د. عدنان باحارث http://www.bahareth.org موقع الدكتور عدنان باحارث للتربية الإسلامية العاجزون الأبرار مقال شهر رمضان 1439هـ

العاجزون الأبرار

         الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه في الأرض ولا في السماء ، والصلاة والسلام من الله الجليل على سيد الناس ، وحبيب الحقِّ محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد فكثيراً ما يستشهد المحترقون اجتماعيًّا بالعبارة القصيرة ، المنْسوبة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – التي يقول فيها : ( اللهم إني أعوذ بك من جَلَد الفاجر ، وعجز الثقة ) ، فهذه العبارة المُوجزة في كلماتها ، والقصيرة في جملتها : تُعبِّر بقوَّة عن حالة الإحباط النفسي ، والضيق الاجتماعي ، التي تكْتنف المُصلحين الاجتماعيين في فترات الغرْبة الدينيَّة ، واختلال معايير التقويم الأخلاقي ، وانكماش مجالات التغيير الإيجابي ، في مقابل شيوع روح الفرديَّة المطْلقة ، والانعزال الاجتماعي ، التي هيَّئت للفرد – أيًّا كان مستواه العلمي والعقلي – أن ينفرد باختياراته السلوكيَّة ، مهما كانت شاذة ، ويستقل بآرائه الفكريَّة ، مهما كانت حادَّة ، بزعم أن الساحتين - الاجتماعيَّة والفكريَّة - تتَّسع للجميع !!

          ورغم أن أمير المؤمنين عمر – رضي الله عنه – كان يحيا ضمن أفضل القرون الإسلاميَّة ، حين أطْلق هذه العبارة المُؤْلمة ، فلعلَّه كان يستشرف بها حالة اجتماعيَّة مقْبلة على الأمة ، ممَّا علمه من أخبار فتن آخر الزمان ، التي يستقْوي فيها الفاجر ، ويستضْعِف فيها الصالح ، أو لعلَّه قاس واقع عصره على ما كان عليه الناس في عصر النبوَّة من التَّمام ؛ إذ لا بدَّ لكلِّ زمان من نقص ما ، ينْدرس فيه شيءٌ من الدين ، وبكلِّ حالٍ ، فإن ما لحق الأمة في قرونها المتأخِّرة – بلا شكٍّ - أبلغ وأشدُّ ممَّا كان في زمنه ، من ضعف الصالحين ، وجَلَد الفاجرين .

         ولعلَّ من أشدِّ ما مُنيَت به غالب مجتمعات الإنسانيَّة اليوم : هو قبولها بإدراج الشذوذ السلوكي ، والتطرُّف الفكري ، والشرود الذهني : ضمن نطاق المقبول اجتماعيًّا ؛ بحيث ينفتح أمام الغلاة المتطرِّفين - من كلِّ مذهب ونحلة واتجاه - مجالات التعبير الفكري والسلوكي كأوسع ما يكون ، فلا يجد الواحد من هؤلاء حرجاً ، في أن يُعبِّر بارتياح عمَّا يجول في خاطره من الأهواء الفكريَّة العابثة ، والوساوس الشيطانيَّة الشاردة ، التي يصعب تصنيفها ضمن شيء من حقول الفكر الإنساني المحترم ، أو حتى إدراجها ضمن حدود الحريَّة الشخصيَّة المقبولة ، التي يحترم فيها الإنسان نفسه ، حين يُفْصح عنها للآخرين ، إذ لم يعد كابح الحياء الاجتماعي يردع هؤلاء وأضرابهم ، عن المُضيِّ في عرض نتن أفكارهم ، ووساوس عقولهم ، عبر المُتاح من وسائط التواصل الاجتماعي ، وأدواته الإعلاميَّة المختلفة .

