د. عدنان باحارث http://www.bahareth.org موقع الدكتور عدنان باحارث للتربية الإسلامية العَورةُ الخُلُقيَّة مقال شهر صفر 1439هـ

العَورةُ الخُلُقيَّة

           الحمد لله الواحد الأحد ، والصلاة والسلام على خير من خلق ، نبيِّنا وسيِّدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد .. فرغم حجم الانتهاكات السلوكيَّة ، والتجاوزات الأخلاقيَّة ، التي يُعاينها النُّقاد الاجتماعيون في جانب العورة الجسديَّة : فما زال السلوك الإنساني – في مجمل المجتمعات الحضاريَّة - يحترم ستْر العورة ، ويُولي الخصوصيَّة الشخصيَّة – في هذا الجانب – تقديراً عاماً ، وَفق ما يعتقده المجتمع من الحدود المُحرَّمة للعورة الجسديَّة .

         غير أن ما حظيت به الأجساد من معاني الحُرمة – على ما فيه من الاضطراب والإخفاق المُخْجل – ظلَّت الأخلاق الاجتماعيَّة قابعةً في أحطِّ دركات التعاطي الإنساني ، حتى عاد السقوط الأخلاقي المدوِّي والمُتكرِّر عند الرجل : صغائر مُغتفرة ، ولم يعد للفضيحة الخُلقيَّة وقعها المُفزع على المجتمع ، بعد أن اتَّسعت ساحة الانتهاكات السلوكيَّة وتكرَّرت ، وكثرت العثرات الأخلاقيَّة وتعدَّدت ، وتجاسر الجمهور على الوقاحات ، واقْتحموا قائمة من الحماقات ، حتى كادت يبلغ الجميع ، فلا يكاد يُستثنى أحد من المزالق السلوكيَّة المُخْجلة ، وإنما يتفاوتون في حجم لوثاتهم الخُلقيَّة ؛ فمنهم من يتخفَّى مُستتراً بلوثته الصغيرة ، فتبدوَ للعَيان أحياناً ، وتغيب أحياناً أخرى ، ومنهم من لوثته ظاهرةٌ بادية ، تذهب معه حيث ذهب ، وتحلُّ معه حيث حلَّ ، فلا يكترث لبدوِّها ، ومنهم – والعياذ بالله تعالى – من يجرُّها خلف ظهره جرًّا ، يتقدَّمها تارة ، وتتقدَّمه تارة ، فيتعثَّر بها في مسيره ، وتتعثَّر به في انحدارها !!

          وهذا الوضع الاجتماعيُّ الشائع أدَّى : إلى تعارف الناس على قبول بعضهم بعضاً ، بكلِّ عيوبهم وسواقِطِهم ، على قاعدة : افْتضحوا فاصْطَلحوا ، لا يعرفون معروفاً ، ولا يُنكرون مُنكراً ، إلا ما كان مشوباً بهوى ، ثم بقيَ الصالحون وحدهم في زاوية ضيِّقة من حياة المجتمع ، يُكافحون ما لحق بهم في أنفسهم ، من كشف عوراتهم الخلقيَّة ، ويُعالجون لوثاتهم المَرَضيَّة ، ويُقاومون التآكل الأخلاقي لا يُصيبهم ، ويُدافعون الزحف الاجتماعي لا ينالهم ، وقد قلَّ على طريقهم الوعرة السالكون ، وكثر – في مقابل ذلك – المُخالفون ، ولهذا تُساورهم رهبة السقوط ، وتُخيفهم عواقب الأمور ، فقد أحاطت بهم غُمَّةٌ قاتمةٌ حالكةٌ ، ولفَّهم سواد ليل مُظْلم دامس ، من السوءات الخلقيَّة المكشوفة ، والرعُونات السلوكيَّة المفْضوحة ، التي تفرض نفسها على الجميع ، فلا تسمح لكريم النفس بالعيش السوي ، فضلاً عن أن تسمح له بالانفراد السلوكي ، أو الشموخ الخُلُقي ، ممَّا يُعسِّر مهماتهم التربويَّة ، ويُقلِّل من نجاحاتهم الميدانيَّة ، سواء كان ذلك تجاه أنفسهم بحفظها من الذوبان ، أو تجاه الآخرين بإعانتهم على أنفسهم ؛ فإن أخوف ما يخافه كريم الخُلُق : أن ينكفئ على نفسه ليحفظها من فساد يُحاصرها ، فينشغل بنفسه عمَّن سواه ، فينطلق يُغلق دونها أبواب الحرام ، ويكفُّ عنها مداخل الفساد ، فلا يعود له شغلٌ إلا حفظ نفسه ، قد تنكَّر له كلُّ شيء ، فما بقيَ يعرف إلا نفسه .

          وفي مثل هذا الخضمِّ الصعب : يُكافح المغمومُ ليبقى كريماً بين البخلاء ، ويجاهد ليبقى شريفاً بين الحُقراء ، ويُنافح ليبقى مُحترماً بين السفهاء ، ويُقاوم ليبقى عزيزاً بين الأذلاء ، فإن من الناس من يعيش كبيراً ، ويموت كبيراً ، لا يرضى لنفسه الكريمة إلا العلوَ بالحقِّ ، قد تشوَّقت روحه للمعالي ، وتشوَّفت نفسه للكمال ، في مقابل من يعيش صغيراً ، ويموت صغيراً ، قد رضيَ لنفسه الوضيعة بأدنى المقامات ، بنحو ما يُؤْنس العجماوات ، من الأولويَّات البدائيَّة الفسْيولوجيَّة ، وصدق الشاعر إذ يقول :

على قدْر أهْل العَزْم تأتي العَزائمُ  وَتأتي علَى قدْرِ الكِرامِ المَكارمُ

 وتَعْظُمُ في عَين الصَّغير صغارُها             وتصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

        وإن أسوأ ما يَلْحق الصالحين : أن يضطرَّ أحدهم لسقْطة أخلاقيَّة ، لا يجد عنها مناصاً ولا محيداً ، فإذا تلبَّس بها - ولو مرَّة - عَسُر عليه غسْلها ، فتبقى كدَمةً في صفحته الخُلقيَّة ، وشجَّةً في بنائه النفسي ، وعورة في حياته الاجتماعيَّة ، فهي في حسِّه الخُلقيِّ : أعظم ألف مرَّة من انكشاف سوْأته الجسديَّة ، فهذه لا تلبث إلا يسيراً ، حتى تُمْحى من الذاكرة الاجتماعيَّة ، أما تلك فلا كفَّارة لها ؛ فإن المجتمع – بطريقة عفويَّة – لا يتسامح مع القدوة حين تسْقط ، ولو كانت مُضْطرَّة لواحدة في العُمر ؛ لأن ما يُنتظر منها اجتماعيًّا : أكبر بكثير ممَّا تظنُّ ، فلا يتحمَّل المجتمع من قدواته – لا سيما رموزه الكبار – خطأً ما ، يُشوِّش في عقولهم صورَهم الذهنيَّة ، ويُعكِّر في نفوسهم مقاماتهم الاجتماعيَّة ، التي سبق أن ارتسمت في مُخيَّلات أبناء المجتمع ، ورسخت في أذهانهم ، عبر عقود مُتعاقبة من الزمان .

          ورغم ما يحمله هذا السلوك الاجتماعي - تجاه القدوة الأخلاقيَّة - من القسوة والصرامة والحدَّة : فإنه - مع ذلك - من أجلِّ الحوافز النفسيَّة للصالحين ، ومن أعظم الكوابح الأخلاقيَّة للمربيِّن ؛ حين يعمل المجتمع – بطريقته العفويَّة الخاصَّة - على تخْليص قدواته من السواقط الخلُقيَّة ، ويحميهم من المزالق السلوكيَّة ، فيبقوْا شامخين على عهودهم الاجتماعيَّة المعلومة ، لا تشوبهم شوائب المجتمع ، ولا تُدنِّسهم رعوناته الأخلاقيَّة ، فهم دائماً عند حسْن ظنِّ الجميع ، حتى إن أرذل الناس : لا يقبل من الشريف إلا أن يبقى شريفاً دائماً ، ولا يرضى للإمام إلا أن يكون في الأمام أبداً ، فلا يلين المجتمع مع رموزه في الترخُّص برخص العوامِّ ، ولذا يُلجئهم إلى مسلك القدوة إلْجاءً ، ويضطرُّهم إلى مقام النُّبل اضْطراراً .

         ولهذا انتفع الإمام أحمد بن حنبل في سجنه بسارق ساقط ، في زمن محنة القوْل بخلق القرآن ، حين حثَّه على الثبات على الحقِّ ، فلم يرضَ له مقاماً دون العزيمة ، في مقابل ثبات السارق – نفسه - على الباطل ، فكان ذلك حافزاً مؤيِّداً للإمام أحمد ، على أن يأخذ بالأعلى من المهمَّات ، التي انفرد بها عن جمهور علماء عصره ، وهكذا المجتمع الإسلامي في كلِّ عصر – مهما بدا فيه من التفريط والتقْصير – فإنه لا يقبل من المُحسن إلا الإحسان ، ولا يرضى لرموزه إلا العزيمة ، فهو – وإن لم يسلك مسالكهم –  فإنه يرى نفسَه فيهم ، فكلُّ إنجازٍ لهم : يراه المُجتمع إنجازاً له ، كما أن كلَّ سقوطٍ منهم : هو سقوطٌ للمجتمع بأكمله ، ولهذا يسعد المُجتمع بغلَبتهم ، ويحزن لهزيمتهم ، ويرتاح لعلوِّهم ، ويضْجر لهبوطهم .

          ولا يخالف هذه المشاعر الإسلاميَّة إلا منافق مُنْدس ، قد مرَد على النفاق ، فلا يُسعده ثبات الصالحين ، ولا يُؤنسه مقام المتَّقين ، ولا يُتْحفه تعاطف المسلمين ، فهو كالأرَضة ينْخر المجتمع من داخله ؛ فيذيع السوء ويستر الحسن ، ينشر الباطل ويكبت الحقَّ ، فهو كائنٌ خارج المسلك الاجتماعيِّ العام ، ليس هو من الناس في شيء ، غير أنه متيقِّظٌ لعورات المجتمع ، ثم هو أيضاً مُنتبهٌ لمقَاتِله المُميتة ، فإذا حانت الفرصة المُواتية ، وتهيَّأت الظروف المُناسبة : انقضَّ على مواضع الوجع من المجتمع ، ونزل بثقله على المفاصل الرخوة منه ، فهو دليلٌ أمينٌ لكلِّ عدوٍّ غاشم ، وعينٌ خائنة لكلِّ كافر آثم ، وكما قال الشاعر :

إن الكريمة ينْصرُ الكرمَ ابنُها              وابن اللئيمةِ للئام نصور

          والغريب أن السذَّج من أبناء المجتمع ، يعيشون بأحلام المراهقين ، ويُغرِّدون بأصوات العصافير ؛ فيأملون الخير في المُنافقين ، ويرجون البرَّ في الكافرين ، وهم يرون بأعينهم سوءاتهم الخُلُقيَّة بادية للعيان ، ظاهرة لا تخفى على العميان ، عبر تاريخهم القديم والحديث ، ضمن مواقف مُخزية كثيرة ومُتكرِّرة ، من أسافل الأخلاق وأحطِّها ، ممَّا يعجز الواصف البليغ عن وصفه ، فهم دائماً وعلى مرِّ العصور : ( لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً...) (9/10) ، وإنما طريقتهم الوقحة في تسويق باطلهم على السذَّج : (... يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ...) (9/8) ، فالكلام الأجوف هو حدُّهم مع من يقبل منهم ، والتصريح الأخرق هو نهجهم لمن يُصدِّقهم بكذبهم ، من سفهاء الناس ، ممَّن يعجزون عن فهم المُحْكمات القرآنيَّة ، فلا يستوعبون المُحكم الصريح من التنزيل المبارك ، القاطع في شأن هؤلاء ، فقد جمع الله تعالى لنبيِّه محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – كلا الفئتين : المُنافقة والكافرة ، لينفض يديه الشريفتين منهما جميعاً ، ويقطع الأمل فيهما معاً ، فقال - جلَّ مِن قائل - : ( وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) (33/48) ، فالله تعالى كافٍ من كلِّ شيء ، ومُغْنٍ عن كلِّ أحد ، ولذا يُلفت نبيَّه الكريم – صلى الله عليه وسلم - إلى كنز النصر والفلاح : (...هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ) (8/62) ، ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (8/64) .

          إنها لفتةٌ ربانيَّةٌ ضروريَّة ، يحتاج إليها الصالحون المُصلحون ، حتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان في حاجة إلى أن يُذكِّره الله تعالى بها ، فهم ليسوا وحدهم منْفردين في غياهب الظلُمات الاجتماعيَّة ، ولا منسيين في دروب الحياة في أيِّ زمن ؛ فإن الحضور الإلهي العظيم ، بمعيَّة الحفظ والنصر والتأييد : شاهدٌٌ قائمٌ دائمٌ ، يشعر بذلك المؤمنون ، فلم تغبْ معيَّته – سبحانه وتعالى - عن أوليائه قطُّ ، ولن تغيب عنهم أبداً ، لا سيما في أشدِّ الأزمنة خوفاً وحرجاً : (...لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) (20/46) ، وإنما الذي ينقص الصالحين – في بعض الأحيان – هو استحضارهم الحيَّ للمعيَّة الإلهيَّة ، في تعاطيهم مع ضغوط الحياة الاجتماعيَّة من حولهم ، وفي كفاحهم المُستميت لحفظ أخلاقهم من الذبول ، وفي سعيهم الحثيث للحدِّ من تفاقم الانحرافات السلوكيَّة ، فهم دائماً في كنف المولى - جلَّ وعلا – يتلمَّسون لطفه ورحمته بهم ، في كلِّ خطوة يخْطونها ، وفي كلِّ اجتهاد يتخذونه .

          إن المجتمع المسلم بكلِّ أفراده : صالحهم وطالحهم ، عالمهم وجاهلهم ، بلا استثناء ولا تمييز : مدعوون إلى التوبة من ذنب أو تقصير ، كما قال الله تعالى : (...وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ...) (24/31) ، كلُّهم في حاجة ملحَّة إلى عطْفةٍ خُلُقيَّة صادقة ، تُلْجم جموح النفس ورغباتها ، وتضبط نوازع الشهوة وأهوائها ، فما زال الربُّ الكريم : توَّاباً رحيماً ، لكلِّ من عاد إليه تائباً مُنيباً ، فهذا شأن العبيد : يُذنبون ويخطئون ، ثم يعودون تائبين مُنيبين ؛ فليس لهم - في شأن سلوكهم - أن يختاروا لأنفسهم بين الاستقامة أو الانحراف ، ما داموا مؤمنين ، ففرقٌ كبير بين من يُذنب ويسْتغفر ، ومن يُذنب ويسْتكبر ، فالأول ينتظر من الله الرحمة ، والآخر ينتظر المقْت : ( إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ) (39/41) .

 

 



 

 

]]>
Sat, 21 Oct 2017 13:00:52 +0300
36- المبرر التربوي والشرعي لغطاء وجه المرأة 36- المبرر التربوي والشرعي لغطاء وجه المرأة

منذ فجر التاريخ الإنساني والمجتمعات البشرية تمارس مزيد ضبط أخلاقي على سلوك النساء، وتطالبهن – أكثر من الرجال – بمسالك أخلاقية ومعايير سلوكية، لا سيما في المسألة الجنسية، فليس بغريب على الشرائع السماوية أن تؤكد على هذه المسألة، وتأتي موافقة للخبرات الإنسانية الصحيحة فتلزم النساء بمزيد تحفُّظ وتستُّر، رغبة في تحقيق الطهارة الروحية، والسلامـة الأخلاقيـة، وهـذا ما عبَّر عنه المولى عز وجل حين وجَّه نسـاء النبي صلى الله عليه وسلم– وعموم النساء المسلمات من ورائهن–بالاحتجاب عن الرجال الأجانب؛ لما في ذلك من طهارة القلوب، وسلامة السلوك، فقال سبحانه وتعالى: {... وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ...}33/53،فعلى الرغم من الخلاف الفقهي في مسألة كشف المرأة عن وجهها أمام الأجانب من الرجال؛ فإن الإجماع قائم على وجوب ستره عند خوف الفتنة وكثرة الفساق، وحتى بعض المعاصرين، ممن يرون جواز الكشف: يُلزمون المرأة بتغطية وجهها إذا ترتب على ذلك مفسدة، كنظرة الوقح المريبة، أو كلمته البذيئة، حتى قال أحد المتحمِّسين لكشف وجه المرأة، وعدم استحباب ستره : " ... لا نغفل أن الستر في بعض الظروف الخاصة بالأفراد قد يكون مندوبًا، وهذا أمر لا يأخذ حكماً عاماً، لكنه يخضع لتقدير الفرد المؤمن؛ ذلك مثلاً عند تأذي المرأة تأذياً بالغاً من نظرات محملقة منكرة، أو عند إدراكها أنالأمر يتعدى النظرات العابرة إلى فتنة مخوفة توشك أن تقع "، بل إن بعض العلماء ممن يجيز للمرأة الكشف عن وجهها : يتشدَّدون في خروجها من بيتها حتى إلى المسجد أو لصلاة العيدين بحجة فساد الزمان، فهؤلاء وإن أجازوا للمرأة الكشف عن وجهها أمام الأجانب فقد حجبوا ذاتها عن البروز الاجتماعي ، مما يدل على أن كثيراً من المجيزين للكشف لا تتعدى آراؤهم الفقهية حدود المناقشة العلمية فحسب، دون الوصول بها إلى ساحة التطبيق الاجتماعي.

ولعل مما يُوضح المسألة بصورة أفضل : إجماع العلماء على حق المرأة في أن تسدل الخمار على وجهها حال الإحرام عند خوفها من نظر الرجال الأجانب، في الوقت الذي أجمعوا فيه على أن المرأة المحرمة لا تغطي وجهها، فدلَّ على أن الشريعة لا تقصد إلى كشف وجوه النساء للأجانب إلا حال الضرورة أو الحاجة التي لا بد منها للمرأة في حركتها الاجتماعية العامة، أما في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم– خاصة – فإنهن لا يكشفن مطلقاً لأي أمر كان، وهذا هو الفارق بينهن وبين باقي النساء المسلمات، يقول ابن عباس رضي الله عنهما في حق المرأة المحرمة: " تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به"، وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها في حقها : "... تسدل الثوب على وجهها إن شاءت"، ولما دخلت عليها إحدى النساء في يوم التروية في الحج تسألها: " يا أم المؤمنين، هنا امرأة تأبى أن تغطي وجهها وهي محرمة؟ فرفعت عائشة خمارها من صدرها فغطت به وجهها"، وحتى الكفان من المرأة في حال الإحرام فقد وجِّهت لخضابهما بالكامل دون نقش أو تطريف حتى لا يظهر لون بشرتها للأجانب حين مُنعت من لبس القفازين ، وهذا في الجملة يؤكـد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة..."؛ يعني يُستحى من ظهورها كما يُستحى من العورة إذا ظهرت، وقد مال بعض القانونيين إلى اعتبار وجه المرأة عورة لا بد من صيانته وستره ؛ لأن " ملامسته بما يدل على توافر الباعث الجنسي هو من قبيل هتك العرض ".

وعلى الرغم من ميل بعض العلماء إلى أن وجه المرأة ليس بعورة، فإنهم مع ذلك لا يجيزون نظر الأجنبي إليه من أجل خوف الفتنة، لا سيما إذا كان نظره بشهوة، يقول ابن القطان – وهو ممن يرى جواز كشف وجه المرأة -: " واتفقوا على رد البصر عن غير الحرائم، والزوجات والإماء"، وحتى الأمة المملوكة التي لم يلزمها الشارع الحكيم بالجلباب، ولا بتغطية وجهها أو رأسها إجماعاً، فإنها مع ذلك تُؤمر بالنقاب إذا كانت جميلة فاتنة، محافظة على مشاعر الرجال من الإثارة، وقد نفى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاباً حسن الوجه إلى البصرة حين خشي من افتتان نساء المدينة به، فإذا ساغ لعمر رضي الله عنه أن يفعل ذلك برجل لم يُؤمر أصــلاً بالاستتار، فكيف تراه يصنع بشابة جميلة أسفرت عن وجهها، تتعرض للرجال في الطريق، وقد أُمرت بالستر والخفر؟! لا سيما وأن المولى عز وجل قد ندب القواعـد من النساء – فضلاً عن الشابات – إلى تمام التستر وترك الرخصة في وضع الجلابيب.

وأما حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما – المتضمن جواز كشف الوجه واليدين، فهو مع كونه ضعيفاً من جهة السند، فإنه وإن صحَّ سنده عند بعضهم:يُحمل على مرحلة ما قبل نزول حكم الحجاب؛ فإن سورتي النور والأحزاب المتضمنتين لأحكام حجاب النساء من آخر ما نزل من القرآن في المدينة، وبما فيهما من أحكام الحجاب نسخت أحوال النساء السابقة ؛ حتى عمد النساء إلى أغلظ أكسيتهن فاختمرن بها، وقد وصفت عائشة رضي الله عنها رؤوسهن - حين رأت منظرهن – بالغربان في سوادها، وهذا عين ما فهمته أسماء رضي الله عنها – صاحبة حديث كشف الوجه والكفين - فقد كانت تغطي وجهها حتى في حال الإحرام، فقد ثبت عنها أنها قالت: " كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام"، فهذا آخر ما انتهى عليه أمر الحجاب زمن النبوة، لا سيما وأن أسماء رضي الله عنها ليست من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كانت ترى أنها مأمورة بغطاء وجهها حتى في الإحرام.

وأما القول بأن ضرب الخمار في قوله تعالى:{... وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ...}24/31 ، هو لتغطية فتحة الصدر فحسب، وهو ما عبر عنه القرآن بالجيب، فهذا لا يصح من الجهة العملية؛ إذ الوجه يتوسط الرأس والصدر، وهما الموضعان الواجب تغطيتهما بالاتفاق، فتغطيتهما – من الجهة العملية – تستلزم تغطية الوجه معهما، وأما من الجهة التاريخية فإن الأمر بتغطية الصدر قد سبق في المرحلة المكية؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر به بناته حتى قال مرة لزينب رضي الله عنها بمكة: " يا بنية خمري عليك نحرك"؛ مما يدل على أن الأمر بالحجاب في المرحلة المدنية كان يحمل معنىً إضافياً أكثر من مجرد تغطية الصدر؛ لهذا ذهب جمهور المفسرين إلى أن الحجاب تغطي به المرأة وجهها.

وأما حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما، حين صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عن المرأة التي كان ينظر إليها وتنظر إليه ؛ فإن الروايات الواردة ليس فيها تصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، ويعلم من حال الأعراب عدم انضباطهم بكمال التستر، فقد يُرى من وجهها شيء مع تسترها، فكل هذه الاحتياطات الشرعية قُصد منها المحافظة على الأخلاق، ودرء الفتنة، وكفُّ المثيرات المؤدية للمفاسد الخلقية في المجتمع.

ثم إن وجه المرأة أكثر ما يجذب نظر الرجال الأجانب، وهو أعظم مواضع جمالها من جسمها، وهو أفضل وأقوى وسائل التواصل البشري، وعليه تكون درجة الفتنة، والميل العنيف نحو المرأة ؛ ولهذا تتعرض المرأة الجميلة الفاتنة أكثر من غيرها للاغتصاب ؛ لذا لا تكشف المرأة المشتهاة للأجانب إلا لمن لا إرب له من الرجال، ممن لا يقوى على النساء ، ولا يكون منه خطر عليهن.

ومن ألطف ما ينقل من أخبار حرص الصالحات على أنفسهن من نظر الرجال إليهن: خبر فاطمة بنت محمد السمرقندي، المتوفاة في نهاية القرن السادس الهجري، زوجة أحد الفقهاء المقربين من أمير البلاد، وذلك حين علم الأمير بإلحاحها على زوجها بالسفر، فأرسل إليها خادمه – بعلم زوجها- حتى يقنعها بعدم السفر، فلما جاء الخادم إلى بيتها لم تأذن له، واحتجبت منه، وأنكرت دخوله عليها، وأرسلت إلى زوجها تعاتبه في ذلك، وتقول له : " بَعُد عهدك بالفقه إلى هذا الحد، أما تعلم أنه لا يحلُّ أن ينظر إلي هذا الخادم، وأيُّ فرق بينه وبين غيره من الرجال في جواز النظر ؟ " .

إن حجاب المرأة في العموم، وغطاء وجهها على الخصوص: يحجز بينها وبين المتطفلين من الرجال، فلا يجرؤ أحدهم على مراودتها، أما حين تكشف لهم عن وجهها فإنها تمهِّد الطريق إلى نفسها، وتغري المتشوِّق لمراودتها، تقول فاطمة بنت جودت باشا، المولودة عام 1279هـ : " لما كانت النساء عندنا متحجبات كان الاجتماع بهن مستحيلاً على الرجال "؛ ولهذا لما كشفت عن وجهها في بداية القرن العشرين – بعد قرون طويلة سابقة من الاحتجاب- لم تلبث طويلاً أن كشفت عمَّا أجمع المسلمون على وجوب ستره من بدنها ، حتى ظهرت المرأة العربية: الممثلة، والمغنية، والراقصة، وبائعة الهوى، وبلغت الجرأة بمجلة آخر ساعة المصورة في عددها (57) في يوم الأحد (11) من أغسطس من عام 1935م أن نشرت صورة امرأة عارية، وكتبت تحتها – بكل وقاحة – : " هذه امرأة من مصر وليست من فرنسا"!! وقد كانت مصر وتركيا من أوائل الدول التي تمردت فيها كثير من النساء على الحجاب، وهذا الواقع النسـوي المتردي علم من أعلام نبوَّته – عليه الصلاة والسلام – حين أخبر في أحاديث كثيرةعن انفلات عقد النساء في آخر الزمان، وخروج كثير منهن عن حدود الشرع الحنيف.

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:26:10 +0300
35- الدور التربوي للحجاب في كف الإثارة العاطفية 35- الدور التربوي للحجاب في كف الإثارة العاطفية

إن من أعظم الدوافع التي تسوق النساء للتبرج في كل عصر، وفي جميع الطبقات الاجتماعية: رغبتهن في الاستهواء والجذب والمغامرة، ومنافسة القرينات؛ وذلك من خلال إظهار مفاتن الجسد المكنونة مثل: الشعر، والصدر، وطريقة المشية، والصوت، والعطر، وهذه السلوكيات لا شك محرمة بالدرجة الأولى بالشرع الحنيف، وفي الدرجة الثانية: تُعتبر سلوكاً غير اجتماعي؛ إذ تتعدَّى المرأة المتبرجة بهذه الممارسات حدود حريتها الشخصية إلى أن تتعرض لحريات الآخرين؛ فإن حرية الفرد – في التصور الإسلامي – تنتهي عند بداية حرية غيره؛ فمن أعظم حقوق الرجال على النساء في الحياة الاجتماعية العامة: ألا يُثرنهم بسلوكهن المقصود؛ فإن الغرض الأول من فرض الحجاب: المحافظة على مشاعر الرجال من الإثارة والفتنة؛ فمع كون الحجاب وسيلة لمحافظة المرأة على نفسها فهو مع ذلك وسيلة مهمة لكفِّ فتنتها عن الرجل، فإن رؤية أجساد المُسْتحسنات من النساء: تُزعج الصالحين، وتُثير الفاسقين؛ لأن " السمات الجسدية في الأنثى هي أكثر سمات الأنثى جاذبية للذكر"؛ إذ "يشكِّل الإغراء الجســدي عند الرجـــال عاملاً حاسماً أثناء اختيار القرين، بعكس ما هو الحال عند النســاء ؛ فإنهنينطلقن – بصورة أساسية – من الشخصية، وما يترتب عليها من صفات عند الرجل"؛ ولهذا لا يمثل النظر إلى جسم الرجل بالنسبة للمرأة عنصراً مثيراً، في حين يُعتبر جسمها بالنسبة له في غاية الإثارة، حتى إن الجاهل القاصر من الرجال يكتشف المرأة عن بعد مائة متر من خلال نمط حركة مشيتها، وقد استقر عند المختصين أن التأثيرات البصرية تُثير الرجال أكثر بكثير مما تثير النساء، ولعل هذا ما يفسِّر تفوُّق كثير من الذكور على الإناث في التأكيد على مسألة الحجاب والتستر، وكثيراً ما تغفل الفتيات عن عمق هذا الأثر في الجنس الآخـر ، فقد تكون إحداهن – بقصد أو بغير قصد – سبباً في إثارة الرجل وجرأته عليها تحت ضغط الشهوة، وفي هذا يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي: " لو كنت قاضياً ورُفع إليَّ شاب تجرأ على امرأة فمسَّها، أو احتك بها، أو طاردها، أو أسمعها، وتحقق عندي أن المرأة كانت: سافرة، مدهونة، مصقولة، متعطِّرة، متبرِّجة: لعاقبت هذه المرأة عقوبتين، إحداهما بأنها اعتدت على عفة الشاب.... والثانية بأنها خرقاء كشفت اللحم للهرِّ".

ومن هذا المنطلـق الفطــري للفــروق بين الجنسين في تأثير كل واحد منهما في الآخر: جاء التشريع الإسلامي المحكم موافقاً لهذه الطبيعة: فقدَّم "ستر النساء على ستر الرجال دفعاً لأعظم المفسدتين"، وأمر النساء في الحياة العامة بالحجاب، وإخفاء زينة البدن، وعدم إظهار حجم الأعضاء، ومُنِعْن الطيب، ولفت الأنظار بالمشية، وأمرهن بخفض الصوت, واستخدام التصفيق عند الحاجة، وعُذرن من الأذان والإقامة،والرَّمل في الطواف، وحتى الميِّتة منهن تُستر فلا يرى الأجانب حجم عظامها، كل ذلك احتياطاً لمنع الإثارة الجنسية غير المرغوب فيها، سواء كان ذلك بقصد أو بدون قصد؛ فإن رغبة المرأة الملحَّة في استحواذ إعجاب الرجال أمر فطري في نفسها، يصعب عليها ردُّه، فالاستعراض لجذب انتباه الآخرين: سلوك طبيعي عند الإناث، حتى في البيئات الاجتماعية المحافظة، لا سيما في سن الشباب، ولا يعني هذا بالضرورة ميلهن نحو الفاحشة، وإنما رغبتهن المُلِحَّة في أن يكنَّ محطَّ اهتمام الرجال وإعجابهم، " والمرأة منهن لا تزال حريصة على إبراز جمالها وحسنها؛ لأنها ترى في هذا السلوك إخلاصاً لطبيعتها، وتحقيقاً لأنوثتها"، ومن هنا، ومن هذا المسلك الفطري الطبيعي في بناء نفسية المرأة يبرز دور الحجاب في إحكام هذه الطبيعة وضبطها، فالمرأة إذا ارتدت جلبابها الشرعي تمكَّنت به من إخفاء مشاعرها الملحة، فلا تصدر عنها إيماءة غير مقصودة تثير الرجال؛ فإن مظاهر الجسد وحركاته تُعتبر وسيلة اتصال جيدة لنقل المشاعر والأحاسيس، خاصة وأن أهون وأخف الحركات من الفتاة الطائشة يمكن أن تفعل فعلها البالغ في نفس الرجل؛ بل إن مجرَّد كونها أنثى مع كامل التَّستُّر والأدب: كاف لجذب نظر الرجل إليها حتى وإن كان صالحاً ، وحصول شيء من الإغراء الطبيعي في نفسه،وتحريك الطبيعة الغريزية فيه, ومن هذا المنطلق الفطري جاء التوجيه الرباني للنساء بالقرار في البيوت، والالتفات إليها، وعدم الخروج إلا لحاجة، فإذا خرجن لحاجاتهن ضمن حدود الأدب: كان حقاً على الرجال أن يغضُّوا أبصارهم حتى عن جلابيبهن.

