شهر ربيع الأول 1440هـ

الغاية من التنمية الاقتصادية في الإسلام

الإيمان في منهج الإسلام هو  ضابط التنمية الاقتصادية، فهو البعد الغيبي الذي يحكم الممارسة الاقتصادية من جهة تحديد هدفها، وتميُّزها، واستقلالها، بحيث تحمل طابع ذاتها الإسلامية الخاصة، التي تتصف في كلياتها وجزئياتها بالصفة الروحانية، وتتميز في مضمونها وشكلها بالصبغة الربانية، فليس للجاهلية-القديمة أو الحديثة- موقع في انطلاقتها التنموية، كما قال الله تعالى: {صِبْغَةَ الله وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون} [البقرة:138].

والاقتصاد جزء من نظام الإسلام الشامل، تحكمه إرادة الله الشرعية في إلزام الناس بقوانينه الإلهية، ومن جهة أخرى تحكمه إرادته الكونية في إخضاعهم لسلطان قضائه وقدره.  فكل نشاط اقتصادي- أياً كان نوعه أو حجمه- لابد أن يخضع لهاتين الإرادتين حتى يُوصف بأنه اقتصاد إسلامي.  ففي الجانب الشرعي لابد أن يكون التداول المالي مشروعاً في أصله مطهَّراً من الخبث، والسلعة المُنْتَجة لابد أن تكون هي الأخرى مباحة في ذاتها وصالحة في استعمالها، وكذلك في طريقة إنتاجها، فلا يُستغل جهد العامل في كسب محرم تحت أيِّ مبرر اقتصادي.  وفي الجانب الكوني لابد أن يسيطر البعد الغيبي وآثاره الروحية على فهم وتفسير الظواهر الاقتصادية: في نهضتها وإخفاقها، وتقدمها وتخلفها، فيرجع بذلك كله إلى قوة العامل الإيماني وضعفه، فلا تنحصر النظرة الاقتصادية في تفسيرات مادية قاصرة، أو تحليلات مالية عقيمة، بل تنضم كل هذه الأبعاد، والجهود، والمقاصد بكل ما تحويه من فعاليات فكرية، أو سلوكية، كلية أو جزئية، لتصب كلها في هدف الأهداف، وغاية الغايات وهي مرضاة الله تعالى، بحيث يصبح كل نشاط اقتصادي يمارسه المسلم ضمن هذه الغاية الكبرى، يستشعر من خلاله في كل لحظة أنه يمارس عبادة لله تعالى، وقربة يتقرب بها إليه.فلا تتأثر ثوابته الاعتقادية، أو أنماطه السلوكية بالوضع الاقتصادي لا من جهة قوته بحيث يضعف ارتباطه الروحي بالغاية الكبرى عند التفوق الاقتصادي - كما يزعم الملحدون -ولا من جهة نوعه فيختل التزامه الخلقي عند التطور الصناعي، واختلاف أساليب الإنتاج كما يتخيل العلمانيون.

إن الهدف من عملية التنمية الاقتصادية في نظام الإسلام: تيسير سبل العبودية لله تعالى؛ بحيث تُسخَّر العملية الاقتصادية بكل فعالياتها في مساعدة الفرد على تحقيق العبودية لله تعالى،وتكون التقوى
- بأبعادها الإنسانية الداخلية والخارجية- هي قاعدة الانطلاق في البناء الاقتصادي،فمسلك التقوى أساس ضروري للتنمية الاقتصادية في مفهوم الإسلام، "وهذا لا يعني عدم إعمال الفكر في كيفية كسر إطار التخلف الاقتصادي والاجتماعي، فالتدبر وإعمال العقل مطلوب، لكن يجب أن يتسق هذا الفكر مع قيم وتعاليم الإسلام"؛ فإنتاج السلع - في العملية التنموية -لا يمكن أن يكون قيمة في حدِّ ذاته، تُهدر في سبيلها المبادئ والقيم؛ وإنما القيمة - في الحقيقة الإسلامية - مرتبطة بموافقة الشرع، والانتظام ضمن إطاره الرباني، والوقوف عند حدوده المشروعة.

ولئن كانت غاية النشاط الاقتصادي الكبرى: مرضاة الله جل جلاله، فإن الإنسان هو الغاية الصغرى المقصودة بكل الممارسات التنموية؛ بحيث لا يصح - في خضم التفاعل الاقتصادي - أن يُزاحم هدف إسعاده، ورفاهيته، وسلامته أيُّ هدف تنموي آخر، فهو المقصود الأول بالتسخير الكوني، إضافة إلى ذلك فإن الإنسان هو الأساس في التنمية الاقتصادية؛ فقد ارتبطت عمارة الأرض بجهده الذي يأتي ثمرة طبيعية لدوافعه الفطرية، وملذَّاته الشهوية،"فالبشر يكوِّنون العنصر الحي الذي لا يُستغنى عنه في أيِّ نظام اقتصادي، فهم الغاية والوسيلة".

ومع وضوح هاتين الغايتين - كُبْراهما وصُغْراهما - في منهج الإسلام الاقتصادي: فإن الواقع التنموي - على المستويين الجماعي والفردي- لا يكاد يتوافق في أيِّ جانب من جوانبه الكلية أو الجزئية مع مقتضيات هاتين الغايتين: من حيث المخالفات الاقتصادية الصارخة لمراد الله تعالى الشرعي،ومن حيث الفتنة المالية التي ساقت الإنسان المعاصر من كونه مالكاً للمال إلى كونه عابداً صاغراً له،حتى أصبح تحت ضغط بهرج الفتنة المالية التي أخبر بوقوعها رسول الله r :لا يبالي بمصدر المال من أيِّ وجه اكتسبه.

إن المسلم ضمن هذه الثقافة المادية المُستحكمة، والوضع الاقتصادي المُوحش لا يمكن أن ينجو من أثر سلبي يطعن في نهج سلوكه، بل ربما نال من بنائه العقدي حتى يصبح الواقع الشاذ في حسِّه مقبولاً. وهنا لابد أن يتيقن المسلم: أن "الرؤية الإسلامية لا تعتبر ما هو كائن مقياساً تأخذ منه، ولا تُقيِّم ما هو كائن إلا في ضوء ما يجب أن يكون، ولا تقبل تحديداً لما يجب أن يكون إلا بدلالة النصوص الشرعية"،فلا قيمة حقيقية لحجم الانحراف وثقله إذا جاء مخالفاً لمراد الله تعالى الشرعي، فليس الهوى الجماعي أو الفردي مقياساً يُعوَّل عليه في التصور الإسلامي الذي يُلزم أتباعه ابتداء بمشروعية الوسيلة - تماماً - كما يُلزمهم بمشروعية الغاية؛فإن للوسائل في الشريعة حكم المقاصد.

 

]]>
Mon, 12 Nov 2018 18:34:12 +0300
التربية الصحية العامة مقال شهر صفر 1440هـ

التربية الصحية العامة

(من الإرشيف)

المقصود من التربية الصحية : وضع الخبرات الصحية المتعددة في أنماط وقوالب سلوكية، بهدف التأثير الإيجابي على أفراد المجتمع والرفع من مستواهم في عاداتهم واتجاهاتهم ومعارفهم، مع توفير الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية اللازمة للجميع، بحيث يستمتع كل فرد - ذكراً كان أو أنثى - بحقه من الصحة العامة الشاملة للكيان الإنساني بجوانبه المختلفة، فإن " مفهوم الصحة في الإسلام لا يقتصر على الصحة الجسمية … بل يشمل الصحة الجسمية والنفسية والعقلية أيضاً "، فالنمو الإنساني يستوعب كل نواحي الشخصية بأبعادها المختلفة، فالفرد لا يتحرك في الحياة، وتفاعلاتها مجزَّأ؛ إنما يتحرك بكليته، والخطاب القرآني واضح في تعامله مع الفرد ككيان إنساني متكامل، حيث يُمثِّل البعد النفسي عند الإنسان أشرف وأغرب جانب في طبيعته المتميِّزة عن طبيعتي الحيوان والنبات، فرغم اليقين بوجود النفس كجزء رئيس في الكيان الإنساني، وثبات طبيعتها الفطرية، فإنها مع ذلك أكثر جوانب الإنسان غموضاً، وأعظمها خفاء. ومذهب الجمهور في حقيقتها أنها : " جسم نوراني علوي خفيف، حيٌّ ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، والنار في الفحم "، فهي جوهر روحاني لطيف قائم بنفسه، وهي مع ذلك مخلوقة من مخلوقات الله تعالى، تموت وتفنى كغيرها من المخلوقات، فهي ليست عنصراً إلهياً في طبيعة الإنسان كما يظن بعضهم، وصحتها تكمن في توافقها التام والمتكامل " مع وظائفها المختلفة، مع القدرة على مواجهة الأزمات العادية التي تطرأ عادة على الإنسان، مع الإحساس الإيجابي بالسعادة والكفاية ".

وأما البعد الجسمي فهو أوضح جوانب الإنسان ظهوراً، وأبلغها بروزاً في الطبيعة الإنسانية؛ لكونه مادي الأصل والنشأة والتكوين، حيث تعود طبيعته المادية إلى عناصر الأرض ومكوناتها، حتى إن الفلاسفة الماديين لفرط استفحال نشوز الطبيعة المادية في الكيان الإنساني ظنُّوا أن الإنسان لا يعدو أن يكون ظاهرة مادية كيميائية، حتى " إن العلوم الاجتماعية الحديثة تبدو وكأنها قد عقدت العزم، وجمعت الهمة على أن لا ترى في الإنسان إلا كيانه المادي … وأن تعتبر أن الإنسان لا يمثل إلا امتداداً تطورياً لعالم الحيوان، مما دفع بعضهم في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي نحو استخدام قواعد المنهج العلمي للعلوم التطبيقية على العلوم الاجتماعية، في حين " يتفق الباحثون على أن التقدم في العلوم الإنسانية لا يمكن قياسه بالمعايير نفسها التي تطبق على العلوم الطبيعية "، كما أن البعد الجسمي بكل مظاهره البارزة المحسوسة لا يعدو أن يكون جانباً من جوانب الطبيعة الإنسانية المتعددة الأبعاد، وليس هو الجانب الوحيد في بناء الشخصية الإنسانية، وصحته المنشودة تكمن في : " توافقه التام بين وظائفه المختلفة، مع القدرة على مواجهة الصعوبات العادية المحيطة به، والإحساس الإيجابي بالنشاط والقوة والحيوية "، والهدف من تربيته ورعايته : " الوصول بالفرد إلى الكمال الجسماني، بحيث يكون خالياً من الأمراض والعاهات، وفي حالة يكتمل فيها الشعور بالكفاية البدنية، مع رصيد من الصحة يمكِّنه من التغلب على المرض إذا ما انتابه، وأن يكون لديه القدرة على استخدام أجهزة الجسم استخداماً يوفر من طاقتها، ويزيد من مهارتها ".

وأما البعد الجنسي، فمع كونه أدنى الأبعاد الإنسانية شرفاً، ودونها مكانة إلا أنه من أشدها عنفاً وعدوانية، وأكثرها تأثيراً في الكيان الإنسان الكلي، إلى جانب أنه من أعظم الظواهر الأساسية والمحورية في حياة الأفراد والشعوب، ومن أكثرها إزعاجاً للمجتمع، ومن أبلغها فتنة وإضلالاً، خاصة عند الأنثى البالغة، حتى إن البعض جعله مقياساً لصدق الأخلاق، وسلامة السلوك؛ ولهذا عقد الغرب عدة مؤتمرات خلال منتصف القرن العشرين الميلادي يؤكدون فيها على ضرورة رعاية القيم الأسرية، ومحاربة الانحرافات الخلقية، وتضييق فرص الممارسات الجنسية المنحرفة، مع ضرورة التحفظ في القضايا الجنسية، وهذا يدل على خطر هذا الجانب من كيان الإنسان، والحاجة الملحة للتربية الجنسية ضمن المفهوم الإسلامي.

وأما الصحة الجنسية فتكمن في حصول درجة الإشباع والكفاية المشروعة الواقية من الوقوع في الانحراف المُوجب للحد أو التعزير، وأما الهدف من السلوك الجنسي فخدمة النوع الإنساني من خلال التناسل والتكاثر.

إن صحة هذه الأبعاد، وسلامة نموها، واستمرار أدائها الحيوي مع باقي جوانب الكيان الإنساني ضمن منهج التربية الإسلامية هي القاعدة الكبرى في مجال التربية الصحية للناشئ المسلم، وما لم تنضبط هذه الأبعاد، وتتوازن نزعاتها ضمن التصور الإسلامي المحكم، فإن الفراغ النفسي، والاستفحال المادي، والانحراف الخلقي، بما تحمله من صنوف المعاناة هو مصيرالإنسان المحتوم، ومن ثم مصير المجتمع كله. 

 

 

]]>
Mon, 15 Oct 2018 13:18:12 +0300
التلميذ والتكاليف الشرعية مقال شهر محرم 1440هـ

التلميذ والتكاليف الشرعية

التكاليف في الشريعة الإسلامية منوطة بالبالغين العقلاء ، دون غيرهم من الأطفال أو المجانين ، فالخطاب الشرعي الملزم بالعبادات ، والمعاملات ، والحدود لا بد له من الأهلية التي لا تثبت إلا بالبلوغ والعقل ؛  فالطفل يفتقر إلى قدرتين ليتأهل للمسئولية ؛ قدرة تؤهله لفهم واستيعاب الخطاب الشرعي ، وهذه لا بد لها من العقل ، وقدرة أخرى تؤهله لتنفيذ مضمون الخطاب ، وهذه لا بد لها من القدرة على الاختيار ، فلا بد من العقل المدرك والإرادة القادرة للمسئولية الشرعية والجنائية ،  وهاتان القدرتان لا تتوافران في الطفل ؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : " رُفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يشب ، وعن المعـتوه حتى يعقل " ،  وفي رواية : " ... عن الصبي حتى يحتلم ... " ،  فبلوغ الحــلم هو بدايـة التكـليف الشــرعي ،  ما لم يكن البـالغ مغلـوباً على عقله ،  فقد " أجمع أهل العلم على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل " ،  فلا خلاف بينهم أنه لا تكليف على الصبي ، ولا قصاص عليه ، ولا إثم يلحقه بفعل شيء أو بتركه ،  فالحدود الشرعية لا تُقام إلا على بالغ عاقل ، عالم بالتحريم ؛  " لأنه إذا سقط التكليف عن غير العاقل البالغ في العبادات ، وسقط الإثم عنه في المعـاصي ؛ فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى " ،  " ولكن على وليه أداء الزكاة ، ونفقة القريب من مال الصغير ، وكذا غرامة إتلافه ونحوها " ،  فالساقط عن الطفل في الجنايات هي العقوبات البدنية المعروفة بالحدود الشرعية ، أما العقوبات المالية فلا تسقط عنه بسبب الطفولة ،  وغاية الأمر أنه إذا جنى على نفسٍ ، أو مالٍ : فإنه يؤاخذ مالياً لا بدنياً ، كأن يقتل أحداً ، أو يتلف مال غيره ، فإنه يضمن دية القتيل ، وما أتلفه من المال ، ولكنه لا يقتصُّ منه ، وهذا معنى قول الفقهاء : " عمد الطفل أو المجنون خطأ " ،  قال إبراهيم النخعي : " عمد الصبي وخطؤه سواء " ، ومع ذلك فإنه يُعزَّر تأديباً له وليس قصاصاً حديًّا ، بهدف زجره عن السلوك القبيح ،  ما دام أنه مميِّز ، ينتفع بالتأديب ، وإلا فلا يصح
تعزير من لا يفهم .

ومما يُنقل من السيرة النبوية في ذلك أن صبياً به علَّة ، أتي به النبي صلى الله عليه وسلم ليرقيه ، " فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرقي الصبي ويتفل عليه ، وجعل الصبي يتفل على النبي صلى الله عليه وسلم كما يتفل النبي صلى الله عليه وسلم  ، فجعل بعض أهل البيت ينهى الصبي ، فنهاهم النبيصلى الله عليه وسلم  " ،  فرغم أن هذا من أقبح السلوك ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم  لم يؤاخذه لصغر السن .

وقد ناقش فقهاء الإسلام مشاركة الطفل - ذكراً كان أو أنثى - في الجرائم المنصوص عليها بحدود شرعية ، كالزنا ، وشرب الخمر ، والقتل ، والقذف ، والردة ، فلم يحمِّلوا الطفل شيئاً من تبعات المسئولية الجنائية ، إلا ما كان مالياً ، مع التأديب الذي يزجره عن مثل ذلك إن كان مميِّزاً ، وحتى جريمة القتل التي يقترفها الطفل ، فإنه لا حدَّ عليه ،  في حين لو قتل البالغ صبياً لم يبلغ الحلم قيد به ،  بل حتى الجنين في بطن أمه : فيه الدية على من أسقطه ،  فالطفل في الإسلام كائن محترم ، لا يؤاخذ بالعقوبة الجنائية ، ولا يلحقه الإثم ، ما دام لم يبلغ الحلم بسبب عدم الأهلية ، وإن مات قبل البلوغ كان في الجنة ، وفي الحديث : " ذراري المسلمين في الجنة ، يكفلهم إبراهيم u " ،  وبذلك تكون الشريعة الإسلامية أول شريعة ميَّزت بين الصغار والكبار من حيث المسئولية الجنائية ، ضمن قواعد وأحكام لم تتغيَّر ولم تتطور ، وما تزال صالحة حتى الآن ، وكلَّما نضج القانون الوضعي الحديث : قرب من التشريع الإسلامي ، وتوافق معه .