          ويكفي مثالاً لهذا الهوى المُسْتحكم الغلاب : تلك التعبيرات الإلحاديَّة ، الصادرة عن بعض الموتورين من الشباب الأرعن ، حين ينْطلق أحدهم بالإهانة والوقاحة لينال بها أقدس مقدَّسات المجتمع ، ظنًّا منه أنه بذلك يُنْجز فكرياً ما عجز عن إنجازه أكاديميًّا ، فيُغطِّي إخفاقه العلمي ، ويستر إحباطه النفسي ، ويتجاوز تخلُّفه الحضاري : بهذه الترَّهات التعبيريَّة الوقحة ، التي لا تزيده في نفسه إلا سُفولاً وانحداراً ، وفي نظر الأسوياء : لا تزيده إلا قبْحاً واحتقاراً ، فإن الدين عند كلِّ أمة ما زال موضع احترامها وتقديرها ، حتى وإن كان ذلك من بعضهم مجاملة وملاطفة ، فما زال استهداف الرموز الدينية المقدَّرة - عند شعوب أهل الأرض كافَّة - مُسْتنكراً ومُسْتهجناً ، لا سيما ما تعارف عليه المجتمع واعتاده ، ورسخ في وعيه ، واستقرَّ في وجدانه ، من ثوابت الدين ومسلَّماته ، إلا ما يكون من بعض سفهاء الأقوام وأرذالهم ، الذين لا يكاد يخلو منهم مجتمع ، فكيف بما استقرَّ وتواتر تعظيمه وتقديره عند عموم المسلمين ، من الثوابت الدينيَّة والأخلاقيَّة ، التي توارث المسلمون تعظيمها وتقديسها ؛ ممَّا يعدُّونها من المحرَّمات والمقدَّسات ؟!

          وكذلك الحال في مجال السلوك الشخصي ؛ إذ لم يعد للفرد رادعٌ في وسطه الاجتماعي ، يكفُّه عن مسلك الشذوذ السلوكي ، الذي يصدر عن أحدهم بقصد المعاندة للخُلُق الاجتماعيِّ السائد ، والمناكفة لآداب المجتمع العامة ، حيث يشعر المُعاند في نفسه بالإنجاز ، ولو كان في ثوب شاذ ؛ لأن مشاعر الإحباط العامة ، التي تكتنف مجتمعات العالم الثالث : لم تترك للعمل الإيجابي المُثمر ساحة ينشط فيها ، فيجد المأزوم في ساحات السقوط الأخلاقي مجالاً سهلاً للتعبير عن نفسه المُحْبطة ، ولو كان ذلك في عطبه وهلاكه .

          إن تمادي الفاسقين في جرأتهم على دين الله تعالى ، وعلى مقدَّسات الأمة وثوابتها ، في مقابل انكماش الصالحين وتراجُعهم في غُرْبتهم : هو نذير شؤْم على المجتمع بأكمله ، يُنذر بزواله وأفوله ؛ فإن انتشار الخَبَث الاجتماعي دون مدافعة ، وتراجع أسباب الإصلاح الأخلاقي دون مقاومة ، حتى يتجاوز الخبيثُ الطيبَ ، ويعلو الباطلُ الحقَّ : فهي نُذر هلاك اجتماعي عام ، ينال الجميع بلا استثناء : الطيبَ والخبيث ، الصالحَ والفاسد ، فقد مضى العرف الاجتماعيُّ بأن الخير يخصُّ ، وأن الشرَّ يعمُّ ، وأصدق من هذا وأبلغ قول الحقِّ جلَّ وعلا : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (8/25) .

          إن أسوأ ما يمكن أن يلحق الصالحين : هو الخور الاجتماعي ، فلا يجد أحدهم من القوى الروحيَّة والنفسيَّة الكافية لمواجهة الواقع المتردِّي ، بما يُناسبه من أسباب الإصلاح المشروعة والمُتاحة ، وذلك بالقدر الذي يُعذر فيه الواحد منهم شرعاً ، وهو القدر الذي يُبقي على الصالح دينه في نفسه ، وينجو به من تبعات سؤال التفريط يوم القيامة ؛ فإن العجْز الشرعي عذرٌ ينفع الصالحين في أمرين ؛ أحدهما في سلامة قلوبهم من الزيغ عن الحقِّ ، الذي ينال المنافق المُتظاهر بالدين ، وأما الثاني ففي سقوط المحاسبة عنه عند الله تعالى يوم الدين ، فإنه – سبحانه – لا يُكلِّف نفْساً إلا وسْعها .