 

                                                 

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:23:47 +0300
34- أزمة الحجاب 34- أزمة الحجاب

منذ عقود مضت تولي مجموعة من المنظمات الأجنبية قضية المرأة المسلمة أهمية خاصة، من خلال عقد المؤتمرات الدولية داخل البلاد العربية والإسلامية وخارجها، بهدف إحداث التغييرات الاجتماعية المطلوبة لتطوير المنطقة الإسلامية ضمن المفهوم الغربي للحياة الاجتماعية، ومن خلال تقنية الاتصالات في العقود الأخيرة من القرن العشرين: غدا الحضور الثقافي الغربي قائماً في حياة المسلمين، وأصبح التأثير السلبي لنمط الحياة الغربية ملموساً في واقع المسلمين الاجتماعي بصورة عامة، وفي واقع المرأة المسلمة بصفة خاصة، لا سيما فيما يتعلق بنمط اللباس، الذي يعدُّ خاصية تميز المرأة المسلمة عن غيرها؛ فقد أصبح نمط اللباس الغربي عاماً بين غالب المسلمات، ولم يعد مستنكراً أن تسير المرأة المسلمة في عواصم الحواضر الإسلامية بغير حجاب، تُظهر مفاتن جسمها، ولا تستر منه إلا ما تستره غالب النساء الغربيات.

وبعد أن تعرض حجاب المرأة المسلمة في بداية القرن العشرين لنقد شديد، بهدف خلخلة الثوابت الشرعية المتعلقة به: أخذ وضع الحجاب يتراجع في الساحة الاجتماعية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، مع شيء من التحسُّن في بعض الأوساط الاجتماعية، ومع ولوج البشرية الألفية الميلادية الثالثة، واستفحال التأثيرات السلبية للعولمة الثقافية: انحصر مفهوم الحجاب وتطبيقاته الواقعية في تغطية جزء من شعر المرأة المسلمة، باعتبار ذلك حجاباً شرعياً يكفُّ الألسنة عن النقد، وتراجع – في الوقت نفسه – مفهوم الحجاب باعتباره خماراً أو جلباباً يعم بدن المرأة كلَّه، فلم يعد غريباً أن تشاهد الفتاة المسلمة في الشارع العام، أو على وسائل الإعلام المختلفة: مغطية شعرها بقطعة قماش صغيرة، وقد لبست ما يحدد بوضوح معالم جسمها، أو يكشف جزءاً من نحرها وساقيها، إضافة إلى استخدامها – بصورة صارخة – المساحيق الملونة، والعطور النفاذة، ومع ذلك يُراد – لمثل هذا النموذج – أن يُعطى الصفة الشرعية، بحيث تتربى عليه الفتاة المسلمة، وتنشأ على أنه القدْر الشرعي من الحجاب الذي ألزمها الله تعالى به.

ولا شك أن هذا الواقع القائم يعود إلى أسباب اجتماعية وثقافية وأخلاقية، تحتاج إلى مراجعة، إضافة إلى شبهات فكرية وتاريخية تتطلب المدارسة، حتى تظهر الوجهة الإسلامية الصحيحة في ضوء الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، وتطبيقات السلف، التي يجب أن تتربى عليها الفتاة والمرأة المسلمة.

إن من الضروري – والحالة الاجتماعية هذه – إعادة بناء شخصية المرأة المسلمة المتقيدة بالحجاب الشرعي السابغ الذي يعم البدن، ويمنع أو يحد – على الأقل – من الفتنة بالمرأة، باعتبار أن الحجاب ضرورة للعفة، لا يُستغنى عنه بمجرَّد الاعتماد على الشرف أو نحوه فعلى الرغم من المنزلة الإيمانية والأخلاقية التي بلغها جيل الصحابة من الرجال والنساء رضوان الله تعالى عليهم: فقد أمرت المرأة بالحجاب السابغ الذي يعم البدن كلَّه، حتى إن بعضهن كن يحضرن صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، وينصرفن قبل أن يتبين ضوء النهار، فلا يعرفهن أحد، ولا يعرف بعضهن بعضاً ، ومع ذلك يحضرن: " ... متلفِّعات بمروطهن..."،كما وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها؛ يعني مغطيات كامل أبدانهن، ولم تذكر في وصف حالتهن من التستُّر استثناء للوجوه أو للأكف.

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:22:16 +0300
33- المؤامرة على حجاب المرأة المسلمة 33- المؤامرة على حجاب المرأة المسلمة

منذ أكثر من قرن من الزمان، واليهود والنصارى يعملون بوسائل مختلفة لإقناع الفتيات والنساء المسلمات بنزع الحجاب، وهيَّأوا الكاتب المصري قاسم أمين للقيام بدور المحرر للمرأة المسلمة، وجنَّدوا معه الأقلام المشبوهةلدعمه وتأييده؛ حتى قال أحد النصارى فيه: " إن قاسم أمين من المصلحين العظام الذين يحفظ التاريخ ذكرهم"، ونسبه بعضهمإلى مجموع المجدِّدين الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة عام ليجددوا ما اندرس من الدين الحق، وانساق جمع من المعاصرينإلى الثناء عليه ومدحه، متناسين المفاسد العظيمة التي جلبها على الأمة بجرأته على السعي في تبرج النساء وسفورهن؛ فإن النساء – المصريات خاصة – لم يعرفن السفور، والتبرج إلا بعد دعوته المشبوهة، التي  بدأت أولاً بدعم وجهة المجتمع المصري المحافظة، ثم بالمطالبة بتعليم المرأة، ثم خُتمت " برفع الحجاب عن الفكر والوجه معاً ".

وقد انبرى لدعوته هذه جمع من الفضلاء، فردُّوا عليه، وفندوا مزاعمه، ولم يكن قاسم أمين هو أول من دعا إلى مسألة تحرير المرأة من الحجاب، فقد سبقه بفترة قصيرة بعض المفتونين، من أمثال: رفاعة الطهطاوي، وفارس الشدياق، ومرقص فهمي وغيرهم، إلا أن شبهاته التي أثارها حول حجــاب المرأة كانت ولا تزال مداخل المبطلين من بعده للاحتجاج ضد الحجاب، فهم أعجز من أن يعترضوا على الحجاب باعتباره فريضة دينية على المرأة المسلمة، وإنما يعترضون عليه: بالشبهات، والتحريفات، والتأويلات، سواء كان ذلك بحسن نية منهم أو بسوء نية، مع ذلك تبقى فئات من المنتسبين إلى الإسلام يعترضون بصورة واضحة على مبدأ التحجب في النساء، بل ربما اعترضوا على مبدأ تحكيم الشريعة الإسلامية ككل، حتى إن إحداهن تشيد بالممثلة والمغنية والراقصة، باعتبار ذلك إنجازاً في صالح المرأة !

إن أعداء الإسلام أدركوا أن الحجاب – في حد ذاته – أكبر عقبة اجتماعية تقف أمام تحقيق أهدافهم في تغيير نمط الحياة الاجتماعية الإسلامية، لا لكونه ملاءة تضعها المرأة على جسمها؛ فإن أخلاق المرأة لا يرسمها الخيَّاط، ولا تحدد معالمها الأقمشة؛ وإنما لكونه موقفاً عقدياً من المرأة قبل كل شيء، يُعبِّر عن ارتباط روحي عميق في النفس، يبعث على التستر والتحفظ، إلى جانب أنه سلوك بشري فطري عام في النوع الإنساني، هو عند إناثهم أبلغ وأشد لموافقته لطبائعهن الفطرية المستترة،ولهذا يقف أعداء الفضيلة موقفاً عدائياً من حجاب المسلمات، وما أدلَّ على ذلك من الدعم الأجنبي الكبير
– السياسي والمالي – الذي تلقاه الحركات النسوية في الوطن العربي والإسلامي , المناهضة للوجهة الإسلامية في العموم، والرافضة لستر النساء على وجه الخصوص، والساعية لتنفيذ مقررات المؤتمرات العالمية الخاصة بالمرأة.

والناظر في التاريخ الحديث يجد الارتباط في غاية القوة بين جرأة بعض النساء المسلمات على نزع الحجاب ووجود المستعمر الأجنبي ودعمه وإشرافه، حتى إن الصورة نفسها تتكرر في أكثر من بلد عربي، بل إن حربي الإدارة الأمريكية لأفغانستان والعراق في بداية الألفية الميلادية الثالثة، ضمن ما يسمى بالحرب على الإرهاب : كانت قضية تحرير المرأة الأفغانية والعراقية ضمن المُبررات المعلنة لهاتين الحربين.

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:20:43 +0300
32- مصالح المرأة في التزامها بالحجاب الشرعي 32- مصالح المرأة في التزامها بالحجاب الشرعي

إن أعظم ما يحققه الحجاب من المصالح هو انسجام المرأة المسلمة مع المطلب الشرعي القاضي بوجوب التستر عند الرجال الأجانب، وهذا في حدِّ ذاته أسمى المصالح، إضافة إلى أنه طهارة للقلب، مما يوقعه الشيطان من تزيين الفواحش، كما أنه تميُّز للمرأة الحرة عن الأمة المملوكة المتبذِّلة، إلى جانب أنه سلوك فطري يرفع المرأة عن مرتبة الحيوان، ويبعث في نفسها عزة المؤمنة القادرة على ضبط شهواتها، والمسيطرة على سلوكها رغم ضغط الحياة الاجتماعية المنحلة ؛ فإن " الحرية الحقيقية هي: أن يسيطر الإنسان على نفسه، وأن يتحكم في شهواته، وأن يُخضع كل ذلك للقيم والمبادئ السامية التي يؤمن بها "، فلا تحسُّ المتحجبة بالمنبوذية، أو الشعور بالنقص؛ فإن موافقة الحق كافية لشعور المؤمن بالأنس وإن كان وحيداً.

كما أن التعرُّف على حال كثير من المجتمعات المعاصرة، وما وصلت إليه من المفاسد العظيمة وتردِّي الأحوال من جرَّاء  نزع الحجاب: يزيد من قناعة المرأة بالتزام الستر، والتحفظ في الملبس، خاصة إذا نشأت المرأة في وسط عائلي يحبذ الحجاب، ويتشدَّد فيه الرجال على أعراضهم وشرفهم، فإنها في الغالب – رغم ما يحتفُّ بها من انحرافات سلوكية وضغوط اجتماعية – تعتاد اللباس الشرعي، وتتشبَّث به، وتقاوم هتْكه بكلقوة.

 ولعل إدراك المرأة الشابة واقتناعها بأنها بذاتها كأنثى: موضع استمتاع للرجال، من جهة البدن والبضع، ومن جهة النظر أيضاً: فإن الأبية منهن تندفع نحو التستر والتَّحجُّب، خاصة إذا علمت أن المرأة المتبرجة المتهتكة لا حرمة لها في الشرع من جهة النظر، وأنها تُعامل عند بعض الفقهاء معاملة الأمة المملوكة.

كما أن المرأة الصالحة تأبى أن يكون بدنها موقع نظر للخائن من الرجال؛ فإنه يستمتع بالنظر إليها، ويتلذذ بذلك تلذذاً عظيماً، قد يصل به إلى حدِّ الإنزال، بل إن بعض الفجرة من شواذ الرجال قد يبلغ قمة استمتاعه الشهواني بمجرد استحواذه على بعض الملابس أو الأدوات النسائية؛ ولهذا منع الفقهاء رحمهم الله من النظر إلى الأجزاء المنفصلة عن المرأة، حتى قلامة ظفرها، أو خصلة شعرها، وذلك سدّاً لمثل هذه المفاسد الخلقية والسلوكية.

ومن هنا فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تُمكِّن الأجنبي من الاستمتاع بها – من هذا الوجه أو نحوه – حتى وإن كان نظره منها إلى الوجه والكفين؛ فإن القول بجواز كشفهما لا يستلزم إطلاق جواز نظر الأجنبي إليهما.

ولعل مما يساعد المرأة المسلمة على الحرص على حجابها: خبر النساء المسلمات حديثاً، وما يعبِّرن عنه من المشاعر الفياضة حين لبسن الحجاب ، وفي هذا تقول الأمريكية جينيفر منصور عن تجربتها الأولى في لبسها الحجاب، وما حصل لها من التردد في أول الأمر؛ لكونها أسلمت حديثاً: " ما أن حسمت ترددي، وأقدمت على ارتداء الزي السابغ، ووضعت الخمار على رأسي حتى فاض شعوري بالحرية والانعتاق، إن هذا الخمار ليس رباطاً مزعجاً كما كنت أتوهم... بل إنه ليمنحني السكينة وهدوء البال التام، ويقطعني عن كل فكرة تمنعني من التركيز فيما أنا بشأنه من الحياة، ويا لها من حرية لم أنعم بها من قبل قط، ويا له من شعور سعيد مزيد بالحرية، لا يكدِّره إلا اقتداري عن التعبير عنه بالكلمات".

إن استيعاب المرأة المسلمة المعاصرة لمثل هذه القضايا ووعيها لها، مع رسوخ الإيمان بوجوب التحجُّب وفرضيته الشرعية : كل هذا يحقق مصلحتها ومصلحة المجتمع، ويساعدها على لزوم التستر، والالتفات إلى البيت، وكره البروز إلا لحاجة لا تستغني عنها، ولا تجد من يكفيها إياها.

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:18:45 +0300
31- علاقة الحجاب بشخصية المرأة المسلمة 31- علاقة الحجاب بشخصية المرأة المسلمة

يظنُّ بعضهم أن حجاب المرأة الشرعي لا تأثير له في سلوكها؛ بمعنى أن وجود الحجاب وعدمه لا يعني للمرأة شيئاً، وهذا لا شك خطأ بيِّن؛ فإن سلوك الإنسان الخارجي لا بد أن يؤثر قسم منه في نفسه، فتبرج المرأة لا بد أن يمسَّ عقلها وفكرها، وأقل ما يحدثه أن يُذلَّ كبرياءها فتصبح مملوكة للتَّأنُّق والتصنع؛ فالمرأة لا يمكن أن تخرج عن آداب اللباس الشرعي، الذي أوجبه الله عليها " إلا وهي قد تغيَّر فهمها للفضائل، فتغيَّرت بذلك فضائلها"؛ فقد دلَّ البحث الميداني على أن هناك اختلافاً بيِّناً في التزام القيم بين الفتيات المتحجبات والأخريات المتبرجات، حيث فاق المحجبات غيرهن في الالتزام بالأخلاق الحميدة والآداب العامة، مما يدل على ارتباط سلوك الفتاة الظاهر بمكنون ونوع أخلاقها الباطنة.

إن التزام المرأة المسلمة بالحجاب الشرعي يحقق لها على الأقل فائدتين: الأولى: أنه انسجام مع المتطلب الشرعي الذي فرضه الله على النساء، والثانية: أنه صورة من صور التحرر من نموذج المرأة الغربية، الذي فُرض على المرأة المسلمة، إلى جانب أن الشباب من الجنسين يفضلون الفتاة المحجَّبة، حيث يُفضِّلها الشاب للزواج، وتفضِّلها الزميلة للصداقة، ومازال المجتمع الإسلامي حتى اليوم يحترم الحجاب، ويرغب في تعميمه على النساء، ويتَّجه – في العموم – نحوه بإيجابية كبيرة، رغم الحملات الحديثة المسعورة ضد الحجاب، ووصفه بالرجعية والهمجية، وربطه بجوانب تخلف المسلمين في هذا العصر، وما يسمى بالإرهاب.

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:16:43 +0300
30- فطرة الاحتجاب عند المرأة 30- فطرة الاحتجاب عند المرأة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد... فإن الله تعالى خلق الكائن البشري على طبيعة مغايرة عما خلق عليه المخلوقات الأخرى: العلوية والسفلية، وفطره على طباع تختلف عما فطر عليه غيره من الكائنات، وجبله على سجايا وخصال تميِّزه عن غيره من أنواع المملكة الحيوانية، فهو كائن متفرِّد، لا يماثله من المخلوقات شيء، ولا يشابهه في طباعه منها نوع، إلا ما كان من أصل الخلْقة الترابية؛ فإن التراب هو أصل دواب الأرض بما فيها الإنسان، كما قال الله تعالى عن أصل الإنسان:{ وَلَقَدْخَلَقْنَاالإِنسَانَمِن سُلالَةٍمِّنطِينٍ...} 23/12، إلا أنه – مع ذلك – ينفرد بكيانه الروحي العلوي عن سائر الدواب، كما قال تعالى: { فَإِذَاسَوَّيْتُهُوَنَفَخْتُفِيهِ مِنرُّوحِي... } 15/29، مما أهَّله - دون غيره من العجماوات – إلى مرتبة التكاليف الربانيـة، التي اقتضت الإلزام بالأحكام الشرعيـة، وعليها يكون الثــواب والعقاب، كما بيَّن سبحانه وتعالى ذلك بقوله: { قُلْنَااهْبِطُواْمِنْهَاجَمِيعاًفَإِمَّايَأْتِيَنَّكُممِّنِّيهُدًىفَمَنتَبِعَ هُدَايَفَلاَخَوْفٌعَلَيْهِمْوَلاَهُمْيَحْزَنُونَوَالَّذِينَكَفَرواْ وَكَذَّبُواْبِآيَاتِنَاأُولَـئِكَأَصْحَابُالنَّارِهُمْفِيهَاخَالِدُونَ} 2/38، 39.

ولئن كان الإنسان قد تشابه مع بعض الثديَّات في شيء من الطبائع الخلْقية والسلوكية؛ فإنه – مع ذلك – قد بان عنها – بصورة كاملة – في القدرة الإرادية، التي أهَّلته لحمل الأمانة الربانية؛ فإن مجرَّد التشابه بين الإنسان وبعض الحيوانات الثديَّة في بعض الصفات المادية والسلوكية لا يعني – بالضرورة – التماثل والتطابق؛ فكم هي الكائنات في الطبيعة التي تتشابه في الأشكال ثم تتباين – بعد ذلك – في الطبائع والصفات.

وإن من أعظم مظاهر التباين بين عالمي الإنسان والحيوان: طبيعة التستر والتحفظ عند الإنسان، ضمن مفهوم العورة، التي يستحي الإنسان من ظهورها، وهذا المفهوم منعدم تماماً في عالم الحيوان، ولهذا يرتكس الإنسان حين لا يبالي بانكشاف عورته إلى مرتبة الحيوان، ولا يصدر مثل هذا السلوك الشائن عن الإنسان إلا حين يتلبَّس بمعتقدات باطلة زائفة تسيطر على سلوكه، وتخرجه عن طبعه السوي، كما يحصل من بعض أصحاب الديانات الباطلة في القارة الهندية.

ولئن كانت مشاعر الإنسان تجاه انكشاف العورة بهذه الحساسية؛ فإنها عند أنثى الإنسان أشد وأبلغ، وأشمل ساحة منها عند الذكور؛ ولهذا تُحفظ الأبكار من الفتيات في الخدور المستورة في البيوت؛ ليكنَّ أبعد ما يمكن عن الانكشاف والظهور، ولهذا لما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يتخذ قراراً عاماً مثيراً، قال: "لأقضينَّ في الكلالةبقضاء تتحدث به النساء في خدورها"، فلم يجد رضي الله عنه تعبيراً يدل على الشمول والقوة والمنعة من وصول الأخبار إلى خدور النساء، وذلك لكونها بعيدة المنال؛ لذا كان العمل الأوفق في مقاضاة المرأة المخدرة أنها لا تُدعى إلى مجلس القضاء ، وإنما يأتيها القاضي بنفسه، أو من ينيبه ليسألها ويسمع منها من وراء حجاب.

يقول ابن عبد السلام – رحمه الله – في التأكيد على حفظ العورات: "المبالغة في ستر العورات من أشرف المروءات"، وهذا عام في الجنسين، إلا أنه في حق الإناث آكد وأبلغ، وإلى هذا يشير ابن بطال – رحمه الله – في شرحه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين استأذنته في الجهاد: "جهادكنَّ الحج" ، حيث يقول: "ليس للمرأة أفضل من الاستتار، وترك المباشرة للرجال بغير قتال، فكيف في حال القتال التي هي أصعب، والحج يمكنهن فيه مجانبة الرجال والاستتار عنهم، فلذلك كان أفضل لهن من الجهاد"، فكان تقديم الحج على الجهاد في حقِّهنَّ من جهة كونه أستر لهن وأحفظ، وهذا حين لا يكون الجهاد فرض عين على الجميع، وإلا فإن الجميع حينئذٍ يشارك بما فيهم الشيوخ والنساء والعبيد والأطفال للضرورة.

ولما كان التستر في حقهنَّ آكد جاء فرض الحجاب عليهن في الحياة العامة، وعند الأجانب من الرجال كما قال الله تعالى: {... وَلْيَضْرِبْنَبِخُمُرِهِنَّعَلَىجُيُوبِهِنَّ وَلايُبْدِينَزِينَتَهُنَّ...}24/31، وكما قال أيضاً: { يَاأَيُّهَاالنَّبِيُّقُللِّأَزْوَاجِكَوَبَنَاتِكَوَنِسَاءالْمُؤْمِنِينَيُدْنِينَ عَلَيْهِنَّمِنجَلابِيبِهِنَّ...} 33/59، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبايع بعض النساء على عدم التبرج، وربما أرسل إليهن خمراً يتسترن بها، وقد كان – عليه الصلاة والسلام – حريصاً على حفظ عورات النساء، حتى إنه حارب يهــود بني قينقاع وأجلاهم من المدينــة لما حاولوا كشف عـورة امرأة مسـلمة، فهو – عليه الصلاة والسلام – أولى بمثل هذه المواقف الصارمة من بعض عرب الجاهلية الذين أشعلوا حروباً من أجل كشف وجه امرأة منهم.

ويمثل الحجاب الشرعي خاصية للمرأة المسلمة تميزها عن الذكور وعن النساء غير المسلمات، فهو ميزة لصاحبة العقيدة والخلق تنفرد بها عن المتبرجات؛ وذلك لأن دوره ملموس في سلوك المرأة، وفعاليته بارزة في تصرفاتها في الحياة الاجتماعية العامة، فهو قبل كل شيء تكليف رباني للمرأة المسلمة بنصِّ الكتاب والسنة وإجماع الأمة، بحيث يكفر من يرى جواز التبرج، أو يستهزئ بالحجاب الشرعي، وتفسق من تنزعه من النساء ولو أقرت بوجوبه، فليس الحجاب تراثاً اجتماعياً قابلاً للتغيير كما يزعم بعضهم، أو فرضاً فرضه الرجل على المرأة ليستحوذ عليها ضمن ممتلكاته، وإنما هو تكليف رباني للمجتمع المسلم عامة، يقرره ويأمر به ويحث عليه، وتكليف للمرأة المسلمة على الخصوص، تؤمن بفرضه، وتلتزم به.

وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية جاءت بالتفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام، فبقدر ما يشترك الجنسان في الأحكام العامة الواردة في الكتاب والسنة، فإنهما – مع ذلك – يختلفان في أحكام خاصة، اختص الله بها كل جنس على حدة، وهذا على عكس ما يُراد من مفهوم (الجندر)، الذي تنادي به بعض المنظمات الدولية، وتوصي به بعض المؤتمرات العالمية الخاصة بالمرأة، والذي يهدف إلى رفض الهوية الجنسية للذكر والأنثى، وإلغاء الدور المسبق لكل من الرجل والمرأة؛ باعتبار أن السلوك الإنساني الخاضع لنوع الجنس سلوك مفتعل، فرضه نوع التربية الاجتماعية، وليس هو سلوكاً فطرياً نابعاً من أصل الخلقة، بمعنى آخر: السعي في توحيد نوع السلوك بين الجنسين، ونبذ مظاهر التفريق المفتعلة بينهما، ولا شك أن هذا المفهوم من شأنه إلغاء الأحكام الشرعية، التي تفرق بين الجنسين، بما فيها أحكام الحجاب وستر العورة الخاصة بالمرأة، وقد نبَّه الرسول صلى الله عليه وسلم مؤكِّداً ضرورة التمايز السلوكي بين الجنسين: فقد " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"، كما " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل "، واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى، ولا يصدر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عند اقتراف أمر شنيع.

والمتأمل في الواقع الاجتماعي المعاصر، وما طرأ على وضع المرأة وسلوكها من التطور: يجد أن مفهوم (الجندر) : آخذ في الظهور والشمول، فعلى الرغم من تأخر ظهوره كمصطلح متداول، إلا أن مقتضاه الخطير آخذ في السيطرة على المفاهيم العقلية والتطبيقية في الحياة الإنسانية بصورة عامة، والحياة الإسلامية والعربية بصورة خاصة منذ عقود مضت، فالتقارب السلوكي بين الجنسين، وتطابق الأدوار بينهما أصبحا واقعاً اجتماعياً قائماً يصعب إغفاله، فلم يعد غريباً في المجتمع العربي المعاصر أن تقوم المرأة بدور الرجل، فبعد أن كان المجتمع في بداية القرن العشرين يقدِّر المرأة المحجبة ربة المنزل، ويعتبرها مثالاً للمرأة الفاضلة: تبدَّل هذا التقدير ليعطى للمرأة المتحررة المنطلقة في الحياة العامة، والناظر أيضاً في ألبسة النساء يرى بوضوح التحول الكبير والمتدرج من الألبسة المحافظة والأحجبة في بداية القرن العشرين إلى السفور والتبرج، حتى إن الناظر يجد أن ألبسة الرجال في بداية الألفية الثالثة أكثر أدباً ومحافظة من ألبسة بعض النساء، وهذا الوضع الأخلاقي من شأنه خلط مفاهيم ومعالم الذكورة والأنوثة، لتنصهر جميعاً في قالب واحد ضمن مفهوم (الجندر) الجديد.

وعلى الرغم من أن دعوة تحرير المرأة في بداية القرن العشرين كانت منحصرة في الدعوة إلى كشف وجوه النساء المسلمات، إلا أنها – بعد ذلك – اتخذت أبعاداً أخرى: سلوكية واجتماعية وسياسية، فما بين صدور كتاب: (تحرير المرأة )، لقاسم أمين وبين تولي امرأة مرتبة وزير نحو من خمسين عاماً تقريباً، وهذا يدل على شمول وارتباط قضايا المرأة بعضها ببعض، ويدل أيضاً على مركزية قضية كشف المرأة عن وجهها، باعتبارها حاجزاً اجتماعياً يحول دون الانفلات الاجتماعي، ومن هنا كان لا بد من بحث هذه القضية، والوقوف على أبعادها: التاريخية، والأخلاقية، والاجتماعية.

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:12:36 +0300
29- حجاب المرأة عبر التاريخ 29- حجاب المرأة عبر التاريخ

يزعم بعضهم: أن النساء زمن النبوة وعصر الخلفاء كنَّ سافرات الوجوه، لا يحتجبن عن الرجال؛ بمعنى أنه لا جديد في آيات الحجاب أكثر من غطاء الرأس والجسم دون الوجه والكفين، وهذا زعم لا يصح من الجهة التاريخية الواقعية لتطبيق الأمة، بل إن المتأمل في التاريخ الإنساني الطويل يجد أن تستر النساء سنة ماضية في جميع المجتمعات البشرية، ومروراً بالحضارات الإنسانية القديمة المختلفة، حتى إن غطاء الوجه والكفين كان معروفاً عندهم، وقد كان من المسالك الاجتماعية المحترمة التي تعاطتها المرأة في أوروبا حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ، وقد وُجد البرقع في القارة الأمريكية حين اكتشفها المسلمون قبل رحلة كولومبس المشهورة، وذلك على طريقة حجاب النساء المسلمات في الأندلس، وقد كان المجتمع الأوروبي ورجال الدين فيه حتى عقدين من بداية القرن العشرين يستهجنون تبرج النساء، ويستنكرون ظهورهن في المجتمع العام بغير احتشام، ويتوجَّسون من التجديد الذي طرأ على ملابسهن وسلوكهن، وقد شاع بين النساء الأوروبيات عند ممارسة الرياضة لبس السراويل السابغة الفضفاضة التي تستر فخذي المرأة والركبتين، وقد شـوهدت المرأة البريطانيــة عام 1928م وهي تلعب التنس بملابس فضفاضــة ، لا يظهر منها إلا الوجه والكفان ، وشيء من الساعدين، ولا يُستغرب في بعض بلاد المسلمين اليوم مشاهدة المرأة النصرانية ترتدي الحجاب الإسلامي، ومازالت القوانين الغربية حتى اليوم – رغم اتساع الانحلال الأخلاقي- تعاقب على التعري في الطريق العام.

وأما المرأة في الجاهلية العربية فقد كانت تمارس في الجملة نوعاً مقبولاً من التستر، ولم تعرف المجتمعات الإنسانية الراقية التبرج الذي يمارسه كثير من نساء اليوم إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين الميلادي؛ فقد شاع بين كثير من النساء العربيات في العصر الجاهلي غطاء الوجه، فضلاً عن غطاء الرأس وباقي الجسد، والشعر الجاهلي حافل بالمعاني الدالة على هذا النوع من التستر ؛ ولهذا كان غالب غزل شعراء الجاهلية العربية ينصب على وصف الأجزاء التي قد تظهر من بعض النساء كالوجه ، واليدين، وأسفل الساقين ، ولم تكن المرأة العربية آنذاك تتجاوز هذا الحد من الكشف عن جسمها إلا في المصائب والنكبات ، حين تخرج إحداهن عن طبعها ؛ وذلك رغبة في إثارة الحمية القبلية في قومها ، ولقد كان من أسـباب إشعال حرب الفجار – التي شارك فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة – بين قريش وبني عامر: أن شاباً من قريش ألح على امرأة من بني عامر أن تكشف عن وجهها فأبت، فاحتال عليها حتى انكشفت عورتها، فصاحت بقومها، فاشتعلت الحرب، وفي هذا يقول الحلبي في سيرته معلقاً على هذه الحادثة: " يدل على أن النساء في الجاهلية كنَّ يأبين كشف وجوههن".