ولا يفهم مما تقدم أن هذه الموبقات حلال للصبي ما دام صغيراً ، بل هي محرمة عليه ، كما هي محرمة على البالغين ، إلا أنه لا حدَّ عليـه إذا وقع فيها ، ولا يلحقه الإثم لعدم الأهلية ، يقول السيوطي عن الصبي : " إذا وطئ أجنبية فهو زنا ، إلا أنه لا حدَّ فيه لعدم التكليف " .

والعجيب أنه رغم وضوح الوجهة الإسلامية في التعامل مع الطفولة ، وتطبيق مقتضياتها القضائية عبر قرون متطاولة من الزمان في الشرق الإسلامي : بقيت مجتمعات أوروبا - في الجانب الآخر- قابعة منذ قرونها الوسطى ، حتى بدايات القرن العشرين الميلادي في تردد طويل حول أحكام الطفل القضائية ، تمارس بحقه من العقوبات الجنائية ما تمارسه بحق الكبار البالغين ، مقتدية في ذلك بأمم بدائية ، فقد سجَّل التاريخ جمعاً من المخازي القضائية بحق الجناة ، تطال الشخص في ذاته فتستأصله بأقسى أنواع العقوبات ، ونظراً لغلبة المفاهيم الخرافية على المشهد الأوروبي فقد
طال العقاب القاسي الأطفال دون سن التمييز وما بعده ، حتى الحيوانات 
والجمادات لم تنج من العقاب ، فقد بلغ الحال أن تصدر الأحكام القضائية بتعذيب جثث المذنبين بعد إعدامهم ، فقد بلغ التشوُّه العقدي والفكري ذروته تجاه الجناة والمذنبين في أوروبا خلال القرون الوسطى ، حتى رُبطت أخطاؤهم بالخبث والفساد والزندقة ، وبالتحدي لإرادة الله تعالى .

وعلى الرغم من التطور الأوروبي الحديث الذي طرأ على الأنظمة القضائية ، بناء على تجدد المفاهيم والتصورات حول التعامل مع الجناة ، لا سيما من الأطفال الصغار والأحداث المراهقين ، والنظر إلى جانب العوامل التي أحاطت بالجاني ؛ فإن إنجلترا وأمريكا كانتا من أواخر دول الغرب تسامحاً مع الأطفال الجانحين ، متأثرتين في ذلك بأفكار كنسية مغلوطة ؛ فقد خطب أحد رجال الدين الإنجليز في القرن السـابع عشر يقول : " من المؤكد أن في جميع الأطفال عناداً وغلاظة في العقل ، نابعة من غرور طبيعي ، وأنها بحاجة - قبل كلِّ شيء- إلى التحطيم والإذلال" ،  وقد نصَّ قانون ولاية جيرسي الشرقية عام 1688م ، قبل الاستقلال الأمريكي ، أن الإعدام عقوبة الطفل العاقِّ لوالديه ، وبالفعل فقد حُكم بالإعدام على أطفال في الثانية عشرة من أعمارهم في كلٍّ من إنجلترا وأمريكا ، وفي عام 1853م كان في سجون إنجلترا ما يزيد على ألف حدث وطفل ، ما بين ( 5- 17 ) سنة ، وقد نالت السلطة الرسمية بالعقاب حتى الحيوانات العجماوات في القرون من الرابع عشر حتى السـادس عشر ، مندفعين باعتقاد مفاده أن الشيطان قد تلبَّس بهؤلاء المذنبين ، وفي تشديد العقاب عليهم ردع للشيطان !!

وقد كانت المسئولية الجنائية في إنجلترا تنحطُّ على الطفل منذ سن السابعة عام 1908م ، ثم رُفعت إلى الثامنة عام 1933م ، ثم إلى العاشرة عام 1963م ، وما تحسَّنت أوضاع التعامل مع هؤلاء الجناة إلا بالثورة الفرنسية ، وما بثـَّـته في أوروبا من الأفكار الجديدة حول كرامة الإنسـان ، معتمدة في ذلك على آراء فلاسفة عصر التنوير ،  وما أعقب ذلك من الإعلانات العالمية المتلاحقة لحقوق الإنسان ،  والوثائق المتضمنة مبادئ حقوق الطفل .

والعجيب أن يتسنَّم الغرب - بكل ما يحمله من المثالب التاريخية - قيادة العالم المتحضِّر في الدفاع عن حقوق الإنسان ، وتبنِّي وثائق حقوق الطفل ، وتولي إرادات متابعة تنفيذها ، ويبقى المسلمـون المعاصـرون أتباعاً في ذلك ، يتعلَّمون المبادئ والحقوق من القاصرين إنسانياً ، ومن الملوثين تاريخياً ، ويكفي المسلمين فخراً أنه منذ البعثة حتى الآن : لم يثبت قطُّ أنه حكم قاضٍ مسلم على طفل لم يبلغ الحلم بحدٍّ شرعي ، مهما كان جرمه ، وقبح صنيعه ، وليس ذلك تهاوناً بالجرائم ، ولكن رحمة بالطفولة ، حتى يهود بني قريظة ، الذين جمعوا بين الكفر والخيانة العظمى ، لم يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا البالغ منهم فقط ،  فإذا كان هذا السلوك سائغاً مع الكفار ، فكيف لا يكون سائغاً مع أبناء المسلمين ، ممن لم يبلغ الحلم ؟

 

 

]]>
Tue, 11 Sep 2018 21:49:07 +0300
44- مشروعية الانتفاع بالسنة الضعيفة في المجال التربوي المحتويات

المقدِّمة  ...........................................................  3

السنَّة وحيٌّ ربَّانيٌّ مبارك ....................................  13

وجوب حفظ السنَّة ورعايتها .................................  17

اجتهاد المحدِّثين في حفظ السنَّة ورعايتها .................  21

ضبط مرويَّات السنَّة بين الصحَّة والوضع .................  25

السنَّة الضعيفة بين القبول والردِّ ..........................  27

موقع السنَّة الضعيفة من الدِّين ...........................  31

تعامل الإمام البخاري مع السنَّة الضعيفة ...............  39

تعامل الإمام مسلم مع السنَّة الضعيفة .................. 45

تعامل الإمام أحمد مع السنَّة الضعيفة نظريًّا ...........  49

تعامل الإمام أحمد مع السنَّة الضعيفة عمليًّا ...........  61

تعامل الإمام ابن العربي مع السنَّة الضعيفة ...........  71

موقف التربويين من السنَّة الضعيفة ......................  79

دعوى الكف عن مطلق السنَّة الضعيفة ....................  83

انتشار السنَّة الضعيفة في كتب التراث الإسلامي .......  87

الاتفاق على العمل بالسنَّة الضعيفة في فضائل الأعمال . 91

التفريق في التعامل بين السنَّة الضعيفة والمرويَّات

الموضوعة .........................................................  97

خطر الدعوة إلى إتلاف السنَّة الضعيفة والمرويَّات

الموضوعة .........................................................  99

أهميَّة السنَّة الضعيفة في ترقي أمثالها للاحتجاج

الشرعي .........................................................  107

أهميَّة السنَّة الضعيفة في ترقي أمثالها لجواز العمل .. 113

الاختلاف في درجة الحكم على الأحاديث الضعيفة ....... 117

عدم جواز التسوية بين السنَّة الضعيفة والمرويَّات

الموضوعة ......................................................... 119

ضوابط الانتفاع بالسنَّة الضعيفة في المجال التربوي .....  133

نماذج من السنَّة الضعيفة مُبوَّبة وفق جوانب التربية الإسلاميَّة :    137

1- نماذج التربية الإيمانيَّة ...................................  138

2- نماذج التربية التعبُّديَّة ..................................  139

3- نماذج التربية الأخلاقيَّة ...................................  143

4- نماذج التربية الاجتماعيَّة ................................  144

5- نماذج التربية الزوجيَّة ...................................  147

6- نماذج التربية الأسريَّة ....................................  149

7- نماذج التربية العقليَّة ....................................  150

8- نماذج التربية النفسيَّة ...................................  151

9- نماذج التربية الجسمية ..................................  152

10- نماذج التربية الاقتصاديَّة ..............................  153

11- نماذج التربية السياسية ...............................  154

التعليق على النماذج التربويَّة ............................  155

المصادر والمراجع ...............................................  157

المحتويات .......................................................  169

 

 

]]>
Mon, 25 Jun 2018 12:21:43 +0300
العاجزون الأبرار مقال شهري رمضان وشوال 1439هـ

العاجزون الأبرار

         الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه في الأرض ولا في السماء ، والصلاة والسلام من الله الجليل على سيد الناس ، وحبيب الحقِّ محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد فكثيراً ما يستشهد المحترقون اجتماعيًّا بالعبارة القصيرة ، المنْسوبة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – التي يقول فيها : ( اللهم إني أعوذ بك من جَلَد الفاجر ، وعجز الثقة ) ، فهذه العبارة المُوجزة في كلماتها ، والقصيرة في جملتها : تُعبِّر بقوَّة عن حالة الإحباط النفسي ، والضيق الاجتماعي ، التي تكْتنف المُصلحين الاجتماعيين في فترات الغرْبة الدينيَّة ، واختلال معايير التقويم الأخلاقي ، وانكماش مجالات التغيير الإيجابي ، في مقابل شيوع روح الفرديَّة المطْلقة ، والانعزال الاجتماعي ، التي هيَّئت للفرد – أيًّا كان مستواه العلمي والعقلي – أن ينفرد باختياراته السلوكيَّة ، مهما كانت شاذة ، ويستقل بآرائه الفكريَّة ، مهما كانت حادَّة ، بزعم أن الساحتين - الاجتماعيَّة والفكريَّة - تتَّسع للجميع !!

          ورغم أن أمير المؤمنين عمر – رضي الله عنه – كان يحيا ضمن أفضل القرون الإسلاميَّة ، حين أطْلق هذه العبارة المُؤْلمة ، فلعلَّه كان يستشرف بها حالة اجتماعيَّة مقْبلة على الأمة ، ممَّا علمه من أخبار فتن آخر الزمان ، التي يستقْوي فيها الفاجر ، ويستضْعِف فيها الصالح ، أو لعلَّه قاس واقع عصره على ما كان عليه الناس في عصر النبوَّة من التَّمام ؛ إذ لا بدَّ لكلِّ زمان من نقص ما ، ينْدرس فيه شيءٌ من الدين ، وبكلِّ حالٍ ، فإن ما لحق الأمة في قرونها المتأخِّرة – بلا شكٍّ - أبلغ وأشدُّ ممَّا كان في زمنه ، من ضعف الصالحين ، وجَلَد الفاجرين .

         ولعلَّ من أشدِّ ما مُنيَت به غالب مجتمعات الإنسانيَّة اليوم : هو قبولها بإدراج الشذوذ السلوكي ، والتطرُّف الفكري ، والشرود الذهني : ضمن نطاق المقبول اجتماعيًّا ؛ بحيث ينفتح أمام الغلاة المتطرِّفين - من كلِّ مذهب ونحلة واتجاه - مجالات التعبير الفكري والسلوكي كأوسع ما يكون ، فلا يجد الواحد من هؤلاء حرجاً ، في أن يُعبِّر بارتياح عمَّا يجول في خاطره من الأهواء الفكريَّة العابثة ، والوساوس الشيطانيَّة الشاردة ، التي يصعب تصنيفها ضمن شيء من حقول الفكر الإنساني المحترم ، أو حتى إدراجها ضمن حدود الحريَّة الشخصيَّة المقبولة ، التي يحترم فيها الإنسان نفسه ، حين يُفْصح عنها للآخرين ، إذ لم يعد كابح الحياء الاجتماعي يردع هؤلاء وأضرابهم ، عن المُضيِّ في عرض نتن أفكارهم ، ووساوس عقولهم ، عبر المُتاح من وسائط التواصل الاجتماعي ، وأدواته الإعلاميَّة المختلفة .

          ويكفي مثالاً لهذا الهوى المُسْتحكم الغلاب : تلك التعبيرات الإلحاديَّة ، الصادرة عن بعض الموتورين من الشباب الأرعن ، حين ينْطلق أحدهم بالإهانة والوقاحة لينال بها أقدس مقدَّسات المجتمع ، ظنًّا منه أنه بذلك يُنْجز فكرياً ما عجز عن إنجازه أكاديميًّا ، فيُغطِّي إخفاقه العلمي ، ويستر إحباطه النفسي ، ويتجاوز تخلُّفه الحضاري : بهذه الترَّهات التعبيريَّة الوقحة ، التي لا تزيده في نفسه إلا سُفولاً وانحداراً ، وفي نظر الأسوياء : لا تزيده إلا قبْحاً واحتقاراً ، فإن الدين عند كلِّ أمة ما زال موضع احترامها وتقديرها ، حتى وإن كان ذلك من بعضهم مجاملة وملاطفة ، فما زال استهداف الرموز الدينية المقدَّرة - عند شعوب أهل الأرض كافَّة - مُسْتنكراً ومُسْتهجناً ، لا سيما ما تعارف عليه المجتمع واعتاده ، ورسخ في وعيه ، واستقرَّ في وجدانه ، من ثوابت الدين ومسلَّماته ، إلا ما يكون من بعض سفهاء الأقوام وأرذالهم ، الذين لا يكاد يخلو منهم مجتمع ، فكيف بما استقرَّ وتواتر تعظيمه وتقديره عند عموم المسلمين ، من الثوابت الدينيَّة والأخلاقيَّة ، التي توارث المسلمون تعظيمها وتقديسها ؛ ممَّا يعدُّونها من المحرَّمات والمقدَّسات ؟!

          وكذلك الحال في مجال السلوك الشخصي ؛ إذ لم يعد للفرد رادعٌ في وسطه الاجتماعي ، يكفُّه عن مسلك الشذوذ السلوكي ، الذي يصدر عن أحدهم بقصد المعاندة للخُلُق الاجتماعيِّ السائد ، والمناكفة لآداب المجتمع العامة ، حيث يشعر المُعاند في نفسه بالإنجاز ، ولو كان في ثوب شاذ ؛ لأن مشاعر الإحباط العامة ، التي تكتنف مجتمعات العالم الثالث : لم تترك للعمل الإيجابي المُثمر ساحة ينشط فيها ، فيجد المأزوم في ساحات السقوط الأخلاقي مجالاً سهلاً للتعبير عن نفسه المُحْبطة ، ولو كان ذلك في عطبه وهلاكه .

          إن تمادي الفاسقين في جرأتهم على دين الله تعالى ، وعلى مقدَّسات الأمة وثوابتها ، في مقابل انكماش الصالحين وتراجُعهم في غُرْبتهم : هو نذير شؤْم على المجتمع بأكمله ، يُنذر بزواله وأفوله ؛ فإن انتشار الخَبَث الاجتماعي دون مدافعة ، وتراجع أسباب الإصلاح الأخلاقي دون مقاومة ، حتى يتجاوز الخبيثُ الطيبَ ، ويعلو الباطلُ الحقَّ : فهي نُذر هلاك اجتماعي عام ، ينال الجميع بلا استثناء : الطيبَ والخبيث ، الصالحَ والفاسد ، فقد مضى العرف الاجتماعيُّ بأن الخير يخصُّ ، وأن الشرَّ يعمُّ ، وأصدق من هذا وأبلغ قول الحقِّ جلَّ وعلا : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (8/25) .

          إن أسوأ ما يمكن أن يلحق الصالحين : هو الخور الاجتماعي ، فلا يجد أحدهم من القوى الروحيَّة والنفسيَّة الكافية لمواجهة الواقع المتردِّي ، بما يُناسبه من أسباب الإصلاح المشروعة والمُتاحة ، وذلك بالقدر الذي يُعذر فيه الواحد منهم شرعاً ، وهو القدر الذي يُبقي على الصالح دينه في نفسه ، وينجو به من تبعات سؤال التفريط يوم القيامة ؛ فإن العجْز الشرعي عذرٌ ينفع الصالحين في أمرين ؛ أحدهما في سلامة قلوبهم من الزيغ عن الحقِّ ، الذي ينال المنافق المُتظاهر بالدين ، وأما الثاني ففي سقوط المحاسبة عنه عند الله تعالى يوم الدين ، فإنه – سبحانه – لا يُكلِّف نفْساً إلا وسْعها .