        ومع ذلك فقد يبلغ الكاره للباطل بقلبه المُحْترق : أعلى الدرجات عند الله تعالى ؛ لأن النيَّة الحسنة في إنكار المنكرات ، والرغبة الطيِّبة في الصلاح والإصلاح : هي مطيَّة المؤمن العاجز إلى بلوغ مرضاة ربِّ العالمين ، لا سيما في آخر الزمان ، عندما تُظلِم الدنيا على أهلها ، وتغيب عن الناس معالم الدين الحقِّ ، حين لا يجد المؤمن على الخير أعواناً يُكثِّرونه ، فينفرد الصالح بنفسه عن مجتمعه ، وربَّما اغترب حتى عن أهله وولده ، فلا يجد في من حوله من يُشبهه في فهمٍ ، ولا من يُشاطره في رأي ، ولا من يوافقه على سلوك ، الكلُّ معجبٌ بنفسه ، تائهٌ في هواها ، فحينئذٍ يكون ثبات الباطن على الحقِّ الخالص : فضيلةٌ دينيَّة معتبرة مقبولة ، وتكون المدافعة للباطل - بيسير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – من محاسن صالحي آخر الزمان ، حتى يكون أمثل المسلمين وأفضلهم – عند انتشار الفواحش والموبقات في العامة – من يأمر بالاستتار بها ، ومع ذلك لا يجْرؤ على النهي عن مواقعتها !!

         وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في سننه (4/530) ، عن القدر من الدين في آخر الزمان ، الذي ينجو به الرجل من المساءلة يوم القيامة : ( إنكم في زمان من ترك منكم عُشْر ما أُمر به : هلك ، ثم يأتي زمانٌ من عمل منكم بعُشْر ما أُمر به : نجا ) .

         ومع صحَّة الرخصة الشرعيَّة للعاجز في هذا : تبقى لأهل العزائم مراتبهم العالية ، ممَّن لا يرضى بأقلَّ من التَّمام لدينه ، وإن لاقى في سبيل ذلك ما لاقى ، فكما أن مقامات الأنبياء : مراتب يعلو بعضها على بعض ، فكذلك الأولياء - في كلِّ زمان ومكان - هم أيضاً مراتب ومقامات ومنازل ، تجمعهم سلامة الباطن ، ويوحِّدهم صلاح السريرة ، وتُفرِّق بينهم العزائم الدينيَّة ، في ترك الترخُّص بالرخص الشرعيَّة .

        وليس هذا الاختيار للعزيمة منهم : تعالياً على الآخرين ، أو تحريماً على المُترخِّصين ؛ وإنما يقصدون بلوغ الكمال الديني ، وينْشدون تمام النجاة الأخْرويَّة ، فإن فتوى الترخُّص الشرعيَّة : لا تستقرُّ في نفس صاحب العزيمة العالية ، ولا تسكن في ضميره المحترق ، حين يستفتي قلبه عنها ، فما تزال نفسه تنازعه في قبولها ، وضميره يُشاغله في الركون إليها ، فلا تهدأ نفسه حتى يطرح الرخصة ، وينهض بالعزيمة .

         وفي هذا يُذكر موقف عثمان بن مظعون – رضي الله عنه – حين دخل في جوار الوليد بن المغيرة ، عندما دخل مكة عائداً من هجرته إلى الحبشة ، فمكث في جواره زمناً ، فلمَّا رأى أصحابه من الضعفاء يُؤذون في الله تعالى ، وهو آمنٌ على نفسه في جوار رجل مشرك : نبذ إلى الوليد جواره ، وآثر العزيمة على الرخصة في ذلك ، وقيل في هذا : ( جوار الله خيرٌ من جوارك ) ، فلحقه من أذى قريش في نفسه ، ما رفعه – رضي الله عنه – إلى مجموع أهل العزائم .

          في حين أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما رجع من الطائف مهْموماً مغْموماً ؛ لقبيح ردِّهم عليه ، وسوء فعلهم معه : دخل مكة في جوار المُطعم بن عدي ، وقد كان مشركاً ، وليس في هذا منه إيثارٌ للرخصة على العزيمة ، فهو في أعلى مراتب أُلي العزم من الرسل – عليهم جميعاً الصلاة والسلام – ولكنَّه التشريع للأمة ، وسنُّ السنن لهم ، فيما يجوز لهم الترخُّص فيه من أمور دينهم ، فيما فيه التلطُّف بهم ، والتخفيف عنهم ، لما يعلم من ضعف غالب أمته ، وعجز أكثرهم عن الأخذ بالعزائم العالية .