إذا كان هذا وضع حجاب النساء في الجاهليات التي سبقت الإسلام: فلا بد أن يكون لآيات الحجاب بعد البعثة النبوية معنى إضافي على ذلك؛ من جهة الالتزام الشرعي بتمام التستر، والبعد عن مواضع الفتنة، والالتفات إلى البيوت ونحوها، فلا يتصور أن يأتي الإسلام – فيما يحفظ أخلاق المجتمع – بما هو دون ما تعارفت عليه المجتمعات المتحضرة من الحق في الماضي؛ لذا فقد انتهى حجاب النساء في عصر النبوة إلى غطاء الوجه، بما في ذلك نســاء النبي صلى الله عليه وسلم وعمــوم نساء الأمة ؛ فقد دخل أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجَّىً على فراشه قد قُبض، والنسوة حوله، وفاطمة رضي الله عنها قطعاً بينهن، فلا يتصور أن تغيب عن هذا الموقف، يقول ابن كثير رحمه الله: "... فخمَّرن وجوههن واستترن من أبي بكر إلا ما كان من عائشة..."،يعني أن جميعهن غطين وجوههن بما فيهن فاطمة عدا عائشة رضي الله عنهن جميعاً.

وعلى هذا المنهج المحافظ سار الخلفاء، حتى إن علياً رضي الله عنه لما أراد أن يكلِّم عاتكة زوجة عمر رضي الله عنهما، حدَّثها بحضوره من جانب الخدر، ولما شكت امرأة زوجها إلى عمر رضي الله عنه دعاه ليسأله، وأقعدها خلف ظهره، فلما حضر الرجل قال له: "ما تقول هذه الجالسة خلفي؟ قال: ومن هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه امرأتك "؛ يعني أن الرجل ما عرف زوجته لكونها مغطية وجهها، وجاء عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان " يُلبس بناته القفَّازين"، ولما بلغ هشام بن عروة بن الزبير رضي الله عنهم أن ابن إسحاق يروي عن زوجته فاطمة بنت المنذر رضي الله عنها استنكر ذلك وقال: " تحدث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، والله إن رآها قط "، وعلق الذهبي رحمه الله على هذا بقوله: " هشام صادق في يمينه فما رآها، ولا زعم الرجل أنه رآها، بل ذكر أنها حدثته، وقد سمعنا من عدة نسوة وما رأيتهن"، فقد كان نهجهم السماع من وراء حجاب، وهذا النوع من السماع مقبول عند العلماء لا اعتراض عليه، وهي الطريقة التي كانت تروي بها السيدة عائشة رضي الله عنها للرجال الأجانب.

وعلى هذا النهج سارت الأمة في قرونها المتعاقبة، حتى إن بعض النساء ممن كان لهن نفوذ سياسي في بعض فترات التاريخ الإسلامي: كنَّ يقضين في الأمور العامة من وراء
حجاب، وكانت الواحدة من قريبات الملوك والأمراء تُمدح بقولهم في وصفها:
"المُحجَّبة"، ويذكر الإمام أبو عبد الله السبتي خبر أم الخير فاطمة البطائحي (ت 711 هـ) حين أخذ عنها الإجازة في المسجد النبوي، حيث وصف دقة تستُّرها وحيائها، رغم أنها كانت حينذاك في التاسعة والخمسين من عمرها فيقول عنها : "... كانت تسدل جلبابها على وجهها حياءً وصوناً رضي الله عنها"، وعلى هذا النهج كان عمل نساء الحجاز في اتخاذهن الحجاب، لايكاد يُرى منهن حين يخرجن إلى الطريق مخرز الإبرة من كثيف الملابس والجلابيب، والبراقع والخفاف، ومن أعجب ما يُنقل عن تمام تستر النساء في التاريخ الإسلامي: خبر ليلى الأخيلية مع عشيقها توبة الحميري، فعلى الرغم من التعلُّق الشــديد الذي كان بينهما ، فقــد كانت لا تقابله إلا ببرقعها على وجهها.

وقد كان الرجال من أصحاب كتب التراجم لا يعرفون صفات النساء الأجنبيات المترجم لهن حتى وإن كانت إحداهن معاصرة له إلا من خلال المحارم أو النساء، وفي هذا يقول المؤرخ شرف الدين أبو البركات اللخمي في ترجمة المقرئة الكاتبة جَشْمَأورنة بنت مكي الأرموية: " أخبرنا بنسبها وصفتها محمد بن حامد بن محمد بن يحيى الأرموي ابن أختها"، وقريب من هذا ما ذكره الإمام ابن حجر العسقلاني في ترجمة شيخته رقية (ت 830 هـ) بنت شرف الدين محمد، حيث يقول: " فلما كان في سنة سبع وعشرين حضرت عندهم في محاكمة، فرأيتها تامة القامة، مستوية العقل، وذكر لي أهلي أنه لم يظهر عليها الكبر، وأن أكثر ما يمكن أن يكون سنها ما بين الستين والسبعين"، فرغم لقائه بها إلا أنه ما عرف سنها لكمال تسترها، بل إن بعض العلماء كان يستنكر على الكبيرة العجوز أن تكشف وجهها، فقد قال السخاوي رحمه الله عن إحدى شيخاته، ممن أخــذ عنها بعض الرواية : " كنت ممن حمل عنها قديماً أشياء قليلة استغناء عنها، خصوصاً وقد كانت على نمط كثير من العجائز في عدم التحجُّب ونحوه، ثم حسن حالها، وقرأت عليها سائر ما وقفت عليه" .

وعلى الرغم من أن بعض العلماء يرى جواز كشف وجه المرأة، وأنه ليس بعورة إلا أنهم مع ذلك يأمرونها بالنقاب والتستر، وفي هذا يقول ابن حجر:" ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك..."،فهذا هو نهج السلف حين لم يتركوا للخلاف الفقهي - في مسألة جواز كشف وجه المرأة للأجانب - موضعاً للتطبيق في الحياة العامة، فكانت المسألة العلمية قضية، والتطبيق العملي قضية أخرى؛ بل إن النصَّ لو وُجد مخالفاً للعمل المتوارث عن السلف : لم يُؤخذ به، فإن العمل المتوارث حجة، والنصُّ قابل للتأويل أو النسخ أو نحو ذلك، يقول المحدث شاه ولي الله الدهلوي:" إن اتفاق السلف وتوارثهم أصل عظيم في الفقه"، وكذلك عمل أهل المدينة في عصر الخلافة الراشدة حجة قاطعة باتفاق المسلمين، وطريقتهم سنة ماضية يُعمل بها ويُرجع إليها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ"؛ لذا فإن " قول الصحابي: كنا نقول كذا، ونفعل كذا من ألفاظ التكثير، ومما يفيد تكرار الفعل والقول، واستمرارهم عليه، فمتى أضاف ذلك إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم على وجه كان يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره: وجب القضاء بكونه شرعاً، وقام إقراره له مقام نطقه بالأمر به" ؛ فإن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم شرع يتبع، وجزء من سنته التي أمر الناس بالعمل بها، فإذا تقرر هذا : فإن قول السيدتين عائشة وأسماء رضي الله عنهما : " كنا نغطي وجوهنا من الرجال ...": يدخل ضمن ما أقرهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصبح جزءاً من سنته التي ألزم الله الناس اتباعها.

والناظر في التاريخ الإسلامي يجد أن المرأة في البلاد الإسلامية لم تعرف سفور الوجْه– فضلاً عمَّا أجمع المسلمون على وجوب ستره من البدن- إلا في بداية القرن العشرين الميلادي، بعد تحـريـض النساء على السفور من خلال الدعوات المشبوهة، ودعم وتحريض بعض الأنظمة الحكومية لها؛ إذ لم تكن الدعوة في أول أمرها تهدف لأكثر من كشف الوجه ؛ فقد كان الجدال الاجتماعي حينها منصباً حول جواز كشفه أمام الأجانب من الرجال؛ وذلك حين كان غطاؤه في الحياة العامة سائداً بين النساء المسلمات، عاماً فيهن حتى العقد الثالث من القرن العشرين، بل إن بعضهن من فرط الحياء والعادة المستحكمة تغطي وجهها حتى في بيتها بين محارمها؛ ولهذا كان أقصى ما قامت به النساء الجريئات في ذلك الوقت هو الكشف عن وجوههن، كما فعلت ذلك هدى شعراوي حين رجعت من روما عام 1923م بعد مشاركتها في مؤتمر دولي للنساء، والناظر في المجلات المصورة التي صدرت في تلك الفترة يجد أن دعوة تحرير المرأة لم تتجاوز في مطالبها حدود كشف الوجه؛ فقد كانت المرأة الجريئة منهن تظهر مغطية لجسمها بكامله عدا وجهها، ومن شهود ذلك العصر على صحة ما تقدم : حكاية الكاتبة زينب بنت علي العاملي، التي عاشت الفترة ما بين 1860م- 1914م، فرغم ما كانت تحمله من بعض الأفكار التحررية حول المرأة :تحكي عن حالها ومعاناتها حين ألَّفت كتابها: " الدر المنثور في طبقات ربات الخدور"، فتقول: "خصوصاً من كانت مثلي ذات حجاب، ومتنقبة من المنعة بنقاب"، تعني صعوبة حركتها الاجتماعية لجمع المادة العلمية لكتابها لكونها متنقبة.

ومن هنا يُعلم أن الحجاب ليس بدعة ابتدعها الرجل وفرضها على المرأة، أو تقليداً نابعاً من المجتمع، بل سلوك فطري، ودين يُتَّبع، وعمل أنثوي قديم قدم البشرية، وكذلك غطاء وجهها، فقد دخل في حياة المرأة المسلمة ضمن حجابها الشرعي، وعملت به الأمة عبر القرون المتعاقبة ، وهو صورة من صور الإجماع العملي الذي عملت به الأمة منذ فرضه الله تعالى على النساء حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، حين بدأت الدعوات والنداءات المشبوهة الداعية للسفور.

 

 

 

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:10:15 +0300
22- الترويح الغريزي للفتاة 22- الترويح الغريزي للفتاة

ويُقصد بهذا النوع من الترويح : استهلاك شحنة الفتاة الغريزية تجاه العناية بالنسل في نشاط تدريبي مشابه، يُعِدُّها قبل الإنجاب – بصورة غير مباشرة – لدورها الأمومي المرتقب من خلال اللعب بالدُّمى المصوَّرة، وهو ما أشارت إليه النظرية الغريزية، من أن بعض الغرائز لا تظهر دفعة واحدة، وإنما تظهر بالتدريج من خلال اللعب، فتعد الفتاة الصغير للحياة المستقبلية الجادة .

ويعتبر هذا النوع من اللعب الصبياني أقدم ألعاب الإنسان عموماً، وأهم وأجمل ألعاب البنات والفتيات خصوصاً ؛ لكونه يشبع عندهن غريزة الأمومة الطبيعية، ويُدرِّبهن على دورهن الاجتماعي في العناية بالنسل ورعايته، وليس دافع هذه الرغبة عند البنات عقداً نفسية جنسية كما تزعم مدرسة التحليل النفسي؛ وإنما هو ميل فطري طبيعي، تشبع به الفتاة حاجتها الغريزية إلى الأمومة، ولهذا جاءت الشريعة السمحاء باستثناء لُعب البنات المجسَّمة من عموم النهي الشديد الوارد في المسألة ؛فقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وصواحباتها -رضي الله عنهن - على اللعب بالبنات في غير حرج،رغم ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في شأن الصور والمصورين من التهديد، وغليظ القول .

وأما ادعاء النسخ في المسألة، فإن السيدة عائشة رضي الله عنها – صاحبة الشأن في هذه المسألة – تقول مخبرة عن حالها في بيت النبوة : "كنت ألعب بالبنات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، مما يدل على أن الأمر استقر على الإباحة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو مذهب جمهور العلماء،من المتقدمين،والمعاصرين، وإن كان الخلاف في هذه المسألة قائماًبين بعض الفقهاء .

وأما حبكة صناعة الدُّمى للفتيات و إتقانها، وحسن إخراجها , والتوسع المفرط في اقتنائها : فإنه غير مستحسن من الناحية الشرعية ؛ فإن بساطة الإخراج أولى في مثل هذه المسائل المحْرجة شرعاً، ضمن مفهوم حدود الرخصة الشرعية، في غير إفراط أو تفريط.

وفي الجانب الآخر من الناحية التربوية : فإن بساطة الإخراج تُعطي الفتاة المتدرِّبة فرصة تربوية تستغل فيها خيالها العقلي في إكمال نقص دميتها الساذجة، بما تُضْفيه عليها من عناصر خيالية تكمل بها – ذهنياً – صورتها الطبيعية، وما تقوم به من عناصر أخرى عملية تُصلح بها من  شأنها,  فتخيط ملابسها، وتُطرِّز ثيابها.

وكذلك الفائدة قائمة في عدم الإكثار من اقتناء الدمى؛ فإن فيه فرصة جيدة تسمح للفتاة بمزيد من الاتصال الاجتماعي بالآخرين ؛ فإن كثرة الدمى ووفرة الألعاب تحول دون اتصال الناشئ بالوسط الاجتماعي من حوله .

ومن مجموع هذه الإرشادات والضوابط يحصل للفتاة الخروج من الحرج الفقهي في حبكة صناعة الدمية من جهة، ويتحقق لها – من جهة أخرى – الهدف التربوي المنشود من وراء مبدأ الترخُّص لمثل هذه الألعاب.

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:00:41 +0300
21- الترويح الذهني للفتاة 21- الترويح الذهني للفتاة

والمقصود بهذا النوع من الترويح هو: تنويع النشاط العقلي بتجديد أسلوبه، أو مادته ضمن ما يكون نافعاً ومفيداً من المعارف والأساليب العلمية المختلفة، إلا أن الواقع الاجتماعي غالباً ما يتوجَّه في جانب الترويح الذهني إلى الألعاب الجماعية التنافسية : كالألعاب التي يدخلها النرد " الزهر "، أو لعبة الشطرنج الأعجمية المشهـورة، أو لعبة الدومينو، أو ألعاب الورق المختلفة " الكوتشينة "، أو ألعاب الكمبيوتر المتنوعة الحديثة , فمع أن هذه الألعاب – كما هو المفروض – تخضع لقواعد الشرع العامة من الحظر والإباحة، حيث إن منها ما هو ممنوع بالإجماع من خلال نصوص شرعية ثابتة كالنرد، الذي قاس عليه العلماء بعض الألعاب الأخـــرى، كلعبة الــورق، والدومينــو لما فيها من الغفلـــة عن ذكر الله، ومنهــا ما هو ممنــــوع عند جمهور الأمة كالشطرنج، بل قيل إنه محرم بالإجماع،ومنها ما يكون بين الحل والحرمة: فإن بعض الألعاب – وإن كانت مباحة في أصلها – فإنها قد تُوقع أصحابها في محظورات شرعية، من خلال: أسلوب ممارستها، ووقتها المستهلَك، وهدفها التربوي، فقد تجرُّهم إلى التنافس البغيض، والتحاسد المشؤوم، وهدر الأوقات، وإهمال الفروض، وربما إلى تعاطي القمار , وهذه الممارسات الممنوعة تنقل اللعبة – وإن كانت في الأصل مباحة – إلى درجة الكراهة الشديدة، أو التحريم.

ولعل أقلَّ ما يمكن أن يُقال للمُستغرق في مثل هذه الألعاب، المنهمك في تعاطيها: أنها دليل على التأخر الحضاري، والبطالة الاجتماعية، ونضوب مادة الحديث الشيِّق الذي يُغني عن مثل هذه التسالي المفرطة، وفي هذا يقول بعض المتقدمين : "ولقباحة العطلة، ونفور العقل عنها : اشتغل الفُرَّاغ بلعب الشطرنج والنرد على سخافتهما، وأخذهما من العمر، وذهابهما بالزمان في غير طائل "، إضافة إلى ما يحمله هذا الاستغراق اللاهي من علامات دالة على صراعات نفسية، ومشاعر منهزمة مفتقرة إلى النجاح والإنجاز.

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:58:11 +0300
20- الترويح البدني للفتاة 20- الترويح البدني للفتاة

والمقصود بهذا النوع من الترويح هو : إعطاء الجسم شيئاً من الحرية الحركية غير المعتادة، يخرج بها البدن عن حالة السكون والرتابة إلى حال الانبعاث والحركة المقصودة لذاتها، وغالباً ما ينحصر هذا النوع من الترويح في جانب التَّجْوال والسياحة في الأرض، وفي جانب الرقص الترفيهي، فأما تجْوال الفتاة، وسيرها في مناكب الأرض فالأصل فيه الإباحة، ما دامت تمارسه في بلاد المسلمين، دون سفر طويل لا بد فيه من محرم لها، وفي مناطق لا تشاهد فيها ما يضرها من منكرات الأخلاق، وخوارم الآداب،فإن بلاد الكفار ليست مكاناً لإقامة المسلم أو تنزُّهه، إلا ضمن ضوابط شرعية قد يصعب توافرها في هذا العصر،مع  ما يرافق ذلك عادة من إنفاق الأموال الطائلة بحجة السياحة في بلاد غير إسلامية، إضافة إلى ما أشار إليه العديد من الدراسات إلى أن السفر إلى الخارج بداية كثير من الانحرافات الأخلاقية ,  ثم إن مواقع الفجور والمنكرات هي الأخرى ليست مكانًا مناسبًا  لتنزه المسلم ؛ فإن التنزه من الكماليات التي لا ترقى إلى مرتبة الحاجيات فضلاً عن رقيِّها إلى مرتبة الضروريات، فالأولى بالفتاة المسلمة تركها لهذا النوع من الترويح حين لا يمكن فعله إلا في مواقع يشاهد فيها المنكر, ولعل فيما تُتيحه أساليب العمارة الإسلامية من الأفنية المستوردة, التي تسمح بدخول الهواء وأشعة الشمس ,ما يحقق للفتاة حاجتها من الحركة والترفيه البريء.

ولا يصح أن يصل نشاط الحركة بالفتاة إلى درجة المسِّ المُقلق الذي يصعب معه الاستقرار، بحيث يصبح التنقل عندها هدفاً في حد ذاته، وحاجة نفسية ملحة لا تستطيع معها السكون في مكان واحد فهذا مرض نفسي ؛ فإن القرار هو الأصل في طبيعة الفتاة الاجتماعية .

وأما جانب الرقص في المناسـبات العامة والأعياد الإسلامية فمشروع للرجال،فقد كان الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما يليق بهم ضمن آداب الشرع العامة، وبما فيه "تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو"، وللفتيات في مثل هذا المقام جواز النظر إلى هذا اللعب التدريبي المشروع، في غير ريبة .

وأما تعاطي الفتيات الرقص الترفيهي على وجه المرح والفرح فلا يدخل ضمن مستحبات الشريعة،ولم تُؤْثر ممارسته عن القدوات من نساء السلف، ولعلهجائز لهن في المناسبات الشرعية، واللقاءات السعيدة في غير فُحْش أو تكسُّر أو تثنٍّ مُخل،وبالقدر الذي لا يُخرجهن عن حدِّ الاعتدال إلى درجة الهوس المفرط الذي يصيب بعض الشباب في الأوساط الاجتماعية المنحلة، ومع كل هذا فإن ترك الفتاة له أولى، والسلامة منه أفضل ؛ لأنه مخالف لمسلك الوقار، وأبعد ما يكون عن طابع الاتزان السلوكي، إضافة إلى ما فيه من الضرر الصحي المتوقع على جسم الفتاة .

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:55:52 +0300
19- الترويح النفسي للفتاة 19- الترويح النفسي للفتاة

يقصد بالترويح النفسي : النشاط الذي يقوم به الإنسان بهدف حصول الاسترخاء والراحة، ودفع السآمة عن النفس، فالفتاة تحتاج إلى شيء من اللهو البريء المريح للنفس، والمجدد للنشاط، والباعث على الخير؛ فإن هذا مبدأ مقبول في التصور الإسلامي، حيث تجد الفتاة هذا النوع من الترويح في مجال السَّماع المعتدل، ففيه ساحة رحبة للترويح النفسي، والتجديد الروحي، بما يتضمنه من المعاني الحسنة، والصفات الحميدة, ضمن كلمات وعبارات موزونـــة، وصــــوت حسن، بعيداً عن آلات العزف، وفاحـــش القــــول ؛ فإن هذا الوصف لهذا النوع من الترويح لا خــــلاف في جـــوازه بين أهـــل العلـم قديماً،وحديثاً ؛ فقد أقرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنشاد الشعر الحسن،وسماع الحُداء المعتــــدل لعمــــوم الأمة،وزاد النســـاء – مع هذا – الدفَّ؛ لحاجتهن الفطرية إلى مزيد من اللهو، وميل طباعهن إلى شيء من التعمُّق والاستغراق،وفي هذا يقول ابن عبد السلام رحمه الله-: " تمكين الشباب من اللعب، ومن النظر إليه : ضرب من الإحسان ؛ لأنهم يستروحون إلى ذلك . . . وكذلك التمكين من سماع الدف والغناء".

وقد كان بعض السلف في أسفارهم يتعاطون مثل هذا النوع من الترويح دون نكير،لما فيه من النشاط ودفع الملل ؛ ولهذا يترنم المتعب في عمله ليستجلب النشاط، ومن المعلوم أن سماع ما يُستحسن ويُستطاب من الأصوات الجميلة له تأثير إيجابي في زيادة النشاط، ودفع السَّآمة عن النفس، وفي هذا يقول ابن عبد السلام رحمه الله - : " وعلى الجملة فالسماع بالحداء, ونشيد الأشعار بدعة لا بأس بسماع بعضها"،ويقول الإمام عياض رحمه الله- : " وقد استجاز الصحابة وغيرهم غناء العرب المسـمى بالنصب، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط، وأجازوا الحـــداء، وفعلــوه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا كله إباحة مثل هذا " .

وقد أثبت هذا النوع من الغناء المشروع نجاحه في نقل مشاعر الفتاة المعاصرة وعواطفها من الذوق الجاهلي الهابط إلى مستوى الذوق الإسلامي الرفيع، في الوقت الذي وقف فيه الغناء الماجن، بمضامينه الساقطة، وآلاته المطربة وراء انحراف كثير من الشباب المعاصر وضياعهم، فكما أن للغناء تأثيره الإيجابي في الإصلاح والتوجيه إذا استغلَّ في الخير، وانضبط بالشرع : فإن له تأثيره السلبي العنيف إذا استغل في الشر، وخالف الشرع،وأبلغ ما يكون تأثيره إذا وُجِّه إلى الإناث؛ فإن عمله فيهن أكبر وأعظم، خاصة في هذا العصر الذي سيطر فيه أعداء الإسلام على غالب أجهزة البث الإعلامي بأنواعها، ولا سيما الإذاعية منها، حيث انهمكت في بثِّ المضامين المنحرفة عقدياً وخلقياً، ضمن المنظومات الغنائية، والألحان الموسيقية للصد عن سبيل الله ؛ وهو من نوع الغناء القبيح الذي كان يستخدمه المبطلون في الزمن الأول للصد عن الإسلام،وهو أيضاً الغناء المذموم الذي تعاطاه بعض المفتونين في العصور الإسلامية، حتى راج خبر الفنانين والفنانات، فأشغلوا الناس بما لا خير فيه،حتى قال فيهم الإمام ابن عبد السلام : " وأما سماع المطربات المحرمات فغلط من الجهلة المتشبعين، المتشبهين، المتجرئين على رب العالمين " ؛ولهذا نصَّ بعض الفقهاء على معاقبة المغنيين، وحبسهم حتى يتوبوا .

وفي العصر الحديث أفتى كثير من العلماء المعاصرين بحرمة الاستماع إلى مفاسد وسائل الإعلام، وما تبثُّه من الغناء الماجن، والعبث الخلقي، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال في شأن المغنيات من الجواري : " لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، ولا تجارة فيهن، وثمنهن حرام "، وما يُذكر من المسامحة في ذكر الغزل,فإنما هو مما يُنقل من أشعار الجاهلية، وليس هو ما ينظمه أهل المجون والميوعة بغرض الفساد .

وفي الجانب الآخر تجد الفتاة المسلمة في مجال الإنشاد المعتدل بمضامينه الحسنة، ونغماته الخالية من العزف الموسيقي : ساحة واسعة للترويح النفسي، والترقي العاطفي، فتستغني بذلك عن الغناء المنحرف الصاخب .

ولعل مما يُعين الفتاة على الكفِّ عن الغناء الماجن أن تعرف أنه باب من أبواب المرض النفسي، فقد أثبت العديد من الدراسات المعاصرة : " أن الاكتئاب والهوس سائد بين الفنَّانين"،فلو كان مفيداً لنفع أصحابه، وأراح نفوسهم، والواقع يشهد بأنهم أرذل طبقات المجتمع، حتى في نظر الشباب المفتونين بهم ؛ ففي دراسة عربية لاستطلاع آراء الشباب حول المكانة الاجتماعية لأنواع المهن المختلفة, فقد جاءت مهنة : مطرب، وممثل، وموسيقار في آخر القائمة، ضمن عشر مهن هي أخس المهن وأقبحها في نظر الشباب،بل وحتى في السابق ؛ فإنه لم يكن يشتغل بهذا النوع من الفن الهابط إلا الإماء والنساء غير العربيات, ممن ضعف ضبطهن الخلقي، أما المرأة الحرة، فإنها كانت في الغالب - تترفع عن هذه المنزلة الوضيعة،ولهذا يقول ابن القطان رحمه الله -  : " والغناء الذي يتغنى به الفساق، وهو الغناء المنهي عنه : مذموم عند الجميع "،فنهي عنه لكونه علامة على الفساق يترفع عنه الفضلاء، بل وحتى الذين قالوا بإباحة الغناء والموسيقى, فإنهم مع ذلك يمنعون منهما إذا كان فيهما ذريعة إلى الفساد والفتنة، كما هو واقع الفن في هذا العصر .

ومن هنا تدرك الفتاة أن الفن المعاصر في غالبه باب من الأذى النفسي, وليس هو باباً من الترويح عن النفس, إلا ما كان منه منضبطاً بضابط الشرع .

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:51:16 +0300
18- حاجة الفتاة إلى الترويح 18- حاجة الفتاة إلى الترويح

الفتاة بطبيعتها محتاجة إلى الترويح بمعناه الشامل للعب واللهو ونحوهما من مظاهر الترفيه؛ بغرض راحتها : العقلية، والنفسية، والجسمية، والغريزية، فمع أن الترويح فطرة إنسانية تحتاج إلى إشباع، فإنه مع ذلك حاجة مهمة لكمال نمو شخصية الفتاة، وفهمها لثقافة المجتمع،وإعدادها للعمل الجاد، إلى جانب أهميته في الخروج بالفتاة عن حياة الرتابة المملَّة إلى شيء من التجديد،فإن الإنسان بطبيعته يكره التقييد والتكليف، ويحب الانطلاق والحرية، فشيء من الترويح البريء يمكن أن يحقق للفتاة كل ذلك، ويشبع جانباً مهماً من كيانها الفطري .

وقد أقرَّ الإسلام في منهجه التربوي مبدأ الترويح للفتيات، باعتباره حاجة نفسية، وعقلية، وجسمية،وغريزية, موافقة منه للفطرة الإنسانية السوية، ومراعاة لاهتمامات الفتيات الترفيهية، التي كثيراً ما تنتقل معهن – كحاجة ملحَّة – من مرحلتي الطفولة والمراهقة إلى مرحلة الشباب ؛ فإن السيدة عائشة – رضي الله تعالى عنها – ظلَّت شغوفة بنشاطها الترويحي الخاص، تمارسه مع صواحباتها بجد، حتى بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وهذا يرجع إلى أن بعض الغرائز الإنسانية لا تظهر دفعة واحدة، وإنما تظهر بالتدريج في صور من اللعب واللهو البريء .

ومع كون نظام الإسلام التربوي يراعي طبع الفتاة، وميلها الفطري إلى الترويح : فقد " أحاط هذه الرغبة بسياج من الفضائل، وجعلها منوطة بنبل الأهداف ؛ حتى لا يخرج بها الهوى إلى حيث المجون، والاستهتار، ومعصية الله "، فإن الترويح يخضع لقاعدتي الحلال والحرام، ولا يعدو المباح منه أن يكون وسيلة في حد ذاته، لا يرقى لأن يكون غاية تُهدر من أجلها الأوقات والأموال، فإن الحياة الفاضلة هي الحياة الجادة، ولهو المرء – وإن كان حقاً له – لا قيمة فيه إذا لم يُعدَّه للعمل من جديد، ويبعث فيه النشاط لما بعده من مهام الحياة الكبرى، فمن العبث أن يصبح اللهو غرض الحياة، بحيث لا يعرف المرء من الحياة إلا أن يألم ويكدح ليلهو، ويجتهد ويعمل ليلهو من جديد، فإن هذا المسلك عين التفاهة والسفه،فالأصل " في جواز اللعب ألا يؤدي إلى ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها، وألا يشغل عن واجب ويؤدي إلى تركه، وألا يؤدي إلى فعل محرم " .

وفي هذا العصر " يعتبر الترفيه مؤشراً من مؤشرات تطور المجتمعات، فكما أن العمل – الشغل والتشغيل – أمارة الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الصناعي ؛ فإن الترفيه هو العلامة على الانتقال من المجتمع الصناعي إلى المجتمع ما بعد الصناعي"، وهذا ما يُلاحظ بوضوح في نهاية القرن العشرين , ودخول القرن الجديد من توسع كبير في قطاع السياحة والترويح، ودخول هذا القطاع بقوة ضمن برامج التنمية القومية لكثير من دول العالم؛ لما فيه من دعم ملحوظ وفعال للاقتصاد القومي، حتى إنه يسهم بأكثر من (10%) من إجمالي الناتج العالمي، وربما عن قريب يحتل الصدارة من بين مصادر الدخل في العالم .

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:48:22 +0300
7- مشروعية الترويح البريء 7- مشروعية الترويح البريء

      إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله، جاء بالحنيفية السمحة، لا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، نهجه العدل، وسبيله الحق، تركنا على المحجَّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ضال، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد:

فإن المجتمعات المعاصرة في نهاية القرن العشرين، وبداية الألفية الثالثة الميلادية تتوجه بقوة نحو مزيد من أوقات الفراغ في مقابل أوقات العمل، وإلى مزيد من حياة الترفيه في مقابل حياة الجد، حتى إن أوقات العمل الجاد تتقلَّص شيئاً فشيئاً، لتحتل أوقات الفراغ الساحة الأوسع من حياة الإنسان المعاصر، يقول فليب فينكس: " لقد أصبحت التسلية في القرن العشرين عملاً تجارياً كبيراً، وأصبح لها تأثيرها القوي في تكوين الاتجاهات، وفي الشخصية".

ولا شك أن هذه الوجهة الاجتماعية المعاصرة نحو مزيد من أوقات الفراغ والتسلية والترفيه : تدفع إلى ضرورة الإفادة من أوقات الفراغ المتاحة في أنشطة إيجابية هادفة، تضمن حسن استهلاك الوقت من جهة، وتضمن من جهة أخرى سلامة النشاط المستخدم من الإضرار بالفرد أو المجتمع، ومن هنا برز مفهوم الترويح بصورته الشاملة ؛ ليكون مصطلح المجتمع المؤدَّب لملء أوقات الفراغ التي توافرت لأفرادالمجتمع - بصورة كبيرة - بأنشطة : عقلية، ونفسية، وبدنية . . . هادفة, توافق وجهة المجتمع, وتصب في مصلحته العامة والخاصة، فليس الترويح عطلة من الحياة، بل له نتائجه الإيجابية على الفرد في تكوين شخصيته, وسلامة نموها.