        ومع ذلك فقد يبلغ الكاره للباطل بقلبه المُحْترق : أعلى الدرجات عند الله تعالى ؛ لأن النيَّة الحسنة في إنكار المنكرات ، والرغبة الطيِّبة في الصلاح والإصلاح : هي مطيَّة المؤمن العاجز إلى بلوغ مرضاة ربِّ العالمين ، لا سيما في آخر الزمان ، عندما تُظلِم الدنيا على أهلها ، وتغيب عن الناس معالم الدين الحقِّ ، حين لا يجد المؤمن على الخير أعواناً يُكثِّرونه ، فينفرد الصالح بنفسه عن مجتمعه ، وربَّما اغترب حتى عن أهله وولده ، فلا يجد في من حوله من يُشبهه في فهمٍ ، ولا من يُشاطره في رأي ، ولا من يوافقه على سلوك ، الكلُّ معجبٌ بنفسه ، تائهٌ في هواها ، فحينئذٍ يكون ثبات الباطن على الحقِّ الخالص : فضيلةٌ دينيَّة معتبرة مقبولة ، وتكون المدافعة للباطل - بيسير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – من محاسن صالحي آخر الزمان ، حتى يكون أمثل المسلمين وأفضلهم – عند انتشار الفواحش والموبقات في العامة – من يأمر بالاستتار بها ، ومع ذلك لا يجْرؤ على النهي عن مواقعتها !!

         وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في سننه (4/530) ، عن القدر من الدين في آخر الزمان ، الذي ينجو به الرجل من المساءلة يوم القيامة : ( إنكم في زمان من ترك منكم عُشْر ما أُمر به : هلك ، ثم يأتي زمانٌ من عمل منكم بعُشْر ما أُمر به : نجا ) .

         ومع صحَّة الرخصة الشرعيَّة للعاجز في هذا : تبقى لأهل العزائم مراتبهم العالية ، ممَّن لا يرضى بأقلَّ من التَّمام لدينه ، وإن لاقى في سبيل ذلك ما لاقى ، فكما أن مقامات الأنبياء : مراتب يعلو بعضها على بعض ، فكذلك الأولياء - في كلِّ زمان ومكان - هم أيضاً مراتب ومقامات ومنازل ، تجمعهم سلامة الباطن ، ويوحِّدهم صلاح السريرة ، وتُفرِّق بينهم العزائم الدينيَّة ، في ترك الترخُّص بالرخص الشرعيَّة .

        وليس هذا الاختيار للعزيمة منهم : تعالياً على الآخرين ، أو تحريماً على المُترخِّصين ؛ وإنما يقصدون بلوغ الكمال الديني ، وينْشدون تمام النجاة الأخْرويَّة ، فإن فتوى الترخُّص الشرعيَّة : لا تستقرُّ في نفس صاحب العزيمة العالية ، ولا تسكن في ضميره المحترق ، حين يستفتي قلبه عنها ، فما تزال نفسه تنازعه في قبولها ، وضميره يُشاغله في الركون إليها ، فلا تهدأ نفسه حتى يطرح الرخصة ، وينهض بالعزيمة .

         وفي هذا يُذكر موقف عثمان بن مظعون – رضي الله عنه – حين دخل في جوار الوليد بن المغيرة ، عندما دخل مكة عائداً من هجرته إلى الحبشة ، فمكث في جواره زمناً ، فلمَّا رأى أصحابه من الضعفاء يُؤذون في الله تعالى ، وهو آمنٌ على نفسه في جوار رجل مشرك : نبذ إلى الوليد جواره ، وآثر العزيمة على الرخصة في ذلك ، وقيل في هذا : ( جوار الله خيرٌ من جوارك ) ، فلحقه من أذى قريش في نفسه ، ما رفعه – رضي الله عنه – إلى مجموع أهل العزائم .

          في حين أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما رجع من الطائف مهْموماً مغْموماً ؛ لقبيح ردِّهم عليه ، وسوء فعلهم معه : دخل مكة في جوار المُطعم بن عدي ، وقد كان مشركاً ، وليس في هذا منه إيثارٌ للرخصة على العزيمة ، فهو في أعلى مراتب أُلي العزم من الرسل – عليهم جميعاً الصلاة والسلام – ولكنَّه التشريع للأمة ، وسنُّ السنن لهم ، فيما يجوز لهم الترخُّص فيه من أمور دينهم ، فيما فيه التلطُّف بهم ، والتخفيف عنهم ، لما يعلم من ضعف غالب أمته ، وعجز أكثرهم عن الأخذ بالعزائم العالية .

         وكذلك كان اختياره لرخصة التخفِّي والسريَّة في هجرته العظيمة إلى المدينة ، في الوقت الذي أقرَّ فيه اختيار عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – على المُجاهرة بهجْرته ، آخذاً في هذا بالعزيمة والقوَّة ، فهو بسيرته – عليه الصلاة والسلام – بين اختياراته وإقْراراته : يشرِّع لأمته حدود الدين ومعالمه ، بين أعلاها وأدناها ، ثم يترك لهم اختياراتهم الاجتهاديَّة ، ويفسح لهم ميدان التنافس الإيماني ، في غير تكلُّفٍ يُرهقهم ، ولا ترخُّصٍ يُفسدهم ، فقد كان نهجه الأغلب على الدوام – عليه الصلاة والسلام - الأخذ بالأيسر والأسهل ، ما لم يكن في ذلك إثمٌ أو حرْمةٌ ، وإلا كان أبعد الناس عنه .   

        ثم هذا الإنكار بالقلب ، حين يصدر عن العاجز المُحْترق : يأتي في أعلى مراتب الإيمان ، إذا ضعُف صاحبه عمَّا هو أفضل منه - والله تعالى أعلم بدواخل النفوس – فلو صحَّت تسميتهم بالعاجزين الأبْرار : ما بعُد ذلك عن الحقيقة كثيراً ، وإنما ينزل إلى أدنى المراتب الإيمانيَّة وأضْعفها ، فلا يبقى وراء ذلك من الإيمان قدر حبَّة من خردل : إذا كان صاحبه مُترخِّصاً بالأدنى ، قاعداً عن الأحسن والأفضل ، وهو قادرٌ عليه ، يعلم الله تعالى ذلك منه .

          ولا يُفهم من هذا فجور الصالحين في خوضهم في منازعات مع الجاهلين المُتجرِّئين ، فينزلون بأخلاقهم مُتمادين في نزاعاتهم مع هؤلاء إلى حيث نهاهم الله تعالى ؛ فإن القبيح من الناس يسْعد بمشاتمة الشريف وينْتشي ، في حين يهلك ويخْسأ بمجرَّد الإعراض ، فهو أمضى وأبلغ في كفِّه وتبْكيته .

          بل إنْ كان ولا بدَّ من هزيمة تلْحق بالصالح الكريم من الجاهل البذيء : فهي – بكلِّ حالٍ - خيرٌ له من سقْطة في التمادي تُحْسب عليه ؛ فإن الثوب الأبيض النقيَّ : لا يحتمل براز ذبابة ، بل حتى لو عُيِّر الكريم بالهزيمة : فليخْترْها على الفجور ، فقد جاء في مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يأتي على الناس زمان : يُخيَّر فيه الرجل بين العجْز والفجور ، فمن أدرك ذلك الزمان : فلْيخْتر العجْز على الفجور ) ، فهذه فتوى نبويَّةٌ كريمة ، باختيار موْقف العجْز – وإن كان مؤْلماً - عن أن يظْهر الصالح بمظْهر الفجور .

         ولئن كان هؤلاء الصالحين أقلَّ الناس فساداً ، وأكثرهم طيباً ونقاءً ، وأفضلهم خُلُقاً وإيماناً ، فإنه لا ينبغي بحالٍ نسْبة العصْمة - من الذنب أو الخطأ – لأحد منهم ؛ فإنه لا عصمة لأحد من الأولياء بعد السادة الكرام الأنبياء ، فليس أحدٌ منهم بمأمنٍ من الوقوع في سقْطة كبيرة ، فضلاً عن الوقوع في صغيرها ، وإنما يتميَّزون - عن عموم الخطَّائين - بسرعة اليقظة والانتباه ، وبتعجيل التوبة والانقياد ، إذا ذكِّر أحدهم تذكَّر ، وإذا وُعظ تنبَّه ، كما قال الله تعالى عنهم : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) (7/201) ، فهم - رغم مقام التقوى - ليسوا بمنأىً عن أن يلحقهم الشيطان بشيء من الغواية تقلُّ أو تكثُر ، غير أنهم إلى التوبة والأوْبة أسرع ما يكونون ، وإنما ينْبل الواحد منهم بقلَّة الخطأ ، وكثْرة التوبة ، وليس بالعصمة من ذلك ، فالعصمة ليست لأحد بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .             

 

]]>
Wed, 16 May 2018 18:34:11 +0300
مشروعية الانتفاع بالحديث الضعيف في المجال التربوي مقال الأشهر جمادى الآخرة ورجب وشعبان 1439هـ

مشروعيَّة الانتفاع بالحديث الضعيف في المجال التربوي

         الحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للخلق أجمعين ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .. أما بعد ، فإن الوحي الإلهيَّ المبارك ينقسم إلى قسمين ؛ وحيٌ يُتلى ، ويتعبَّد المؤمنون بتلاوته ، وهو القرآن الكريم ، ووحيٌ آخر لا يُتلى ، ولا يُتعبَّد بتلاوته ، وهو السنة النبويَّة المُطهَّرة ، فهما يجتمعان في كونهما وحياً من عند الله تعالى ، غير أنهما يفترقان في حكم التعبُّد بالتلاوة (انظر: المستصفى للغزالي 1/129) ؛ فالقرآن يُتلى ، وهو كلام الله تعالى على الحقيقة ، فينال القارئ المُخْلص أجراً على مجرَّد تلاوته ؛ فبكلِّ حرف يقرؤه حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، والله يُضاعف لمن يشاء .

          وأما السنة التي هي أقوال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله وتقريراته ، وما يلحق بذلك من أحواله وصفاته ، فهذه لا تُتلى على هذا النحو التعبُّدي ، وإنما هي كلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بوحيٍ من الله تعالى ، غير أن للمُخْلص أجراً في الاطلاع عليها ، وفي تعلُّمها وتعليمها والعمل بها ، ومن ثمَّ في نشرها وإذاعتها ، فيدخل كلُّ ذلك في مفهوم العبادة من هذه الجهة ، وأما من جهة التعبُّد بالتلاوة ، فهذا خاصٌّ بالقرآن الكريم وحده ؛ إذ تلاوته نوعٌ من أنواع التعبُّد المقصود لذاته .

         ولئن كان تعامل العالِم مع القرآن الكريم : ينصبُّ على تلمُّس فهمه ، والتبصُّر في معانيه ودلالاته ، والتدبُّر لمضامينه ومراميه ، ونحو ذلك من مقاصد الاهتداء والاسترشاد والإصلاح ؛ فإن التعامل مع السنَّة يزيد بواحدة على هذه المقاصد القرآنيَّة الجليلة ، من جهة مراعاة سلامة النصِّ النبوي ، وثبوت صحَّته عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، فهذه مهمَّةٌ تكليفيَّةٌ مُضافةٌ ، نيطت بالأمة للقيام بها ، ضمن باقي فروض الكفايات ؛ ففي الوقت الذي تكفَّل فيه الله تعالى – بفضله - حفظ كلامه في كتابه المُنزَّل : ناط حفظ كلام رسوله – صلى الله عليه وسلم – وأحواله لأتباعه المؤمنين ، فكان من ذلك قيام طائفة من العلماء بهذا الفرض العظيم ، ممَّن سُمُّوا - بعد ذلك - بأهل الحديث ؛ حيث تفرَّغوا قاصدين لهذه المهمَّة الجليلة ، في حفظ هذا القسم من الوحي المبارك ، والاشتغال بعلومه ، ليبقى جنباً إلى جنب مع القسم الأوَّل : في مهمَّة بناء الإنسان المؤمن ، وتكوين المجتمع المسلم ، وفق النهج الذي أراده الخالق جلَّ وعلا من عبيده .

          ونظراً لاختلاف هذه الطبيعة بين نوعي الوحي : اختلف تعامل العلماء معهما ؛ فكان نصُّ القرآن موضع إجماع الأمة بلا نزاع ، وأما السنة النبويَّة فكانت موضع نِزال العلماء المحدِّثين ، بين القبول والردِّ ، والجرح والتعديل ، والبحث والتنقيب ، والتخفُّف والاستكثار ، والحفظ والنسيان ، وهكذا .. فكانت طبيعة المهمَّة المنوطة بالأمة بشريَّة بامتياز - مع ما في هذه المهمَّة من التشريف والتكريم - تجري بجهود العلماء المحدِّثين ، ضمن قدر الله تعالى وتوفيقه لحفظ دينه كلِّه ، وبقاء حجَّته قائمة - بهما جميعاً - على العالمين إلى آخر الدهر .

         ولئن كان حفظ الواحد من الأمة القرآن واستظهاره كأفضل ما يكون : ممكناً ومأذوناً فيه لأهل الهمم ؛ فإن حفظ الواحد منهم السنة كاملة على هذا النحو - المُتقن الشامل - بعيدة المنال ، لم تجتمع قطُّ لأحد من العلماء ، فلا بدَّ أن يخفى بعضها عن العالِم متْناً ، كما يخفى بعضها عليه فهْماً ، غير أنها - قطعاً – لا تخفى على مجموع الأمة : لا متْناً ولا فهْماً ، فالسنَّة محفوظة بمجموعهم لا بأفْرادهم .

         ومن هنا دخل على السنَّة الاجتهاد البشري ، من جهة الجمع والقبول والفهم ، بكلِّ ما لهذه الجهود العلميَّة وما عليها من الصواب والخطأ ، فكان قبول المتن كما كان قبول الفهم : موضع اجتهاد بشريٍّ ، وساحة نِزالٍ علمي ، أبدع فيها المحدِّثون غاية الإبداع ، فلم تسبقهم قطُّ أمةٌ إلى مثل هذا العلم من الرواية والدراية ، على هذا النحو العلميِّ المُتقن الفريد ؛ سواء في جمع جملة السنَّة بأسانيدها في أوَّل الأمر ، أو في نقدها وغربلتها في وسط الأمر ، ومن ثمَّ في فهمها وتوظيفها في الشرع المُتعبَّد به في نهاية الأمر ، فكلُّ مرحلة من هذه المراحل الثلاث : لم تكن جميع تفاصيلها الجزئيَّة موضع إجماع العلماء المجتهدين ؛ إذ لا بدَّ من التنازع العلميِّ فيما يقبل الاجتهاد ، فساحات نقد الأسانيد والمُتون ، ومجالات الفهم والاستنباط من النصوص : أوسع من أن يتَّفق الجميع على قول واحد في كلِّ مسألة منها ، فلم يكن هذا الاختلاف الاجتهادي بمطعن في السنَّة ، بقدر ما هو إثراءٌ علميٌّ ، وتنوُّعٌ فقهيٌّ ، وسعةٌ دينيَّة .

          ومع ذلك انعقدت إجماعات في قبول السنة وفهمها ، كما انعقدت إجماعات أخرى في قبول القرآن وفهمه ؛ فالقبول بجملة الوحيين موضع إجماعٍ الأمة ، ثم تبقى القراءة القرآنيَّة الشاذة – التي لم ترد متواترة - موضع خلاف في حكم التلاوة والعمل ، ويبقى بعض السنَّة أيضاً محلَّ خلافٍ بين القبول والردِّ ، والاجتهاد في الاستنباط والفهم ، فصنَّف القُرَّاء في مجال القراءات القرآنيَّة المقبول منها للتعبُّد والمردود ، كما صنَّف المحدِّثون في مجال السنَّة النبويَّة نحو ذلك ، فوضعوا للسنَّة أربعة أحكام : الصحيح ، والحسن ، والضعيف ، والموضوع .

        ومع ذلك لم يتَّفقوا على درجة كلِّ حديث بعينه ، ممَّا وقع خارج الصحيحين للإمامين البخاريِّ ومسلم ، فما زالت طائفة من الأحاديث البينيَّة تتردَّد بين الدرجات الأربع ، وفق شروط المحدِّثين للقبول والردِّ ، فما ورد منها مُتقناً بطرق الرواة الثقات : اكتسب قداسة فوق ما ورد منها دون ذلك من الحفظ والإتقان ، فبقدر ما يقرب الخبر من درجة الصحَّة : يكتسب مزيد قبول واحترام ، وينقص ذلك منه بقدر بُعده عن الصحَّة مُنْحدراً نحو الوضع .