         وكذلك كان اختياره لرخصة التخفِّي والسريَّة في هجرته العظيمة إلى المدينة ، في الوقت الذي أقرَّ فيه اختيار عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – على المُجاهرة بهجْرته ، آخذاً في هذا بالعزيمة والقوَّة ، فهو بسيرته – عليه الصلاة والسلام – بين اختياراته وإقْراراته : يشرِّع لأمته حدود الدين ومعالمه ، بين أعلاها وأدناها ، ثم يترك لهم اختياراتهم الاجتهاديَّة ، ويفسح لهم ميدان التنافس الإيماني ، في غير تكلُّفٍ يُرهقهم ، ولا ترخُّصٍ يُفسدهم ، فقد كان نهجه الأغلب على الدوام – عليه الصلاة والسلام - الأخذ بالأيسر والأسهل ، ما لم يكن في ذلك إثمٌ أو حرْمةٌ ، وإلا كان أبعد الناس عنه .   

        ثم هذا الإنكار بالقلب ، حين يصدر عن العاجز المُحْترق : يأتي في أعلى مراتب الإيمان ، إذا ضعُف صاحبه عمَّا هو أفضل منه - والله تعالى أعلم بدواخل النفوس – فلو صحَّت تسميتهم بالعاجزين الأبْرار : ما بعُد ذلك عن الحقيقة كثيراً ، وإنما ينزل إلى أدنى المراتب الإيمانيَّة وأضْعفها ، فلا يبقى وراء ذلك من الإيمان قدر حبَّة من خردل : إذا كان صاحبه مُترخِّصاً بالأدنى ، قاعداً عن الأحسن والأفضل ، وهو قادرٌ عليه ، يعلم الله تعالى ذلك منه .

          ولا يُفهم من هذا فجور الصالحين في خوضهم في منازعات مع الجاهلين المُتجرِّئين ، فينزلون بأخلاقهم مُتمادين في نزاعاتهم مع هؤلاء إلى حيث نهاهم الله تعالى ؛ فإن القبيح من الناس يسْعد بمشاتمة الشريف وينْتشي ، في حين يهلك ويخْسأ بمجرَّد الإعراض ، فهو أمضى وأبلغ في كفِّه وتبْكيته .

          بل إنْ كان ولا بدَّ من هزيمة تلْحق بالصالح الكريم من الجاهل البذيء : فهي – بكلِّ حالٍ - خيرٌ له من سقْطة في التمادي تُحْسب عليه ؛ فإن الثوب الأبيض النقيَّ : لا يحتمل براز ذبابة ، بل حتى لو عُيِّر الكريم بالهزيمة : فليخْترْها على الفجور ، فقد جاء في مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يأتي على الناس زمان : يُخيَّر فيه الرجل بين العجْز والفجور ، فمن أدرك ذلك الزمان : فلْيخْتر العجْز على الفجور ) ، فهذه فتوى نبويَّةٌ كريمة ، باختيار موْقف العجْز – وإن كان مؤْلماً - عن أن يظْهر الصالح بمظْهر الفجور .

         ولئن كان هؤلاء الصالحين أقلَّ الناس فساداً ، وأكثرهم طيباً ونقاءً ، وأفضلهم خُلُقاً وإيماناً ، فإنه لا ينبغي بحالٍ نسْبة العصْمة - من الذنب أو الخطأ – لأحد منهم ؛ فإنه لا عصمة لأحد من الأولياء بعد السادة الكرام الأنبياء ، فليس أحدٌ منهم بمأمنٍ من الوقوع في سقْطة كبيرة ، فضلاً عن الوقوع في صغيرها ، وإنما يتميَّزون - عن عموم الخطَّائين - بسرعة اليقظة والانتباه ، وبتعجيل التوبة والانقياد ، إذا ذكِّر أحدهم تذكَّر ، وإذا وُعظ تنبَّه ، كما قال الله تعالى عنهم : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) (7/201) ، فهم - رغم مقام التقوى - ليسوا بمنأىً عن أن يلحقهم الشيطان بشيء من الغواية تقلُّ أو تكثُر ، غير أنهم إلى التوبة والأوْبة أسرع ما يكونون ، وإنما ينْبل الواحد منهم بقلَّة الخطأ ، وكثْرة التوبة ، وليس بالعصمة من ذلك ، فالعصمة ليست لأحد بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .             