ولما كان الميل نحو الترويح وشيء من الترفيه والتسلية واللعب أمراً فطرياً في الإنسان، يحتاجه لراحة نفسه، وتجديد نشاطـــه : جاءت الشريعة الإســـلامية بما يوافق هذه الفطرة الإنسانيـــة ؛ فقد أقرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لعب الحبشة بحرابهـــــم في مسجده، وسمح بالتقْليـــس، وهو اللعب بالسيوف، وأذن للجواري  بضرب الدف في الأعراس والأعياد، وقال : "فصل ما بين الحلال والحرام : الدف والصوت"، وقد كان له – عليه الصلاة والسلام – " حادٍ حسن الصوت " .

وقد أقرَّ سلف الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ الترويح، فهذا أبو الدرداء – رضي الله عنه – يقول : "  إني لأستجمُّ ببعض الباطل ليكون أنشط لي في الحق "، يعني أنه يجدد نشاطه ببعض المباح من اللهو، ويقول علي بن أبي طالب – رضي الله عنه –: "روِّحوا عن القلوب، وابتغوا لها طُرَفَ الحكمة ؛ فإنَّها تملُّ كما تملُّ الأبدان " ، ودخل مرة على بعض البنات وهنَّ يلعبن لعباً ما استحبه، فقال لهن: " . . . ألا أشتري لكم جوازاً بدرهم تلعبون به، وتتركون هذا ؟ قلنا : نعم، فاشترى لنا جوازاً وتركناها "، وقد سمع الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – شيئاً من الغناء الذي لا يشتمل على منكر يصدر عن بيت ولده، فلم ينكر عليه، رغم شدته في مثل هذه المسائل.

ولئن كان الجنسان في هذه المسائل الترويحية سواء، فإنَّ حاجة الإناث إليها أكبر، وميلهن إلى الاستمتاع بها أشد ؛ لذا جاءت الشريعة المباركة بمزيد تسامح في شأن الترويح مع النساء، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم- على جلالة قدره، وعظيم مقامه – يقول لعائشة – رضي الله عنها – حين دخل  الحبشة المسجد يلعبون بحرابهم :"يا حميراء، تحبين أن تنظري إليهم ؟ فقلت: نعم "، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلميسترها حتى تنظر وتستمتع إلى أن تنصرف من عند نفسها، دون ملل منه،وفي هذا  تقول – رضي الله عنها – منبِّهة المربين إلى حاجة الفتيات إلى مزيد من الترفيه والترويح : " ... فاقدُرُوا قدرَ الجارية الحديثة السن، تسمع اللهو "، وفي رواية : " الحريصة على اللهو "، فدل على حاجة النساء، ولا سيما الشابات والصغيرات منهن إلى مزيد من اللهووالترفيه الذي ترتاح إليه نفوسهن .

ولما كانت درجات الإشباع، وحدود الاكتفاء تختلف من شخص إلى آخر، فقد تندفع الفتاة بفطرتها نحو الإغراق في اللهو والترفيه، أو تتجاوز بحبِّـها للترويح حدود المباح إلى المكروه أو المحرم ؛ ولهذا ضبط النبيصلى الله عليه وسلمعبارات الغلو من بعض الجواري اللاتي غنين وضربن بالدف في حضرته الشريفة،  " إذ قالت إحداهن : وفينا نبيٌّ يعلم ما في غدٍ، فقال : دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين "، ولما بالغ أنجشة – رضي الله عنه – في حُدائه: خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء، لا يقع حداؤه في  قلوبهن، فأمره بالكف عن ذلك، وقال له، منبِّهاً إياه : "ويحك يا أنجشة، رويداً سوقك بالقوارير "، وفي رواية : " رويداً يا أنجشة، لا تكْسِر القوارير".

ومن هنا فلا بدَّ لهذه الدوافع الفطرية من كوابح تضبط مسارها، وتحدِّد  اتجاهها , فلا تخرج عن حدودها إلى الممنوع؛ إذ المقصود منها هو دفع السآمة والرتابة، وتجديد النشاط للقيام بالجاد من أمور الحياة، يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو : " يلزم المرء أن يلهو ليشتغل بعد ذلك بجد، وله الحق كلُّ الحق، فإن اللهو نوع من الراحة، ولما أن المرء لا يستطيع أن يشتغل بلا انقطاع فالراحة حاجة، ولكن الراحة ليست في الحق غرض الحياة ؛ لأنها لا محل لها البتة إلا نظراً إلى العمل الذي يُراد إتمامه بعدها "، وقال أيضاً : " فالسعادة إذن لا تنحصر في اللهو، ومن السُّخف أن يكون اللهو هو غرض الحياة، ومن السُّخف أن يشتغل المرء طوال حياته، ويألم لا لشيء إلا ليلهو . . . إنه لأن يجدَّ المرء ويجتهد ليصل إلى أن يلهو، فذلك يظهر أنه سفهٌ وتفاهة " .

إن الأصل في إباحة المستلذات من الأصوات والأطعمة والأنكحة ونحوها, إنما هو تحقيق العبودية لله تعالى، فالأعمال والأنشطة المفروضة والمباحة، كلُّها يدفع بعضها بعضاً إلى تحقيق العبودية لله تعالى، فليس شيء من أنشطة الإنسان الموافقة للشرع تخرج عن العبودية، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  " . . . وفي بُضْع أحدكم صدقة، قالوا : يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحـــــلال كان له أجر "، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلم أن يقع في ذهنه أن عملاً ما- مما لا يتعارض مع  الشرع- يمكن أن يخرج عن مفهوم العبودية لله تعالى، فالصوت الحسن، الذي يتلذذ به الإنسان عند سماعه، فإنه يدخل في مفهوم العبودية والأجر والثواب إذا استُغل في طاعة الله تعالى، يقول ابن تيمية رحمه الله : " والله قد خلق الصوت الحسن، وجعل النفوس تحبُّه وتلتذ به، فإذا استعنَّا بذلك في استماع ما أُمرنا باستماعه، وهو كتابه، وفي تحسين الصوت به . . . كنا قد استعملنا النعمة في الطاعة، وكان هذا حسناً مأموراً به . . . فهذا كان استماعهم، وفي هذا السماع كانوا يستعملون الصوت الحسن، ويجعلون التذاذهم بالصوت الحسن عوناً لهم على طاعة الله وعبادته باستماع كتابه، فيثابون على هذا الالتذاذ ؛ إذ اللذة المأمور بها المسلم يثاب عليها كما يثاب على أكله وشربه ونكاحه، وكما يُثاب على لذات قلبه بالعلم والإيمان، فإنها أعظم اللذات، وحلاوة ذلك أعظم الحلاوات "، ولا شك أن ما يقوم به الإنسان من أعمال يتعاطاها بجوارحه، فإن قدراً من الأثر الإيجابي أو السلبي لا بد أن يصل إلى قلبه، ثم ينعكس بعد ذلك مرة أخرى على جوارحه, فلا تتحرَّك إلا على وفق ما وقع في القلب، فاللذة التي يستمتع بها المسلم، ضمن الترويح المباح، يمكن أن تدخل ضمن مفهوم العبادة التي يثاب عليها، كما أن اللذة الممنوعة يأثم بها، وربما عاقبه الله عليها .

ولهذا فقد خالط الترويح المعاصر كثير من الممنوعات، التي تتعارض مع الوجهة التربوية الإسلامية، بسبب الغزو الفكري والثقافي، الذي تحمله وسائل الاتصال الحديثة، ولا سيما في ظل العولمة الثقافية والاقتصادية والسياسية، التي يشهدها العالم اليوم، إضافة إلى التوسع في خطوط المواصلات، التي سمحت بمزيد من الاحتكاك والحراك بين الشعوب، مما يؤثر بصورة سلبية على الشخصية الإسلامية، التي لم تعد تتحمل – في هذا العصر – حجم الاستلاب الثقافي الذي يمارس عليها ؛ ولهذا جاءت توصية الدورة الرابعة لمجمع الفقه الإسلامي المنعقدة بجدة عام 1408 هـ، مؤكِّدة على هذه المسألة، ومنبِّهة لخطورة الهجمة على الشخصية الإسلامية المعاصرة، حيث جاء فيها : " وضع الخطط العلمية للمحافظة على الأصالة الإسلامية، والتراث الإسلامي، والقضاء على كل محاولات التغريب والتشبه، واستلاب الشخصية الإسلامية، والوقوف أمام كل أشكال الغزو الفكري والثقافي، الذي يتعارض مع المبادىء الأخلاقية الإسلامية، وأن تُوجد رقابة إسلامية صارمة على الأنشطة السياحية والابتعاث إلى الخارج، حتى لا تتسبب في هدم مقومات الشخصية الإسلامية وأخلاقها " .

إن العمل – أيّاً كان – لا يُذم ولا يُمدح لكونه يحمل لذة أو مشقة، وإنما يُستحسن إذا كان لله أطوع، وللعبد أنفع، فرب لذيذ من العمل : يكون طاعة لله تعالى، ورب شاق منه يكون معصية له سبحانه وتعالى، فكل لهو تلهو به الإنسان لا بد أن ينطبع بطابع الشرع، وينضبط بضوابطه المحكمة .

 ويمكن تلخيص الموقف الشرعي من الترويح في النقاط الآتية: 

1 – يقر الإسلام مبدأ الترويح بضوابطه الشرعية، ضمن نظامه التربوي الشامل، الذي يوازن بين حاجات الإنسان المختلفة، ويراعي ميله إلى تجديد نشاطه في الحياة , بما يخرجه عن الرتابة والملل .

2 – يتوجه العالم المتحضر نحو مزيد من أنشطة الترويح، التي تشمل أنواعاً كثيرةً من الألعاب والهوايات والممارسات المختلفة، التي تحتاج إلى نظر شرعي، يضبط هذه الأنشطة ضمن حدِّ الإباحة المشروعة .

3 – يُعطي منهج الإسلام التربوي للفتيات ساحة أوسع للترويح ؛ وذلك لميل طباعهن نحو مزيد من الترفيه الموافق لفطرهن الأنثوية .

5 – يسمح نظام الإسلام التربوي للفتيات بالترويح النفسي، المتضمن للسماع المباح في غير إفراط أو تفريط، بما يجدد نشاطهن، ويصرف الملل عن نفوسهن.

6 – لا يستحب منهج الإسلام التربوي التوجه نحو ألعاب البطالة بقصد الترويح الذهني، كالنرد، والشطرنج، والورق، وألعاب الكمبيوتر، ونحوها ؛ لما فيها من الحظ، والتنافس البغيض، والتحاسد بين اللاعبين، إضافة إلى هدر الأوقات النفيسة في غير طائل.

7 – يشجع نظام الإسلام التربوي على تجديد النشاط الذهني بتنويع مادته، وتجديد أساليبه، بما يكفل دفع الرتابة الذهنية، ويبعث على النشاط العقلي .

8 – يقر الإسلام في منهجه التربوي حاجة الإنسان – ذكراً كان أو أنثى – إلى الحركة الجسمية المعتدلة، المتضمنة للسير في الأرض، والسياحة فيها، والرقص الترفيهي ؛ للبعد عن حال السكون والرتابة إلى حال الحركة والانبعاث، بما يحقق صحة جسمية، وترويحاً بدنياً، في غير ريبة، أو مذمة خلقية، ضمن حدِّ الاعتدال الذي يأمر به الإسلام .

9 – يرخِّص منهج الإسلام التربوي للفتيات – بصورة خاصة – اقتناء الدمى المجسَّمة، والتلهي بها، ضمن ضوابط وإرشادات معلومة، بهدف رعاية غريزة الأمومة عندهن، التي فطرن عليها، ولحاجتهن إلى التدريب على الرعاية الوالدية في سن مبكرة .

10 – لا يستحسن الإسلام في منهجه التربوي حبكة صناعة الدمى للفتيات الناشئات، بما يُخرج هذه الصنعة المتكلَّفة عن هدفها التربوي في الترويح وتنشيط غريزة الأمومة عند الفتيات، إلى المضاهاة بخلق الله تعالى، التي نهت عنها الشريعة الإسلامية .

وبناء على ما تقدم تجدر النصيحة بنا يأتي:

1 – أهمية إعادة النظر في أنشطة الترويح المعاصرة في ضوء تعاليم التربية الإسلامية، بهدف تأصيل منطلقاتها، وأسلمت ممارساتها ضمن ضوابط الشرع الحنيف .

2 – التنبُّه إلى حاجة الفتيات الفطرية إلى مزيد من الترويح، وساحة أوسع من الترفيه، في غير إفراط يخرج بهن عن حدِّ الاعتدال، الذي تأمر به شريعة الإسلام السمحة .

3 – ضرورة إشاعة ضوابط الترويح النفسي للفتيات في المجتمع، بما يضمن ممارستهن ضمن الحدِّ المشروع الذي سمحت به الشريعة الإسلامية، وبما لا يخرج بهن عن حدِّ الاعتدال إلى الإفراط المذموم.

4 – السعي الجاد في ابتكار الأساليب والوسائل المشروعة، التي تجدد نشاط الفتيات العقلي، وتروِّح عن أذهانهن، ضمن ما تسمح به الشريعة، ويحقق لهن هدف الترويح الذهني .

5 – محاولة تعديل مفهوم الترويح الذهني من كونه مجرد ألعاب بطالة تُهدر فيها أوقات الفتيات، إلى تنويع النشاط العقلي بتجديد أسلوبه وطريقته، وتنويع مضمونه ومادته، بما يحقق فائدة علمية، ومعرفة ثقافية جديدة , يتحقق من خلالها هدف الترويح الذهني للفتيات .

6 – العمل على ضبط حركة الفتيات الجسمية وسياحتهن في الأرض, ضمن مفهوم الترويح البدني الذي تقره الشريعة، وبما لا يتجاوز حدَّ الاعتدال المشروع، فيخرج بهن إلى الإفراط المخل بسلوك المرأة المسلمة، وربما خرج بهن إلى حدِّ المسِّ المقلق الذي يصعب معه الاستقرار والسكون، ويبعث - بصورة دائمة - على الحركة والتنقل .

7 – ضبط معايير إنتاج دمى الفتيات المجسَّمة ضمن مفهوم الترويح الغريزي، بما يحقق هدف إباحتها لهن، ضمن حدِّ الرخصة الشرعية وضوابطها، وبما لا يتجاوز الغاية من صناعتها إلى المضاهاة بخلق الله تعالى، بحيث تسمح الدمية الساذجة للفتاة – من خلال بساطة صناعتها – بشيء من الخيال الإيجابي في إكمال نقصها، بما تضفيه عليها من عناصر خيالية تكمل بها – ذهنيًّا – صورتها الطبيعية .

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:43:58 +0300
19- المسئولية الاجتماعية في تربية الطفل وتهذيبه 19- المسئولية الاجتماعية في تربية الطفل وتهذيبه

الحمد لله الذي خلق فسوى ، والذي قدَّر فهدى ، الذي علَّم بالقلم ، علَّم الإنسان ما لم يعلم ، أحمده وأستعينه وأستغفره ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، خير من علَّم وأدَّب ، ووجَّه ونبَّه ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد ... فإن الكائن البشري يمر بسلسلة من مراحل النمو الإنساني المترابطة والمتداخلة " بدءاً من البويضة المخصبة إلى الجنين ، إلى الوليد ، إلى الرضيع ، إلى الطفل ، إلى المراهق ، إلى الشـاب ، إلى الرجـل ، إلى الشـيخ الهرم " ،  كما وصف الله تعالى مجمل هذه المراحل بقوله : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا...﴾ ،  فهي مراحل من النمو البشري يمر بها الإنسان ، يتدرج فـيها من ضعف إلى قوة ثم إلى ضعف ، عبر سنوات عـمره المقدَّرة ،  يشمل ذلك كل جوانب شخصيته: الجسمية ، والعقلية ، والروحـية ، والاجتمـاعية ، والأخلاقية ، واللغوية ، والانفعالية ، والجنسية ، من الإخصاب إلى الممات .

وتأتي مرحلة الطفولة من عمر الإنسان - بما تحمله من المخزون الفطري الرباني -  أساساً لما بعدها من مراحل النمو البشري ، وعليها تتحدَّد نوعية الشخصية التي سوف يكون عليها الإنسان في المستقبل ،  ولهذا جاءت "... وحـدة الطفـولة البشـرية أطول من طفولة أي كائن حي آخر . . . " ، وأضعفها أيضاً ، وأكثرها اعتماداً على رعاية الآخرين ، وذلك لتأخذ التربية - بكل أبعادها وجوانبها - مداها في صناعة الإنسان ، وإعداده وفق معايير المجتمع ومبادئه وتصوراته ، فالطفل في مفهوم الإسلام كائن بشري مكرم فريد، يُعدُّ لمسئولية التكليف ، ضمن غاية العبودية التي وُجد من أجلها، كما قال الله تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ) ،  فالأطفال الصغـار - بهذا المعنى الإسلامي - ليسـوا مـلكاً للأسـر التي أنجبتهم ،  ولا ملكاً للمؤسسات التعليمية التي تحتضنهم ، ولا ملكاً للمجتمعات التي نشأوا فيها ، بحيث يُترك لهذه المؤسسات حق التصرف المطلق في تكييف مناهج التربية وأهدافها ، وفق نظريات وضعية ، أو مذاهب فكرية،  أو أهواء شخصية ، وإنما هم عناصر بشرية مدَّخرة ، تتهيأ - من خلال التربية الإسلامية - لزمن التكليف الشرعي ، وما يلحقهم بذلك من مسئوليات ومهام تكليفية.

ولهذا فقد حفل التراث الإسلامي بثروة تشريعية عظيمة ، مستمدة من فقه الكتاب والسنة لتربية الأطفال ، وإعدادهم لسن التكليف والإنتاج والعمل ، بما يكفل تعريفهم أصول الدين ، وتهذيبهم بآداب السلوك ، وتعويدهم نهج العبادة ، حسب مراحل نموهم ، بحيث ينشأ الطفل نشأة سوية ، تشمل كل جوانب شخصيته ، ضمن منهج تربوي إسلامي ، يراعي طبيعته الفطرية ، وحاجاته الإنسانية .

ولما كان الأطفال بفطرتهم الإنسانية متنوِّعين في طبائعهم ، متباينين في أخلاقهم ، ليسوا على طبع واحد في مسالكهم الاجتماعية ، ولا هم على طريقة واحدة في استجاباتهم السلوكية ،  ولا هم أيضاً على مستوى واحد في ردود أفعالهم تجاه المواقف التعليمية ؛ فإن منهج التربية مدعوٌ ليشمل كل هذه الأطياف السلوكية ، فيتعامل معها بما يناسبها ، وفق معطيات علمية صحيحة ، ومبادئ تربوية حكيمة ، ولهذا تواجه المؤسسات التعليمية كل أنماط السلوك الصبياني بحزمة من التشريعات التربوية ، والأنظمة الإدارية ، التي تعمل في مجموعها على الحدِّ من السلوك غير المرغوب فيه ، في مقابل دعم السلوك المغاير .

إلا أن الواقع التعليمي المعاصر - على المستوى المحلي والعالمي - يشهد تراخياً تربوياً في المؤسسات التعليمية ، وفي تشريعاتها التربوية ، بسبب ضغوط سياسية ، وفكرية ، واجتماعية منذ عقود ، أدَّت - في مجموعها - إلى ظهور سلوكيات طلابية متباينة ، بعضها في غاية الشذوذ والشناعة ، مما يُصنَّف ضمن الجرائم الجنائية ، التي تتطلب - في بعض الحالات - التدخل الأمني ، والمحـاكمة القضائية ، حتى تحوَّلت بعض مؤسسـات التعـليم - في بعض أحـوالها - إلى ساحات للصراع والعنف والاقتتال ، بين الطلاب وذويهم من جهة ، والمعلمين والإدارة من جهة أخرى .

ولا يشك الباحثون أن متغيرات سلبية جديدة : اجتماعية ، واقتصادية ،
وإعلامية ،  طرأت على المجتمعات الحديثة : فأسهمت بصور مباشرة وغير مباشرة في تعقيد العملية التعليمية ، واضطراب العلاقة التربوية بين المعلم والتلميذ ؛ إذ يستحيل على مؤسسات التعليم الرسمية أن تعمل وحدها في بناء الإنسان ، منفردة بالمسئولية التربوية دون باقي مؤسسات وقطاعات المجتمع ، فضلاً عن أن تناهض مؤسسات المجتمع وقطاعاته جهود مؤسسات التعليم ، وتعارض غاياتها التربوية ؛ بحيث تعمل في غير اتجاهها ، وتعاكس أهدافها ، وحينها تتعسَّر العملية التعليمية ؛ فتُفرَّغ  من محتواها التربوي ، وتتحول إلى هياكل شكلية جوفاء ، لا تبني كياناً إنسانياً صحيحاً ، يقول محمد قطب :
" ... إن تربية طفل واحد على الإسلام كتربية ألف طفل ، كتربية جميع الأطفال ، تحتاج إلى البيت المسلم ، والشارع المسلم ، والمدرسة المسلمة ، والمجتمع المسلم " .

ومع كل ذلك تبقى المسئولية التربوية منوطة بالمؤسسات التعليمية ، ضمن نطاق حدودها وإمكاناتها المتاحة ، بل هي مدعوة في هذا العصر أكثر من ذي قبل للاضطلاع بمسئولياتها التربوية ، ومضاعفة جهودها التعليمية ، للنهوض بالأمة الإسلامية في عصر تخلَّفت فيه عن الإسهام الجاد في بناء الحضارة الحديثة ، فكل ما من شأنه ازدهار العملية التعليمية بدعم إمكاناتها ، وتذليل معوِّقاتها : يأتي أولوية تربوية ، لا بد أن تحظى بتأييد سياسي واجتماعي وثقافي ، يمكِّن مؤسسات التعليم من القيام بواجباتها التربوية المنوطة بها ، سواء التعليمية منها أو التأديبية، بحيث تُمكَّن من كل ذلك ضمن ضوابط وأنظمة وتشريعات محكمة ، تضمن الحقوق ، وتحكم الأداء ، في إطار العدل والتوسط ، المجانب للظلم والتطرف ؛ فقد ثبت أن القسوة في التربية تثير الحقد وتُميت الهمـة والمبـادرة ، إلا أنه لا بد من التمييز بين القسوة العمياء ، وبين الحزم القائم على احترام الحدود وضبط السلوك ؛ فإن الانفلات التربوي ، والتردد بين التسامح والحزم : يحول دون نمو منظومة القيم الخلقية اللازمة والضرورية لتوجيه سلوك التلميذ ، وتدريبـه على مهـارة التميـيز بين الخطـأ والصواب ؛  فإن الطفل في مرحلتي الطفولة المتوسطة والمتأخرة - بما تحملانه من خصائص وحاجات -  يتأثر بما يُلقى إليه من مدح أو ذم ، فيكون ذلك باعثاً قوياً له في إثارة دافعه ، ومن ثمَّ توجيهه نحو الخير ، وتحذيره من الشر .

وكذلك الشأن في جملة أساليب الثواب والعقاب ، باعتبارها محفِّزات وكوابح ، تحرك الطفل أو تكفُّه ، تعزَّز سلوكه أو تثبِّطه ؛ إذ من الصعوبة بمكان -  من الوجهة التربوية الإسلامية - تقرير قاعدة مسبقة مطردة بتحريم العقـوبة مطلـقاً ، أو الأخـذ بهـا مطلقـاً ، سـواء كانت عقوبة حسـية أو معنوية ،  وإنما المرجِّح في ذلك هو المصلحة التربوية ، المبنية على النظر الصحيح ، في ضوء التشريع الإسلامي .

وأما ما يتنادى به الغربيون من منع العقاب البدني مطلقاً ، واعتماد أسلوب الثواب فقط ، من خلال طرح آراء فقهائهم التربويين ؛ فهو إلى المثالية أقرب منه إلى الحقيقة الواقعية ، وهو إلى النظرية أقرب منه إلى الممارسة الفعلية ، وهذا واضح بيِّن في مجتمعاتهم التي عجَّت بالعنف المفرط تجاه الطفولة .

ولا يُنكر المهتمون بالشأن التربوي الفائدة الإيجابية من استخدام بعض
الأساليب التربوية الحديثة كاللعب ونحوه ، في التخفيف من حدَّة المشكلات السلوكية عند الأطفال ، مما يُغني عن كثير من العقاب ، إلا أن ذلك غيرُ مطَّردٍ في كل الأحوال ، ولا عام في كل الحالات ؛ إذ لكل قاعدة شواذ لا بد من مراعاتها ، والمنهج التربوي الحق ، هو الذي يستوعب بشمول أنماطه ، وتنوُّع أساليبه جميع المواقف والأحـوال ، ويُلبي علاج مختلف الطبائع والمسالك ، ضمن برامجه التعليمية ، وتشريعاته التنظيمية .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:35:46 +0300
18- التلميذ والتكاليف الشرعية 18- التلميذ والتكاليف الشرعية

التكاليف في الشريعة الإسلامية منوطة بالبالغين العقلاء ، دون غيرهم من الأطفال أو المجانين ، فالخطاب الشرعي الملزم بالعبادات ، والمعاملات ، والحدود لا بد له من الأهلية التي لا تثبت إلا بالبلوغ والعقل ؛  فالطفل يفتقر إلى قدرتين ليتأهل للمسئولية ؛ قدرة تؤهله لفهم واستيعاب الخطاب الشرعي ، وهذه لا بد لها من العقل ،وقدرة أخرى تؤهله لتنفيذ مضمون الخطاب ، وهذه لا بد لها من القدرة على الاختيار ، فلا بد من العقل المدرك والإرادة القادرة للمسئولية الشرعية والجنائية ،  وهاتان القدرتان لا تتوافران في الطفل ؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رُفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يشب ، وعن المعـتوه حتى يعقل " ،  وفي رواية : " ... عن الصبي حتى يحتلم ... " ،  فبلوغ الحــلم هو بدايـة التكـليف الشــرعي ،  ما لم يكن البـالغ مغلـوباً على عقله ،  فقد " أجمع أهل العلم على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل " ،  فلا خلاف بينهم أنه لا تكليف على الصبي ، ولا قصاص عليه ، ولا إثم يلحقه بفعل شيء أو بتركه ،  فالحدود الشرعية لا تُقام إلا على بالغ عاقل ، عالم بالتحريم ؛  " لأنه إذا سقط التكليف عن غير العاقل البالغ في العبادات ، وسقط الإثم عنه في المعـاصي ؛ فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى " ،  " ولكن على وليه أداء الزكاة ، ونفقة القريب من مال الصغير ، وكذا غرامة إتلافه ونحوها " ،  فالساقط عن الطفل في الجنايات هي العقوبات البدنية المعروفة بالحدود الشرعية ، أما العقوبات المالية فلا تسقط عنه بسبب الطفولة ،  وغاية الأمر أنه إذا جنى على نفسٍ ، أو مالٍ : فإنه يؤاخذ مالياً لا بدنياً ، كأن يقتل أحداً ، أو يتلف مال غيره ، فإنه يضمن دية القتيل ، وما أتلفه من المال ، ولكنه لا يقتصُّ منه ، وهذا معنى قول الفقهاء : " عمد الطفل أو المجنون خطأ " ،  قال إبراهيم النخعي : " عمد الصبي وخطؤه سواء " ، ومع ذلك فإنه يُعزَّر تأديباً له وليس قصاصاً حديًّا ، بهدف زجره عن السلوك القبيح ،  ما دام أنه مميِّز ، ينتفع بالتأديب ، وإلا فلا يصح تعزير من لا يفهم . 

ومما يُنقل من السيرة النبوية في ذلك أن صبياً به علَّة ، أتي به النبي صلى الله عليه وسلم ليرقيه ، " فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرقي الصبي ويتفل عليه ، وجعل الصبي يتفل على النبي صلى الله عليه وسلم كما يتفل النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل بعض أهل البيت ينهى الصبي ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم" ،  فرغم أن هذا من أقبح السلوك ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذه لصغر السن .

وقد ناقش فقهاء الإسلام مشاركة الطفل - ذكراً كان أو أنثى - في الجرائم المنصوص عليها بحدود شرعية ، كالزنا ، وشرب الخمر ، والقتل ، والقذف ، والردة ، فلم يحمِّلوا الطفل شيئاً من تبعات المسئولية الجنائية ، إلا ما كان مالياً ، مع التأديب الذي يزجره عن مثل ذلك إن كان مميِّزاً ، وحتى جريمة القتل التي يقترفها الطفل ، فإنه لا حدَّ عليه ،  في حين لو قتل البالغ صبياً لم يبلغ الحلم قيد به ،  بل حتى الجنين في بطن أمه : فيه الدية على من أسقطه ،  فالطفل في الإسلام كائن محترم ، لا يؤاخذ بالعقوبة الجنائية ، ولا يلحقه الإثم ، ما دام لم يبلغ الحلم بسبب عدم الأهلية ، وإن مات قبل البلوغ كان في الجنة ، وفي الحديث : " ذراري المسلمين في الجنة ، يكفلهم إبراهيم عليه السلام" ،  وبذلك تكون الشريعة الإسلامية أول شريعة ميَّزت بين الصغار والكبار من حيث المسئولية الجنائية ، ضمن قواعد وأحكام لم تتغيَّر ولم تتطور ، وما تزال صالحة حتى الآن ، وكلَّما نضج القانون الوضعي الحديث : قرب من التشريع الإسلامي ، وتوافق معه .

ولا يفهم مما تقدم أن هذه الموبقات حلال للصبي ما دام صغيراً ، بل هي محرمة عليه ، كما هي محرمة على البالغين ، إلا أنه لا حدَّ عليـه إذا وقع فيها ، ولا يلحقه الإثم لعدم الأهلية ، يقول السيوطي عن الصبي : " إذا وطئ أجنبية فهو زنا ، إلا أنه لا حدَّ فيه لعدم التكليف " .

والعجيب أنه رغم وضوح الوجهة الإسلامية في التعامل مع الطفولة ، وتطبيق مقتضياتها القضائية عبر قرون متطاولة من الزمان في الشرق الإسلامي : بقيت مجتمعات أوروبا - في الجانب الآخر- قابعة منذ قرونها الوسطى ، حتى بدايات القرن العشرين الميلادي في تردد طويل حول أحكام الطفل القضائية ، تمارس بحقه من العقوبات الجنائية ما تمارسه بحق الكبار البالغين ، مقتدية في ذلك بأمم بدائية ، فقد سجَّل التاريخ جمعاً من المخازي القضائية بحق الجناة ، تطال الشخص في ذاته فتستأصله بأقسى أنواع العقوبات ، ونظراً لغلبة المفاهيم الخرافية على المشهد الأوروبي فقد طال العقاب القاسي الأطفال دون سن التمييز وما بعده ، حتى الحيوانات والجمادات لم تنج من العقاب ، فقد بلغ الحال أن تصدر الأحكام القضائية بتعذيب جثث المذنبين بعد إعدامهم ، فقد بلغ التشوُّه العقدي والفكري ذروته تجاه الجناة والمذنبين في أوروبا خلال القرون الوسطى ، حتى رُبطت أخطاؤهم بالخبث والفساد والزندقة ، وبالتحدي لإرادة الله تعالى .