        ويمكن تمثيل ذلك بمقياس مُتدرِّج من مائة درجة ، فيكون الصحيح من الأخبار المرويَّة هي الأقرب إلى المائة ، فما كان منها متواتراً بلغ القمَّة على المقياس ، ثم يلحقها ما دون ذلك في الصحَّة والحُسْن من أحاديث الآحاد ، ثم ما دون ذلك من المرويَّات البينيَّة ، التي تتوسَّط المقياس بين درجتي الحُسْن والضعف ؛ لاختلال شيء من وصفيْ العدالة والضبط ، أو أحدهما في حقِّ بعض رجال السند ، حتى ينتهي الخلل ببعض المرويَّات إلى الرفض المُطْلق ، برواية الكذابين والأفَّاكين .

         وما كان من الأخبار فوق المُختَلق المصنوع ، فجاء واهياً أو منكراً ، فهو إلى الرفض أقرب منه إلى القبول ، غير أنه ليس بمنزلة المكْذوب الموضوع ، فليس كلُّ الأحاديث الضعيفة في درجة واحدة من الاعتبار والتقدير ؛ فما كان منها مُتهالكاً شديد الضعف : أُلحق بالموضوع ، وما كان خفيف الضعف مُتماثلاً : أُلحق بالحسن ؛ لأن الشيء – في العادة - يأخذ حكم الأقرب إليه ، وينال صفة الأشبه به .  

         وهكذا تبقى الأحاديث البينيَّة على درجات هذا المقياس المُقترح : موضع اجتهاد العلماء المُحدِّثين ، وفق مراتب علمهم من جهة ، وشروط قبولهم لشخص الراوي من جهة أخرى ، فهم بين مُتشدِّد في ذلك ومتوسِّطٍ ومُتساهل ، كلٌّ يغترف من حصيلته العلميَّة ، وفق ما يخلُص إليه اجتهاده ، في ضوء ما يُمليه عليه دينه الذي يدين الله تعالى به ، فلا تثريب على مجتهد فيهم ، أصاب في اختياراته الاجتهاديَّة أم أخطأ ، فهم جميعاً بين أجْري الإصابة والاجتهاد ، لا يفوت الواحد منهم – بإذن الله تعالى – واحدٌ من الفضْليْن .

         ولا يصحُّ هنا نسبة الإحسان بإطلاق إلى مجتهد مُتشدِّد في قبول الأخبار ؛ لخوفه من لحوق الوعيد به ، في قبول خبر مكْذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيحتاط في ذلك للدين : بردِّ كلِّ ما يشكُّ في تمام نسبته إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم ، حتى وإن احتملت بعض الأخبار شيئاً من القبول .

         ولا يصحُّ أيضاً نسبة الإحسان بإطلاق إلى مُتساهل في قبول الأخبار ؛ لخوفه من لحوق الوعيد به في ردِّ بعض ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لاحتمال أنه قاله ، أو قال بعضه ، أو قال نحوه ، فإنه بقدر احتمال شيء من ذلك : يكتسب الخبر - المُتردَّد فيه - قداسة واحتراماً ، فلا يُقْطع بكذبه ، ولا يُقاس رواته على الساقطين ، ولا يُدرجون مع الكذابين ؛ فإن التسوية في ردِّ الخبريْن الضعيف والموضوع : تقتضي التسوية بين الراوي الضعيف والكذاب ، فلا بدَّ من التفريق بين خبر باطلٍ من كلِّ وجه ، وآخر يُحتمل صدقه بوجهٍ من الوجوه .

         ولهذا فرَّق الإمام مسلمٌ بوضوح في مقدمة صحيحه (ص: 5-8) بين ثلاث طبقات من رواة السنَّة النبويَّة ؛ فذكر أهل الحفظ والإتقان من كبار المُحدِّثين الثقات ، ممَّن يُحتجُّ بهم في هذه الصناعة العلميَّة ، وذكر – في الجانب المقابل لهم - نقيضهم من الساقطين ، من أهل الكذب والوضع ، ممَّن يُطرح حديثهم ، فلا تحل الرواية عنهم للانتفاع بوجهٍ من الوجوه ، وذكر لهم أمثلة (انظر: التقريب للحافظ ابن حجر ص: 489، 560) ، وبين هاتين الفئتين المُتناقضتين : ذكر قسماً ثالثاً مُتوسِّط المقام بينهما ، فذكر ثلاثة منهم بأسمائهم ، فوصفهم بالعلم والصدق والستر ، ومع ذلك لم يرقَ بهم إلى من هم فوقهم من طبقة ثقات المحدِّثين الكبار ، أهل الحفظ والإتقان ، كما أنه لم ينزل بهم إلى من دونهم من أهل الكذب والزندقة والفجور ؛ فكانت ثمرة هذا التفريق عنده : هي الإذن في الرواية عنهم ، على أن تأتيَ مرويَّاتهم درجة ثانية ، مُلْحقة كشواهد ومُتابعات لمرويَّات المحدِّثين الثقات (انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/97) ، فيُتوسَّط بها بين الصحيح والحسن ، وبين الواهي والموضوع .

          وبالرجوع إلى كتاب التقريب للحافظ ابن حجر (ص: 456، 542، 696) ، في الحكم على هؤلاء الرواة الثلاثة ، الذين ذكرهم الإمام مسلمٌ مثالاً في مقدِّمته (ص: 5) لهذه الفئة المتوسِّطة من طبقات الرواة ، مُجيزاً الرواية عنهم وعن أمثالهم ، حتى خُرِّج لهم ضمن جملة دواوين الإسلام المُعتبرة ، فإذا بهم رواةٌ ضُعفاء مُخْتلطون ؛ فأحدهم اختلط جداً حتى تُرك ، وآخر وُصف بالضعف والتشيُّع ، غير أنهم ليسوا بكذابين ولا وضَّاعين ، فهذه فوارق دينيَّة وعلميَّة لا بدَّ للمشتغلين بالحديث وعلومه ، والمقلِّدين لهم من التربويين مراعاتها ؛ فليس الرفض المطْلق صواباً ، وليس أيضاً القبول المطْلق صواباً ، وإنما هي منزلة دينيَّة وعلميَّة مُتوسِّطة بينهما .

          ولهذه الاعتبارات المُحتملة : بقيت طائفةٌ - غير قليلة - من الأحاديث في مُنتصف المسافة على هذا المقياس بين الصِّحة والوضع ، تقْترب من الحسن أحياناً ، فترتقي بمتابعات وشواهد ، وفق ما وضعه المحدِّثون من شروط التحْسين ومصطلحاته ، وتبعد أحياناً أخرى نحو الهبوط ، فيشتدُّ ضعفها إلى حدِّ النكارة والوهن ، غير أنها لا تبلغ حدَّ الكذب الصريح ، وبين هذين الطرفين مسافة رماديَّة اللَّون ، لا ترتقي أحاديثها فتُحسَّن ، ولا تهبط أحاديثها فتُنكر ، وإنما تُوصف بأنها ضعيفة لاخْتلالٍ ما في بعض رواتها ، من جهة ضبطهم لمرويَّاتهم وإحْكامهم لها ، أو من جهة عدالتهم في دينهم وأخلاقهم ، أو لشذوذ يعرض لبعض المرويَّات في مُتونها ، إضافة إلى اعتبارات النقَّاد الحُذاق في أبواب العلل ، التي قد تنْزل بها الأخبار عن كمال السلامة إلى الضعف ، فلا يتوافر للخبر من هذه الأخبار شرط الحسن ، فضلاً عن شرط الصحيح .

          والخبر المرويُّ ضمن هذه الطائفة الضعيفة من الأحاديث ، إذا أمكن إدراجه ضمن أبواب الشرع الحنيف ، ولم يُعارض أصلاً شرعيًّا : فإنه حينئذٍ خبرٌ محترم يُنتفع به ، وأقلُّ مجالات الانتفاع به - عند المتقدِّمين الكبار كافَّة - في فضائل الأعمال المشروعة ، فيما فيه وعظٌ وترغيبٌ وترهيب ، وما فيه حثٌّ على عمل الخير والإصلاح ، وفق شروط وُضعت لضبط ذلك .

           وربَّما تجاوز به بعضهم إلى مرتبة الترجيح به بين الأحكام ، وآخرون قدَّموه على القياس وآراء الرجال ، إذا لم يكن في الباب غيره ، وهذا كلُّه منهم إعمالٌ لهذه الطائفة الضعيفة من المرويَّات ، وما ذلك إلا لقُرْبها - شيئاً ما - من مشكاة النبوَّة ، وبُعدها عن الكذب الصريح ، الذي اتفق المحدِّثون على حُرمة روايته في شيء من المصالح الدينيَّة ، إلا أن يكون لغرض بيان فساده ، وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (18/65-66) : ( فإذا رُوي حديثٌ في فضل بعض الأعمال المُستحبَّة وثوابها ، وكراهة بعض الأعمال وعقابها : فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه ، إذا رُوي فيها حديثٌ لا نعلم أنه موضوع : جازت روايته والعمل به ) ، إلى أن قال : ( فما عُلم حُسنه أو قُبحه بأدلَّة الشرع : فإن ذلك ينفع ولا يضرُّ ، وسواء كان في نفس الأمر حقًّا أو باطلاً ، فما عُلم أنه باطلٌ موضوعٌ : لم يجز الالتفات إليه ؛ فإن الكذب لا يُفيد شيئاً ، وإذا ثبت أنه صحيحٌ : أُثبتت به الأحكام ، وإذا احتمل الأمرين : رُويَ لإمكان صدقه ، ولعدم المضرَّة في كذبه ، وأحمد إنما قال : إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد ؛ ومعناه : أنا نروي في ذلك بالأسانيد ، وإن لم يكن محدِّثوها من الثقات الذين يُحتجُّ بهم ) ، ونقل الإمام ابن رجب في كتابه شرح علل الترمذي (1/92) قول الإمام ابن أبي حاتم - موافقاً له - : ( يجوز رواية حديث من كثرت غفلته في غير الأحكام ، وأما رواية أهل التهْمة والكذب : فلا تجوز إلا مع بيان حاله ، وهذا هو الصحيح ) .

         وليست هذه التصريحات من أهل هذه الصناعة الشريفة تجري مجرى التساهل المذموم ، ومن زعم ذلك فقد أساء الظنَّ بالعلماء ، وإنما هي من الاحتياط الممدوح للسنَّة والتعظيم لها ، فيما يُحتمل أنه أو بعضه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

         وشبيهٌ بهذا : رواية كثير من العلماء للقراءة القرآنيَّة الشاذة ، بعد ثبوت الرسم العثماني ، فرغم أنها عند أكثر العلماء لا تُعدُّ قرآناً يُقْرأ بها ، ولا تُجزئ في صحَّة الصلاة ؛ إذ لا بدَّ لآي القرآن من التواتر كشرطٍ ضروريٍّ للتعبُّد بها ، ومع ذلك تُذكر القراءة الشاذة أحياناً ولا تُهْمل ، ويُستشهد بوجوهها عند ذكر القراءات المتواترة ، لا سيما ما وافق منها الرسم العثماني ، وكثيراً ما يأتون بها في تفسير بعض الآيات ، للدلالة على وجه من وجوه التفسير ، ضمن معنىً صحيح قد لا تُؤدِّيه القراءة المتواترة ، وقد اتَّفق جمهور العلماء على تدوين القراءة الشاذة ، والاحتجاج بها في المجالات اللغويَّة ، غير أنهم اختلفوا في اعتبارها دليلاً مُستقلاً في المجالات الفقهية والأحكام ، وأقلُّ ما يُقال فيها إنها كخبر الآحاد إذا ورد صحيحاً (انظر: الاختلاف بين القراءات لأحمد البيلي 112-118) ، فلا يصحُّ إسقاطها بإطلاق ، أو إهمالها من كلِّ وجه ، حتى تنزل الرواية القرآنية الشاذة إلى مرتبة كلام البشر !!  

        ولولا درجة ما من التقديس والاحترام لِما ورد عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم – من القراءات الشاذة ، التي تلقَّوها عن الرسول صلى الله عليه وسلم : لَما حظيت هذه القراءات بهذا الاهتمام من العلماء ، ولَما وقع الخلاف بينهم حول اعتبارها – بوجه من الوجوه - من عدمه ، فالنسبة اليسيرة إلى الوحي المبارك – قرآناً أو سنَّة - لا بدَّ أن تُعطيَ النصَّ القرآنيَّ الشاذ ، أو الحديث الضعيف : شيئاً من التقديس بقدر ذلك .

          ومن هذا الباب استحسن التربويُّون إعمال الحديث الضعيف – بهذه الاعتبارات العلميَّة – فيما يكون تربية للناشئة وتهذيباً لهم ، بما يحمله من المعاني الصحيحة ، اتِّباعاً لِما قرَّره أهل الحديث في هذا الباب ، فيما ذهبوا إليه من إعمال الحديث الضعيف فيما دون الأحكام الشرعيَّة والعقائد ، ممَّا يكون فيه الوعظ والترغيب والترهيب والفضائل ، ونحو ذلك ممَّا يندرج ضمن حقول المقاصد الدينيَّة ولا يتعارض معها ، لا سيما وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد أذن فيما هو أبعد من هذا ؛ في التحديث عن بني إسرائيل في غير حرج ، فيما لا يتعارض مع الثابت الصحيح من دين الإسلام ، رغم ما عُرف عنهم من الكذب والتحريف ، فلئن كان التحديث عن هؤلاء الكافرين جائزاً بضوابطه ، أفلا يكون التحديث - بضوابطه - عمَّن هم خيرٌ منهم أولى بالجواز ؟!

         ولهذا لم يجد العلماء غضاضة في تسمية الخبر الضعيف بالحديث ، مع توسُّعهم في إعماله ، وعدم اشتراطهم بيان ضعفه على الدوام في كلِّ مناسبة ، لا سيما عند ذكره في فضائل الأعمال ، وما فيه ترغيبٌ وترهيب ، ونحو ذلك (انظر أيضاً: علوم الحديث لابن الصلاح 93) ، في الوقت الذي تحرَّجوا فيه غاية الحرج من وصف الخبر الموضوع بالحديث ، فضلاً عن إعماله في شيء من الشؤون الدينيَّة ، فهذه كتب السنن الأربعة ، التي اتفقت الأمة على اعتبارها - مع الصحيحين - دواوين الإسلام ، فقد اشتملت جميع الأربعة على قدر من الأحاديث الضعيفة ، وُضعت في أبوابها المُناسبة لها من هذه الكتب ، وقد تجاوز مُصنِّفوها - بالأحاديث الضعيفة - قضيَّة فضائل الأعمال ، إلى اعتبارها في بعض مسائل الأحكام ؛ فبوَّبوا على كثير منها أبوابهم ، حين لم يثبت عندهم من الأحاديث أمْثلُ منها في موضوعاتها ، مُستنبطين منها ما يدلُّ على تراجم تلك الأبواب ، وهذا فضلاً عن إيرادها بكثرة في هذه السنن ، فيما فيه فضيلة من أدب أو خُلُق أو وعظ .

          كلُّ هذا كان مُتاحاً لطلبة العلم في غير حرج ، وما سبق لأحد من العلماء : أن ألزم الناس بالصحيحين دون باقي كتب السنَّة ومصادرها ؛ لوجود أحاديث فيها لم تصحُّ ، لا سيما وأنه قد مضى إلى الله تعالى أكثر أئمة السلف من فقهاء ومحدِّثين - ضمن القرون الثلاثة المفضَّلة - قبل ظهور الصحيحين ، فكيف وهما لم يستوعبا جميع الصحيح ، فضلاً عن أن يستوعبا جميع السنَّة المقبولة للاحتجاج والاعتبار ؟! فالمُعتبر من السنَّة أوسع وأكبر من أن يحويه كتاب واحد بعينه ، وبالاقتصار على الصحيحين يفوت طلاب التربية كثيرٌ من السنَّة المعتبرة .

         والخشْية من بعض طلاب التربية : أن يكون هدفهم من الاقتصار في أبحاثهم العلميَّة على الصحيحين : هو ميلهم إلى الدعة ، وعدم رغبتهم في التنقيب التربوي في كتب السنَّة بصورة أوسع ، وضعف الهمَّة العلميَّة عن خوض هذا المجال العلمي الكبير ، وليست حقيقة قضيَّتهم مسألة الحرج من رواية الحديث الضعيف ، تقليداً لمن يرى ذلك من المعاصرين .