 

]]>
Wed, 16 May 2018 18:34:11 +0300
مشروعية الانتفاع بالحديث الضعيف في المجال التربوي مقال الأشهر جمادى الآخرة ورجب وشعبان 1439هـ

مشروعيَّة الانتفاع بالحديث الضعيف في المجال التربوي

         الحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للخلق أجمعين ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .. أما بعد ، فإن الوحي الإلهيَّ المبارك ينقسم إلى قسمين ؛ وحيٌ يُتلى ، ويتعبَّد المؤمنون بتلاوته ، وهو القرآن الكريم ، ووحيٌ آخر لا يُتلى ، ولا يُتعبَّد بتلاوته ، وهو السنة النبويَّة المُطهَّرة ، فهما يجتمعان في كونهما وحياً من عند الله تعالى ، غير أنهما يفترقان في حكم التعبُّد بالتلاوة (انظر: المستصفى للغزالي 1/129) ؛ فالقرآن يُتلى ، وهو كلام الله تعالى على الحقيقة ، فينال القارئ المُخْلص أجراً على مجرَّد تلاوته ؛ فبكلِّ حرف يقرؤه حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، والله يُضاعف لمن يشاء .

          وأما السنة التي هي أقوال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله وتقريراته ، وما يلحق بذلك من أحواله وصفاته ، فهذه لا تُتلى على هذا النحو التعبُّدي ، وإنما هي كلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بوحيٍ من الله تعالى ، غير أن للمُخْلص أجراً في الاطلاع عليها ، وفي تعلُّمها وتعليمها والعمل بها ، ومن ثمَّ في نشرها وإذاعتها ، فيدخل كلُّ ذلك في مفهوم العبادة من هذه الجهة ، وأما من جهة التعبُّد بالتلاوة ، فهذا خاصٌّ بالقرآن الكريم وحده ؛ إذ تلاوته نوعٌ من أنواع التعبُّد المقصود لذاته .

         ولئن كان تعامل العالِم مع القرآن الكريم : ينصبُّ على تلمُّس فهمه ، والتبصُّر في معانيه ودلالاته ، والتدبُّر لمضامينه ومراميه ، ونحو ذلك من مقاصد الاهتداء والاسترشاد والإصلاح ؛ فإن التعامل مع السنَّة يزيد بواحدة على هذه المقاصد القرآنيَّة الجليلة ، من جهة مراعاة سلامة النصِّ النبوي ، وثبوت صحَّته عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، فهذه مهمَّةٌ تكليفيَّةٌ مُضافةٌ ، نيطت بالأمة للقيام بها ، ضمن باقي فروض الكفايات ؛ ففي الوقت الذي تكفَّل فيه الله تعالى – بفضله - حفظ كلامه في كتابه المُنزَّل : ناط حفظ كلام رسوله – صلى الله عليه وسلم – وأحواله لأتباعه المؤمنين ، فكان من ذلك قيام طائفة من العلماء بهذا الفرض العظيم ، ممَّن سُمُّوا - بعد ذلك - بأهل الحديث ؛ حيث تفرَّغوا قاصدين لهذه المهمَّة الجليلة ، في حفظ هذا القسم من الوحي المبارك ، والاشتغال بعلومه ، ليبقى جنباً إلى جنب مع القسم الأوَّل : في مهمَّة بناء الإنسان المؤمن ، وتكوين المجتمع المسلم ، وفق النهج الذي أراده الخالق جلَّ وعلا من عبيده .

          ونظراً لاختلاف هذه الطبيعة بين نوعي الوحي : اختلف تعامل العلماء معهما ؛ فكان نصُّ القرآن موضع إجماع الأمة بلا نزاع ، وأما السنة النبويَّة فكانت موضع نِزال العلماء المحدِّثين ، بين القبول والردِّ ، والجرح والتعديل ، والبحث والتنقيب ، والتخفُّف والاستكثار ، والحفظ والنسيان ، وهكذا .. فكانت طبيعة المهمَّة المنوطة بالأمة بشريَّة بامتياز - مع ما في هذه المهمَّة من التشريف والتكريم - تجري بجهود العلماء المحدِّثين ، ضمن قدر الله تعالى وتوفيقه لحفظ دينه كلِّه ، وبقاء حجَّته قائمة - بهما جميعاً - على العالمين إلى آخر الدهر .

         ولئن كان حفظ الواحد من الأمة القرآن واستظهاره كأفضل ما يكون : ممكناً ومأذوناً فيه لأهل الهمم ؛ فإن حفظ الواحد منهم السنة كاملة على هذا النحو - المُتقن الشامل - بعيدة المنال ، لم تجتمع قطُّ لأحد من العلماء ، فلا بدَّ أن يخفى بعضها عن العالِم متْناً ، كما يخفى بعضها عليه فهْماً ، غير أنها - قطعاً – لا تخفى على مجموع الأمة : لا متْناً ولا فهْماً ، فالسنَّة محفوظة بمجموعهم لا بأفْرادهم .