وعلى الرغم من التطور الأوروبي الحديث الذي طرأ على الأنظمة القضائية ، بناء على تجدد المفاهيم والتصورات حول التعامل مع الجناة ، لا سيما من الأطفال الصغار والأحداث المراهقين ، والنظر إلى جانب العوامل التي أحاطت بالجاني ؛ فإن إنجلترا وأمريكا كانتا من أواخر دول الغرب تسامحاً مع الأطفال الجانحين ، متأثرتين في ذلك بأفكار كنسية مغلوطة ؛ فقد خطب أحد رجال الدين الإنجليز في القرن السـابع عشر يقول : " من المؤكد أن في جميع الأطفال عناداً وغلاظة في العقل ، نابعة من غرور طبيعي ، وأنها بحاجة - قبل كلِّ شيء- إلى التحطيم والإذلال" ،  وقد نصَّ قانون ولاية جيرسي الشرقية عام 1688م ، قبل الاستقلال الأمريكي ، أن الإعدام عقوبة الطفل العاقِّ لوالديه ، وبالفعل فقد حُكم بالإعدام على أطفال في الثانية عشرة من أعمارهم في كلٍّ من إنجلترا وأمريكا ، وفي عام 1853م كان في سجون إنجلترا ما يزيد على ألف حدث وطفل ، ما بين ( 5- 17 ) سنة ، وقد نالت السلطة الرسمية بالعقاب حتى الحيوانات العجماوات في القرون من الرابع عشر حتى السـادس عشر ، مندفعين باعتقاد مفاده أن الشيطان قد تلبَّس بهؤلاء المذنبين ، وفي تشديد العقاب عليهم ردع للشيطان !!

وقد كانت المسئولية الجنائية في إنجلترا تنحطُّ على الطفل منذ سن السابعة عام 1908م ، ثم رُفعت إلى الثامنة عام 1933م ، ثم إلى العاشرة عام 1963م ، وما تحسَّنت أوضاع التعامل مع هؤلاء الجناة إلا بالثورة الفرنسية ، وما بثـَّـته في أوروبا من الأفكار الجديدة حول كرامة الإنسـان ، معتمدة في ذلك على آراء فلاسفة عصر التنوير ،  وما أعقب ذلك من الإعلانات العالمية المتلاحقة لحقوق الإنسان ،  والوثائق المتضمنة مبادئ حقوق الطفل .

والعجيب أن يتسنَّم الغرب - بكل ما يحمله من المثالب التاريخية- قيادة العالم المتحضِّر في الدفاع عن حقوق الإنسان ، وتبنِّي وثائق حقوق الطفل ، وتولي إرادات متابعة تنفيذها ، ويبقى المسلمـون المعاصـرون أتباعاً في ذلك ، يتعلَّمون المبادئ والحقوق من القاصرين إنسانياً ، ومن الملوثين تاريخياً ، ويكفي المسلمين فخراً أنه منذ البعثة حتى الآن : لم يثبت قطُّ أنه حكم قاضٍ مسلم على طفل لم يبلغ الحلم بحدٍّ شرعي ، مهما كان جرمه ، وقبح صنيعه ، وليس ذلك تهاوناً بالجرائم ، ولكن رحمة بالطفولة ، حتى يهود بني قريظة ، الذين جمعوا بين الكفر والخيانة العظمى ، لم يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا البالغ منهم فقط ،  فإذا كان هذا السلوك سائغاً مع الكفار ، فكيف لا يكون سائغاً مع أبناء المسلمين ، ممن لم يبلغ الحلم ؟

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:33:46 +0300
33- هيبة المعلم التربوية 33- هيبة المعلم التربوية

كثيراً ما يلجأ المعلمون من ضعاف الشخصية إلى استذلال الطلاب وإهانتهم ، والتعامل معهم بقسوة ، أو الاستقواء عليهم بالإدارة المدرسية ، ظناً منهم أن هذا الأسلوب يكسبهم المهابة في صدور التلاميذ ، ويفرض سلطانهم الهشَّ عليهم ، وربما تناول أحـدهم تلميذاً من التلاميذ - لأتفه الأسباب - بالضرب الشديد ، في أول لقاء دراسي ، بهدف إشعار بقية التلاميذ - من أول الأمر- بقوة شخصيته ، وشدَّة بأسه ، رجاء أن ينضبطوا معه طوال العام الدراسي ، وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب الرديء قد يجدي أحياناً مع طلاب وبيئات معينة ، وضمن ظروف حياتية قاسية ، إلا أنه - من الوجهة التربوية - لا يتجاوز الناحية الشكلية والمظهر الخارجي ، وتبقى الحقيقة الماثلة في نفوس التلاميذ هي رفض هذا المعلم ومادته العلمية .

إن الهيبة التربوية التي ينشدها المعلمون لا تأتي من خارج الشخصية ، ولا تُفرض بالأنظمة والقوانين ، ولا تتمكَّن بالقسوة ولا بالشدة ، وإنما هي رصيد إيماني صادق ، قد غمر قلب المعلم حتى فاض على جوارحه ، وبدا واضحاً على محياه ، قد أكسبه إجلالاً ومهابة في صدور الآخرين ، لا يخطؤه صغير ولا كبير ، يقول الحسن البصري : " إن المؤمن رُزق حلاوة ومهابة " ، فمع ما يتصف به المؤمن من حسن الخلق فقد علته مهابة الإيمان ، التي تكسبه الهيبة في صدور الآخرين ، فالناس بطبعهم يهابون أهل الإيمان ، وقد جاء في الأثر عن عبيد بن عمير الليثي رضي الله عنه أنه قال : " الإيمان هَيوبٌ " ؛ يعني : " يُهاب أهله " ، فهذه الهيبة الحقيقية التي تناسب الدور التربوي للمعلم ، فينتفع بها التلاميذ غاية الانتفاع من جهة الانضباط السلوكي ، ومن جهة التحصيل الدراسي .

ولقد بلغت الهيبة منتهاها في شخص المعلم الأكبر محمد صلى الله عليه وسلم ، فعلى الرغم من عظيم خلقه ، ولطيف معشره ، وكريم سجاياه ، إلا أن الهيبة التربوية قد علته ، فعرفها الصحابة رضي الله عنهم ، حتى إن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما -  هابا أن يكلِّماه حين سها في صلاته ،  ولما حضر أبو رمثة التيمي بولده - رضي الله عنهما - عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولده: "هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخذته الرعدة هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ..."، وفي رواية قال : " فجعل ابني يرتعد هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ... " ،  وما تزال هيبة الإجـلال مسـلك المـربين بعـد رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما : " مكثـت سنتـين أريد أن أسـأل عمـر بن الخطاب عن حديث ، ما منعني منه إلا هيبته ... " ،  وقال سعيد بن المسيب لشيخه سعد بن مالك : " إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أهابك ... " ،  وكان بعضهم يجلس في درس الحسن البصري ثلاث سنوات ، فلا يجرؤ على سؤاله ، هيبة له .

ولما كانت عملية ضبط الفصل الدراسي - في أنظمة التعليم الحديثة - من أهم وآكد أهداف المعلمين لبلوغ المقاصد التعليمية ؛  فقد كانت الهيبة - غير المصطنعة - أداة المعلمين الأوائل في إحكام مجالسهم العلمية وضبط طلابهم ، حتى ما يكاد أحدهم يتحدَّث في حضرة شيخه ، ولا يقوم من مكانه ، ولا يَبري قلمه ، يجلسون عنده كأنهم في صلاة ، حتى قال قائلهم : " كنا نهاب إبراهيم - يعني النخعي- كما يُهاب
الأمير
" ،  وقال الإمام الشافعي : " كنت أصفح الورقة بين يدي مـالك - رحمه الله - صفـحاً رقيقـاً هـيبة له ؛ لئلا يسمع وقعها " ،  وقال الربيع بن سليمان : " والله ما اجـترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له " .

ولا يفهم من الهيبة التربوية أنها الغلظة ؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذمها :" ... ألا أخبركم بأهل النار : كلّ عُتلٍّ ، جوَّاظ ، مستكبر " ،  وفي رواية : " لا يدخل الجنة : الجوَّاظ ولا الجعظري" ،  فهذه الصفات القبيحة المذمومة جمعتها صفتا الغلظة والفظاظة في الطبع والسلوك ،  التي تشين المسلم العامي ، فضلاً عن المعلم المخوَّل بأمانة التربية .

وفي مقابل هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم موجهاً المعلمين : " سيأتيكم أقوام يطلبون العلم ، فإذا رأيتمـوهم فقولوا لهم : مرحباً مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقنوهم " ، أي علموهم ،  وكان من لطفه عليه السلام أنه يتبسم حين يحدث أصحابه ،ملاطفة لهم ، ويقولصلى الله عليه وسلم : " إن الله أرسلني مبلِّغاً ولم يرسـلني متعنِّـتاً " ،  وفي هـذا يقول النـووي في حـق المعلم : " يتخلَّق بالمحاسن التي ورد الشرع بها ، وحثَّ عليها ، والخلال الحميدة ، والشيم المرضية ... والجود ومكارم الأخلاق ، وطلاقة الوجه ، من غير خروج إلى حدِّ الخلاعة " ،  ويقول القابسي مرجِّحاً التوسط للمعلم بين التبسُّط والتقبُّض حتى يُبقي على هيبته في نفوسهم : " ... ينبغي له ألا يتبسَّط إليهم تبسُّط الاستئناس في غير تقبُّض موحش في كل الأحايين ، ولا يضاحك أحداً منهم على حال ، ولا يبتسم في وجهه ، وإن أرضاه وأرجاه على ما يحب ، ولكنه لا يغضب عليه فيوحشه إذا كان محسناً " .

إن من أهم ما يعبر عن المهابة في شخصية المعلم : وقاره في أداء مهمته التعليمية ، وسلامة هيئته العامة مما يخدش مقامه ؛ فأما الوقار فهو ما يتصف به المعـلم من صـفات : الحـلم ، والرزانـة ، والسـكينة ، والطمأنينة ،  التي عبَّر عنها أمير المؤمنين عمـر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله : " تعلَّموا العلم ، وتعلَّموا له السكينة والوقار " ،  وهي ما عبَّر عنها أيضاً عطاء بن يسار بقوله : " ما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم " ،  وقال الشافعي : " ليس العلم ما حُفظ ، العلم ما نفع ، ومن ذلك دوام السكينة ، والوقار ، والخشوع ، والتواضع لله والخضوع " ،  وجملة ذلك تظهر في اتزانه السلوكي أمام التلاميذ ، من جهة حـركـات بدنه ، واتجاه نظره ، وسكون يديه ، واعتدال صوته ، وقلَّة ضحكه ، وتوقيه المزاح .  

ومما يُنقل عن علماء السلف في سلوك الوقار ، ما أخبر به أبو السائب سَلْم بن جنادة عن وقار وكيع بن الجراح في مجلسه حيث قال : " جالست وكيع بن الجراح سبع سنين ، فما رأيته بزق ، ولا رأيته مسَّ - والله - حصاة بيده ، ولا رأيته جلس مجلسه فتحرك ، وما رأيته إلا مستقبل القبلة ، وما رأيته يحلف بالله " ،ومن لطائف حلمه وسكينته ، ما حدَّث به أبو عثمان الورَّاق قال : " اجتمع أصحاب الحديث عند وكيع ، قال : وعليه ثوب أبيض ، فانقلبت المحبرة على ثوبه ، فسكت ملياً ، ثم قال : ما أحسن السواد في البياض " ،  ولهذا كان أثر العلماء من خلال السلوك ربما أبلغ من أثرهم من خلال العلوم ؛ فقد كانت الجموع تحضر مجالس العلماء ليس للكتابة عنهم فحسب ، ولكن لملاحظة السلوك والسمت ،  قال الإمام أبو حنيفة : " الحكايات عن العلماء ومجالستهم أحب إلي من كثير من الفقه ؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم " .

وأما سلامة هيئة المعلم مما يشينها فتكمن في سلامة مظهره ، ونقاء ثوبه ،
وطهارة بدنه ، وفي اجتنابه النجاسات ، وحرصه على الآداب الشرعية القاضية بنظافة الأبدان ، وإزالة الأوساخ ، والتزام سنن الفطرة ، وقطع الروائح الكريهة ، ونحوها من كمال الهيئة في غير تكلُّف أو إسراف ،  فالمظهر الحسن - غير المتكلَّف- يثير الإعجاب ، ويبعث على الاحترام ، لا سيما إذا انضم إلى الوقار ، واجتمعت إليه الهيبة ، فحينئذٍ تكمل شخصية المعلم ، وتصبح قدرته على التأثير قوية ، وسلطته
على الضبط نافذة .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:29:24 +0300
32- العلاقة بين المعلم والتلميذ 32- العلاقة بين المعلم والتلميذ 

إن من أشد الروابط التربوية التي تربط شخصين فيما بينهما هي رابطة التعلم والتعليم ، التي تربط بين المعلم والتلميذ برباط وثيق لا يكـاد ينفصم ؛ فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم " ، فالدنيا - بما فيها من الملذات - تصبح ملعونة حين تصدُّ عن سبيل الله ، ولا يستثنى من ذلك إلا ذكر الله تعالى وما شابهه ، مما استحسنته الشريعة ،  ثم خص رسول الله صلى الله عليه وسلم العالم والمتعلم من صور المذمة ، فلم يفصل بينهما ، أو يستغني بذكر العالم وحده لفضله دون المتعلم ، بل ذكرهما معاً لهذا المعنى الأصيل ، والرابطة الوثيقة بين المعلم والتلميذ ؛ إذ لا معنى للمعلم بغير المتعلم ، ولا معنى للمتعلم بغير المعلم .

وقد حفل نظام الإسلام التربوي بعنصري التعليم : المعلم والتلميذ ، واعتنى بهما غاية العناية ؛ فنصوص الوحيين : القرآن والسنة ، ومذاهب العلماء ، وإرشادات المربين - في مجموعها- تكوِّن نسقاً عاماً لموقف التشريع التربوي الإسلامي من المعلم والتلميذ .

ورغم التبشير- في العقود الأخيرة - بزوال دور المعلم ، وأفول نجمه عن الساحة التربوية ، وإقصائه عن العملية التعليمية ، لا سيما في هذا العصر بعد ظهور وسائل التعليم عن بعد بأنواعها المتعددة ،  ومع ذلك فإن عطاءه التربوي ، ومركزيته بين عنـاصـر التعليم : لا تزال قائمة وافرة العطاء ، رغم ما انتابه من الضعف العلمي ، والاختلال الشخصي ، فلا يتصور بحال - على المدى القريب على الأقل- أن يُستغنى عن دوره التعليمي ، وعطائه التربوي ، لا سيما في مراحل التعليم الأولى ، التي تتطلب التصاقاً أكبر ، واحتكاكاً أوسع بين المعلم والتلميذ ، ولهذا أولى التشريع التربوي الإسلامي اهتماماً خاصاً بشخصية المعلم ، من جهة إعداده للعملية التعليمية ، وتهيئته للدور التربوي المنوط به في تهذيب التلاميذ ، وتنمية مداركهم ، وتقويم سلوكهم ، وإعدادهم للحياة وفق مفهوم الإسلام الخاص عن : الحياة ، والكون ، والإنسان ، فدور المعلم التربوي مع التلميذ بمثابة "رضاعٍ ثانٍ للصبي بعد رضاع الأم " ،  فلا بد من إعداده وتهيئته لهذه المسئولية الإنسانية الحيوية .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:27:30 +0300
31- إعداد المعلم للمسئولية التربوية 31- إعداد المعلم للمسئولية التربوية

إن من أهم ما يميِّز طبيعة نظام التعليم في الإسلام أنه مرتبط بالدين ؛ فالعملية التعليمية برمتها لا تعدو أن تكون مسئولية شرعية ، منوطة بمن يقدر على القيام بها ، ويحسن أداءها ، فهو تكليف كفائي ، لا بد أن يكون في المجتمع المسلم من يقوم به ؛\لذا كان إعداد المعلم للمسئولية التربوية فرضاً كفائياً لا بد منه .

ومع أن إعداد المعلم فرض تكليفي اجتماعي ، فيه كثير من الجهد والمشقة ؛ فإن الشرع الحنيف رغَّب في ثواب العلم ، ورفع منازل العلماء ، وأعلى من شأنهم ، فقال الله تعالى في ذلك : {... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}،وقال في تمييزهم عن غيرهم : {... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} ، وقال في وصفهم بالخشية ، التي تأتي ثمرة للمعرفة الصادقة بالله تعالى : {... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ...}.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضلهم ومكانتهم وعظيم ثوابهم :" إن العالم ليستغفرله من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، إنما ورَّثوا العلم ، فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافر " ، وقال عليه السلام عن اختصـاصـهم بالخـير : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ... " ، فهم فئة مصطفاة ، خصَّها الله تعالى بالمعرفة والعلم .

وهذه المكانة الجليلة التي رفع الإسلام إليها مرتبة العلم والعلماء : تستلزم ثلاثاً من الصفات والمسالك الأخلاقية ، التي لا بد من توافرها في شخصية المعلم للقيام بمسئوليته التربوية وهي :

1- الحرص على الإخلاص لله تعالى :

من الضروري إخلاص المعلم القصد لله تعالى في تحصيله للمعرفة العلمية ، وفي أدائها للطلاب ، بحيث يكون طلبه للعلم وأداؤه له لوجه الله تعالى ؛ فقد جاء الترهيب الشديد من فساد النية في طلب العلم ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله عز وجل ، لا يتعلمُهُ إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا : لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " ، يعني ريحها ، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً :" من تعلم علماً لغير الله ، أو أراد به غير الله : فليتبوَّأ مقعده من النار " ؛ ولهذا الوعيد كره جمع من السلف أخذ المعلم شيئاً مقابل تعليم الصبيان ، وبعضهم أجاز له الأخذ ما لم يشترط على الناس الأجر ؛ فقد سـئل التابعي الإمام طاووس بن كيسان : " عن معلم يأخذ الأجر ؟ فقال : إذا لم يأخذ بشرط فلا بأس به " .

ورغم الخلاف في مسألة أخذ الأجر على تعليم الصبيان ، لا سيما فيما يتعلق بتعليم القرآن الكريم خاصة ، فإن الأمر لا يشمل العلوم الأخرى : الشرعية وغيرها ، وبخاصة إذا لم يشترط المعلم أجراً على تعليمه ، أو كان أجره من بيت مال المسلمين ؛ إذ من الصعوبة بمكان تفرغ المعلم للتعليم دون أجر يغنيه عن طلب الكسب ، وبهـذا أفتى الإمـام مـالك فقال : " لا بأس بذلك يعلِّم الخير ، قيل : إنه يُعلِّم مشـاهرة ويطـلب ذلك ، فقال : لا بأس به ، ما زال المعلمون عندنا بالمدينة " ، وقال مرة :
" لا بأس بأخذ الأجر على تعليم الغلمان الكتاب والقرآن " ، فقـيل له : أرأيت إن اشترط مع ماله في ذلك من الأجر شيئاً معلوما ؟ ... قال : لا بأس بذلك " .

وهذا لا يطعن في نيَّة المعلم ، ولا يخلُّ بسلامة مقصده ، ولا يُشترط عليه - ليكون مخلصاً لله - أن يُعلن لأولياء أمور التلاميذ : أنه إنما يعمل لله تعالى ، وإنما يكفيه أن يعلم الله تعالى منه صدق النية ، وسلامة المقصد ، والحرص على الخير ، حتى وإن حصل على أجر منهم ، سواء اشترط عليهم أو لم يشترط ،  وهذا - لا شك - أرفق بمعلمي هذا العصر ؛ فإنه لا يُتصور منهم التفرغ لمهنة التعليم بلا مقابل يُعفُّهم عن القيام بطلب الكسب ، فالأجرة هنا على التفرغ ، والجلوس للتعليم ،وبذلك أفتى بعض المعاصرين .

وفي الجملة فإن صفة الإخلاص الضرورية لمسئولية المعلم التربوية ، لا تتعارض مع حصوله على عطاء مالي معلوم ، سواء من أولياء أمور الطلاب ، أو من بيت مال المسلمين ، إلا أن حصوله على هذا العطاء يستلزم منه الترفع عمَّا في حوزة التلاميذ مننقود وطعام ، فقد سئل الإمام أحمد : " عن الأرغفة التي يأخذها المعلمون من الصبيان ؟ قال : أكرهها ، هذا قذر جداً " ، وقال التابعي عبدالله بن شقيق : " هذه الرُّغف التي يأخذها المعلمون من السُّحت " ، بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من هذا حتى نهى المعلم أن يأخذ مالاً من والد صبي مصدره حرام ، ومنع ابن سحنون المعلم من أن يبعث الصبيان في حوائجه الخاصة ، وكل ذلك لتبقى العملية التربوية خالصة ونقية من شوائب المصالح الشخصية .

استعراض حالة واقعية : 

معلم في المرحلة الابتدائية يجمع النقود من الطلاب ، ثم يبعث بها
مع أحدهم لشراء بعض الحلوى ، فيوزعها على الطلاب المتفوقين ، ثم يناصفهم أكلها !!

2- الحرص على طلب العلم وتبليغه :

رغم الضعف الذي انتاب الجانب العلـمي للمعلم المعـاصـر ؛ فإنه - مع ذلك - لا يزال مصدر التلاميذ للمعرفة ؛ فأطفال المدارس- لا سيما في دول العالم الثالث - لا يزالون عاجزين عن امتلاك أدوات التحصيل العلمي ، مفتقرين للمربي الرؤوف الذي يسوقهم إلى ميدان المعرفة برفق ، وهذا يستلزم من المعلم أمرين ، لا بد أن يلتزم بهما :

الأول : حرص المعلم على طلب العلم، بحيث لا يستغني بما حصَّله من المعرفة مهما كانت واسعة عن السعي الجاد في الاستزادة من العلم ؛ فقد أدب الله تعالى نبيه محمداً - المعلم الأول وصاحب الوحي عليه السلام - بأن يدعو : {... وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، فالمعرفة شيء واسع يصعب استيعابه ، وقد عبَّر السيد الخضر لنبي الله موسى عليهما السلام عن هذا المعنى حين نقر عصفور الماء أمامهما نقرة أو نقرتين فقال الخضـر عندها :" يا موسى ما نقـص عـلـمي وعـلـمك من عـلـم الله إلا كنـقـرة هذا العصـفور في البحر " ،  فلحظة شعور المعلم بالاكتفاء من المعرفة هي عين لحظة تلبُّسه بالجهل ، وفي هذا يقول التـابعي سعيد بن جبير : " لا يزال الرجل عالماً ما تعلم ، فإذا ترك العلم ، وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون " ،  ولهذا لا بد من التواضع والحذر من التعالم ، بحيث يكون التواضع صفة لازمة للمعلم ، فهو مهما بلغ في تحصيله العلمي لا بد أن تخفى عليه مسائل ومعارف ، لا سيما في عصر توسعت فيه المعرفة إلى أبعد ما يكون ، ولهذا ينصح الإمام النووي المعلم فيقول :"وإذا سئل عن شيء لا يعرفه ، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل : لا أعرفه ، أو لا أتحققه ، ولا يستنـكف عن ذلك ، فمن عِلم العـالم أن يقول - فيما لا يعلم- لا أعلم ، أو : الله أعلم " ،  ثم اسـتشـهد بقول الصحابي عبدالله بن مسـعـود رضي الله عنه: " إن من العـلم أن تقـول لمـا لا تعـلم : الله أعلم " ،  وكان الإمام مالك يكثر من ذلك ، حتى قال عنه ابن وهب : " لو شئت أن أملأ ألواحي من قول مالك : لا أدري ، لفعلت " ،وأبلغ من هذا وأعجب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع قارئاً يقرأ القرآن فقال : " رحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا أية ، أسقطتهن من سورة كذاوكذا " ،  وهذا من النسيان الجبلِّي ، الذي ينتاب عامة البشر ،  فغيره من أمته عليه السلام أولى بالنسيان والغفلة ، وأحقُّ بالقصور العلمي .

الثاني : حرص المعلم على تبليغ العلم،بحيث يكون همه تبليغ العلم إلى طلابه ، مستفرغاً وسعه في ذلك ، فلا يبخل عليهم بعلم يعرفه ، أو فائدة حصَّلها ، يقول النووي : " وينبغيأن يكون باذلاً وسعه في تفهيمهم وتقريب الفائدة إلى أذهانهم ، حريصاً على هدايتهم " ،  فهو في حرصه هذا على حذر شديد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سئل عن علم فكتمه  ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " ،  ولهذا يقول الإمام الشـافعي : " وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على ألا يُنسب إليَّ حرف منه " ،  فهو حريص على تبليغ العلم حتى وإن لم ينسب إليه ، لكونه يحب لطلابه من الخير ما يحبه لنفسه ، فهدايتهم أبلغ مراداته ، وأجلُّ مقاصده ، وفي الحديث : "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمر النَّعم " ،  فالعلم الذي يخلِّفه في تلامذته من الصدقة الجارية ، التي تنفع صاحبها بعد مماته .

ولا ينبغي أن يفهم من تبليغ العلم مجرد إيصال المعلومة - كيفما اتفق- إلى التلميذ ، فهذا لا يتحقق به المقصود ؛ فقد تصل المعلومة إلى التلميذ مشوشة لا يفهمها ، أو ربما فهمها ولكنه قد لا يحسن تطبيقها ، فالتبليغ العلمي الحق هو الذي يجمع بين سلامة الفهم ، وحسن التطبيق ، وهذا ما انتهجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ؛ فقد" كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ، حتى تُفهمَ عنه ... " .

وأما التطبيق فقد حفلت سيرته عليه السلامساحة واسعة من التطبيقات العملية ، التي ربطت بين الفهم والتطبيق ، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر حين صُنع له ، ولم يكن ذلك من عادته ، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس فقال صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ، ولتعلَّموا صلاتي " ،  فكان هدف تعليم الناس مقصوداً في عمله هذا  عليه السلام وهذا في الشأن العام ، أما في الشأن الخاص ، ولا سيما فيما يتعلق بتعليم الشباب والصبيان ؛ وطبيعة الممارسة النبوية العملية في ذلك ؛ فقد قال عـبدالله بن مسعود رضي الله عنه واصــفاً حال النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يعلمه التشـهُّد  : " علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكفي بين كفيه - التشهُّد ، كما يُعلِّمني السورة من القرآن " ،  وقد كان  عليه السلام يلقِّنه القرآن تلقيناً ،  وكذلك في خبر الرجل الذي لم يحسـن صلاته ، فقد باشـره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوجيه العملي ، والتطبيق الواقعي .

وأما في شأن الصبيان ، فقد لازم عبدالله بن عباس رضي الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته ، فكان يلقِّنه القرآن ، ويعلمه التشهُّد في الصـلاة ،  وربمـا أمَّـه في بعـض صـلاة اللـيـل ،  ولمـا رأى عليه السلام عمر بن أبي سلمة عليه السلاملا يحسن تناول الطعام لصغر سنِّه قال له : " يا غلام سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك " ، وأعجب من ذلك حين مرَّ رسـول الله صلى الله عليه وسلم بغـلام يسـلخ شـاة ، والظـاهر أنه لم يكن يُحسن ذلك ، فقال له : " تنحَّ حتى أريك ، فأدخل يده بين الجلد واللحم ، فدحس بها حتى توارت إلى الإبط ... " .

هذه الشواهد النبوية وغيرها كثير تدل على أن التبليغ المجرد عن الإشراف التربوي المباشر لا يحقق المقصود من العملية التعليمية ؛ إذ لا بد مع التبليغ من التطبيق ؛ وهذا ما يشير إليه التوجيه القرآني للمعلمين في قوله تعالى : {... كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ ...}: بمعنى علماء حكماء ، تقومون على من هم تحت أيديكم بالرعاية والإصلاح ، وتتلطَّفون بهم متدرِّجين في تلقينهم العلـوم والمعـارف ، من صـغارها إلى كبارهـا ،  يقـول النـووي - موضحاً هذا المعنى بصورة تطبيقية - : " ويُفهم كلَّ واحد بحسب فهمه وحفظـه ، فلا يعطــيه ما لا يحتمـله ، ولا يقصُـر به عـمَّا يحتـمله بلا مشـقة " ،  ويقول ابن جماعة : " ولا يُلقي إليه ما لم يتأهل له ؛ لأن ذلك يبدِّد ذهنه ، ويفرِّق فهمه ، فإن سأله الطالب شيئاً من ذلك لم يجبه ، ويعرِّفه أن ذلك يضره ولا ينفعه " ،  وقال الحسين بن علي : " يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده ، وتقريب المعنى له ، من غير إكثار لا يحتمله ذهنه ، أو بسط لا يضبطه حفظه " .

3- حرص المعلم على القدوة السلوكية :

 المقصود بالقدوة السلوكية هو انسجام سلوك المعلم مع المفاهيم والمبادئ الأخلاقية التي يربي عليها تلامذته ، ويلزمهم بها ؛ بحيث لا يجد الصغار صعوبة في التوافق بين المفاهيم النظرية التي يتلقَّونها ، وبين السلوك العملي الذي يشاهدونه ، وهذه من أفضل معزِّزات التربية ، ومن أنفع وسائلها ، بل ربما هي الأهم في مجال تربية الصغار ؛ إذ إن السلوك العملي للمعلم أبلغ لوصولهم إلى الحكم الأخلاقي الصحيح ، وأنجح لبلوغهم درجة القناعة بالسلوك القويم ، فهم يتعلمون بالقدوة أكثر بكثير مما يظن المربون ،يقول أحدهم لمعلم ولده : " ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك نفسك ؛ فإن عيونهم معقـودة بعينك ، فالحسن عندهم ما صنعت ، والقبيح عندهم ما تركت " ،  فالتلقين للمفاهيم- مهما تكرر عليهم- لا يبلغ مداه من نفوس التلاميذ حتى يأتي منسجماً مع سلوك القدوة ومتطابقاً معه ، بل ربما أتى التلقين بثمار عكسية إذا صادف قدوة سيئة في شخص المربي .

وقد تنبه بدر الدين بن جمـاعة إلى أهمـية القدوة فقال في نصيحته للمعلم : " ويتجنب مواضع التهم وإن بعُدت ، ولا يفعل شيئاً يتضمن نقص مروءة ، أو ما يُستنكر ظاهراً ، وإن كان جائزاً باطناً ، فإنه يعرِّض نفسه للتهمة ، وعرضه للوقيعة ، ويُوقع الناس في الظنون المكروهة ... فإن اتفق وقوع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها : أخبر من شاهده بحكمه وبعذره ومقصوده ، كيلا يأثم بسببه ، أو ينفِّر عنه فلا ينتفع بعلمه " ،  وهـذا أقل ما ينـاله حين يفـرِّط ، فلا ينتفع النـاس بعلمه ، ولهذا قال مالك بن دينار :" قرأت في التوراة : أن العالم إذا لم يعمل بعلمه : زالت موعظته من القلوب كما يزلُّ القطر عن الصفا " ،  وقد كان الطلبة من السلف لا يأخذون العلم إلا عن القدوات ، قال أبو العالية : " كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه ، فأول ما أفتقِدُ منه صلاته ، فإن أجده يُقيمُها : أقمت وسمعت منه ، وإن أجده يُضيِّعُها : رجعت ولم أسمع منه ، وقلت : هو لغير الصلاة أضيع " .