         وقد قطع المزايدة في هذه المسألة : أمير المؤمنين في الحديث : الإمام البخاري في كتابه الأدب المُفرد ، الذي وضعه بهدف تهذيب الأمة وتربيتها ؛ فرُبع ما رواه فيه تقريباً ضعيف لا ينْجبر ، حسب تقسيم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني له - رغم أنه لا يُعدُّ من المتشدِّدين - فقد خرَّج فيه الإمام لجمع من الرواة المُتكلَّم فيهم ، ومع ذلك بوَّب على أحاديثهم أبوابه العلمية والأدبيَّة والأخلاقيَّة ، على نهجه الفريد المعروف في تراجمه المستنبطة من الأحاديث ، ومع ذلك لم يفلت عليه في الكتاب حديثٌ موضوع واحد ، فدلَّ بوضوح - من منهجه هذا - أنه كان يعلم تماماً ما يُروى من الأحاديث وما لا يُروى ، ومن يُخرَّج له من الرواة ومن لا تُقبل روايته ، ومن يُنْتقى من مرويَّاته ويُنتفع بها ، وما يُتْرك منها ويُعرض عنها ، ولهذا انفرد كلٌّ من الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما بالتخريج لطائفة من الرواة المُتكلَّم فيهم بالضَّعف ، فأخذا عنهم وتركا ، وفق منهجيهما فيما تصحُّ روايته عن هؤلاء وأمثالهم (انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/92) ، فأيُّ عدل يُدَّعى في التسوية بين راوٍ ضعيف يَهِم أو يُخطئ أو ينْسى في بعض ما يروي ، أو آخر مجهول الحال ، وبين وضَّاع أفاكٍ أثيم ، معلوم الحال ، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!

          وأما شرطه في كتابه المشهور الجامع الصحيح ، حيث اشترط ألا يُورد فيه إلا حديثاً صحيحاً : لا يعدو أن يكون - شرطه هذا - نهجاً اتخذه في هذا الكتاب خاصَّة ، وليس في هذا بيان مذهبه في حكم رواية الحديث الضعيف ، لا سيما وأن تأليف كتاب الأدب المفرد جاء متأخِّراً بعد الجامع الصحيح ، وأبعد من هذا كتابه خلْق أفعال العباد ، الذي وضعه في سنة وفاته – رحمه الله تعالى – وقد حوى - هو الآخر – شيئاً من الأخبار الضعيفة ، رغم أنه كتابٌ في العقيدة ، فلو صحَّ إلزام الإمام البخاري بمذهب في هذه المسألة : لكان ما انتهى إليه من إيراد الضعيف أقرب لوصف مذهبه ، وإنما الأليق في تعيين مذهبه : أنه لم يخرج عن اتجاه أهل الحديث في مسألة رواية الضعيف بضوابطه ، وما اشترطه من الصحَّة في جامعه الصحيح : كان نهجاً خاصًّا بهذا الكتاب ، وليس فيه تعيين مذهبه في هذه المسألة .

        ثم هذا شيخه الإمام الكبير أحمد بن حنبل ، وقد صنَّف المسند ليكون مرجعاً للأمة في الحديث حين يختلفون فيه ، فيكون حجَّة لمن أخذ به ، ومع ذلك شمل جمعاً من الأحاديث الضعيفة التي لا ترتقي (انظر: سير الأعلام للذهبي 11/329) ، بل ذهب بعض المحدِّثين إلى وصف عدد قليل من أحاديث المسند بالوضع ، ممَّا دفع بعض العلماء للذود عنه ، بوصف هذه الأحاديث – المطعون فيها - بالضعف وليس بالوضع ، كما فعل الحافظ ابن حجر في كتابه : القول المسدَّد في الذب عن المسند ، فلو كان الضعف كالوضع : فما وجه الذبِّ عن هذه الأحاديث لترقى إلى درجة الضعف ؟!

         وهذا أيضاً فيه بيان خطأ من وصف الأحاديث الضعيفة في المسند بأنها في درجة الحسن ، ومعلوم عند أهل الاصطلاح في تعريف الضعيف – بعد استقرار المصطلح - أنه : ما فقدَ شرْطيْ الصحيح والحسن ، وموقع الحديث الحسن : وسطٌ بين الصحيح والضعيف ، فلو صحَّت هذه الدعوى : لكان نزول هذه الأحاديث – المطْعون فيها على المسند – إلى الضعف لا إلى الوضع ، وتكون المنافحة عنها لتحسينها ، وليس لدفع تُهْمة الوضع عنها !! وبذلك يكون مسند الإمام أحمد – بهذا الزعم - أصحَّ كتابٍ وأوسعه في السنَّة النبويَّة على الإطلاق !! لأن الحسن مُلحقٌ بالصحيح ، وعليه مدار غالب السنَّة المعتبرة للاحتجاج عند جماهير المحدِّثين والفقهاء ، ومعلوم أن مثل هذا الادِّعاء لم يقل به أحد مُعتبر القول .

         وأما ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (1/252) من أن ما أطلق عليه الإمام أحمد بأنه ضعيف يُحتجُّ به : هو ما اصطلح عليه الإمام الترمذي بالحسن ، وهو عنده خبرٌ تعدَّدت طُرقه ، وليس بشاذ ، وليس في رواته متَّهمٌ ، وضرب لهذا الوصف مِثالاً بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ومعلومٌ أن روايته مُحتجٌّ بها عند جمهور أهل الحديث (انظر: مقدمة ابن الصلاح 283) ، بل ذكر الإمام السيوطي في تدريب الراوي (2/257) قول الإمام البخاري : ( رأيت أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، وإسحاق بن راهويه ، وأبا عبيدة ، وعامة أصحابنا : يحتجُّون بحديثه ، ما تركه أحدٌ من المسلمين ) ، فهل يُضير حديثه أنْ وُصف بالضعيف وهو بهذه المنزلة من الأئمة الكبار ؟ فدلَّ عن أن تسمية الإمام أحمد له بالضعيف : مسألة فنيَّة متعلِّقة بالاصطلاح ، وليست مُتعلَّقة بقبوله حجَّة شرعيَّة ؛ لأن مصطلح الحسن لم يظهر آنذاك ، ولهذا اعتبره – مع باقي الأئمة – حجَّة شرعية ، ولو كان ضعيفاً على اصطلاح المتأخرين : لنزل عن رتْبة الاحتجاج إلى رتْبة الجواز .

          ولهذا فإن حديثه سيق هنا في باب الاحتجاج به كحكم شرعي مقبول ، وليس لمجرَّد بيان جواز العمل به ، الذي يأتي درجة أو أكثر دون ما سيق من الآثار للاحتجاج الشرعي ؛ إذ لا بدَّ من التفريق بين ما يُحتجُّ به في الأحكام ؛ كحديث عمرو بن شعيب هذا - سواء سُمِّيَ ضعيفاً أو حسناً ؛ إذ التسمية لا تغيِّر الحقيقة القائمة ، ولا ترتقي بضعيف المسند - وبين ما يجوز العمل به ، فيما دون الحلال والحرام من الفضائل والرغائب والتهْذيبات ، فكلا الصنفين وغيرهما من أنواع الحديث ومراتبه : شملهم المسند ، عدا صريح المكذوب المُخْتلق .

         إذا تقرَّر هذا : فما حاجة الإمام أحمد إلى رواية أحاديث ضعيفة في مسنده ، وتوقِّيه الأخبار المكذوبة ، حتى لم يُطعن على مسنده الذي ضمَّ قريباً من ( 28000) حديثٍ إلا في أحاديث محدودة معدودة ، ومع ذلك لم يُسلَّم بها للطَّاعنين ؟ فأقلُّ ما يُجاب به : هو جواز روايتها ما دامت في حدِّ الضعيف ونحوه ممَّا يُحتمل ، فضلاً عمَّا ذهب إليه كثيرون من إعمال بعض الضعيف فيما هو فوق مجرَّد الرواية ، وفْق شروط وضوابط وضعوها لذلك ؛ فإن نهج الإمام أحمد أنه كان يُقدِّم الحديث الضعيف والعمل به على آراء الرجال وأقْيستهم (انظر: فتح المغيث للسخاوي 1/147-148 ومقدمة تحقيق المسند لشعيب الأرنؤوط 1/79) ، فلولا هذا الاعتبار باحتمال نسبة هذه المرويَّات الضعيفة أو شيء منها إلى المعصوم - صلى الله عليه وسلم – ما رواها ولا قدَّمها ، بخلاف الموضوع المكذوب من الأخبار ، فقد كان يتوقَّاه ولا يرويه .

           ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (18/72) ، في تزكية مُصنَّفات الإمام أحمد : ( فإنه لا يذكر في مُصنَّفاته عمَّن هو معروفٌ بالوضع ، بل قد يقع فيها ما هو ضعيفٌ بسوء حفظ ناقله ، وكذلك الأحاديث المرفوعة : ليس فيها ما يُعرف أنه موضوع قُصد الكذب فيه ، كما ليس ذلك في مُسنده ، لكن فيه ما يُعرف أنه غلطٌ ، غَلِطَ فيه رُواته ، ومثل هذا يُوجد في غالب كتب الإسلام ، فلا يسلم كتابٌ من الغلظ إلا القرآن ) ، وقال الإمام الذهبي عن المسند في سير الأعلام (11/329) : ( ففيه جملةٌ من الأحاديث الضعيفة ، ممَّا يسوغ نقلها ، ولا يجب الاحتجاج بها ، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة ، ولكنَّها قطرةٌ في بحر ) ، فهذا نهجٌ واضحٌ في التفريق بين الضعيف المُقارب ، وبين المكْذوب الخالص .

          وفي استقراء سريع لأحكام المُحقِّق الشيخ أحمد شاكر على الألف حديث الأولى من المسند ، التي شملت مسانيد الخلفاء الراشدين الأربعة : أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطائفة من مسند عليٍّ – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فقد جاءت أحكامه على أسانيد هذه الأحاديث - فيما دون الصحيح منها والحسن وما أُلحق بهما - وفق الجدول أدناه :

في إسناده نظر

إسناده ضعيف

إسناده منقطع

إسناده مُشكل

إسناده فيه مجهول

إسناده ضعيف جدًّا

7

0.70 %

191

19.10 %

14

1.40 %

1

0.10 %

1

0.10 %

18

1.80 %

         وبمراجعة هذه العيِّنة المُختارة من أحاديث المسند : يظهر بوضوح أن (23.20) بالمائة من هذه الألف حديث لم تبلغ درجة الحسن لغيره ، فضلاً عن أن تبلغ درجة الصحَّة عند الشيخ أحمد شاكر ، فهي مؤشِّرٌ لما وراءها من المرويَّات ، والتي – غالباً - لن تخرج كثيراً عن هذه النسبة بارتفاع أو انخفاض ، إلا أن يكون شيئاً يسيراً ، ومع ذلك أثبتها الإمام أحمد في مسنده مع الصحيح والحسن ؛ لتكون – في الجملة - مرجعاً للأمة في الحديث عند الاختلاف .

         وممَّا يُؤكِّد هذه النتيجة : تحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط وفريقه للمسند ، فقد أشاروا في غالب مقدِّمات المجلَّدات المُحقَّقة إلى عدد الأحاديث الصحيحة والضعيفة ، والأحاديث الأخرى التي توقَّفوا في الحكم عليها ، فلم يخلُ مجلَّدٌ من عدد ما من الأحاديث الضعيفة ، وما دونها من درجات الضعف والوهن ، ممَّا لم يجدوا لها ما يجْبرها لترتقي ، حتى خلصوا في مقدمة التحقيق (1/68-70) إلى أن أحاديث المسند تنقسم إلى ستة أقسام ؛ بدءاً من الصحيح لذاته ، وانتهاءً بما يقرُب من وصف الموضوع !! ثم علَّقوا على ذلك بقولهم : ( أما القضيَّة التي أُثيرت قديماً حول ما إذا كان في المسند أحاديث ضعيفة أو معلولة ؟ فهذا ممَّا يُسلِّم به من له معرفة بهذا الشأن ) .

         ورغم اختلاف منْهجي التحقيق بينهما ، وتوسُّع فريق الشيخ الأرنؤوط في التخريج ، واستدراكهم لما يُمكن استدراكه على اجتهادات الشيخ أحمد شاكر ، وجبْرهم لبعض الأحاديث ، ومع ذلك لم يختلف إجمالي نتائج هذه الألف حديث من أوَّل المسند : إلا في حدود (6) بالمائة فقط ، فالمرويَّات الضعيفة وما دونها في الدرجة بلغت (17) بالمائة ، على النحو الآتي :  

إسناده ضعيف

إسناده منقطع

إسناده ضعيف جداً

إسناده مسلسل بالضعفاء

إسناده ضعيف جداً مسلسل بالضعفاء

إسناده ضعيف ومتنه منكر

إسناده ضعيف جداً شبه موضوع

إسناده ضعيف ومتنه منكر شبه موضوع

150

15 %

3

0.3 %

10

1.0 %

1

0.1 %

1

0.1 %

1

0.1 %

3

0.3 %

1

0.1 %

         ورغم أن نسبة الأحاديث الضعيفة وما دونها في الدرجة – في هذا الجدول – أقلُّ من الجدول السابق بنسبة (6) بالمائة ؛ فإن صيغ تضْعيف بعض الأسانيد والمُتون جاءت شديدة للغاية ، تصل في بعضها إلى حدِّ الوصف بالنكارة وشبه الوضع ، في حين كانت أشدُّ عبارات تضْعيف السند في أحكام الشيخ أحمد شاكر : هي الوصف بضعيف جداً ، فهذه موازنة بين التحْقيقيْن – في هذه الألف - لا بدَّ من ملاحظتها ؛ في من توسَّع في تضْعيف بعض الأحاديث ولان في الحكم عليها ، وفي من ضيَّق في تضْعيفها واشتدَّ في الحكم عليها .

         ولا يصحُّ هنا أن يُقال : إن مجرَّد الجمع كان هو هدف الإمام أحمد في مسنده ، فلو صحَّ هذا : لوضع فيه جميع محفوظاته التي بلغت عشرات الألوف ، ولجاء حجم المسند موسوعة حديثيَّة لا مثيل لها ، وإنما كان نهجه الانتقاء من مرويَّاته الأفضل منها والأحسن ، ثم الأمثل فالأمثل ، ممَّا يصحُّ الرجوع إليه ، ويجوز الأخذ به للانتفاع بوجه من الوجوه الشرعيَّة ، ولو أراد الاقتصار على الصحيح من مرويَّاته : ما عجز عن ذلك ، ولكان هذا هو الأيسر عليه ، وإنما أراد كتاباً للأمة يصحُّ الاحتكام إليه في قبول الأحاديث وردِّها ، ممَّا تجوز روايتها على نحوٍ ما ، ومع ذلك لم يزعم أنه جمع في المسند كلَّ السنَّة المقبولة ، فهذا لم يحصل لأحد قطُّ .

         وقد قال - رحمه الله - لولده عبد الله عن منهجه في المسند : ( قصدت في المسند الحديث المشهور ، وتركت الناس تحت ستر الله تعالى ، ولو أردت أن أقصد ما صحَّ عندي : لم أروِ من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ، ولكنَّك - يا بنيَّ – تعرف طريقتي في الحديث ؛ لست أخالف ما ضعُف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه ) (فتح المغيث للسخاوي 1/149 ومقدمة تحقيق المسند لأحمد شاكر 1/31) ، فهذا واضحٌ في أنه لم يشترط الصحَّة فيما يروي في المسند ، كما أنه لم يضع فيه كلَّ شيء وقف عليه .

         ولهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية أنه ليس في المسند حديث موضوع ، ثم قال : ( ولكن يروي عمَّن يُضعَّف لسوء حفظه ، فإنه يكتب حديثه ، ويعتضِد به ، ويعتبر به ) ، إلى أن قال : ( ويُراد بالموضوع : ما يُعلم انتفاء خبره ، وإن كان صاحبه لم يتعمَّد الكذب ، بل أخطأ فيه ، وهذا الضرب في المسند منه ) (مقدمة تحقيق المسند لأحمد شاكر 1/40) ، وقال في الفتاوى (1/248) عن سبب وجود بعض الأخبار الواهية ، التي رُويَ منها شيءٌ في المسند : ( بخلاف من قد يغلط في الحديث ولا يتعمَّد الكذب ، فإن هؤلاء تُوجد الرواية عنهم في السنن ومسند الإمام أحمد ونحوه ، بخلاف من يتعمَّد الكذب ؛ فإن أحمد لم يروِ في مسنده عن أحد من هؤلاء ) .

         وبناء عليه : فإنه لا مجال هنا للمزايدة على مسند الإمام أحمد ، فلو كانت هذه المرويَّات الضعيفة في مسنده : بواطل من كلِّ وجهٍ ؛ بمعنى أنه لا يجوز اعتبارها مُطْلقاً ، لا من جهة السند ، ولا من جهة المعنى : فكيف جاز لإمام أهل السنة والجماعة إيرادها في مسنده المُنتقى من بين عشرات الألوف من الأحاديث ؟! بل كيف ساغ له أن يجعلها – مع باقي ما في المسند - مرجعاً للأمة عند الاختلاف في الحديث ؟!