         ومن هنا دخل على السنَّة الاجتهاد البشري ، من جهة الجمع والقبول والفهم ، بكلِّ ما لهذه الجهود العلميَّة وما عليها من الصواب والخطأ ، فكان قبول المتن كما كان قبول الفهم : موضع اجتهاد بشريٍّ ، وساحة نِزالٍ علمي ، أبدع فيها المحدِّثون غاية الإبداع ، فلم تسبقهم قطُّ أمةٌ إلى مثل هذا العلم من الرواية والدراية ، على هذا النحو العلميِّ المُتقن الفريد ؛ سواء في جمع جملة السنَّة بأسانيدها في أوَّل الأمر ، أو في نقدها وغربلتها في وسط الأمر ، ومن ثمَّ في فهمها وتوظيفها في الشرع المُتعبَّد به في نهاية الأمر ، فكلُّ مرحلة من هذه المراحل الثلاث : لم تكن جميع تفاصيلها الجزئيَّة موضع إجماع العلماء المجتهدين ؛ إذ لا بدَّ من التنازع العلميِّ فيما يقبل الاجتهاد ، فساحات نقد الأسانيد والمُتون ، ومجالات الفهم والاستنباط من النصوص : أوسع من أن يتَّفق الجميع على قول واحد في كلِّ مسألة منها ، فلم يكن هذا الاختلاف الاجتهادي بمطعن في السنَّة ، بقدر ما هو إثراءٌ علميٌّ ، وتنوُّعٌ فقهيٌّ ، وسعةٌ دينيَّة .

          ومع ذلك انعقدت إجماعات في قبول السنة وفهمها ، كما انعقدت إجماعات أخرى في قبول القرآن وفهمه ؛ فالقبول بجملة الوحيين موضع إجماعٍ الأمة ، ثم تبقى القراءة القرآنيَّة الشاذة – التي لم ترد متواترة - موضع خلاف في حكم التلاوة والعمل ، ويبقى بعض السنَّة أيضاً محلَّ خلافٍ بين القبول والردِّ ، والاجتهاد في الاستنباط والفهم ، فصنَّف القُرَّاء في مجال القراءات القرآنيَّة المقبول منها للتعبُّد والمردود ، كما صنَّف المحدِّثون في مجال السنَّة النبويَّة نحو ذلك ، فوضعوا للسنَّة أربعة أحكام : الصحيح ، والحسن ، والضعيف ، والموضوع .

        ومع ذلك لم يتَّفقوا على درجة كلِّ حديث بعينه ، ممَّا وقع خارج الصحيحين للإمامين البخاريِّ ومسلم ، فما زالت طائفة من الأحاديث البينيَّة تتردَّد بين الدرجات الأربع ، وفق شروط المحدِّثين للقبول والردِّ ، فما ورد منها مُتقناً بطرق الرواة الثقات : اكتسب قداسة فوق ما ورد منها دون ذلك من الحفظ والإتقان ، فبقدر ما يقرب الخبر من درجة الصحَّة : يكتسب مزيد قبول واحترام ، وينقص ذلك منه بقدر بُعده عن الصحَّة مُنْحدراً نحو الوضع .

        ويمكن تمثيل ذلك بمقياس مُتدرِّج من مائة درجة ، فيكون الصحيح من الأخبار المرويَّة هي الأقرب إلى المائة ، فما كان منها متواتراً بلغ القمَّة على المقياس ، ثم يلحقها ما دون ذلك في الصحَّة والحُسْن من أحاديث الآحاد ، ثم ما دون ذلك من المرويَّات البينيَّة ، التي تتوسَّط المقياس بين درجتي الحُسْن والضعف ؛ لاختلال شيء من وصفيْ العدالة والضبط ، أو أحدهما في حقِّ بعض رجال السند ، حتى ينتهي الخلل ببعض المرويَّات إلى الرفض المُطْلق ، برواية الكذابين والأفَّاكين .