ورغم ما يبدو من السذاجة في سلوك الأطفال ، إلا أنهم - منذ سنالتمييز- يدركون القدوة ، ويستطيعون تحديد مدى التزام المربين بما يتنادون به من التوجيهات الأخلاقية ،  فهم كائنات عاقلة مدركة ، إلا أنها ليست ناضجة بالقدر الكافي للقيام بنفسها ، والاستقلال بقرارها ، ولهذا جاء التحذير الرباني الشديد من مخالفة الأقوال للأعمال ، لما فيه من التنفير عن الخير ، وإفساد النشء ، فقال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون} ،  وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق أقتاب بطنه ، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى ، فيجتمع إليه أهل النار ، فيقولون : يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول : بلى ، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه " .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:21:49 +0300
55- الجنة والنار 55- الجنة والنار

الحمد لله على نعمائه ، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه ، والصلاة والسلام على خير المرسلين ، وأشرف النبيين ، وإمام الغرِّ المحجَّلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين ، أما بعد .. فإن من المستقرِّ عند جميع المسلمين أن الناس يوم القيامة ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما :( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) (42/7) ، فقد قضى الله تعالى على الثقلين من الإنس والجنِّ ، أنهم يصيرون في نهاية مطافهم إلى إحدى دارين : الجنة أو النار ، فمن قضى الله له بالسعادة دخل الجنة ، ومن قضى الله عليه بالشقاء دخل النار ، فالكلُّ لا بدَّ صائر حتماً إلى إحدى هاتين الدارين ، فأهل الجنة هم أهل التوحيد الخالص ، يدخلونها برحمة الله تعالى وفضله وحكمته ، فينعمون فيها بصنوف النعم الربَّانية ، وعظيم العطايا الإلهيَّة ، فيبقون فيها خالدين أبداً ، لا يموتون ولا يتحوَّلون ولا يُزحْزحون .

وأما أهل النار فهم أهل الشرك والكفر ، فيدخلونها بعدل الله تعالى وحكمته ، فيبقون فيها أذلَّة صاغرين ، يقضون أحقاباً متتابعة من الأزمان ، في خلد دائم لا منتهى له ، يعذبون فيها بصنوف العذاب الشديد ، لا يموتون فيرتاحون ، ولا يحْيون فيسعدون ، وإنما هو البقاء الدائم ، والعذاب الأليم .

وقد أنذر الله تعالى الكافرين النار ، وبشر المؤمنين الجنة ، فقد حفل الوحي الرباني المبارك بالبشارة والنذارة ، فمازال الرسل والأنبياء يبشرون وينذرون ، حتى ختمهم الله تعالى ببعثة أكرمهم وأعظمهم عنده ، فكانت رسالته الخاتمة أبلغ في البشارة ، وأخطر في النذارة ، قد بلغت المنتهى في ذلك ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ((10/57) .   

وأما صاحب الرسالة - عليه الصلاة والسلام – فقد أدَّى الأمانة غاية الأداء ، وبلَّغ الرسالة أتم البلاغ ، فبشر وأنذر ، ورغَّب وأرْهب ، وأشهد الأمة على ذلك في اجتماعات عديدة ، وقال فيما قال : "...أنا النذير العريان..."(البخاري) ، وهذا التعبير منه – عليه الصلاة والسلام - أشدُّ في التنبيه والتحذير ، وأبلغ في الإثارة والتحفيز ، فلا ينزع الرجل ثوبه للناظرين من قومه إلا لداهية عظيمة ، يخاف أن تنزل بهم حال غفلتهم .

وكان خبر الجنة والنار حاضراً في حياته – عليه الصلاة والسلام – يذكِّر بهما أصحابه ، فيتخوَّلهم بالموعظة من وقت إلى آخر ، فقد قال لهم مرَّة : "لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرضهذا الحائط وأنا أصلي ، فلم أر كاليومَ في الخير والشر"(البخاري) ، وربما قال مذكِّراً لهم : " والذي نفسي بيده ، لو رأيتم ما رأيت ، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، قالوا : وما رأيت يا رسول الله ؟ قال : رأيت الجنة والنار "(مسلم) ، وقال مرَّة – وقد سقط رداؤه عن عاتقه - : " أنذرتكم النار ، أنذرتكم النار ، أنذرتكم النار "(مشكاة المصابيح) !! ومن أبلغ ما ورد عنه - عليه الصلاة والسلام – في التذكير بهما قوله : "لا تنْسَوا العظِيمتَين ، قلنا : وما العظِيمتان ؟ قال : الجنة وَالنَّار"(المطالب العالية) . 

وهكذا يربط رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه والأمة من ورائهم بهذا المصير المحتوم ، والنهاية الأكيدة ، فلا يغيب خبر الجنة والنار عن ذهن المكلَّف بشغل يشغله ، ولا بعمل يعمله ، فهما شغل المكلَّفين الأول ، وقضيَّتهم الأهم ، ومسئوليَّتهم الأكبر ، فمعتقداتهم وأعمالهم ومقاصدهم : هي زادهم إلى الآخرة ووسيلتهم إليها ؛ فما من عقيدة ، أو عمل ، أو إرادة ، إلا تسوق المكلَّف وتقرِّبه إلى إحدى الداريْن ، فمسارع في نجاته ، ومتعجِّل في عطبه .

إن السعيد من جاءته موعظة ربه فانتبه وانْزجر ، والشقي من تمادى فكفر واندحر ، وثالث يتردَّد مسوِّفاً ، يظن أن يُمدَّ له في الأجل ، فانظر أيها الإنسان من أي الثلاثة أنت ؟ واعلم أنما هما قبضتان لا ثالث لهما ، إحداهما في الجنة ، والأخرى في النار ، ففي أي القبضتين أنت ؟ والله تعالى المستعان ، وعليه - سبحانه - التكْلان ، ولا حول ولا قوة إلا به.

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:17:53 +0300
6- مفهوم الترويح وخصائصه 6- مفهوم الترويح وخصائصه

على الرغم من كثرة المتغيرات الشاغلة في الحياة الإنسانية المعاصرة وتعقيدها, فقد ازداد متوسط وقت الفراغ الذي يتمتع به الشخص في مجتمع اليوم، وازدادت بالتالي الحاجة إلى إدارة هذا الوقت بصورة صحيحة ومثمرة، ويأتي الترويح بأنواعه وجوانبه المختلفة، ومفاهيمه المتجددة ليتصدر أهم حاجات الناس لملء وقت الفراغ.

وفي خضم التداخل الثقافي والفكري والاجتماعي المعاصر، الذي يشهده العالم في ظل مفاهيم العولمة: يختلط في ذهن المسلم المعاصر مفهوم الترويح، فيدخل فيه ما ليس منه من أنواع الترويح غير المشروع، مما يترتب عليه آثار تربوية غير سوية، فبدلاً من أن يكون الترويح أداة مباحة لتجديد النشاط، ودفع السآمة، وراحة النفس : يصبح أداة إزعاج اجتماعي، وضيق نفسي، ومحظور شرعي .

ومنهج التربية الإسلامية المنبثق من الكتاب والسنة وتراث الأمة الثقافي، بنظرته الشاملة للشخصية الإنسانية : لا يغفل حاجة الإنسان عموماً، والفتاة خصوصاً إلى الترويح، إلا أنه يضع له ضوابطه الشرعية، التي تحكم أنواعه، وأساليب تعاطيه ضمن حدود الشرع الحنيف .

وفيما يأتي تحديد لمفهوم الترويح وخصائصه في ضوء المعنى اللغوي والاصطلاحي :

الترويح في اللغة :

رغم أن القاضي نشوان الحميري (573 هـ) في كتابه "شمس العلوم" ذكر لفظة " الترويح "، وقال : " الترويح روَّح دهنَهُ : إذا جعل فيه ما يطيب ريحه "، وكذلك الجوهري في الصحاح حيث يقول : " وأراح إبله، أي : ردَّها إلى المُراح، وكذلك الترويح، ولا يكون ذلك إلا بعد الزوال "، ومع ذلك فإن هذه اللفظة لم تُستخدم في غالب كتب معاجم اللغة العربية ؛ إلا أنها ترجع إلى الثلاثي : " روح "، وما يمكن أن يُشتقَّ منها من كلمات ومعانٍ كثيرة، مثل : الرُّوح، روحاني، الاستراحة، الراحة، تروَّح، المُراح . . . إلى غيرها من المشتقات، وهي في الجملة – فيما نحن بصدده – تفيد الاسترخاء، وانشراح الصدر، والتنفيس عن النفس .

الترويح في الاصطلاح :

وأما في الاصطلاح، فإن كلمة الترويح (Recreation) تعني إعادة الانتعاش والحيوية، عن طريق أنشطة تمارس في أوقات الفراغ، خالية من التزامات العمل، وتعني أيضاً : " إدخال السرور على النفس"، وفي تعريف آخر : " كل نشاط ممتع ومباح يمارسه الفرد اختيارياً في وقت فراغه "، والتعاريف في ذلك كثيرة، إلا أن المختار من التعاريف في ضوء التربية الإسلامية أن الترويح هو : "نشاط هادف وممتع، يُمارس اختيارياً، بدافعية ذاتية، وبوسائل وأشكال عديدة مباحة شرعاً، ويتم غالباً في أوقات الفراغ".

خصائص الترويح :

والترويح بهذا المفهوم له خصائص متعددة، تميِّزه عن غيره من الأنشطة الإنسانية، والأعمال التي يتداولها ويمارسها الناس، ومن هذه الخصائص :

1 – نشاط هادف إيجابي، يخلو من العبث والفوضى .

2- يحمل معه للفرد سروراً ومتعة ورضىً .

3 – يسعى الشخص إليه بدافع ذاتي دون إجبار .

4 – يمارسه الفرد ضمن حرية كاملة في اختيار نوعه .

5 – يتعارض مع أوقات العمل، فلا يُمارس إلا في أوقات الفراغ .

6 – يحمل معه نوعاً من التجديد المخالف لطبيعة العمل الروتينية .

7 – يخلو غالباً من الكسب المادي .

8 – لا يستلزم الممارسة الجماعية، بل يمكن أن يتم بصورة فردية .

9 – يوازن بين حاجات الإنسان الجادة والترفيهية .

10 –تتسع رقعة قاعدته لأنواع كثيرة من الأنشطة المتنوعة والمختلفة .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:12:36 +0300
الشعور بالعورة بين الفطرة والشرع مقال شهر محرم 1439هـ

الشعور بالعورة بين الفطرة والشرع

          الحمد لله تعالى الواحد الأحد ، والصلاة والسلام على النبيِّ محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإن المُراجع لكتب الفقه الإسلامي يجد الحديث مطوَّلاً عن أحكام العورة ، باعتبار ذلك خصوصيَّة للمُكلَّفين من بني آدم ، لا يشترك معهم في أحكامها شيءٌ من طوائف المملكة الحيوانيَّة ، التي كانت وما زالت ، وسوف تبقى بلا قيود خلُقيَّة ، ولا آداب سلوكيَّة بشأن العورة ، وإنما تخضع لنهج هدايتها الغريزيَّة .

          وهذا الفارق الجوهريُّ بين سلوكيْ الإنسان والحيوان : يتجسَّد في حرج الإنسان من بدوِّ عورته ؛ بحيث يعظم ذلك في نفسه ، بقدر شعوره بقبح ظهور العورة ، فقد يبلغ الحياء عند بعضهم فيستتر في خلوته ، وربَّما بالغ بعضهم ، فلا يرى عورته في غسْل ولا طهارة .

           وبغضِّ النظر عن الحدود المشروعة في ستر العورة عند فقهاء الإسلام ؛ فإن ستْرها – وإنْ بالغ المرْء فيه – هو الأقرب إلى الشرع منه إلى نقيضه ؛ إذ إن الاحتياط للحرام أو المكروه – في مثل هذه المسائل السلوكيَّة - لا يُنكر على الحييِّ من الناس ، ممَّن تُلحُّ عليه فطرته بشيء من ذلك ؛ فقد كان نبيُّ الله موسى – عليه الصلاة والسلام – في الغاية من هذا ، حتى حُكيَ أنه كان لا يُرى من بشرته إلا ما لا بدَّ منه ، ولهذا تجرَّأ عليه بعض سفهاء بني إسرائيل ، فاتهموه بعيب قبيح في جسده يتحفَّظ منه ، ويخشى ظهوره للناس ، حتى برَّأه الله تعالى مما اتهموه به من العيب .

           والعورة كلَّما غلُظت : كان ستْرها بالفطرة والشرع أبلغ ؛ ولهذا لا يُعذر المُكلَّف في أخذه أسباب الستر ، ما أمكنه إلى ذلك سبيلاً ، لا سيما لأداء فرْض صلاته ، حتى إنه – إنْ اضطُرَّ – استتر بقطع الجلود ، أو أوراق الشجر ، أو الطين ، أو حتى الحفْرة يأْوي إليها ، فهذا خيرٌ له من انكشاف عورته للناظرين .

           وتعْظم مسألة العورة في حقِّ الأنثى من بني آدم ؛ فساحة عورتها أوسع ، وحُرمة النظر إليها أشدُّ ، فلا يُتصوَّر - في الفطرة الاجتماعيَّة السويَّة - أن يسْتتر أوَّل رجل ، قبل أن تسْتتر آخر امرأة ، فما زالت المجتمعات الإنسانيَّة - على اختلاف مشاربها ومِللها - تُعظِّم عورات النساء ، أكثر من تعظيمها عورات الرجال ، ولهذا إذا فقد بعض الناس الملابس والأردية في بعض الكوارث أو الحوادث أو الجوائح ؛ فإنهم يتعاضدون ويتعاونون في حفظ عورات النساء أولاً ، قبل رعايتهم لعورات الرجال .

         ورغم هذه الفطرة الإنسانيَّة المُطْردة في المجتمعات الحضاريَّة ، إلا أن الواقع المعاصر ، منذ بدايات القرن العشرين الميلادي : يسير في غير اتجاه الفطرة ، لا سيما في حال الرفاهية والوفْرة ؛ فمنذ زمن وملابس النساء - في الحياة العامة - تضيق وتقْصُر ، وحجم أقْمشتها يقلُّ ويصغُر ، كما أن ملابسهنَّ - من جهة أخرى – أخذت تتحرَّر من أشكالها النسائيَّة التقليديَّة ، لتصبح ذكوريَّة أكثر ، فلم يعد يُميِّزها عن ملابس الرجال إلا الأحجام ، وشيءٌ يسيرٌ ومن النكهات والرموز النسائية التي لا بدَّ منها .

         في حين بقيت ملابس الرجال – في العموم – على سابق أشكالها التقليديَّة ، في استيعابها لعوراتهم ؛ فضلاً عن أن تنْساق نحو ملابس النساء ، فما زالت القوانين الوضعيَّة – فضلاً عن الشريعة الربَّانية – تُجرِّم ظهور الرجل في ملابس المرأة في الحياة العامَّة ، مع ما طرأ على ملابس الرجال من : لمسات التأنق ، ولطيف الملْمس ، وحُسن الأقمشة ، ومع ذلك بقيت – في الجملة - ذكوريَّة الطابع ، متبرِّئة من الطابع الأنثوي الفجِّ .

           إن اللباس السابغ حضارةٌ إنسانيَّة أصيلة ، قد ضربت أطنابها في أعمق ما في التاريخ البشري ؛ فأبو البشر وزوجه – عليهما السلام – حين أزلَّهما الشيطان ، فأكلا من الشجرة الممنوعة : لم يُمهلا حتى انكشفت لهما سوءاتهما ، بعد أن كانت مستورة بلباس من الجنة ، فما كان منهما إلا أن شرعا معاً في ستْر ما بدا من عوراتهما بورق من أشجار الجنة ، على نحو ما حكى المولى - عزَّ وجلَّ – في غير ما سورة في القرآن الكريم من خبرهما هذا .

            والشاهد في هذا الخبر يظهر في أمرين اثنين ، الأول : من جهة ارتباط الإنسان الأول باللباس حال الرفاهية ، كجزء أصيل في بنائه الفطري ، رغم غياب جملة التكاليف الشرعيَّة عنه آنذاك ، إلا ما كان من أمر الشجرة الممنوعة ، فلم يكن مُسْتساغاً لزوجين ، ليس بينهما ثالث من جنْسهما : أن يتجرَّدا ممَّا يستر عورتهما ، بل كانا في نعمة الستر ، كما وصف الله تعالى .

            وأما الأمر الآخر ، فيظهر في هذا الهلع الفطري من بدوِّ سوءاتهما ، عندما فُجعا بانكشافهما ، حين ذاقا شيئاً من ثمار الشجرة المحرَّمة ، فلم يتمالكا نفسيْهما حتى هرعا يستتران بشيء من ورق أشجار الجنة ، فكان ذلك أوَّل عمل قاما به بعد العصيان ، وقبل الشروع في التوبة ، فدلَّ على أن ظهور العورة - لا سيما المُغلَّظة منها - مُستقبحٌ فطريًّا ، قبل أن يكون مُحرَّماً شرعيًّا .

           وهذا يُؤكِّد أن مشاعر الانزعاج من انكشاف العورة : سلوكٌ فطريٌّ أصيلٌ وعميق ، يستشعره كلُّ من يعيش فطرته البشريَّة السويَّة ، فلا تخبو مشاعره المُقْلقة من انكشافها للناظرين ، إلا عند منْكوس الفطرة ، ممَّن فقد إنسانيَّته الطبيعيَّة ، ودسَّ خُلُقَه في أصله الطينيِّ الوضيع ، فإن العورة ما سُمِّيت سوءةً ، إلا لما يلْحق صاحبها من السوء والمعرَّة بانكشافها ، فإذا لم يسؤه بدوُّها : فهو إلى سلوك الحيوان أقرب .

            ولهذا فإن العورة ساحة بشريَّة مُحرَّمة ، وما شُرع الاستئذان للبيوت - بنصوص قرآنيَّة ونبويَّة مُحكمة - إلا من أجل النظر ، حتى إن الشرع أهْدر عين المُتلصِّص إذا فُقئت في استراقه النظر إلى عورات البيوت المستورة ، فنظرة واحدةٌ من فاسقٍ جريءٍ ، قد تكلِّفه عوَر الدهر ، ومثل هذا يدلُّ على تعظيم الشرع الحنيف للعورة .

          ومن لطيف ما يُنقل في كتب الفقه الإسلامي ، في شأن النظر إلى العورات المحرَّمة : إبطال صلاة من تعمَّد النظر إلى عورة غيره ، فكيف بانكشاف عورة نفسه ؟! ولهذا نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن جلْسة لا يتحفَّظ فيها الإنسان على عورته ، وعن ثوب قصير لا يشمل العورة بتمام الستر ، وعن قماش رقيق يشفُّ عمَّا وراءه ، وعن لباس ضيِّق يصف ما تحته .

          وبذلك دخلت أحكام ستر العورة في حياة المسلم التعبُّديَّة والاجتماعيَّة دخولاً شاملاً ؛ بحيث غدا اللباس السابغ جزءاً أصيلاً من شؤون المسلمين الخاصَّة والعامَّة ، وأصبح الاستكثار من اللباس في حركة الإنسان الاجتماعيَّة وعرفه العام : مؤشِّراً حضاريًّا على التقدُّم والرقي ، فازدهرت لذلك صناعات النسيج والملابس ، في الوقت الذي بقيَ فيه العريُّ والتخفُّف من اللباس : مؤشِّراً على التخلُّف الحضاريِّ ، والانحطاط الثقافيِّ .

 

 

 

]]>
Thu, 21 Sep 2017 20:33:51 +0300
43- المقالات التربوية - القسم الأول المحتويات

         العنوان 

المقدمة

أولاً : مقالات التربية الإيمانية

1- المنهج النبوي في التربية

2- الهوية الدينية : ضرورة ملحة 

3- هويتنا الدينية

4- التاريخ الهجري

5- التكفيريُّون

6- اللاتكفيريون

7- صناعة النفاق

8- النفـــــاق العصـــري

9- رجال بألوان الطيف

10- البنــت الملعـونـــة

11- آيات غزة وعجائبها

12- أوهام الخوف

 ثانياً : مقالات التربية التعبُّديَّة

1- معاني العبادة

2- بيوت الله

3- رمضان يطل علينا من جديد

4- معالم الحج التعبُّديَّة

5- تفعيل خطبة الجمعة : الخطيب والخطبة

6- خطبة الجمعة في مواجهة الغلو

          

ثالثاً : مقالات التربية الأخلاقية

1- مراتب الأخلاق الإسلامية

2- الاستيعاب والشمول في شخصية الداعية المسلم

3- الإعلام العربي الفضائي المعاصر

4- الفضائيات في بيت الداعية المسلم

5- عودة السينما

6- الفن الصالح

7- الجمع بين المتناقضات في السلوك الإنساني

8- غموض الشخصية التربوية

9- العلبة المشئومة

10- حجاب المرأة إلى أين ؟

11- تأملات حول حجاب المرأة 

12- التعليق على أولمبياد لندن 2012م

13- الغيرة الفطرية

14- التربية بالحب

رابعاً : مقالات التربية الاجتماعية

1- الأساس الأخوي في بناء المجتمع الإسلامي -  مشروع مقترح  

2- السلام الاجتماعي في مقاصد التشريع

3- المسئولية الاجتماعية المشتركة

4- معاناة التربية

5- الطفل والتناقض الاجتماعي

6- ظاهرة سلوكية غريبة : الإيمو

7- اللقيط في المجتمع المسلم

          

8- إنسانية المرأة

9- المرأة عبر التاريخ 

10- المرأة وقضية الحقوق

11- المرأة والتغيير الاجتماعي

12- خصوصية المرأة المسلمة في عصر العولمة

13- تجاوزات منظمة الأمم المتحدة في شأن المرأة والأسرة المسلمة 

14- هروب الفتيات من البيوت

15- الشيخ جابر مدخلي - كما عرفته منذ أربعة وعشرين عاماً

16-  حوار حول كتاب : مسئولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة 

17- الإجابة على أسئلة الأستاذ جلال الشايب التربوية

خامساً : مقالات التربية الزوجيَّة

1- غموض العلاقة الزوجيَّة

2- الكفاءة بين الزوجين - جذورها النفسية وموقف الإسلام منها 

3- الكفاءة في السن بين الزوجين

4- القوامة على النساء

5- توجيه الرجال إلى أحسن الخصال

6- في الأزمات الزوجية

7- أزمة الرجال عند تعدد الزوجات

8- أزمة عضل الفتيات

9- مشروع زواج لم يتم

             

سادساً : مقالات التربية العقليَّة

1- دور الكلمة التربوي

2- الطفل المسلم في ظل العولمة

3- فلسفة التربية الإسلامية بين المثالية والواقعية

4- المسلمون والتحدي الثقافي - المشكلة والحــــل

5- نحن والغرب : حضارتان متعارضتان

6- ترجمة الشعوب

7- لبرلة السلفيَّة

8- لليبراليين فقط

9- موقف الإعلاميين من الإسلاميين

10- كلية الشريعة بجامعة الملك عبد الله

11- دعوة تحرير المرأة من الجهل والأميَّة

12- التنافس الفكري بين الجنسين

13- مقترح لنظام تعليم البنات

14- جريمة المستبدِّين في رفض المبدعين

15- المسافة بين التربية والتعليم

16- الأهواء في البحث العلمي

17- ثقافة الصورة

18- حوار مع : موقع تربيتنا

                 

سابعاً : مقالات التربية الاقتصادية

1- مفاهيم في التنمية الاقتصادية

2- منطلقات نحو النهضة التنموية

3- التربية الاقتصادية للأطفال

4- التربية على تحمُّل المسئولية الاقتصادية

5- الطفل الكبير

6- الفطرة الإدارية

7- الرجل الجوكر

8- تجويع النساء

9- دعوى توطين وظائف الوافدين بالنساء المواطنات

10- اشتغال المرأة بالوظائف العامة

11- دور المرأة في العملية التنموية

12- ضوابط مشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة

ثامناً : مقالات التربية السياسيَّة

1- العلمانيون والإسلام السياسي

2- الأمن الفكري والديمقراطية

3- رسالة إلى الأخ الباغي

4- غلو الشباب وتطرفهم- المشكلة والحل

5- الرضيع السياسي

6- دعوى الحقوق

7- ما أسباب سقوط العالم الإسلامي ؟ 

                

تاسعاً : مقالات التربية الجنسيَّة

1- الإلحاح الغريزي

2- أزمة الاحتكاك بين الجنسين في المسجد الحرام

3- تحييد الغريزة الجنسية في خبر الفتاة الهندية

4- الشهوة الإلكترونية

5- الأزمة العاطفيَّة في تأخير سن الزواج

المحتويات

 

الصفحة

3

9

11

13

17

19

23

29

33

39

41

47

51

55

61

63

67

71

73

77

91

 

95 

97

99

105

109

115

119

123

131

135

141

151

155

161

163

165

167

173

177

181

185

189

195

 

201

203

205

209

211

213

217

223

227

237

245

247

253

259

269

271

275

279

283

285

 

299

301

305

309

315

331

335

341

359

365

377

385

387

389

393

399

403

411

415

 

423

425

429

433

439

445

453

459

463

469

473

477

481

499

501

511

515

527

533

541

545

 

549

551

555

563

569

573

577

 

 

]]>
Fri, 15 Sep 2017 18:20:13 +0300
42- العظيمتان  

المحتويات

تقديم ................................... 3

النار العظيمة ........................... 13

الجنة العظيمة .......................... 41

المحتويات .............................. 71 

 

 

]]>
Fri, 15 Sep 2017 18:05:15 +0300
78- الطبيعة المنزلية في نظام تعليم الفتاة 78- الطبيعة المنزلية في نظام تعليم الفتاة

ويُقصد بنظام التعليم المنزلي : ذلك النظام التعليمي الذي يُراعي طبيعة أسلوب الحياة الاجتماعية في الإسلام، من حيث الفصل بين الجنسين، وتوجيه الفتيات إلى الاهتمام بالبيت والذرية، فيعمل هذا النظام على تقديم المعرفة بكل فعالياتها التربوية إلى الفتاة في منزلها، دون الحاجة إلى تكليفها الحضور إلى المؤسسات التعليمية التقليدية ؛ حتى تتمكن من القيام بدورها الاجتماعي والأسري، ولا يفوتها – في الوقت نفسه – تحصيل المعرفة في أعلى درجاتها، وذلك بناءً على التصور الآتي :

أ – نظام تعليم يمنع الاختلاط بين الجنسين في أسلوب تلقي العلم عن المشايخ وأسلوب أدائه للطلاب :

ينطلق تعليم الفتاة من منزلها مستهدفاً أمرين : الأول : الاقتداء بنهج السلف في أسلوب تعليمهم للفتيات، والأمر الثاني : المحافظة على الفتاة من مفاسد الاختلاط المتوقعـة في المؤسسات التعليمية الحديثة ؛ فقد ثبت
بما لا يدع مجالاً للشك أن تعليم الفتيات كان منفصلاً تماماً عن
تعليم الفتيان منذ عهد النبوة وإلى زمن قريب، فمع وجود شيء من المــدارس والكتاتيب الخاصـة بالفتيـات : فقد كان جُلُّ تعليمهنَّ ينطلـــق من المنازل، فلا علاقــة للفتــيات بالمدارس العامة، التي غلب عليها
الذكور، سواء كان ذلك في طلب العلم، أو أدائه؛ لكون الطالب كان مرتبطاً بالشيخ برباط وثيق، بحيث تطول بينهما الصحبة , وربما التصق به، حتى يكون الأقرب إلى مجلسه، ومثل هذا الوضع لا يناسب النساء، لاسيما وأن الطلاب - في الغالب- يرابطون مع المشايخ في سكنات خاصة داخل المدارس؛ بغرض التربية والتهذيب، والتفرغ للعلم، وكل هذا محظور على النساء، ولاسيما الشابات منهن.

ويمكن فيما يلي بيان مسألتي طلب العلم وأدائه في حياة المرأة المسلمة في التراث الإسلامي، وذلك على النحو الآتي :

1 – أسلوب تلقي نساء السلف العلم عن المشايخ :

كان طلب نساء السلف العلم يتم - في الغالب- عن طريق المنزل بطرق متعددة:

منها : ما يُنقل من العلوم عن طريق جو الأسرة العلمي العام؛ فإن كثيراً من العائلات في المجتمع المسلم كانت متفوقة في بعض العلوم، فما إن يشيع علم في أسرة منها إلا تلقَّفه أعضاؤها من الذكور والإناث، حتى العلوم الطبية، وربما ورثت إحداهن عن أبيها كتباً علمية انتفعت بها، وتعلمت منها .

ومنها : ما تنقله الفتيات من العلوم عن طريق محارمهن من الرجال : كالأب، والجد، والعم , والزوج، فإن غالب الرجال الذين أخذ عنهم النساء العلم في الزمن الأول كانوا من محارمهن، فقد كانت الأسرة المسلمة – في كثير من الأحيان – مؤسسة تعليمية كاملة، ومما يشير إلى هذا المعنى ما ذكره السمعاني عن أم شَمَاسَةَ النيسابورية، حيث يقول : "سمعت منها، ومن أبيها، وزوجها، وإخوتها، وأقربائها، عن قريب من عشرين نفساً " .

ومنها : ما أخذته الفتيات عن نساء زمانهن الفضليات، من القريبات أو غيرهن؛ فقد كانت بعض النساء يتفرَّغن لأخواتهن يعلمنهن الخير، في البيوت أو في دور خاصة بهن، حتى إن غالب ما نقلته التابعيات من مرويات الكتب الستة – دواوين الإسلام – كان عن طريق أخواتهن من الصحابيات رضي الله عنهن .

ومنها : ما يقوم به بعض المحارم من إحضار بناتهم وزوجاتهم إلى مجالس العلماء، فيُسمعوهنَّ العلم، ويسمعون معهن، ويشاركون في الخير.

ومنها:  ما كان عن طريق جلب المؤدِّبين إلى البيوت لتعليم البنات والجواري تحت إشراف الأسرة ؛ حتى لا يختلطن بالأولاد في الكتاتيب، فهذه أم الحسن، فاطمة (ت 731هـ) بنت علم الدين، أبي محمد البرزالي، سمعت من أكثر من مائة وخمسـين عالماً، قال أبوها عن حالهــا : " تزوجت نحو خمس سنين، ولم تخرج من البيت" .