         وأما ما ذكره الإمام السيوطي في تدريب الراوي (1/299) من أن الإمام ابن العربي المالكي لا يرى العمل بالحديث الضعيف مطْلقاً ، فلو صحَّ هذا عنه ، فقد يُراد منه : منع العمل به في الأحكام ، أو منع العمل بما كان واهياً شديد الضعف ، لا سيما وأنه قد شرح سنن الإمام الترمذي ، في كتابه عارضة الأحوذي ، وهو من آخر مؤلَّفاته ، وفيه كثيرٌ من الأحاديث الضعيفة ، التي تعامل معها على نهج سلفه من الأئمة المتقدِّمين ، ومن ذلك تعليقه على آخر حديث في باب : ( ما جاء : كم يُشمَّت العاطس ) ، الذي رُويَ ضعيفاً (انظر: ضعيف سنن الترمذي للألباني 310) في سنن الإمام الترمذي (5/85) ، فقال معلِّقاً عليه في كتابه العارضة (10/205) : ( إذا زاد على الثالثة - روى أبو عيسى حديثاً مجهولاً - إن شئت شمَّته ، وإن شئت فلا ، وهو وإن كان مجهولاً ، فإنه يُستحب العمل به ؛ لأنه دعاءٌ بخير ، وصلةٌ للجليس ، وتوددٌ له ) ، فهذا إعمالٌ منه للضعيف في أدب اجتماعي .

          وقال عن نهجه في التعامل مع الحديث المرسل ، رغم أنه معدود عند جمهور أهل الحديث ضمن أنواع الحديث الضعيف : ( والمرسل عندنا حجَّة كالمسند ) (2/50) ، وقال مُصرِّحاً باقتدائه بمن سلفه في التعامل مع ضعيف السنَّة : ( ولو ملنا إلى مذهب أحمد : فلا يكون التعلُّق بلين الحديث إلا ما في المواعظ التي ترقِّق القلوب ، فأما في الأصول فلا سبيل إلى ذلك ) (5/202) ، فهذا قولٌ صريحٌ منه ، وهو الأولى بالصيرورة إليه من القول المظْنون عنه ، وقد خلص الإمام السخاوي في كتابه القول البديع (472-473) إلى نحو هذا في تقرير مذهبه في هذه المسألة ، ممَّا يُفيد انسجامه مع باقي الأئمة المحدِّثين .

         وأما دعوى الكفِّ عن مطلق الضعيف ، والاستغناء عنه بالصحيح والحسن فحسب ، فهي دعوة مشكورة ، فيها حماسة للسنَّة النبويَّة الصحيحة ، ولكنها - مع ذلك – سطحيَّة الفكرة ، فلو كانت منطقيَّة علميَّة لسبق إليها الأئمة المُتقدِّمون ، فقد كانوا أغْير الناس على شرع الله تعالى ، والأولى بالوصاية على السنَّة النبويَّة ممَّن أتى بعدهم ، فأين الكتاب الذي خلا من حديث ضعيف على مدار تاريخ الأمة العلمي وتراثها الثقافي غير الصحيحين ، فكلُّ المصنَّفات سواهما في : التفسير ، والحديث ، والفقه ، والعقيدة ، واللغة ، والتاريخ ، وغيرها من المجالات العلميَّة ، لا يكاد يخلو كتابٌ منها من حديث ضعيف ، فضلاً عن احتواء بعضها على أخبار واهية وموضوعة ، ومن ادَّعى سلامة مُصنَّفه من مُطلق الضعيف : لم يُسلِّم له الجميع بدعواه ، بل الصحيحان – رغم جليل مكانتهما عند الأمة - لم يسْلما تماماً من نقد بعض مرويَّاتهما !!

         بل إن مرتبة الحديث الذي اصطُلح على تسميته بالمُضعَّف ؛ والذي اختلف النقَّاد في الحكم عليه بين من يُقوِّيه ، وبين من يُضعِّفه ، فمثل هذا النوع من المرويَّات يُوجد منه أشياء في الكتب التي التزمت الصحَّة ؛ كصحيح الإمام البخاري (انظر: فتح المغيث للسخاوي 1/177) ، فكلُّ هذا تفريقٌ بين الآثار المُحتملة لشيء من الصدق ، وَفق معايير علميَّة معيَّنة ، وبين الأخرى المكْذوبة المُخْتلقة ، التي لا تحمل شيئاً من الاعتبار الشرعي .

         ولهذا كان نهج المُصنِّفين في الحديث : إفراد الأخبار الواهية والموضوعة بمصنَّفات مُستقلَّة عن باقي كتب السنَّة ؛ لكونها دخيلة عليها ، ليست منها في شيء ، وبقيَ الضعيف منها - في مصنَّفاتهم - مجاوراً للصحيح والحسن ، كأنهم جسد واحد ، يعسُر فصل بعضه عن بعض ، فما زالت أحاديث هذه المراتب الثلاث : يشدُّ بعضها بعضاً ، حتى إن الحديث المقبول في ذاته : يتقوَّى أكثر بطرق أحاديث ضعيفة ، كما هو منهج الإمام مسلم في صحيحه ؛ حين يروي الخبر الصحيح كأصل ، ثم يُتبعه بأسانيد فيها بعض الضعفاء ؛ وذلك على وجه التأكيد والتعزيز ، أو بسبب علوِّ إسناد الخبر الضعيف ، وكون سند روايته من طريق الثقات نازلاً ، أو ربَّما لزيادة فائدة رآها (انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/97-98 و164) ، وفي صحيح الإمام البخاري أيضاً بعض الضعفاء ، ممَّن تصلح الرواية عنهم ، فقد ذكرهم في الشواهد والمتابعات (انظر: علوم الحديث لابن الصلاح 76) ، وهذا فضلاً عن ترقِّي الضعيف بالحديث الصحيح أو الحسن ، فمثل هذه المعاني العلميَّة الدقيقة غير مُهْملةٍ عند المحدِّثين .

          وبهذا يُعلم فداحة خطأ أحد المُختصِّين الشرعيين ، حين صرَّح - في درس علميٍّ عام - عن أمنيَّته في وقفة حازمة مع السنَّة النبوية ، كوقفة أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان – رضي الله عنه – مع القرآن الكريم ؛ بحيث يُجمع الضعيف والموضوع ويُتْلف ، ليخلص للأمة – حسب زعمه – المقبول من السنَّة للاحتجاج به فحسب !!

          ولئن كانت الآثار الضعيفة مدوَّنةً ثابتةً بأسانيدها ومتونها في كتب السنَّة ، محفوظةَ الحُرمة الدينيَّة ، فلا سبيل لهؤلاء المُتحمِّسين لإتلافها ؛ فإن الأخبار المكذوبة الموضوعة : مُستباحة الحرمة ، غير أنها – هي الأخرى – أصبحت جزءاً أصيلاً من تراث الأمة العلمي ، تضمَّنتها دواوين المكتبة الإسلاميَّة ومؤلَّفاتها ، وقد بذل فيها مصنِّفوها جهوداً علميَّة كبيرة ، فميَّزوا الأخبار الموضوعة المكذوبة ، واستخلصوها من جمهور مرويَّات السنة المطهَّرة ، وأودعوها كتباً مُستقلَّة ، وربَّما علَّقوا عليها في مظانها من كتب السنَّة بما تستحقُّه من البيان الشرعي ، مُنبِّهين على فسادها ، وكاشفين لكذب واضعيها ، من الفجَّار والزنادقة المنافقين ، أو من الجاهلين المُغفَّلين .

          ومثل هذا الصنيع العلميِّ المشكور : كافٍ في الشرع ، فلا تجوز فيه المُزايدة على جهودهم ، فهذه المؤلَّفات العلميَّة – من هذا الباب – لا سبيل لإتلافها أيضاً ، ومن تُراه يجرؤ على مثل هذا ؟! فما تميَّز الصالح من السنَّة إلا بها ، وما زال الباحثون في السنَّة – جيلاً بعد جيل - يعتمدون عليها في الحكم على الأخبار الواهية والموضوعة ، ويرجعون إليها على الدوام ؛ لمعرفة هذا القسم من الأخبار المنْسوبة إلى السنَّة النبويَّة ، فهي كالحصن لصحيح السنَّة ، وكالسِّياج الحامي لها من دخيل باطل .

          ولو قُدِّر إتلافها على ما أراد هؤلاء ، فأمِن الناس - عند ذلك - على ما بقيَ بين أيديهم من السنَّة الموثوقة ، يتداولونها فيما بينهم جيلاً بعد جيل ، في غير خوف ولا حرج : فمن تُراه يضمن للأمة حينها منع جديد الكذب والافتراء على السنَّة ، وقد فقدت الأمة معاييرها العلميَّة الدقيقة ، التي يقيسون عليها الصالح والخبيث ، ويُميِّزون بها بين الصحيح والسقيم ؟ فمثل هذا الخطر لا يُستبعد ؛ فإن دين الأمة المسلمة مُستهدفٌ من أعدائها على مرِّ التاريخ .          

          بل إن بقاء هذه المصادر العلميَّة – على ما فيها – حيَّةً متوافرةً في أيدي المُتخصِّصين : أدْعى لليقظة والحذر لحماية السنَّة على الدوام في كلِّ عصر ، فلا يكفُّ العلماء عن جودهم العلميَّة ، ولا يضعوا أسلحتهم الدفاعيَّة ، فإن غفلة المُتخصِّصين عن حماية السنَّة - التي يمكن أن يُحدثها هذا المقترح - أخطر بكثير من تداول هذه الكتب على ما فيها من السقيم المردود .  

          ثم إن تدوين العلماء الأخبار الواهية والموضوعة ، وضبط رجالها ومواردها ومخارجها : ليس مقصوداً لذاته ، ولا ولعاً بالغرائب والعجائب – حاشاهم - وإنما لتمييزها عن غيرها من الأخبار المقبولة ، ومعرفتها بقصد كشْفها وردِّها ، حين تَرِد مدسوسة ضمن مرويَّات الثقات : قصداً أو خطأً ، فمعرفة الصحيح لا يكمل تمامه ويتحصَّن إلا بمعرفة السقيم (انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب 1/89-92) .

          ومن هنا : فإن أقلَّ ما يُحكم به على هذه الأمْنية الساذجة : أنها صدرت في حال غفلة من صاحبها ؛ وذلك لأن الطرق الضعيفة في ذاتها ، التي يتحرَّج بعضهم من وجودها في كتب السنَّة ، وتضيق نفوسهم بها : هي مادَّة التحْسين الأولى ، وما يلحق به من درجات الترقِّي والقبول ؛ وذلك حين تُقوِّي طُرق الحديث الضعيف بعضها بعضاً ، فيرتقي بذلك الخبر الضعيف درجة من درجات الحُسْن ، وَفق مناهج المحدِّثين النقَّاد وشروطهم ؛ فيزداد المسلمون بذلك علماً وعملاً ، ويُسهم هذا الجهد الشريف في حفظ مزيد من السنَّة المُعتبرة ، وينال المجتهد المُخْلص في هذا العمل : دعوة النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – بالنضارة .

          وبهذا يُفهم أن الآثار الضعيفة ليست عبئاً على السنَّة ، بقدر ما هي ذخيرةٌ للنهوض والترقِّي بعضها ببعض ؛ فلئن كان الحديث الحسن لذاته ينزل رتبة عن الصحيح لذاته بسبب نقص الضبط ، فإن الحديث الضعيف يرتقي إلى الحسن لغيره بطريق ضعيف آخر يعضُده ؛ وفي هذا قال الإمام أحمد ، فيما نقله الإمام ابن رجب في كتابه شرح علل الترمذي (1/91) : ( قد أكتب حديث الرجل ، كأني استدلُّ به مع حديث غيره يشدُّه ، لا أنه حجَّةٌ إذا انفرد ) ، وقال الإمام السخاوي في فتح المغيث (1/122) : ( الحسن لغيره أصله ضعيف ، وإنما طرأ عليه الحُسن بالعاضد الذي عضَده ، فاحتُمل لوجود العاضد ، ولو لا العاضد لاستمرَّت صفة الضعف فيه ) ، ثم نقل قول الإمام النووي (1/126) على بعض الأحاديث الضعيفة كيف يقوِّي بعضها بعضاً فترتقي بمجموعها : ( وهذه وإن كانت أسانيد مُفرداتها ضعيفة ، فمجموعها يقوِّي بعضه بعضاً ، ويصير الحديث حسناً ، ويُحتجُّ به ) ؛ بمعنى أن الحديث الضعيف يصبح بمجموع هذه الطرق الضعيفة – التي يتمنَّى بعضهم إتْلافها – حجَّةً شرعيَّةً ، ضمن مجموع الوحي الربَّاني المبارك .

         وأبعد من هذا ما جاء في تدريب الراوي للإمام السيوطي (1/198-199) ، فيما يتعلَّق بالحديث المرسل ، المعدود ضمن أنواع الحديث الضعيف ؛ وصورته أن يرفع التابعي الخبر مباشرة إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ولا يذكر صحابيًّا ، فالمرسل بهذا المعنى ضعيف ، غير أنه ينْجبر بمرسل آخر ، فيرتقيان معاً إلى رتبة الصحَّة ، بل ويتقدَّمان على حديث صحيح جاء من طريق واحدة ، وتعذر الجمع بينهما ، فقد جاء في المتن للإمام النووي ما لفْظه : ( ثم المرسل : حديث ضعيف عند جماهير المحدِّثين ... فإن صحَّ مخرج المُرسل بمجيئه من وجهٍ آخر : مسنداً أو مرسلاً – أرسله من أخذ من غير رجال الأوَّل – كان صحيحاً ، ويتبيَّن بذلك صحَّة المرسل ، وأنهما صحيحان ، لو عارضهما صحيحٌ من طريقٍ : رجَّحناهما عليه ، إذا تعذر الجمع ) ، فهذا إعمالٌ للمرسل حين ينهض بغيره من مُسندٍ ضعيفٍ ، أو مرسل من طريق أخرى ، فيصبحان معاً حجَّة شرعيَّة ، ويُقابلان صحيحاً – معارضاً لهما - جاء من طريق واحدة .

          وممَّا يُجلِّي هذه المسألة بصورة عمليَّة : عمل فريق الشيخ الأرنؤوط في هذه الألف حديث الأولى من مسند الإمام أحمد - المُشار إليها آنفاً - فإن (146) رواية ضعيفة السند ، بنسبة (14.6) بالمائة من هذه الألف : ارتقت – وفق منهج الفريق - إلى درجة القبول والاحتجاج بطرقٍ أخرى وشواهد ومُتابعات ، ونحوها من المسوِّغات التي تُجْبَر بها الأخبار الضعيفة لترتقي ، وذلك وفق الجدول الآتي :

صيغة الحكم

العدد

النسبة المئوية

حديث صحيح وهذا إسناد ضعيف

6

4.11

حديث صحيح بشواهده وهذا إسناد ضعيف

4

2.74

صحيح لغيره وهذا إسناد ضعيف

29

19.86

حسن وهذا إسناد ضعيف

9

6.16

حسن لغيره

22

15.07

حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف

75

51.37

حديث قوي بطرقه وهذا إسناد ضعيف

1

0.68

          وللوهلة الأولى يظهر للمتأمِّل من هذا الجدول حجم الأحاديث الضعيفة التي انجبرت بغيرها ، فارتقت إلى درجة من درجات القبول ، ودخلت ضمن مجموع السنَّة المُعتبرة عند أهل هذا الفن ، فلم تُهمل هذه الطائفة الشريفة من الوحي المبارك كما أراد بعضهم ، فعُلم أن دعوتهم لإتلاف ضعيف السنَّة : فكرة مُستعجلةٌ لا اعتبار علميًّا لها ، فلا ينبغي لطلاب التربية أن يلتفتوا إليها ، وإنما عليهم بالسواد الأعظم من أهل هذه الصناعة الشريفة ، لا سيما من الأئمة المُتقدِّمين .

          وأبعد من هذا ما نقله الإمام السخاوي في فتح المغيث (1/130) من كلام الإمام النووي على المرويَّات القاصرة ، التي لا ترتقي بمجموع طرقها إلى أدنى درجات القبول بوجهٍ من الوجوه ، ومع ذلك ترتفع – بمجموع هذه الطرق القاصرة - درجة عن مرتبة المردود المُنكر ، فقال : ( الحديث بكثرة طرقه القاصرة عن درجة الاعتبار ؛ بحيث لا يجبُر بعضها بعضاً : ترتقي عن مرتبة المردود المُنكر ، الذي لا يجوز العمل به بحال : إلى رُتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في الفضائل ) ، فهذه اعتبارات علميَّة مُحكمة ، ودرجات ومقاييس دقيقة ، تهدف كلُّها إلى تعظيم الوحي المبارك ، والحرص عليه ، والحذر من إهمال شيء منه ، ولو كان ذلك باحتمال ضعيف ، فما لا يرقى من المرويَّات للاحتجاج الشرعي ، فلا أقلَّ من إعماله في الفضائل إن كان مُقارباً .

          وهذا بغضِّ النظر عمَّا وقع ويقع - في العادة - بين المتخصِّصين في علوم الحديث ؛ من خلاف اجتهاديٍّ في تقويم مراتب بعض المرويَّات الضعيفة ، سواء كان في هذه العيِّنة المُختارة من مسند الإمام أحمد أو في غيرها ، فالتَّطابق التَّام بينهم على حكم كلِّ رواية ضعيفة : أمر بعيد ، ومع ذلك فلا مطْعن في شخْصِ أحدٍ منهم فيما انتهى إليه اجتهاده ؛ إذ لا بدَّ أن يبقى الخلاف في بعضها قائماً ، إلا أن أحكامهم على جملتها لن تختلف كثيراً ، كما تقدَّم في الجدولين الأوَّليْن .