         وما كان من الأخبار فوق المُختَلق المصنوع ، فجاء واهياً أو منكراً ، فهو إلى الرفض أقرب منه إلى القبول ، غير أنه ليس بمنزلة المكْذوب الموضوع ، فليس كلُّ الأحاديث الضعيفة في درجة واحدة من الاعتبار والتقدير ؛ فما كان منها مُتهالكاً شديد الضعف : أُلحق بالموضوع ، وما كان خفيف الضعف مُتماثلاً : أُلحق بالحسن ؛ لأن الشيء – في العادة - يأخذ حكم الأقرب إليه ، وينال صفة الأشبه به .  

         وهكذا تبقى الأحاديث البينيَّة على درجات هذا المقياس المُقترح : موضع اجتهاد العلماء المُحدِّثين ، وفق مراتب علمهم من جهة ، وشروط قبولهم لشخص الراوي من جهة أخرى ، فهم بين مُتشدِّد في ذلك ومتوسِّطٍ ومُتساهل ، كلٌّ يغترف من حصيلته العلميَّة ، وفق ما يخلُص إليه اجتهاده ، في ضوء ما يُمليه عليه دينه الذي يدين الله تعالى به ، فلا تثريب على مجتهد فيهم ، أصاب في اختياراته الاجتهاديَّة أم أخطأ ، فهم جميعاً بين أجْري الإصابة والاجتهاد ، لا يفوت الواحد منهم – بإذن الله تعالى – واحدٌ من الفضْليْن .

         ولا يصحُّ هنا نسبة الإحسان بإطلاق إلى مجتهد مُتشدِّد في قبول الأخبار ؛ لخوفه من لحوق الوعيد به ، في قبول خبر مكْذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيحتاط في ذلك للدين : بردِّ كلِّ ما يشكُّ في تمام نسبته إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم ، حتى وإن احتملت بعض الأخبار شيئاً من القبول .

         ولا يصحُّ أيضاً نسبة الإحسان بإطلاق إلى مُتساهل في قبول الأخبار ؛ لخوفه من لحوق الوعيد به في ردِّ بعض ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لاحتمال أنه قاله ، أو قال بعضه ، أو قال نحوه ، فإنه بقدر احتمال شيء من ذلك : يكتسب الخبر - المُتردَّد فيه - قداسة واحتراماً ، فلا يُقْطع بكذبه ، ولا يُقاس رواته على الساقطين ، ولا يُدرجون مع الكذابين ؛ فإن التسوية في ردِّ الخبريْن الضعيف والموضوع : تقتضي التسوية بين الراوي الضعيف والكذاب ، فلا بدَّ من التفريق بين خبر باطلٍ من كلِّ وجه ، وآخر يُحتمل صدقه بوجهٍ من الوجوه .

         ولهذا فرَّق الإمام مسلمٌ بوضوح في مقدمة صحيحه (ص: 5-8) بين ثلاث طبقات من رواة السنَّة النبويَّة ؛ فذكر أهل الحفظ والإتقان من كبار المُحدِّثين الثقات ، ممَّن يُحتجُّ بهم في هذه الصناعة العلميَّة ، وذكر – في الجانب المقابل لهم - نقيضهم من الساقطين ، من أهل الكذب والوضع ، ممَّن يُطرح حديثهم ، فلا تحل الرواية عنهم للانتفاع بوجهٍ من الوجوه ، وذكر لهم أمثلة (انظر: التقريب للحافظ ابن حجر ص: 489، 560) ، وبين هاتين الفئتين المُتناقضتين : ذكر قسماً ثالثاً مُتوسِّط المقام بينهما ، فذكر ثلاثة منهم بأسمائهم ، فوصفهم بالعلم والصدق والستر ، ومع ذلك لم يرقَ بهم إلى من هم فوقهم من طبقة ثقات المحدِّثين الكبار ، أهل الحفظ والإتقان ، كما أنه لم ينزل بهم إلى من دونهم من أهل الكذب والزندقة والفجور ؛ فكانت ثمرة هذا التفريق عنده : هي الإذن في الرواية عنهم ، على أن تأتيَ مرويَّاتهم درجة ثانية ، مُلْحقة كشواهد ومُتابعات لمرويَّات المحدِّثين الثقات (انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/97) ، فيُتوسَّط بها بين الصحيح والحسن ، وبين الواهي والموضوع .