لقد أثبت أسلوب التعليم المنزلي غير المختلط جدواه، وفائدته العلمية العظيمة؛ فقد خرَّج أعداداً من النساء العالمات الفضليات ممن برزن في كثير من العلوم والمعارف، وأولهن السيدة عائشة رضي الله عنها، فقد بلغت ما بلغت من علو المكانة العلمية عن طريق المنزل، فهي المأمورة به شرعاً، وكذلك العالمة الفاضلة الكاتبة فخر النساء، شهدة (ت 574هـ)، بنت أبي نصر، أحمد الدينوري التي انطلقت في تعلُّمها من البيت وعمرها ثماني سنوات، حتى أصبحت مسندة أهل العراق، وهذه أيضاً العابدة الزاهدة فاطمة (ت573هـ) ، بنت نصر العطار البغدادية، التي يقول عنها أخوها :
"
إنها ما خرجت من البيت في عمرها إلا ثلاث مرات "، ويقول الحافظ الضياء عن زوجته العالمة آسية (ت633هـ) ، بنت الشهاب محمد بن خلف بن راجح :" كانت عندي أربعين سنة وثلاثة أشهر ، لم تدخل حمَّاماً، ولا دخلت المدينة ، وكنت أخذتها بذلك فأطاعتني، وكانت تؤثرني على نفسها، وقد سُمع عليها بالإجازة عن جماعة"، وكذلك الشيخة فاطمة الزهراء بنت محمد الإدريسي، حفظت القرآن، وجمعاً من الكتب في الحديث والفقه، وبعض العلوم الأخرى، ولم تبرح منزلها ، فلم يمنع هؤلاء الفضليات أن كنَّ مرتبطات بالبيوت أن يتعلَّمن العلم ، ويبلِّغنه للطلاب.

2 – أسلوب أداء نساء السلف العلم للطلاب :

هذا الوصف المتقدم لأسلوب أخذ الفتيات – والنساء عموماً – العلم في الزمن الأول: يعطي صورة واضحة عن نهج التعليم المنزلي الذي سلكه نساء السلف، أما أداؤهن هذا العلم، فما كان ليخرج عن النهج نفسه الذي سلكْنه في زمن الطَّلب، فقد كان غالب أدائهن العلم في البيوت أيضاً منذ عصر الصحابة، والتابعين، وما بعده من الأزمنة إلى عهد قريب، حتى إن بعضهن كنَّ يكتبن الفتوى العلمية، ويوقِّعن عليها، ثم تصدر من بيوتهن إلى السائلين عن طريق محارمهن، وربما ألقت إحداهن الدرس من وراء حجاب، كل ذلك يتم في غاية السِّتر والأدب، بعيداً عن الخلطة المشينة، والتبرج، والبروز .

وقد أشكل على بعض الباحثين المعاصرين استيعاب هذا المنهج في أسلوب أخذ الرجال عن النساء في المنازل، ومن وراء حجاب، حتى أضافوا على النصوص المحكمة الوجيزة، المنقولة من كتب السلف إضافات من تصوراتهم ومشاعرهم الخاصة، تفيد بروز النساء للرجال في حلق كبيرة عظيمة، يحاضرن الجماهير في المساجد ودور العلم، تماماً كما يفعل الفقهاء من الرجال، وربما زعم بعضهم : تخففهن من الحجاب، وجلوسهن على كراسٍ في رؤوس الحلق، التي حفَّها الرجال والنساء من كل جانب، في هيئات لا تتناسب مع طبيعة الحياة الاجتماعية المحافظة في ذلك الزمن .

وعند التَّحقُّق من هذه النصوص، والرجوع بها إلى مصادرها الأصلية، لا يجد الباحث شيئاً من هذه المبالغات الخيالية، التي أضافها هؤلاء الباحثون خطأ منهم، بسبب التقليد، أو الاعتماد على مراجع ثانوية أو أجنبية غير أصلية، إلا نصّاً واحداً – في حد علم الباحث – يُفيد جلوس التابعية أم الدرداء الصغرى – رحمها الله – للطلاب في حلقة علم بجامع دمشق زمن خلافة عبد الملك بن مروان، وعند التحقق من الموقف اتَّضح أنها كانت من القواعد من النساء، حتى إنها كانت تتوكأ على عبد الملك حتى يأتي بها صُفَّة النساء، بعد أن تجالسه في مؤخرة المسجد، ومع كل هذا فقد كانت في غاية السِّتر والحجاب، تتكلَّف ذلك تكلُّفاً، رغم أنها كانت معذورة لكبر
السن .

وكذلك التابعية حفصة بنت سيرين – رحمها الله – كانت تتكلَّف النِّقاب إذا دخل عليها الرجال في بيتها للعلم ، رغم أنها كانت – هي
الأخرى – من القواعد من النساء، وهكذا كان نهج نساء السلف رضي الله عنهن .

ومن شواهد التاريخ الإسلامي على صحة هذا التوجه: استنكار التابعي الجليل هشام بن عروة بن الزبير– رضي الله عنهم – على ابن إسحاق، لما بلغه أنه يروي عن زوجته فاطمة بنت المنذر، حيث حلف قائلاً : " تَحدَّث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، والله إن رآها قط"، ثم قال الذهبي معلِّقاً على هذا الخبر: "هشام صادق في يمينه، فما رآها، ولا زعم الرجل أنه رآها، بل ذكر أنها حدَّثته، وقد سمعنا من عدة نســوة وما رأيتهن "، فابن إسحاق سمع من فاطمـة، وأخذ عنها، إلا أنه – مع
ذلك – لم يرها، فقد كان الستر مُسْبلاً بينهما، وهذا النوع من السماع مقبول عند العلماء، لا قدح فيه، ولا مطعن عليه، وهو النهج الذي سلكه من أخذ العلم من الصحابة والتابعين عن الســيدة عائشة – رضي الله عنها – في العصر الأول.  

ومن الشواهد أيضاً على صحة هذا المذهب عند السلف قول ابن حجر في ترجمة شيخته رقية ( ت 830هـ ) بنت الشيخ شرف الدين محمد، حيث يقول : " فلما كان في سنة سبع وعشرين، حضرت عندهم في محاكمة، فرأيتها تامة القامة، مستوية العقل، وذكر لي أهلي أنه لم يظهر عليها الكبر، وأن أكثر ما يمكن أن يكون سنها ما بين الستين والسبعين، فتوقفت في الرواية عنها لذلك "، يعني أنها كانت مستترة تماماً، فما عرف سنَّها إلا من جهة أهله .

وقد ذكر السخاوي أيضاً في أخبار شيخاته أشياء منها قوله في إحداهن ممن ازدحم عليها الطلاب : " كنت ممن حمل عنها قديماً أشياء قليلة استغناء عنها، خصوصاً وقد كانت على نمط كثير من العجائز في عدم التحجُّب ونحوه، ثم حسن حالها، وقرأت عليها سائر ما وقفت عليه"، ولما ذكر براعة خديجة بنت علي بن عمر الأنصاريــة في الكتابة، واستخلاص الخطــوط قـال: " حسبما أخبرني به ولدها " .

وأما في مسألة الإجازة العلمية، حين يأخذها الرجل عن المرأة ، فيقول ابن حجر في ترجمة مَلَكَة ( ت 802هـ ) بنت الشرف عبد الله المقدسية :
"
أجازت لي، ولم يتَّفق لي لقاؤها " ، وكذلك قول زكي الدين
عبد العظيم المنذري عن بعض من أخذ عنهن الإجازة العلمية، حيث يقول عن أمة العزيز نهاية بنت أبي المواهب المقرئ:
"حدَّثت، ولنا منها إجازة، كتبت بها إلينا من بغداد "، وقال في حديثه عن خديجة بنت أبي طاهر السلفي الأصبهانية الأصل، المتوفاة بالإسكندرية : " لم أسمع منها، ولنا منها إجازة "، وقال عن أخرى : " لنا منها إجازة، كُتبت لنا عنها من بغداد"، ثم ذكر أخريات من نيسابور، ودمشق، وهمذان، كلُّهن كتبن له إجازات علمية دون لقاء مباشر، فهذا الأسلوب في الحصول على الإجازة العلمية دون لقاء كان أمراً معروفاً عند المحدثين من السلف منذ القديم، لا يشترطون اللقاء المباشر بين الطالب والشيخ، وهي نوع من أنواع التحمل عندهم، يكفي فيها الإذن مشافهة، أو كتابة عن بعد، لا يُشترط لها القراءة المباشرة من كل طالب على الشيخ، بل لو قرأ أحدهم في المجلس، بحضور الشيخ، والبقية يسمعون: كانت قراءة للجميع، ولو أتى الطالب بنسخة مكتوبة مثل نسخة الشيخ فأجازه فيها: صحت الإجازة، وحتى كتب المشيخات، التي يذكر فيها المؤلف شيوخه الذين أخذ عنهم العلم: لا يُشترط لها – هي الأخرى – اللقاء المباشر، فليس كل من ذكرهم المؤلف يكون قد التقى بهم .

وبناء على ما تقدم تتضح صورة أخذ الرجال العلم عن النسـاء، فالمسألة لا تتعدى كونها إجازة علمية عن بعد، دون لقاء ، أو احتكاك مباشر، ولو حصل شيء من اللقيا كان على نهج ما وصفه أبو عبدالله السَّبتي – رحمه الله- في قراءته على أم الخير فاطمة البطائحي، حين قدمت إلى الحجاز للحج والزيارة، فقرأ عليها بالمدينة المنورة عند الحجرة النبوية، فقال :" قلت : أخبرك – رضي الله عنك – الحسين بن المبارك بن محمد الزبيدي، بسماعك عليه ؟ فأشارت أن: نعم " .   

لقد كانت طبيعة حياة السلف الأولى واضحة المعالم في قيام عالم للرجال وآخر للنساء، وكان الاختلاط بينهما يحصل في أضيق الحدود، دون شعور بالمذمة أو التشدد؛ لكونها الحياة الطبيعية للمجتمع المسلم في ذلك الوقت، كما تناقلها الخلف عن السلف.

ولقد كان حرص التربويين من رجال الســلف شـــديداً في مســـائل الفصـــل بين الجنسين، خاصــة في تولي تعليم الذكور للإناث ؛ لكون النساء عورة، والشريعة مليئة بالنصوص التي تفيد بلزومهن بيوتهن، والكف عن الخروج إلا لحاجة، فإذا احتجن إلى العلم خارج البيوت اجتمعن في المساجد مع شيخاتهن في حلق علمية منفصلة تماماً عن حلق الرجال، كما كُنَّ يجتمعن في صُفَّة النساء زمن النبي r، أو ربما تفرَّغ العالم لهن خاصة يحدِّثهن على حدة، بعيداً عن الاختلاط بالرجال، فإذا قامت الحاجة للجمع بين الرجال والنساء عند أحد الشيوخ، في حلقة علمية واحدة، أو أراد الرجال الأخذ عن النساء كان الحجاب السَّاتر يفصل بين الفريقين، يقول ابن الحاج في الإخبار عن مسائل تلقي العلم بين الذكور والإناث: "مضى فعل السلف على أن زوجة العالم تبلغ عنه أحكام الشرع للنساء عموماً، ولبعض الرجال خصوصاً من وراء حجاب، كما هو معلوم في مخاطبة النساء للرجال.

ومن هنا فليس هناك بروز في المجالس المختلطة، أو محاضرات جماهيرية عامة، كما وصف بعض الباحثين المعاصرين، بل إن هذا مما تُذمُّ به المرأة الصالحة، فضلاً عن العالمة الفاضلة التقية، يقول القاضي أبو بكر بن الطيب : " إن المرأة لا يتأتَّى منها أن تبرز إلى المجالس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير ؛ لأنها إن كانت فتاة حَرُمَ النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجالَّة بَرْزَة: لم يجمعها والرجال مجلسٌ تزدحمُ فيه معهم، وتكون منظرة لهم، ولم يفلح قط من تصوَّر هذا، ولا من اعتقده"، بل إن بعض السلف ذهب إلى أبعد من هذا فقد استنكر ابن تيمية على الفقيهة فاطمة (ت 714هـ) بنت عباس بن أبي الفتح مجرد صعودها المنبر لوعظ النساء، فضلاً عن أن تبرز للرجال وتخالطهم.

ب – نظام تعليم يفصل بين الطلاب والطالبات في دور العلم :

بعد الحديث عن أسلوبي تلقي وأداء نساء السلف العلم: يتوجه الحديث هنا إلى منهج السلف في الفصل بين الطلاب والطالبات من الجنسين في دور تلقي العلم ؛ لما فيه من المصلحة العامة والخاصة، فقد أثبت الواقع المحلي والعالمي صحة مذهب السلف ورجحانه على مذهب بعض المعاصرين في مسألة ضرورة الفصل التام والكامل بين الجنسين في دور العلم، حتى إن بعض الدول الغربية المعاصرة بعد مضي مائة عام تقريباً من بداية تجربة الاختلاط في التعليم: تتوجَّه بعض مؤسساتها التعليمية – بطريقة غريبة – نحو هذا المذهب الإسلامي، وتشجع عليه، وتُنشئ بالفعل مئات المؤسسات التعليمية غير المختلطة من: جامعات، وكليات، ومعاهد، ومدارس، يرجعون إلى ما كانوا عليه في بداية القرن العشرين الميلادي ؛ فقد كان في الولايات المتحدة الأمريكية (330) معهداً، منها (127) معهداً غير مختلط، وفي فرنسا عام 1886م كان التعليم الابتدائي يفصل بين الجنسين.

لقد انطلقوا حديثاً نحو هذا المذهب المحافظ مندفعين بمآسي واقعهم المُرِّ، وما خلَّفه من المفاسد الأخلاقية الكثيرة، وتدهور المستوى العلمي عند كثير من التلاميذ، إضافة إلى الحرج داخل الفصل الدراسي، الذي يحدثه الاختلاط بين الجنسين، إلى جانب أن المنهج في نظام التعليم المختلط يركِّز على المعلومات المشتركة بين الجنسين، ولا يراعي خصوصية كل جنس، وحاجاته العلمية الخاصة، وفي الجانب الآخر فقد أثبت نظام التعليم غير المختلط نجاحه وتفوقه، والتجربة السعوديـــة الحديثة شاهـــدة على ذلك، بل وبعـض التجــارب الغربيـــة الحديثة في: أمريكا، وبريطانيــا، وألمانيا، والســويد، هي الأخرى تشهد بنجاح هذا النظام المحافظ.

وأما مذهب الاختلاط في المراحل التعليمية الدنيا فلا يصح أيضاً على مذهب التربويين من السلف ؛ فإن البلوغ المبكر قد يحصل للفتاة في سن الثامنة، وقد يحصل للفتى في سن العاشرة، خاصة بعد أن تناقص في هذا الزمن سن البلوغ عند الجنسين، فهؤلاء الشباب هم أخطر ما يكون على الفتيات، خاصة وأنهم لفرط الشهوة في هذا السن، كثيراً ما يقعون في الفواحش، حتى إن بعض الدراسات أثبتت أنهم من أكثر المترددين على دور البغاء، إلى جانب أن الجنوح عند المنحرفين منهم يزداد في هذا العمر .

وعلى فرض تأخُّر سن البلوغ فإن النشاط الجنسي عند الأطفال من الجنسين يبدأ قبل البلوغ بأعوام ؛ فإن القدرة على الجماع، وحصول شيء من الاستمتاع الشهواني تسبق القدرة على التناسل، وحكم اختلاط الصبي المراهق المقارب للحلم بالفتاة البالغة كحكم اختلاط الكبير البالغ بها عند جمع من العلماء، والرخصة إنما جاءت في حق الطفل الذي لم يُقارب البلوغ، ولم يعرف بعدُ من أحوال النساء شيئاً.

ثم إن الغالب في المدارس الابتدائية المختلطة تولي النساء مهمة التربية والتعليم، وهذا فيه ضرر على الصبيان؛ فإن الصبي قبل بلوغه في حاجة إلى نماذج سلوكية من نفس جنسه ليقتدي بها، ويسلك على نهجها؛ ليتعلم خصوصيات جنسه، ويتدرب على سلوك الرجال ؛ لكونه صائراً إليه، وهو – في الوقت نفسه – محتاج إلى التنفير من المسلك المخالف للرجولة، الموجب للعنة التشبه، فكيف – والحالة هذه – تقدم للصبي نماذج سلوكية أنثوية، ثم يطالب – بعد ذلك – بالتزام السلوك الموافق لجنسه؟

وفي الجانب الآخر فإن الفتاة صغيرة كانت أم كبيرة، بالغة أم مراهقة: لا يُؤمن عليها – في أي مكان أو زمان – من كبير عاقل، ولا من صبي مراهق قد قارب الحلم، حتى في دور العلم التي يغلب على الظن انضباطها الخلقي ؛ فوقائع الانحرافات الخلقية المسجلة في هذا المجال لا تكاد تُحصى، حتى إن النيابة في إحدى البلاد العربية أصدرت عام 1980م بياناً توجيهيًّا لأعضائها تقول فيه : "يجب على أعضاء النيابة أن يبادروا بتحقيق جرائم الاعتداء على أعراض التلاميذ والتلميذات التي يُتهم فيها المدرسون، وأن يباشروا التحقيق فيها بدقة وعناية، وبغير تهاون في اتخاذ الإجراءات التحفظية ضد الأشخاص مرتكبيها، ومتابعة القضايا الخاصة بها أمام القضاء، والطعن فيما يصدر فيها من أحكام مخالفة للقانون" .

إن من الضروري أن يدرك المربون أن نظام الإسلام التربوي في تعامله مع المفاسد الأخلاقية الكبرى لا يترك المتربي حتى يقف عند حدودها ؛ بل يأخذ بيده بعيداً عنها بمراحل حتى ما تخطر له ببال، ويُقيم بينه وبينها من حواجز صغار المحرمات والمكروهات ما يحول بينه وبين الوقوع فيها .

ومن هنا فإن خلاصة القول في حلِّ هذه المشكلة الاجتماعية التعليمية أن يعود نظام التعليم المنزلي لواقع الحياة الإسلامية المعاصرة، وأن تُتخذ الوسائل العلمية والتقنية المتوافرة لإحياء هذه الطبيعة العلمية من جديد ؛ حتى تنال كل فتاة حقها من العلم، ويُحفظ عليها – في الوقت نفسه – خلقها ودينها، وتتمكَّن من أداء واجباتها الاجتماعية والأسرية، وتزول بذلك أعظم أسباب الفتنة الجنسية التي يُولِّدها الاختلاط في التعليم ؛إذ لا خير في علم بلا أخلاق .

 

 

]]>
Thu, 14 Sep 2017 21:43:10 +0300
77- الطبيعة المعرفية في نظام تعليم الفتاة 77- الطبيعة المعرفية في نظام تعليم الفتاة

يُقصد بنظام تعليم معرفي : أنه يركز على المعرفة العلمية بكمالها وجمالها، بحيث تصل إلى الفتاة لتحقق لها مصلحة التعلم، التي تحتاج إليها لنفع نفسها، وإصلاح بيتها وولدها، دون أن ينظر إلى ما وراء ذلك من مصالح مادية قاصرة، أو شهادات علمية، أو نحوها، وإنما المقصود الأكبر هو تحقيق المعرفة الكاملة للفتاة بكل قوة، وهذا في حد ذاته يحقق مصلحتها من جهة، وينعكس في المستقبل مصلحة اجتماعية عامة بتثقيف النساء، وتأهيلهن علميًّا للحياة، ومن ثمَّ الاستفادة من بعضهن في تحقيق فرض الكفاية من المعلمات، والطبيبات، والأخصائيات الاجتماعيات، ونحوهن، ضمن برامج أخرى تُضاف لهن للتأهيل الوظيفي، على أن يبقى الأصل هو تعليمهن، ومحو كل صور الأمية عنهن، لاسيما في هذا العصر الذي أصبح فيه التعليم حاجة اجتماعية عامة .

ويمكن وصف هذا المعْلم من خلال الفقرات العلمية التالية :

أ – نظام تعليم يفصل بين المعرفة العلمية وأساليب التعليم التقويمية:

يعمل نظام التعليم على بث المعرفة العلمية بين الفتيات بصورة واسعة، بحيث لا تُقيِّدها أنظمة التعليم التقويمية بمتعلِّقاتها المختلفة، وذلك على النحو الآتي :

المتعلِّق الأول : المرحلة التعليمية :

لا يتقيد نظام تعليم الفتاة بالصفوف الدراسية، بل ينطلق بالفتاة بحرية كاملة، ضمن مستويات علمية متعددة، فيبلغ بها أبعد مدى علمي يمكن أن تصل إليه دون حدٍّ أو قيد، وهذا النمط من التوجه التعليمي كان سائدًا في الحياة التعليمية الإسلامية الأولى، فقد كان التعليم منفتحًا، ضمن أنظمة تعليمية وإدارية متنوعة، لا يعرف المركزية، حرًّا من كل قيد، فلا يُحدُّ بسنوات، ولا يتقيَّد بسن، ولا يلتزم بسلم تعليمي معين على النمط المعمول به في أنظمة التعليم المعاصرة، إنما قيده : مفاهيم الإسلام وآدابه، وجهد الطالب وقدرته .

ورغم أن نظام الصفوف الدراسية والمرحلية نظام غربي في أصله، وُضع ليتناسب مع واقع مشكلات بيئتهم الاجتماعية، ومتطلباتها
التنموية : فإن كثيرًا من الأوساط التعليمية المعاصرة تتوجه بقناعة كافية نحو إعمال نظام اللاصفوف، الذي يُعطي للطالب حرية أكبر، وساحة
أوسع، ويأخذ – في الوقت نفسه- من الأنظمة التعليمية والتربوية المعاصرة ما يكفل إيصال المعلومة العلمية صحيحة للطالب، بأية وسيلة تعليمية ممكنة، وبأي نظام تربوي مناسب .

ورغم أن نظام التعليم العام ، والمعمول به حالياً، والمنقسم إلى ثلاث مراحل دراسية : ست سنوات ابتدائية، وثلاث إعدادية، وثلاث ثانوية : هو الأغلب على أنظمة التعليم المعاصرة، ومع ذلك لا يُعتبر موضع اتفاق بين جميع مؤسسات العالم التعليمية، فمازال كثير من المؤسسات تطبق أنظمة تعليمية أخرى، وتجدد فيها بما يتناسب مع مذاهبها وتصوراتها وبيئاتها العلمية والتربوية، وما زال الباحثون التربويون يقترحون من الأنظمة والأساليب، ما يجعل جميع أنظمة التعليم المعاصرة موضع نقاش وجدال تربوي .

ومن هنا فلن يكون غريباً – والحالة هذه – أن تنفرد الفتاة المسلمة بنظام تعليمي – من بين هذه الأنظمة – يناسب طبيعتها، ومسؤوليتها في الحياة؛ إذ ليس هناك مبررٌ كافٍ لتقديم نظام من هذه الأنظمة على آخر لمجرد أنه مطبق في بلد متقدِّم، بل تنطلق الفتاة في التعليم ضمن نظام تعليمي مرن، ينطلق بها دون حدٍّ أو قيد، حسب إمكاناتها وقدراتها المتاحة، دون حدود مرحلية تعوق سيرها، أو تلزمها بسن معينة .

المتعلِّق الثاني : الامتحانات التقويمية :

إذا تقرر دمج المراحل التعليمية لنظام تعليم الفتاة في مرحلة واحدة، ضمن مستويات متدرجة ؛ فإن نظام الاختبارات التقويمية لانتقال الفتاة من مرحلة إلى أخرى يصبح بغير جدوى، وحتى اختبارات الانتقال من صف إلى آخر تصبح هي الأخرى لا معنى لها؛ إذ تنتقل الطالبة بصورة آلية من مستوىً علمي إلى آخر دون اختبارات، على نمط نظام التعليم الإسلامي في السابق ؛ فإن أنظمة التعليم الإسلامي لم تعرف أساليب الاختبارات التقليدية إلا قبل قرنين من الزمان تقريبًا، وحتى الأزهر الشريف كان في فترة من تاريخه يعتبر تعليم الفتاة للتحصيل العلمي فقط، دون اختبارات، أو شهادات، أو إعداد الفتاة لسوق العمل.

ورغم الخلاف القائم بين التربويين حول أهمية الامتحانات
التقليدية ؛ فإن من السهولة بمكان نقل إجماع الأغلبية على ضرورة إعادة النظر فيها، وإحداث أساليب أخرى للتقويم، وهو ما ذهب إليه أيضاً وزراء التربية العرب في اجتماعهم عام 1966م بالجمهورية الليبية، حيث انطلق الجميع – في نقدهم- من المضار الكثيرة التي يُحدثها نظام الاختبارات التقليدية ، وبعض البلاد العربية بالفعل ألغت بعض اختبارات الشهادات العامة، التي تفصل بين المرحلتين الإعدادية والثانوية، بل إن بعض الدول اتخذت بالفعـل قـرار إلغاء جميع اختبارات مراحل التعليم العام بالكلية.

إن العديد من الدراسات التربوية النظرية والميدانية تشير إلى أن هذه الاختبارات تحطِّم طموح كثير من الطلبة المبدعين، وتبدِّد طاقاتهم؛ إذ ليس النجاح في الاختبارات دائماً هو الدليل الوحيد على الفهم والإبداع؛ فإن كثيراً من الطلاب يدركون المعارف ويفهمونها بأساليب أخرى غير المتعارف عليها، فقد يعجز المتفوق عن التعبير باللغة، فيتفوق عليه الطالب العادي الماهر بها ، ولهذا يُلاحظ تفوق كثير من متوسطي المستوى العلمـي على بعض المبدعـين في هذه الاختبارات؛ لكونها تركز على ناحية التذكر دون المستويات العليا في التفكير مثل: التحليل، والتركيب،
والتقويم .

كما أن هذه الاختبارات في الواقع التعليمي أصبحت غاية في حد ذاتها، يتوجه إليها الطالب بكليته دون التوجه الصادق إلى العلم، فتهدر في سبيلها الأمانة العلمية بالغش والمخادعة والتهديد، وربما هُدم في سبيلها ركن من أركان الإسلام مثل : الصيام، أو الصلاة، بحجة أنه يعوق قدرة الطالب على أداء الاختبار بجدارة، إلى جانب هذه النفرة التي تُحدثها هذه الاختبارات بين الطالب والمعلم من جهة، وبين الطالب المتفوق والمادة العلمية من جهة أخرى، حين يُخيَّل إليه – من خلال رهبة الامتحانات – أنها في غاية الصعوبة والتعقيد: فيفقد قدرته على اجتياز اختبارها بأمان، بل إن مجرد شعور الطالب باحتمال إخفاقه في الامتحان كافٍ لإشاعة الفوضى في حياته العلمية والسلوكية، وأما الإخفاق نفسه فقد يكون سبباً كافياً عند بعض التلاميذ لإزهاق الروح، والتخلص من الحياة، فيصبح التقويم في حد ذاته بالنسبة للطلاب عقاباً نفسياً مؤلماً .

إن هذا الشعور السلبي الذي تثيره رهبة الامتحانات التقليدية يشترك فيه الجنسان على حد سواء، إلا أن تأثيره في نفوس الفتيات أبلغ وأعظم، وشعورهن بقلقه أشد وأكبر، رغم أنَّ قلقهن بسبب رغبتهن في إكمال الدراسة والتعليم لا يشكل لديهن خوفاً كبيراً كما هو الحاصل لدى الذكور، إلا أن هذا الشعور القلِق عندهن تجاه الاختبارات قد يرجع إلى طباعهن المرهفة، وعاطفتهن الثائرة، وإلى وجود شيء من التداخل في طبيعة وأنواع المسؤوليات الاجتماعية بين الجنسين في الحياة المعاصرة، حين تطابقت أهداف الجنسين التعليمية، وتوحَّدت مناهجهما، وأساليب تقويمهما، فاتحدت- بناء على ذلك- مشاعرهما .

ومع أن فكرة إلغــاء نظام الامتحانات يُبشَّر بها في الأوساط التعليمية المعاصرة: فإن إلغاء نظام الاختبارات للفتيات لا يعني إلغاء كل أنواع أساليب التقويم، فقد يُحتاج إلى بعضها، إلا أن المجتمع عند حاجته للتقويم لن يعدم طريقة يكشف بها عن مستوى الفتاة، ودرجة تحصيلها العلمي، فلا تكون الامتحانات عامة للجميع، بل للحاجة، وللراغبات في كشف مستوياتهن الخاصة . 

المتعلِّق الثالث : الشهادات العلمية :

إن الذعر الذي يخيِّم على نظام الامتحانات، ويدفع الطلاب للوقوع في كثير من الانحرافات السلوكية والنفسية، وربما الإجرامية أيضاً، يرجع غالباً إلى ارتباط هذه الامتحانات بالشهادات العلمية، التي تؤهل أصحابها – بالتالي – للوظيفة المهنية، والمكانة الاجتماعية، فأصبح الحصول على المؤهل هو الغاية الكبرى من كل الجهود العلمية والتحصيل المعرفي، وأصبحت الشهادة كالمكافأة على قدرة الطالب على الحفظ والاستذكار، فخرج هؤلاء إلى الحياة العملية بغير حصيلة علمية كافية يخدمون بها أمتهم، فكانوا عبئاً اقتصادياً عظيماً على المجتمع المُلزم بتشغيلهم، وغيظاً جديداً للأمة المسلمة المنهكة بالأمية، وتحقق في واقعهم – للأسف – هدف المنصِّرين من صرف جهود الشباب في الشهوات، حتى لا يتعلم أحدهم إلا ليصيب مزيداً من ملذات الحياة الدنيا وزينتها . 

لقد تغلَّب المسلمون الأوائل على هذه المعضلة بالتربية على أن يكون العلم لله تعالى، واستنكار ربطه بالغايات المادية، ومن جهة أخرى بتفريد الإجازة العلمية، وربطها بالشيخ ومادته العلمية التي يقدِّمها للطالب.  

وقد تجاوزت بعض الأوساط التعليمية المعاصرة هذه المشكلة
بأن تُعطى الشهادات العلمية على الخبرة المعرفية، وبعضها تُعطي الإجازات العلمية
"عن بعد"، من خلال الوسائل التعليمية المفتوحة،  وبعضهم لا يعطي الإجازة إلا لمن طلبها بصورة فردية،  وبعض المؤسسات لا تشترط أصلاً في قبول الطلاب للمرحلة الجامعية أي وثائق علمية، وقد وُجدت بعض المؤسسات التعليمية المعاصرة التي لا تُعطي شيئًا من الوثائق والشهادات، إنما تهدف إلى العلم وحده .  

إن هذا الفصـل بين المؤهل العلمي، وبين العلوم التي تتعلمها الفتاة : يُريح نفسها، فلا تقع في مشكلة الامتحانات، وصراع الإجازات العلمية، بل تنفتح على العلوم بكل قوة، فإذا احتاجت بعض الأوساط العلمية أو الاجتماعية أو الاقتصادية لما يثبت تأهيل الفتاة العلمي، فإن هناك وسائل متعددة يمكن من خلالها إثبات ذلك عند الحاجة،  فتخضع الطالبة بصورة فردية، وباختيارها الشخصي دون إلزام لأسلوب من أساليب التقويم، الذي يثبت من خلاله مقدرتها لما تُؤهِّل نفسها له .