          ولهذا ما زال علماء الحديث – في القديم والحديث - يتجاذبون كثيراً من هذه الأحاديث الضعيفة ؛ فيتنازعون في تعيين مراتبها ، كلٌّ حسب اجتهاده ، فلو طُلب منهم أن يتَّفقوا على فصل الصحيح عن الضعيف : لاختلفوا في تعيين كثير منها غاية الاختلاف ، بل لو أُلجِئَ مُتحمِّس للسنَّة الصحيحة إلى أن يُقْسِم بالله على حديث ضعيفٍ بعينه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقلْه : لمنعه الورع عن ذلك ، ولهاب الإقدام على مثل هذا ؛ لوجود احتمالٍ ما في نسبته ، أو نسبة بعضه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا ذكر الإمام السيوطي في كتابه تدريب الراوي (1/149) أن بعض علماء الحديث منعوا من الجزم ( بتضْعيف الحديث اعتماداً على ضعف إسناده ؛ لاحتمال أن يكون له إسنادٌ صحيحٌ غيره ) (انظر أيضاً: علوم الحديث لابن الصلاح 92-93) ، في حين أن هذا المُتحمِّس لن يتردَّد في الحلِف على خبر موضوع مكْذوب .

         بل إن الخبر المُختَلف في كذبه – رغم عدم الاعتبار به - خيرٌ من الخبر المُتَّفق على كذبه ، فكما أن من بين الأخبار الصحيحة المُعتبرة شرعاً : ما هو أصحُّ وأفضل ، أو ما عُبِّر عنه بأصحِّ الصحيح ، فكذلك في الأخبار الواهية ما هو أوهن وأحطُّ ، حتى ينتهي كلٌّ منهما إلى طرف ؛ فينتهي أفضل الصحيح وأصحُّه إلى التواتر ، وينتهي أردأ الواهي وأحطُّه إلى الوضع والكذب المحض .

         وبهذا يُفهم أنه ليس كلُّ ما رُويَ ضعيفاً من الأخبار : أنه باطل من كلِّ وجه – تماماً - كحال الخبر الموضوع ، فهذه تسوية باطلة ، وإنما هي درجات ومقاييس معتبرة ، فقد يعتري الخبر الصادق شيء من الخلل ، فيأتي مُضْطرباً لا يقبله النقَّاد ، ولعلَّ في ضرب المثال ببعض ما رُوي ضعيفاً من أخبار الفتن : ما يُوضِّح المُراد ، فقد حدَّث النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – بالكثير من أخبار آخر الزمان ، وما سوف يعتري الأمة في زمن ضعْفها من سوء الأحوال ، وربمَّا حدَّث أصحابه بتفاصيل ذلك يوماً كاملاً ، من بعد صلاة الفجر حتى غروب الشمس ، فما ترك شيئاً من مقامه ذاك إلى قيام الساعة إلا حدَّثهم به ، حتى إنه ما من صاحب فتنة له أتباعٌ إلا وقد سمَّاه لهم ، فكان أعلم أصحابه – رضي الله عنهم – أحفظهم لأكثر تلك الأخبار ، ومع ذلك لم تُنقل هذه الأخبار على الكمال كما نُقل غيرها ؛ لِما كان فيها من الحرج الاجتماعي والسياسي ، ممَّا قد يُعرِّض الراوي لها إلى الأذى .

         ولهذا أحجم عن هذا النوع من الرواية سيد الحفَّاظ أبو هريرة وحذيفة – رضي الله عنهما – وغيرهما ممَّن حفظ كثيراً من أخبار الفتن ، خوفاً على أنفسهم من التهْلكة ، ومع ذلك لم يكتموا العلم حذراً من لحوق الإثم ، فكانوا يُخبرون بمحفوظاتهم هذه سرًّا لمن يثقون فيهم ، فيقلُّ عدد رواة هذه الأخبار عنهم ، فلا تنتشر كغيرها من الروايات الأخرى ولا تسْتفيض ، وقد يتبادرها من لا يكون مرضيًّا في ضبطه أو عدالته ، فيأتي كثيرٌ منها مضطرباً بأسانيد ضعيفة أو ربَّما مُتهالكة ، حتى إذا حضر زمان تحقُّقها ، وانطبق بعضها على جانب من واقع الأمة - بغير تكلُّفٍ ولا تجاوز - صدَّق الناس بمضمونها عندئذٍ ، مع بقاء أحكام أسانيدها على حالها ، فليس السند - على الدوام – هو الفيصل الوحيد في قبول الرواية ، فقد تُردُّ الرواية الصحيحة السند لشذوذ متْنها ؛ إذ لا تقتضي – دائماً - صحَّة السند : صحَّة المتن (انظر: مقدمة تحقيق المسند لشعيب الأرنؤوط 1/146) .

          وفي الجانب الآخر فقد تُقبل الرواية الضعيفة السند لسلامة متنها ، أو لاشتهارها وقبول عموم العلماء لها ، لا سيما إذا أجمعوا على صحَّة معناها (انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/66-67) ، وقد سبق أن اتفق الفقهاء على إعمال حديث : ( لا وصيَّة لوارث ) ، واعتبروه أصلاً في بابه ، رغم ما في سنده من مقال (انظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري 6/212) .

         ومن لطيف ما يُذكر في هذا الباب : الحديث الذي ورد فيه ذكر السقَّارين ، وهم قومٌ من الأمة يظهرون في آخر الزمان ، تكون تحيَّتهم اللعن إذا تلاقوْا ، فالحديث رواه الإمام الحاكم في المستدرك (4/444) وصحَّحه ، وخالفه الإمام الذهبي فحكم عليه بأنه مُنكر ، وكذلك الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (1/353) ، ومع ذلك انطبق وصف الحديث على واقع طائفة ليست قليلة من الشباب المعاصر ، لا تُخطئهم العين ، ولا تفوتهم الأذن ، وهم يستفتحون حديثهم فيما بينهم – في أنديتهم وعبر هواتفهم النقَّالة - بالتلاعن والعياذ بالله تعالى ، فلئن كان انطباق المتن على الواقع - على هذا النحو - لا يرتقي بسند الحديث ؛ فإن التكْذيب بمتْنه صعب وقد شهد له الواقع ؛ ولهذا كثيراً ما يصف العلماء متن بعض الأحاديث بالصحَّة ، مع ضعف أسانيدها .

         وممَّا يُستأنس في هذا الباب – مع الفارق - تقديم الإمام مالك لعمل أهل المدينة على الحديث الصحيح ، إذا جاء مخالفاً لما كان عليه عملهم ، فهذا إعمالٌ للواقع المُسْتفيض ، فكيف إذا عضَد الواقع حديث ضعيف ، أو منكرٌ كحديث السقَّارين ، أفلا يكون مضمون هذا الخبر مُعتبراً بوجهٍ من الوجوه ، ما دام أنه ليس بموضوع ؟! وقد جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 301) ، وهو يتحدَّث عن بدع شهر رجب ، أنه قال : ( والحديث إذا لم يُعلم أنه كذبٌ : فروايته في الفضائل أمرٌ قريب ، أما إذا عُلم أنه كذبٌ : فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله ) ، وقال في الفتاوى (1/250) : ( أحمد بن حنبل وغيره من العلماء : جوَّزوا أن يُروى في فضائل الأعمال ما لم يُعلم أنه ثابتٌ ، إذا لم يُعلم أنه كذب ) ، فالخبر المكذوب لا يُروى مُطْلقاً ، أما المُحِتمل للصدق – ولو كان ذلك يسيراً – فالأمر فيه واسع بشروطه .

         وخُلاصة الأمر في مسألة استخدام الحديث الضعيف في المجالات التربويَّة : هو جواز العمل به من غير حرج ، فيما فيه تربية وتهذيب ، وترغيبٌ وترهيب ، وأدبٌ وخُلق ، ممَّا تكون أسانيدها مُقاربة ، ومعانيها شرعيَّة صحيحة ، فلو راجع الباحث التربويُّ القسم الضعيف من تراجم أبواب الإمام البخاري في كتابه الأدب المفرد ؛ لوَقف على استنباطاته التربويَّة الفريدة في ذلك ، ممَّا لا يستغني عنه المُشْتغل بالتربية ، لتكون هذه المرويَّات الضعيفة مُكمِّلة لما رواه الإمام صحيحاً في باقي أبواب الكتاب ، فلا يُحْجم عن الضعيف إذا وجد فيه ما يخدم بحثه .

         وكذلك العمل مع باقي كتب السنَّة ، فلا يمتنع الباحث التربوي عن إعمال حديثٍ ضعيف ، يحمل معنىً تربويًّا ينتفع به ، إذا لم يقف على ما هو أمْثل منه ، لا سيما إذا كان الضعيف يحمل معنىً تربويًّا مُضافاً ، مع أهميَّة التوثيق العلمي في كلِّ ذلك ، والإشارة بدقَّة إلى مصدر الحديث من كتب السنَّة الأصليَّة ، ودرجته من الصحَّة والضعف ، مُقلِّداً - في هذا - أهل الفن من المتقدِّمين والمُتأخِّرين ، فمثل هذا سهلٌ مُتاحٌ لجميع الباحثين في هذه الأيام ، فلا عذر للباحث في إهماله ؛ لأنه في مقام البحث العلمي ، وليس في مقام الوعظ والتذكير ، فيُعبِّر بالصيغ المناسبة عن الصحيح الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبلغ من تعبيره عن الضعيف المُقارب ، على نحو ما اصطلح عليه المُحدِّثون من صيغ التضْعيف ، فلا يكون إيراد الأثر الضعيف في البحث مقصوداً لذاته ، وإنما لمعنىً علميٍّ وتربويٍّ مُعتبر ؛ إذ الولَع بإيراد الأخبار الضعيفة ، وإهمال الأخرى الصحيحة : لا يُعدُّ مسلكاً علميًّا صحيحاً ، لمن رام أن يكون باحثاً تربويًّا مرموقاً ، أما ما ورد موضوعاً أو واهياً من الأخبار الساقطة : فلا سبيل لطالب العلم للانتفاع بها على أيِّ وجه كان .

         ومن لم يكن منهم مُميِّزاً بين صحيح الأخبار وسقيمها ، من خلال مهارة الرجوع إلى مصادر السنَّة المُعتبرة والمُحقَّقة : فأقلُّ ما يجب عليه أن يُقوِّي ملكته الفطريَّة ، التي تُعينه – بتوفيق الله تعالى – على التمييز – ولو بصورة مبدئيَّة – بين ما يجوز الاستشهاد به من الآثار ، وما لا يجوز منها ، وليكن دليله لتقوية هذه الحاسَّة الفطريَّة كتاب : المنار المنيف في الصحيح والضعيف للإمام ابن القيِّم ، فقد ذكر فيه جمعاً من القرائن العلميَّة ، التي يُستدلُّ بها على الأخبار المكْذوبة ؛ كالمبالغات والمجازفات المُفْرطة ، والغرائب والتهاويل والشطحات العجيبة ، لا سيما ما كان سمجاً ركيكاً من الألفاظ والمعاني ، التي يُكذبها الحسُّ المُرهف ويمُجُّها ، ممَّا يُعْلم أن مثله لا يصدر عمَّن أُوتيَ جوامع الكَلِم – عليه الصلاة والسلام – خاصَّة ما كان مُخالفاً لصريح القرآن الكريم ، والثابت الصحيح من السنَّة المُطهَّرة ، وما كان موضع إجماع الأمة ، ممَّا هو معلومٌ عامٌ عند عموم المسلمين ، فيعلم الطالب الموفَّق – من خلال هذه القرائن – بطلان هذه المرويَّات ، أو على الأقل يحصل له نوعٌ من النفْرة النفسيَّة عند الوقف عليها .

  

]]>
Sun, 18 Feb 2018 12:29:56 +0300
الحاجة إلى التأصيل التربوي للمصطلحات الشرعيَّة وأهميَّته مقال شهر جمادى الأولى 1439هـ

الحاجة إلى التأصيل التربوي للمصطلحات الشرعيَّة وأهميَّته

          الحمد لله الذي علَّم بالقلم ، علَّم الإنسان ما لم يعلم ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يُضْلله فلا هاديَ له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، بلَّغ الرسالة ، وأدَّى الأمانة ، ونصح الأمة ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فقد استقرَّ في خلد المسلمين جميعاً ، أن الوحيين : الكتاب والسنة هما الأصلان الأساسان لكلِّ منطلقات الفرد والجماعة ، في كبار المسائل وصغارها ، فلا يعزب عنهما شيءٌ ممَّا تحتاج إليه الأمة لدينها ودنياها ، في أيِّ عصر ومصر ؛ بحيث يكون الوحي المنزَّل هو قاعدة العلم والعمل على وجه الدوام ، في كلِّ مناحي الحياة وميادينها وأنشطتها المختلفة والمتنوِّعة ، فلا يُستثنى من ذلك شيء .

          ولقد اعتمدت أمة الإسلام الوحي المبارك : قاعدة أصيلة في مسيرتها الحضاريَّة الشاملة ، عبر قرونها المديدة ؛ فقد كانت النصوص الشرعيَّة المحكمة ، والأحكام الشرعيَّة المستنبطة ، والقواعد الفقهيَّة والأصوليَّة الضابطة ، وما لحق بها من علوم الآلة العلميَّة الأخرى ، كلُّ هذه المعارف والعلوم الأصيلة والرديفة : كانت وما تزال رفيقة المسيرة الحضاريَّة للأمة الإسلامية في غالب أطوارها ، لا سيما في عصورها الذهبيَّة ، وما ضعف عطاء الأمة المعرفي ، وخفت بريقها العلمي : إلا حين اختلَّت درجة ارتباطها بعلومها الأصيلة وآلاتها الضابطة ، فما زالت تتراجع في عطائها الحضاريِّ بقدر ذلك الاختلال ، فبعد أن كانت الأمة ملء السمع والبصر في كلِّ ميادين الحياة الإنسانيَّة : غدت - في عصورها المتأخِّرة - محصورة في زاوية ضيِّقة من الحضارة المعاصرة ، لا تكاد تُحسن شيئاً مما يُجيده الآخرون ، حتى الاقتباس الحضاري ، الذي يأتي أوَّل مهارات المُتخلِّفين المعاصرين ، والتي غالباً ما يُحسنونها ، فيُقلِّدون الآخرين فيما تُطيق حملَه عظامُهم الهشَّة ، ومع ذلك تتعثر الأمة في مسيرها الحديث ، في أسهل مُتطلَّبات الحياة المعاصرة ، ممَّا هو لصيقٌ بحاجات الناس اليوميَّة المعتادة ؛ في طعامهم وشرابهم ولباسهم ، وفي اتصالاتهم ومواصلاتهم ، وما جاء مخالفاً لهذا الوصف الواقعي فهو نادرٌ ، والنادر – عند العقلاء – لا حكم له .

         وعند النظر في واقع الأمة المُتردَّي : يجد المتأمِّل أن الأزمة في أصلها وحقيقتها إنسانيَّة الطابع بالدرجة الأولى ، فكلُّ ما لحق الأمة من السوء بصورة عامَّة ، فقد سبق أن لحق الإنسانَ مثلُه بصورة خاصَّة ، فما تردَّت الأمة وهوت ، إلا بعد أن تردَّى إنسانُها وهوى ، فهو – دائماً – في كلِّ أمة ؛ إما أن يكون عنصر خيرها ، وإما أن يكون عنصر شرِّها ، ولهذا تحرص الأمم المتقدِّمة - في هذا العصر - على الإنسان بهذا الاعتبار ، فتعمل على بناء شخصيَّته ليكون عنصراً اجتماعيًّا نافعاً لأمته ، وذلك بقدر ما ادَّخرته - تلك الأمم - من خبراتها المعرفيَّة المُتراكمة ، وبقدر ما حفظته من ثقافاتها التراثيَّة المُتوارثة ، فبالمعرفة العلميَّة تتقدَّم الأمم ، وبالثقافة الموروثة تأْتلف وتتَّحد ، وبهما معاً تنهض وتستمر ، ويكون البناء الحضاري ثمرة لهذا التلاحم الضروري بين المعرفة العلميَّة والثقافة الأمميَّة .

          والحالة الحضاريَّة عند الأمة الإسلاميَّة أبلغ من الحالة عند غيرهم ؛ فهم إنْ اتَّحدوا مع الآخرين في العنوانيْن : الثقافيِّ والمعرفيِّ ؛ فإنهم – بكلِّ حال – ينفردون عن الجميع في المضمون الثقافي ، وفي الهدف المعرفي ، ففي الوقت الذي ضلَّت جميع الأمم المعاصرة في ثقافاتها ، المتضمِّنة : لأديانها ، وعاداتها ، وتقاليدها ؛ فإن أمة الإسلام – في الجملة وعلى الدوام – مهتديةٌ في دينها ، مُعاذةٌ من الضلال العام ، لم يفتْها من دينها المُنزَّل قليلٌ ولا كثير ، حتى وإن لحقها شيءٌ من سَنَن مَن كان قبلها من الأمم السالفة ؛ فإنها دائماً مُتجدِّدة في كيانها ، مُتيقِّظة لفسادها ، مُتنبِّهة لضلالها ، لا يسري عليها ما يسري على غيرها ؛ فليس عند غيرها ما يرجعون إليه – عند التنازع - للاهتداء ، إلا ما خلَّفه رهبانهم وقساوستهم من الصحائف المحرَّفة ، أو ما تفوَّه به كُهَّانهم من الأهواء المُضلِّلة ، أو ما سطَّره فلاسفتُهم من الآراء المُحيِّرة ، وما كان من شيءٍ سوى ذلك ، فلا يعدو أن يكون جهوداً فرديَّة ، يزعم أصحابها الإصلاح ، وفق رؤاهم وتصوُّراتهم المُضطَّربة عن الكون والحياة والإنسان .

         وأما انفراد أمة الإسلام عن غيرها من باقي الأمم في الهدف المعرفي ؛ ففي إدراج المعرفة بكلِّ تفصيلاتها ضمن مفهوم العبوديَّة لله تعالى ، فكلُّ نشاط علميٍّ صالح ، وأداء معرفي نافع ، واجتهاد عقليٍّ مُثمر ، يتعاطاه المسلم في مسيره الحضاري ؛ فإنه يُسجَّل له حسنات في صحائفه ، ويندرج ضمن مفهوم العبادة الشامل لكلِّ أعمال الإنسان الصالحة .

        وهذا المفهوم التعبُّدي للهدف المعرفي من شأنه : ضبط مسيرة البشر الحضاريَّة بتوحيد غايتهم ، وفق مفهوم استخلاف الإنسان في الأرض ؛ إذ ليس للبشر المُستَخْلفين في الأرض أن ينِدُّوا عن نهج العبوديَّة لله تعالى ، فيختاروا لأنفسهم بين أن يعبدوا الله أو أن لا يعبدوه ، فضلاً عن أن يتخيَّروا لأنفسهم آلهة أخرى يعبدونها من دونه سبحانه .

        وعلى إحكام الشعبتين معاً : الثقافيَّة والمعرفيَّة ، وصلاحهما من جهة المضمون والهدف : تبلغ الحضارة الإنسانيَّة مداها المُقدَّر دون انقطاع ، ويبقى عطاؤها الإنسانيُّ مستمرًّا دون اختلال ، فالبشريَّة باقيةٌ على هذا الحال الصالح من وعد ربِّهم تبارك وتعالى ، حتى يكون الخلل والتفريط من جهتهم ، والانقلاب والنكوص من قِبَلهم ، فلا وعد لهم حينئذٍ ولا أمان : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (14/6) .

         وبناء على ما تقدَّم : تظهر أهميَّة تربية الإنسان لمهمَّة الاستخلاف في الأرض ، وفق الطيِّب الثقافيِّ والصالح المعرفيِّ ، كما تظهر أيضاً مركزيَّة الإنسان الصالح في مشروع البناء الحضاريِّ للأمة الإسلاميَّة ، ومن هنا يبرز الدور التربوي الرائد لمنهج التربية الإسلاميَّة ، وضرورته الحضاريَّة في بناء الإنسان الصالح ، الذي أناط به الخالق – جلَّ وعلا – مهمَّات الاستخلاف في الأرض ، وفق نهج هدايته ، وحسب سبيل سنَّته .

        ووضْع هذا المنهج التربوي المنشود - لبناء إنسان الحضارة الصالح - لا يأتي من أوهام ثقافيَّة قاصرة ، ولا من آمال اجتماعيَّة زائفة ، ولا من خروص فكريَّة وافدة ؛ وإنما يأتي من عمق الثقافة الإسلامية وأصولها الدينيَّة المستنبطة من الوحي المبارك ، وإلا فكيف لمنهج الشرك أو الفسق أن يبني موحِّداً أو تقيًّا ؟! ومعلومٌ أن المنهج التربوي الأجنبيَّ : يُنتج إنساناً أجنبيًّا ، وكذلك المنهج المختلط بين هُويَّتين – هو الآخر – يُخرج وليداً قاصراً مشوَّه الشخصيَّة ، لا يصلح للبناء الحضاريِّ المتميِّز .

         وغنيٌّ عن التنويه هنا إلى أن الْتقاط الحكمة الصحيحة عن الآخرين : هو من مقتضيات مفاهيم الإسلام الثقافيَّة وتفاعلاتها الحركيَّة ، ولكن هذا لا يجوز البدء به ما لم تستوفِ الأمة حقوق تراثها الثقافيِّ واستحقاقاته الواجبة أوَّلاً ، قبل أن تنظر إلى ما عند غيرها ، فإن العاقَّ لذويه لن يبرَّ الآخرين ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى : لا بدَّ أن تمتلك الأمة المنهج الراشد لمهارات الاقتباس الحضاري، وذلك قبل أن تخوض تجارب الآخرين وثقافاتهم .

        ثم هذا الذي تجرَّأ بالاقتباس من ثقافات الآخرين وتراثهم : بأي منهج تُراه يأخذ عنهم ؟ فإن بعض الموتورين من المتغرِّبين : لا يرى بأساً في أن يأخذ عنهم كلَّ شيءٍ يجده ، حتى ما اتفق عليه العقلاء أنه ساقط ، بل إن الباحث الدقيق يعجز أن يجد في بعض كتبهم وأبحاثهم المنشورة : لفظ الجلالة المعظَّم ، واسم الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم- فضلاً عن أن يجد الآية من القرآن ، أو الحديث من السنة ، باعتبار أن التربية عندهم شيءٌ آخر غير الدين ، بل إن أحدهم يتحاشى في تعبيراته كلمة الإسلام في وصف البلاد العربيَّة ، فيستخدم كلَّ مفردة لغويَّة أوتيها على أن يصف العرب بالإسلام ، فمثل هؤلاء العميان التائهين : إذا قُدِّر أن أُسندت إليهم مسئوليَّات الاقتباس التربوي عن الآخرين ، فماذا تُراهم يُخرِجون لأمتهم من المناهج التربويَّة ؟!

         ومن زعم منهم أنه يمتلك منهجاً مُتقناً للأخذ عن الآخرين من غير أهل الملَّة : فليُبْرزه للتقويم إن كان صادقاً ، فإن الذي لا يُفرِّق – من هؤلاء - بين التوحيد والشرك ، ولا يُميِّز بين الوحي والرأي ، ولا يعرف معنىً لاستخلاف الإنسان في الأرض ، ولا يفهم هدفاً للأمانة التي حمَّله الله تعالى إيَّاها ، ولا يراعي حتميَّة معاده في الآخرة ، فمثل هذا كيف يسوغ للأمة أن تأمنه على وضع منهج تربيتها ؟ فإن طريق الاقتباس محفوفةٌ بالمخاطر العقديَّة والأخلاقيَّة ، إضافة إلى ما يُتوقَّع من الاختلالات الفكريَّة - بسبب المنهج الوافد - في بناء الشخصيَّة الإسلامية المنشودة ، التي يزعم هؤلاء المقتبسون أنهم يتجاوزونها بأساليبهم الخاصَّة ، وبما يدَّعونه لأنفسهم من خبرات ومهارات علميَّة ومعرفيَّة ، تخوِّلهم حقَّ الأخذ عن غير أهل الإسلام .

         ولقد شهد الواقع القريب زيف دعاوى هؤلاء وخروصهم ؛ فقد أُوتوا الفرصة التربويَّة تلو الأخرى ، وملَكوا بالفعل زمام مؤسسات التربية ومراكزها في العالم الإسلامي الحديث عقوداً من الزمان : إدارة ، وتأليفاً ، وتنظيراً ، فما زادوا الأمة – في أزماتها التربويَّة - إلا خبالاً ، رغم أن مَن كانوا من الأمم في شرق آسيا وجنوبها في حضيضٍ حضاريٍّ إلى عهد قريب : تجاوزا المسلمين اليوم بمراحل ، فلن يكون من الحكمة أن يُمكَّن هؤلاء من جديد بعد كلِّ هذا الإخفاق ، وقد خابت مساعيهم ، وظهر للناس عوارهم ؛ في حين أن الواجب الآن المتعيِّن شرعاً : هو التقويم لما سلف من جهودهم ، وفق المعايير الشرعيَّة والعلميَّة .

         إن أمل الإصلاح التربوي في العالم الإسلامي : معقودٌ على منهج التربية الإسلامية وحده ، فلا يُنازعه دخيلٌ في مكانه وموضعه من مؤسسات التربية ، فهو منهجٌ ربَّانيٌّ لا يقبل الشرْكة في أصوله ومبادئه ، ولا في منطلقاته وأهدافه ، يستلهم تراث الأمة الثقافيَّ وينطلق منه ، ويفهم الواقع الحضاريَّ ويُراعيه ، فيجمع بكفاءة بين الأصالة والمعاصرة ، ويفرِّق – في اختياراته التربوية –  بين الثابت والمتغيِّر ، ويعرف - تماماً – ما يُقتبس عن الآخرين وما لا يُقتبس ، فهو منهج تربويٌّ راشد بكلِّ المعايير .

         ومع كلِّ هذا ، فإن هذا المنهج المنشود : لا يعمل من تلقاء نفسه ؛ لا في بنائه ولا في أدائه ، وإنما هو ثمرة جهد الإنسان المُجتهد ، الذي يعيش خضوع العبوديَّة لخالقه جلَّ وعلا ، فلا يتجاوز في بنائه لهذا المنهج معالم دينه ، ولا يتعدَّى في أدائه حدود شرعه ، فهو في نطاق العبوديَّة في البناء والأداء .

         وهذا يقتضي بالضرورة استيعاب المنهج للمعالم الدينيَّة الكبرى ، التي يقوم عليها البناء الإسلامي ، فيما يتعلَّق بمفهومي : الإسلام والإيمان ، وما ترمي إليه الشريعة من حفظ المقاصد الخمسة الضروريَّة : الدين ، والنفس ، والعقل ، والعرض ، والمال ، وما يلحق بذلك من خارطة العلوم الإسلاميَّة ، وما يتبع ذلك من المفاهيم العلميَّة والاصطلاحيَّة ، التي غالباً ما تشكِّل عائقاً علميًّا للباحثين التربويين ، عندما يتعاطون مع هذه العلوم ، فيصطدمون بمصطلحات شرعيَّة وأخرى لغويَّة ، لم يسبق لهم التعرُّف عليها في مراحلهم الدراسيَّة السابقة ، ولهذا كثيراً ما يُحْجم الباحثون التربويُّون عن خوض مفازة المصطلحات الشرعيَّة ، باختيارهم موضوعات تربويَّة غير تأصيليَّة ، خوفاً من الخطأ الشرعي ، وإيثاراً للسلامة ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى : رغبة بعضهم في الدعة ، وتجنُّب التحدي البحثي ، الذي يتكلَّف فيه الباحث – عادة - أضعافاً من الأداء العلمي ، ويُكابد فيه مزيداً من الإرهاق النفسي ، ويتحمَّل كثيراً من الجهد الذهني ، فرغم إحْجام كثير من الباحثين عن خوض تجربة هذا النوع من المعاناة العلميَّة ، فإنهم – بإحْجامهم هذا – يُفوِّتون على أنفسهم تجارب : علمية ، ونفسية ، وذهنيَّة ، لا يمكن لهم اكتسابها في غير هذا السبيل ؛ فإن المعاناة البحثيَّة وصعوباتها المُتنوِّعة : جزءٌ أصيلٌ في بناء شخصيَّة الباحث ، وقاعدة مهمَّةٌ في إعداده لحياة علميَّة واعدة .

         إن من أهم مهمَّات منهج التربية الإسلاميَّة في هذا العصر : هو تذليل السبل الكفيلة بدخول الباحثين التربويين إلى مختلف العلوم الشرعيَّة ؛ ليتمكَّنوا من الجمع بكفاءة بين التربية والشرع ، في ضوء ما يُسمَّى بالبحوث البينيَّة ، وهذا لا يتأتى إلا بالبدء الجاد في التأصيل التربوي للمصطلحات الشرعيَّة ؛ بحيث يُعرَّف المصطلح الشرعي تعريفاً تربويًّا يفهمه التربويُّون ، مع الإبقاء على اسم المصطلح ورسمه ، حتى لا يستهجنه الشرعيُّون ، ومن ثمَّ يُصنَّف المصطلح تصنيفاً تربويًّا ، ضمن مجالات التربية وحقولها وفروعها المتعدِّدة : الإيمانيَّة ، والتعبديَّة ، والأخلاقيَّة ، والاجتماعيَّة ، العقليَّة ، والجسميَّة ، الاقتصاديَّة ، والمهنيَّة ، والسياسيَّة ، والجماليَّة ، والفنيَّة ، والبيئية ، ونحوها من المجالات التربويَّة الكثيرة ، فيُخرَّج المصطلح الشرعي تخريجاً تربويًّا قابلاً للتصنيف التربوي ، ممَّا يُمكِّن الباحثين ويسهِّل عليهم خوض التجربة البحثيَّة في العلوم الشرعيَّة ، وفق معالم ومجالات التربية وحقولها المتنوِّعة ، ممَّا يُهيئ للباحثين بيئة علميَّة خصبة لبحوث جديدة رائدة ، ويفتح لهم آفاقاً علميَّة واسعة ومتجدِّدة .

         ولعلَّ في ضرب المثال ما يُوضِّح المقصود بالتأصيل التربوي للمصطلح الشرعي ؛ ففي مصطلح : ( اللُّقَطَة ) عند اللغويين : هو من الالتقاط ، وهو الأخذ والتناول ، وهو عند الشرعيين في الاصطلاح : مالٌ محترم يجده الإنسان ضائعاً في الطريق ، سواء كان نقداً ، أو شيئاً ممَّا له قيمة ماليَّة ، ولا يُعلم صاحبه ، فمن وجده من المارَّة ، وعزم على أخذه : أُلزم بمعرفته وحفظه ، فهو أمانةٌ عنده ، وعليه الإعلان عنه ، وتعريفه مدَّة سنة ، وتسليمه لصاحبه إن حضر ، وإلا فهو بعد ذلك أحقُّ بالاستمتاع به ، وفق ضوابط ذكرها الفقهاء ، فهذا المصطلح إذا قُدِّم للتربويين على هذا النحو اللغوي والشرعي ، فلن يجدوا له موضعاً تربويًّا ، ولكن إذا قُدِّم المُصطلح بأبعاده التربوية : اختلف الأمر عندهم ؛ فاللُّقَطة قيمةٌ ماليَّةٌ مُعرَّضةٌ للضياع ، فهي من جهة حفظها : تنميةٌ في بعدها الاقتصادي ، وبحيازتها ورعايتها ، ومن ثمَّ تسليمها لأهلها : أمانة في بعدها الأخلاقي ، وبالإعلان عنها ، والبحث عن صاحبها : صلةٌ في بعدها الاجتماعي ، وهكذا يدخل المصطلح الشرعي في صلب المسألة التربويَّة ، فإذا أُخذت طائفة من هذه المصطلحات ، وفق هذا التأصيل التربوي أو نحوه : انفتحت أبوابٌ واسعة من المعرفة العلميَّة ، طالما كانت موصودة في وجوه التربويين .

         وبهذه الخطوة الضروريَّة تُقام الجسور الرابطة بين التربية والشريعة ، فيسهل على السالكين التردُّد بيسر بين التخصُّصين ، وهذا من شأنه - إن تمَّ على هذا النحو – أن يمنع من استمرار الأميَّة الشرعيَّة عند التربويين ، الذين ابتُليَ جمهورهم بها ، فإذا رافقت هذا المشروع مجموعة من المقرَّرات المنهجيَّة لطلاب التربية الإسلاميَّة ، في مهارات البحث في العلوم الشرعيَّة وفنونها : كان من تكامل هذين الأمرين خروج أبحاث علميَّة تأصيليَّة ، تُوطِّد الصلة وتقوِّيها بين المجالين : الشرعي والتربوي ، فيقوم التزاوج بينهما في نهجٍ علميٍّ متكامل ، وتُردم بذلك الهوَّة بينهما ، فينتج عقب هذا التزاوج : منهج التربية الإسلامية المنشود ، الذي عقدت عليه الأمة الإسلامية أملها في النهضة ، وقد رسخ تربويًّا أنه إذا صحَّت المُدخلات التربويَّة : صحَّت بقدر ذلك مُخرجاتها .

 

]]>
Tue, 16 Jan 2018 20:46:50 +0300