ب – نظام تعليم يفصل بين المعرفة  العلمية وسوق العمل المهني :

إن الحديث المتقدم في الفقرة السابقة حول المراحل التعليمية، والتقويم التربوي، والشهادات العلمية يصبُّ كلُّه في المعضلة الاجتماعية الكبرى التي ربطت بوثاق غليظ بين معارف الفتاة العلمية، وبين دورها في سوق العمل المهني، والإنتاج المادي،  حتى صارت دور العلم الحديثة: " مجالاً للتأهيل المهني، ولم تعد النظرة إليها باعتبارها المصادر المعرفية لتثقيف الشخصية، وصقل العقل، والجري وراء المجهول لفك ألغازه، وتفهم كنهه "، في حين كان نداء أنصار تعليم الفتاة في أول الأمر هو تحريرها من الجهل، وتأهيلها لدورها الأسري، وهو ما وافقهم عليه رجال الفضل المخلصون في ذلك الوقت، فما أن تمكَّنت الفتيات من التعليم حتى بدأت الصيحات من جديد بضرورة إسهامهن في التنمية القومية، فما إن مضى زمن على هذا التوجه حتى أصبحت الدعوة صريحة بلا مواربة بضرورة تعليمهن وإعدادهن للعمل المهني، على طريقة نظام الاجتماع الغربي، الذي يُعد الإناث للمهن الوظيفية كما يُعد الذكور، وغدت الفكرة القديمة التي تفصل بين العلم والوظيفة من تناقضات المجتمع غير المعقولة، فارتبط مفهوم العلم بالمهنة، والتفوق العلمي بالتشغيل، بحيث كلَّما زاد علم الفتاة زادت معه احتمالات عملها خارج البيت، حتى اضطرت بعض البلاد العربية المحافظة إلى منع الفتيات من الالتحاق ببعض التخصصات العلمية التطبيقية، لا لكونها علوماً لا تناسب الفتاة، ولكن خشية من هذا الارتباط بين العلم والوظيفة المهنية، مما يترتب عليه تشغيل الفتيات في مهن لا تليق بهن .

ولقد أدى هذا الأزُّ التربوي المستمر إلى تدني مكانة المرأة ربة البيت في نظر الفتاة المعاصرة، حتى وإن كانت أعلى تعليماً، ما دام أنها لا تشتغل بالوظائف العامة،  وأخذ المجتمع يُؤهل البنات لما يُؤهل له الأبناء ، حتى أصبح التنافس بين الجنسين على المهن والوظائف شديداً، وتداخلت بينهما بعض الصفات الخُلُقية والسلوكية، إلى درجة أن بعض قوانين العمل لم تعد تُراعي الفروق بين الجنسين على الوجه الصحيح،  حتى صدقت مقولة الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو حيث يقول عن تعليم المرأة الذي لا يراعي خصوصيتها :" إن تربية المرأة تجعلها متصفة بصفات الرجل"

ورغم توجه هذا المذهب المفرط، واستفحال أثره في المجتمع
فما زال جمع من رجال العلم والفضل ، وكثير من فئات
المجتمع، خاصة الفئات المتعلمة منهم، يرون ضرورة إعادة الأمور إلى نصابها من خلال فصل معارف الفتاة عن سوق العمل المهني، أو تضييقها على الأقل؛ بحيث تتعلم الفتيات كأوسع ما يكون،
" لا لكي يصبحن طبيبات، أو محاميات، أو أستاذات، ولكن لكي يربين أولادهن حتى يكونوا قوماً نافعين "، بحيث يكون هذا هو الهدف الأساس، وما زاد على ذلك يكون ضمن حد فرض الكفاية الذي لا بد منه .

والمجتمع الياباني حتى اليوم – رغم توسعه في تشغيل النساء – يفرِّق في مجال التعليم بين الذكور والإناث، فيُؤهل الفتيان للكسب والكدح، ويؤهل الفتيات للأسرة والأمومة، ورغم التوسع العلمي في أوروبا، فإن (70%) من النساء الراشدات ربات بيوت، فلا مهانـة في ذلك ولا خسارة ؛ فإن " لكل تحصيل علمي قيمته وأهميته في الحياة، وإنما العبرة في نجاح الفرد في أية ناحية من نواحي الحياة، وليست العبرة في ماهية المهنة التي يحترفها، أو المركز الذي يشغله "،  فكم من امرأة أمية في الوطن العربي
فاقت في إنتاجها الإيجابي كثيراً من المتعلمات والمشتغلات بالوظائف العامة،  فالعبرة برشد التوجه وصحته لا بمجرد العمل أياً كان .

إن الذي يجب أن يعرفه المجتمع المسلم على وجه العموم والمربون على وجه الخصوص: أن الربط التعليمي العام بين معارف الفتاة، وبين الوظيفة المهنية هو نظام غربي، لا يتناسب مع طبيعة نظام الاجتماع الإسلامي، بل إن هذا الربط في حد ذاته هدف من أهداف الغزو الفكري الغربي، يسعون بجد لتعميمه في البلاد الإسلامية.  

ولعل من أبسط الوقائع التاريخية التي تشير إلى صحة مبدأ الفصل بين المعرفة وسوق العمل في حق النساء : أن رسول الله r لم يستخدم قط امرأة في كتابة شيء من الوحي، أو الرسائل التي بعثها، أو المواثيق والعهود التي أبرمها، رغم أن زوجته حفصة، وجمعاً من النساء – رضي الله تعالى عنهن – كنَّ كاتبات، فلم يَضيرهن أن كنَّ كاتبات قادرات، ثم لا يُستعملن اجتماعياً في مهن كتابية ولا إدارية ؛ إذ العلم النافع في حد ذاته مفخرة للفتاة، وخير لأهل بيتها، وأبنائها في المستقبل .

ومن هنا فإن نظام تعليم الفتاة المسلمة لا يتقيَّد بنَظْم معين، لا من جهة المرحلة وأسلوب التقويم والشهادة العلمية، ولا من جهة ما يترتب على ذلك من الربط بين معارف الفتاة العلمية وسوق العمل المهني، إلا بالقدر الذي يحقق للمجتمع فرض الكفاية، بل يتوجه تعليمها بقوة نحو المعرفة النافعة دون حدود أو قيود، أو أهداف مهنية، فيكون تعليماً معرفياً بحتاً .

 

 

 

]]>
Thu, 14 Sep 2017 21:40:57 +0300
76- الطبيعة الفرديَّة في نظام تعليم الفتاة 76- الطبيعة الفرديَّة في نظام تعليم الفتاة

المقصود بنظام تعليم فردي، كونه نظامًا يتعامل مع كل فتاة على حدة، يراعي طبيعة ظروفها الاجتماعية والأسرية، وحدود إمكاناتها وقدراتها العلمية والعمليـة، فلا يلزمهــا بنظام التفويــج الجماعـــي، ولا يقيِّدها بمجموعات طلابية معينة، ولا بأزمنة محددة، وإنما يُتيح لها فرصة الاجتهاد الفردي الحر، ضمن حدود ظروفها وإمكاناتها المتاحة، فلا يقعــن تحت طائلــة الأنظمــة والقوانين التعليمية القائمــة، التي لا تراعي – في العادة – حاجاتهن الاجتماعية، وطبائعهن الفطرية .

ومن خلال الفقرات التالية يمكن بيان هذا المعلم بصورة أوضح :

أ – نظام تعليم يراعي طبيعة قدرات الفتاة الذاتية :

إن نظام تعليم الفتاة المسلمة لا يتقيد في نمطه التعليمي بنظام جماعي، أو بمعرفة معيَّنة، أو بسن محدودة، بل يتعامل مع كل فتاة حسب إمكاناتها، وقدراتها الذاتية : العقلية، والنفسية والاجتماعية . وميولها العلمية الخاصة، مراعياً في ذلك الفروق الفردية بين المتعلمات ؛ فقد أثبتت التجارب جدوى هذا النوع من أساليب التعليم على التحصيل العلمي عموماً، حتى في العلوم التطبيقية، كما أكَّدت دراسات كثيرة أن الطلاب يحققون نجاحاً أكاديمياً كبيراً، ويشعرون بالرضا، ويتمتعون بدرجة كبيرة من الإشباع من العملية التعليمية، إن هم تعلموا بطريقة تراعي مستوياتهم العلمية المختلفة، كما أكَّدت بعض الدراسات الحديثة المستشرفة للتعليم في المستقبل على أن التعليم عملية فرديــة، وأن للمتعلم خصوصية وذاتية مستقلة، وأن التربيـة الإبداعية لا تحصل إلا بمراعاة ذلك في المتعلمين ، وفي الجانب الآخر تأكد أن التعليم الجماعي الذي لا يراعي الفروق الفردية بين المتعلمين، ويصبُّهم جميعاً في بوتقة علمية واحدة: يضر بالعملية التربوية من جهة إهداره لحقوق النخبة المتفوقة، ومن جهة أخرى تضييعه لحاجات الفئة المتعثرة ؛ حين وُضع ليتناسب مستواه عادة مع الفئات المتوسطة من الطلاب .

إن الطالبة المتخلِّفة دراسياً لا تستطيع أن تجاري الجماعة، كما أن الطالبة المتفوقة المبدعة لا تستطيع هي الأخرى أن تحافظ على تفوقها مع مسايرتها للجماعة؛ لأن قدراتها الفردية في الوسط الجماعي – مهما كانت جيدة – تتبدد ولا تظهر، فالشخص مهما كان ذكياً فإنه يفقد القدرة على استخدام إمكاناته العقلية بصورة صحيحة متكامــلة في مواقفــه الجماعيــة ؛ لأن ذكاء الجماعــة في العادة أضعف من ذكاء الفــرد ؛ لهذا يغلب على الأذكياء العمــل الفــردي، كما دلَّت على ذلك البحوث، حتى إن بعض التربويين، من فرط شعورهم بهذه الأزمة التربوية رأوا تقسيم المتعلمين في مجموعات منفصلة، وتوجيههم حسب نبوغهم ودرجة
ذكائهم .

ولما كان المتعلمون – ذكوراً كانوا أو إناثاً، أطفالاً أو شبَّاناً – يتباينون
في مواهبــهم، واستـعداداتهم، وقابليــاتهم، وسائر صفاتهم الشخصية، فإنه لا يمكن لنظام تعليمي – أياً كان – أن يُوجد نهجاً تربوياً موحَّداً يُلائم مختلف هذه القدرات والاستعدادات الطلابية المتباينة، ويراعي اختلاف طبائعهم وخلفياتهم الشخصية، ومن هنا تظهر أهمية أسلوب تفريد نظام التعليم ؛ بحيث ينطلق المتعلم بصورة فردية، حسب طاقته، وقدراته المتاحة، فلا يؤثر سلباً على غيره، ولا يتأثر بسلبيات غيره، مندفعاً بذاتـه نحـو المعرفة ، وبرغبته الصادقـة في العلـم ، فيطوِّر من نفسه بنفسه، وينمـيها بالوسـائل العلمية المتاحة ، وعبر مختلـف المؤسسات التعليمية النظاميــة وغير النظاميــة؛ فإن المسلم مطالب في أحوالــه كلها بأن يتعلــم ، وأن ينمِّي نفسه، وقد أثبتت التجارب أن التعليم يأخذ محله إذا كان الدافع من ذوق المتعلم وحاجته، وهذا ما أكَّدت عليه بعض الندوات التعليمية المعاصرة .

وقد أدرك رجال التربية من سلف الأمة هذه الطبيعة الإنسانية، فعملوا منذ البداية على تفريد التعليم، من جهة السن، ومن جهة المادة العلمية، وأوقات التعلم، وزمن الالتحاق بالمؤسسة التعليمية، ومصدر منح الإجازة العلمية، فتعاملوا مع كل طالب على حدة، متجنِّبين أسلوب التفويج الجماعي للطلاب، في حين لم تدرك المؤسسات التعليمية الغربية هذا الأسلوب التربوي الفريد إلا بعد الحرب العالمية الثانية على يد " سكنر "، فأخذوا بقوة يراعون مسألة السِّن، وميول الطالب، ويشجعون المبادرات العلمية الفردية، إلى أن تحقق لهم التفوق العلمي الذي يعيشونه اليوم، حتى ظنَّ بعضهم، أن تفريد التعليم نظام تقدميٌّ حديث، لم تكن تعرفه أنظمة التعليم القديمة، متناسين أن أسلوب التفويج الجماعي أسلوب فرضته أنظمة التعليم الحديثـــة، تحت ضغــط الأنظمة السياسية، والتوسع الكمي في أعداد
المتعلمين .

ولعل أفضل أسلوب لتطبيقات هذا النظام التربوي استخدام أسلوب:
"
التعليم المصحفي "، أو " التعليم المبرمج " : الذي يقوم على أسلوب التَّعلُّم الذاتي من خلال برنامج مُعد من قبل مختصين، يعرض على الطالب المادة العلمية بصورة منتظمة ومتدرجة، تُقدَّمُ عن طريق آلة تعليمية، أو منهج مكتـوب، تُهيئ للطالب مناخاً للتَّعلُّم.

هذا الأسلوب التعليمي مع كونه ثابت الجدوى، وناجحاً في تحقيق الأهداف التعليمية: فإنه مع هذا يُحيي في الفتاة – والمتعلمين عمومًا- الاعتماد على النفس، والمسؤولية الفردية تجاه المعرفة ، إلى جانب أنه أقل تكلفة من التعليم النظامي التقليدي، ويتَّسع لأكبر عدد ممكن من التلاميذ، خاصة في الوقت الذي ضعفت فيه إمكانات الأمة التعليمية عن استيعاب جميع المتقدِّمين إلى التعليم من الشباب المسلم في المرحلتين الثانوية والجامعية، وما يمكن أن يصدر عن هؤلاء الشباب- حين يُهملون-
من السلبيات السلوكية الخطيرة .

إن من الضروري إعادة النظر في أنظمة تعليم الفتاة الحالية ؛ لتواكب التوسع الهائل في أعدادهن، وتراعي ميولهن العلمية، والفروق الفردية بينهن، وتستحدث من أساليب التعليم ووسائله المشروعة ما يحقق أهداف تعليم الفتاة في المجتمع المسلم، ويُعدها بصورة أفضل وأكمل للاستفادة من العلوم والمعارف المتاحة بدافع ذاتي، ورغبة منبعثة من الداخل .

ب – نظام تعليم يراعي طبيعة مهام الفتاة الاجتماعية :

وكما يراعي نظام التعليم الفردي قدرات الفتاة، وإمكاناتها الذاتية المتاحة، فكذلك يراعي هذا النظام طبيعة ظروف الفتاة الاجتماعية، التي تنتج عن الزواج، ونوع المهام الفردية التي تقوم بها، والعمل الأسري المنوط بها ؛ فإن نظام التعليم التقليدي يُوقع الفتاة وأسرتها في حرج اجتماعي بين هذه المتطلبات الفطرية والطبيعية للأنثى، وبين تطورها العلمي، واستزادتها المعرفية.

وقد أفرز هذا الحرج الاجتماعي ثلاثة اتجاهات متباينة
حول مسألة الزواج، تهدف لمعالجة هذه المعضلة الاجتماعية
التعليمية :

الاتجاه الأول : تقديم الزواج على التعليم، فقد مالت كثير من الأوساط الاجتماعية إلى هذا الاتجاه، مقدِّمين الزواج على التعليم بصورة مطلقة، فأدَّى ذلك إلى تسرُّب كثير من الفتيات من التعليم – في الريف والحضر – وفي جميع المراحل التعليمية، مما دفع بعض الدول لفرض سن أدنى للزواج، ودفع بعض المنظمات المشبوهة للترويج لذلك، بحجة تمكين الفتيات من الحصول على حقوقهن التعليمية.

الاتجاه الثاني : وهو عكس الاتجاه الأول؛ حيث تُقدِّم هذه الفئة من المجتمع التعليم على الزواج مطلقاً، فأدَّى هذا الاتجاه إلى ارتفاع سن الزواج عند الفتيات، حتى أصبح التعليم سبباً رئيساً في التقليل من فرص الزواج، وظهور العوانس من الفتيات، وطالت – بالتالي – فترة طفولة الفتاة عند أسرتها، ريثما تتمكَّن من إتمام تعليمها ثم تتزوج، فلم يعد يبقى للفتاة المنهكة بأنظمة التعليم الحالية طاقة حيوية يمكن أن تقدمها لأسرتها المرتقبة، وإلى أهل بيتها في مستقبل حياتها .

الاتجاه الثالث : حاول هذا الاتجاه أن يجمع بين الاتجاهين المتعارضين، مستخدماً في ذلك وسيلتين إحداهما : الاستعانة بالخادمة، بحيث يكون التعليم في حد ذاته سبباً كافياً لجلب خادمة للبيت، حتى وإن كان الزواج حديثاً، وأما الوسيلة الأخرى : فمن خلال تحديد النسل، أو تأخيره، فقد أصبح وسيلة كثير من الفتيات للعلم، حتى غدت الرابطة قوية بين انخفاض خصوبة المرأة، وبين تفرغها للعلم من جهة ، وبين أمية المرأة، وبين ارتفاع خصوبتها من جهة أخرى .

إن هذه المعضلة الاجتماعية باتجاهاتها الثلاثة لا يمكن أن تُحل ضمن طبيعة أنظمة التعليم المعاصرة ؛ فإن لكل اتجاه مبرراته التي يتشبَّث
بها أصحابه – صحيحة كانت أو سقيمة – وسن الشباب المحدودة هي فترة العطاء والإنتاج، وزمن العلم والتحصيل، والفتاة في هذه السن تحتاج لعلم نافع تُنير به بصيرتها، وتحتاج للزواج للعفَّة والسَّكن، وتحتاج أيضاً للإنجاب والقيام بواجب الرعاية الأسرية، وكل هذه المتطلبات العلمية والفطرية والاجتماعية المتنوعة لا بد أن تتحقق للفتاة في وقت واحد تقريباً، وأية محاولة بائسة لدفع بعضها ببعض مصيرها - في الغالب- الإخفاق، مهما تذرع أصحابها بالحجج الواهية، فلن يكون أمام المجتمع سوى نظام التعليم الفردي، كحل لهذه المشكلة، يراعي حاجات الفتاة الأسرية، ورغباتها العلمية ضمن نظام مرن مفتوح، لا يطالبها بشيء مما تُطالب به الفتيات ضمن الأنظمة التعليمية التقليدية، وعندها فقط يمكن للفتاة أن تجمع بين هذه الحاجات المختلفة في وقت واحد، وبكفاءة جيدة
.

 

 

]]>
Thu, 14 Sep 2017 21:38:21 +0300
75- حقَّ المرأة في التعليم عن بعد 75- حقَّ المرأة في التعليم عن بعد

تسعى المجتمعات المعاصرة لتواجه مشكلة تزايد الطلب على التعليم في كل عصر بما يناسبها، وتضع الحلول العلمية والعملية لأصحاب الحاجات، ممن يتعذَّر عليهم القدوم إلى المؤسسات التعليمية، أو يصعب عليهم الجمع في وقت واحد وبكفاءة بين التعليم ومتطلبات العمل أو الأسرة، فنظام الانتساب – مثلاً– وضع حين وضع لاستيعاب الأعداد المتنامية من الطلاب والطالبات ، حين ضاقت بهم المؤسسات التعليمية , ونظام التعليم بالمراسلة وضع هو الآخر لمراعاة بعد المسافات بين المتعلمين والمؤسسات التعليمية، ونظام الجامعة المفتوحة , الذي وضع أيضاً لتحقيق تعليم عالٍ لمن يعجزون عن الوصول إلى الجامعات التقليدية، بسبب الحرب، أو الاحتلال، أو العجز، أو الانشغال، فالمجتمعات المعاصرة تواجه مشكلاتها التعليمية بما يناسبها من الحلول العلمية والعملية .

والمرأة المسلمة المعاصرة، المتطلعة إلى المعرفة العلمية، تعيش صراع الأدوار بين متطلبات الأسرة والأبناء، وبين الحضور إلى المؤسسات التعليمية، كما تعيش تنازع الرغبات بين الزواج المبكر، وتكوين الأسرة، وإنجاب الأطفال، وبين إكمال التعليم وعدم الانقطاع، إضافة إلى جمع كبير من النساء اللاتي فاتهن الانتظام في التعليم منذ الطفولة، وجمع آخر من النساء الريفيات الكثيرات اللاتي يفتقرن إلى مبادئ المعرفة، فلا يجدنها في مناطقهن النائية ؛ لاسيما وأن أعداداً كبيرة جداً من النساء لا يزلن يعشن في الأرياف , كل هؤلاء النسوة وغيرهن من المحتاجات إلى التعليم يفتقرن إلى قناعة اجتماعية كافية للبدء بالفعل بتعليم مبتكر يجمع لهن بين المعرفة العلمية بكفاءة، وبين تحقيق مصالحهن الاجتماعية والأسرية دون حرج .

ويأتي التعليم عن بعد، من خلال شبكات الاتصالات، واستخدام التليفزيون التعليمي ليحل هذه الأزمة بطريقة علمية مبتكرة، تتحقق من خلالها الأهداف العلمية المنشودة، مع الإبقاء على طبيعة حياة المرأة ومسؤولياتها الاجتماعية والأسرية دون إرباك يخلُّ بمهامها المنوطة بها .

ولئن كان الاتفاق قائماً على أحقية النساء في التعلم واكتساب المعرفة، إلا أن صيغ إيصال المعرفة إليهن تبقى خلافاً يحتاج إلى حل، في عصر أخذت فيه جدران الجامعات والمدارس التقليدية تضيق عن استيعاب الطالبات، فضلاً عن الأمهات والكبيرات، ممن تجاوزن سن التعليم النظامية، ضمن ما يُسمى بمحو الأمية وتعليم الكبار، إضافة إلى النساء المحرومات من التعليم في الأرياف, في وقت أخذت فيه أنظمة التعليم التقليدية تتعارض مع حاجات النساء الاجتماعية مثل: الزواج، ورعاية الأطفال، وخدمة الأسرة، والتوفيق بين العمل المؤسسي والدراسة النظامية، مما أكَّد ضرورة الأخذ بالمبتكرات العلمية الحديثة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المتقدمات للتعليم العام والعالي، بحيث تصل إليهن المعرفة بكل فعالياتها إلى بيوتهن أياً كانت، في المدينة أو الريف، ضمن مفهوم : " التعليم عن بعد "، من خلال استخدام التليفزيون التعليمي، الذي ينقل بأمانة الصورة الحية مع الصوت .

إن التعليم المنزلي من خلال وسائل الاتصال قد أخذ مكانه في العملية التعليمية على مستوى العالم، وأصبح ظاهرة نامية مستمرة، تنتشر في كثير من الدول المتقدمة مثل : اليابان وكندا، حتى إن ما بين (3 – 4 %) من إجمالي الطلبة في الولايات المتحدة الأمريكية يدرسون في منازلهم, حيث ساعدت شبكات الإنترنت على تحقيق ذلك بكفاءة عالية، تصل إلى حدِّ تمكين الفتاة من داخل منزلها – أياً كان – أن تدخل عن طريق الشبكة العنكبوتية إلى المعرفة العلمية، حتى إنها لتدخل دون حرج إلى عمق المكتبة العلمية، فتتصفَّح ما فيها، وتنقل المعلومات دون أن تتكلَّف الحضور، ومباشرة الكتب.

إن الإناث في هذا العصر يمثِّلن – تقريباً – نصف الدارسين في المدارس والجامعات، حتى إن (50%) من طلبة الجامعات الأردنية، خلال عام 2004م من النساء, فنظام التعليم عن بعد سوف يحقق لهؤلاء النساء ، ولأجيال قادمة منهنَّ خدمة تعليمية صالحة، تحقق لهن تعليماً كافياً، دون صراع اجتماعي أو أسري، وقد بشَّر أحد الباحثين الغربيين، هؤلاء النسوة ومن هم في حاجة إلى التعليم عن بعد : بأن البيوت سوف تكون في القرن الحادي والعشرين مصدراً من مصادر التعلُّم, إضافة إلى أن استخدامات الحاسب الآلي، والدخول على شبكات الإنترنت أصبح في هذا العصر أمراً ميسوراً ومنتشراً بين الناس، لاسيما عند الشباب، فلن يكون التدريب على استخدامات هذه الوسائل عائقاً في طريق التعلم.

 

 

]]>
Thu, 14 Sep 2017 21:34:53 +0300
30- حاجة المجتمع إلى التعليم عن بعد 30- حاجة المجتمع إلى التعليم عن بعد

تشهد الساحة التربوية العالمية توسعاً كبيراً في استخدام التليفزيون التعليمي، والذي بشَّرت به بعض الأوساط التعليمية منذ زمن، بأن المجتمع سيصبح من خلال وسائل الإعلام مدرسة واحدة، يجد فيها المتربي بغيته العلمية ضمن ظروفه الخاصة دون حرج، ويتمكَّن الجميع من التواصل العلمي والتجاري، والحصول على الخدمات المختلفة من خلال البيوت, حتى قال رئيس جامعة الهواء اليابانية عام 1985م عند افتتاحها : " فإن الهدف من تأسيس الجامعة هو مدُّ الخدمة التعليمية إلى الأفراد في المنازل، وأماكن عملهم، وحتى في الجبال أو في البحار، ولن يقتصر
الأمر على ذلك، بل ستقدم الخدمة التعليمية لجميع الأفراد مدى الحياة، وفي كل مراحل العمر
" .

ولقد شهد كثير من دول العالم خاصة المتقدمة منها توسعاً عظيماً في استخدامات التليفزيون التعليمي بوسائل مختلفة، من خلال: البث الهوائي المباشر، أو عن طريق شبكات الهاتف، أو الكيبلات المنزلية، أو الشبكات الخاصة المغلقة، أو الحاسب الآلي، أو وحدات أشرطة الفيديو المسـتقلة، أو شبكات الإنترنت الحديثــة, حتى غدا التعليم بمراحله كلِّها – العامة والعليا – متاحاً لكل أفراد تلك الشعوب دون استثناء، بما في ذلك أهل القرية والمدينة، الصغار والكبار، الذكور والإناث,
وأصبحت تقنيات استخدام هذه الوسائل التعليمية وأسلوب التعامل
معها من الوجهة التربوية، وكذلك تكاليفها الاقتصادية:
معلومة في الأوساط التربوية ومنشورة .

ورغم هذا التوجه الدولي العام نحو الإعلام التربوي إلا أن غالب الدول الإسلامية تكاد تكون في معزل عن هذه التقنية العالية, فما زالت
"
تعاني من محدودية الاستفادة من تقنية الإعلام وخبراته لتطوير العملية التربوية، مما جعل تأثير وسائل الإعلام وخاصة البرامج التليفزيونية على التحصيل الدراسي أكثر سلبية ", حتى استقر في الأذهان أن المعرفة التي يمكن اغترافها من خارج المؤسسات التعليمية لا تعدو أن تكون للاستمتاع وقضاء وقت الفراغ، في حين " أن المجتمع المثقف يُقاس على ضوء تمتع وسائل إعلامه بالقدرة على إغراء الناس بالإقبال على مصادر الثقافة، ينهلون منها، مستعينة في ذلك بكل الوسائل الفعالة ", لا أن تكون أداة صدٍّ عن المعرفة، وتجهيل للمجتمع .

" إن أفضل مواجهة لحاجات هذا العصر: أن تعرف التربية كيف تسخِّر أدوات هذا العصر لتحقيق أهدافها، وأن يعرف رجال التربية كيف يصلون إلى أفضل صيغة للتعاون مع الإعلاميين ", تماماً كما فعل اليابانيون في نهضتهم الحديثة، حين تعاضدت كل المؤسسات التربوية بما فيها المؤسسة الإعلامية على بثِّ الثقافة والمعرفة بين أفراد الشعب .

إن واقع الأمة المسلمة التربوي يعاني تخلفاً علمياً كبيراً، لا سيما في المناطق الريفية، حيث يُحرم أهلها أساسيات المعرفة، خاصة النساء الريفيات ؛ فإن غالب النساء المسلمات يسكنَّ الريف, وهن دائماً أكثر فئات المجتمع حرماناً من التعليم, وما يُوجَّه إليهن من الإعلام التربوي لا يكاد يُذكر, كما أن فتح المدارس والمعاهد العلمية عندهن في الريف ليكتفين ذاتياً : تقصر عنه الإمكانات المادية ومقدرة أهل الريف العلمية، وتخصيص فريق من المعلمـات يسـافرن من المدن إلى الأرياف ذهاباً وإياباً , لن يستوعب حل المشكلة المتزايدة بعمقها وشمولها، إضافة إلى ما في هذه الوسيلة من المجازفة بالأرواح؛ فقد أثبتت التجربة الواقعية في المملكة العربية السعودية قسوة هذه الوسيلة وعنفها، من خلال الحوادث المرورية المؤلمة , إلى جانب المحاذير الشرعية، والمخاطر الأخلاقية على المعلمات المرتحلات, وعلى أسرهن المهملة، إضافة إلى ما يشهده المجتمع السعودي من انحسار رغبات الشباب في الزواج من المعلمات المعيَّنات في القرى النائية, ولقد حلَّت بعض الدول الأوروبية مثل هذه المشكلة التعليمية ضمن ما يُسمى بالمناطق المعزولة من خلال التليفزيون التعليمي والإذاعة قبل نحوٍ من أربعين عاماً .  

إن الواقع يحتم على الدول الإسلامية والعربية أن تتبنى مثل هذه الوسيلة التربوية، فتُنشئ لها محطات خاصة بها، أو على الأقل تُخصص لها مساحة ضمن أنشطة الإعلام الحالية التي انهمكت – غالباً – في البث السلبي غير التربوي ؛ لتسهم بجدية في إيصال المعرفة إلى المرأة المسلمة في دارها أياً كان موقعها .

من خلال ما تقدم يظهر جلياً أهمية استخدام التليفزيون التعليمي لبث العلوم والثقافة للمرأة، وملاحقتها بالمعرفة النافعة في بيتها على طريقة السلف دون إحراجها للخروج طلباً للعلم، أو تعطيلها عن الزواج، ورعاية النسل، فليس كل النساء يمكنهنَّ الخروج، وليس كل من تمكَّنت من الخروج للعلم تأدَّبت بآداب الشرع، خاصة في هذا الزمن. 

ولا يصح بحال أن يفهم من هذا التوجُّه المنزلي على أنه حبس للنساء عن الخروج لحاجاتهن، فإن الحبس في البيوت كان عقوبة المرأة الزانية قبل نزول حدِّ الزنى، وإنما يُفهم هذا التوجه على نهج قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا...)، وقوله – عــز وجــل– : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى. . . ), وقولـه – جل وعلا –  : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ...)   

ويفهم هذا التوجه المنزلي أيضاً على نهج توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للفريعة بنت مالك – رضي الله عنها – لما مات عنها زوجها حيث قال لها:" امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"، وقوله في شأن صلاة النساء في المساجد : " . . . وبيوتهن خير لهن " ، وقوله أيضاً في لفت اهتمام النساء إلى بيوتهن : " . . . والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها . . . " ، وقوله في بيان الافتتان بخروج النساء : " إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي فيقعر بيتها ".  

لا بد أن يفهم هذا التوجه على نحو هذه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، والتي توجه الإناث نحو البيوت، وتلفت انتباههن إليها دون غيرها من مرافق الحياة الاجتماعية الأخرى .

 

]]>
Thu, 14 Sep 2017 21:30:23 +0300