          وبالرجوع إلى كتاب التقريب للحافظ ابن حجر (ص: 456، 542، 696) ، في الحكم على هؤلاء الرواة الثلاثة ، الذين ذكرهم الإمام مسلمٌ مثالاً في مقدِّمته (ص: 5) لهذه الفئة المتوسِّطة من طبقات الرواة ، مُجيزاً الرواية عنهم وعن أمثالهم ، حتى خُرِّج لهم ضمن جملة دواوين الإسلام المُعتبرة ، فإذا بهم رواةٌ ضُعفاء مُخْتلطون ؛ فأحدهم اختلط جداً حتى تُرك ، وآخر وُصف بالضعف والتشيُّع ، غير أنهم ليسوا بكذابين ولا وضَّاعين ، فهذه فوارق دينيَّة وعلميَّة لا بدَّ للمشتغلين بالحديث وعلومه ، والمقلِّدين لهم من التربويين مراعاتها ؛ فليس الرفض المطْلق صواباً ، وليس أيضاً القبول المطْلق صواباً ، وإنما هي منزلة دينيَّة وعلميَّة مُتوسِّطة بينهما .

          ولهذه الاعتبارات المُحتملة : بقيت طائفةٌ - غير قليلة - من الأحاديث في مُنتصف المسافة على هذا المقياس بين الصِّحة والوضع ، تقْترب من الحسن أحياناً ، فترتقي بمتابعات وشواهد ، وفق ما وضعه المحدِّثون من شروط التحْسين ومصطلحاته ، وتبعد أحياناً أخرى نحو الهبوط ، فيشتدُّ ضعفها إلى حدِّ النكارة والوهن ، غير أنها لا تبلغ حدَّ الكذب الصريح ، وبين هذين الطرفين مسافة رماديَّة اللَّون ، لا ترتقي أحاديثها فتُحسَّن ، ولا تهبط أحاديثها فتُنكر ، وإنما تُوصف بأنها ضعيفة لاخْتلالٍ ما في بعض رواتها ، من جهة ضبطهم لمرويَّاتهم وإحْكامهم لها ، أو من جهة عدالتهم في دينهم وأخلاقهم ، أو لشذوذ يعرض لبعض المرويَّات في مُتونها ، إضافة إلى اعتبارات النقَّاد الحُذاق في أبواب العلل ، التي قد تنْزل بها الأخبار عن كمال السلامة إلى الضعف ، فلا يتوافر للخبر من هذه الأخبار شرط الحسن ، فضلاً عن شرط الصحيح .

          والخبر المرويُّ ضمن هذه الطائفة الضعيفة من الأحاديث ، إذا أمكن إدراجه ضمن أبواب الشرع الحنيف ، ولم يُعارض أصلاً شرعيًّا : فإنه حينئذٍ خبرٌ محترم يُنتفع به ، وأقلُّ مجالات الانتفاع به - عند المتقدِّمين الكبار كافَّة - في فضائل الأعمال المشروعة ، فيما فيه وعظٌ وترغيبٌ وترهيب ، وما فيه حثٌّ على عمل الخير والإصلاح ، وفق شروط وُضعت لضبط ذلك .

           وربَّما تجاوز به بعضهم إلى مرتبة الترجيح به بين الأحكام ، وآخرون قدَّموه على القياس وآراء الرجال ، إذا لم يكن في الباب غيره ، وهذا كلُّه منهم إعمالٌ لهذه الطائفة الضعيفة من المرويَّات ، وما ذلك إلا لقُرْبها - شيئاً ما - من مشكاة النبوَّة ، وبُعدها عن الكذب الصريح ، الذي اتفق المحدِّثون على حُرمة روايته في شيء من المصالح الدينيَّة ، إلا أن يكون لغرض بيان فساده ، وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (18/65-66) : ( فإذا رُوي حديثٌ في فضل بعض الأعمال المُستحبَّة وثوابها ، وكراهة بعض الأعمال وعقابها : فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه ، إذا رُوي فيها حديثٌ لا نعلم أنه موضوع : جازت روايته والعمل به ) ، إلى أن قال : ( فما عُلم حُسنه أو قُبحه بأدلَّة الشرع : فإن ذلك ينفع ولا يضرُّ ، وسواء كان في نفس الأمر حقًّا أو باطلاً ، فما عُلم أنه باطلٌ موضوعٌ : لم يجز الالتفات إليه ؛ فإن الكذب لا يُفيد شيئاً ، وإذا ثبت أنه صحيحٌ : أُثبتت به الأحكام ، وإذا احتمل الأمرين : رُويَ لإمكان صدقه ، ولعدم المضرَّة في كذبه ، وأحمد إنما قال : إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد ؛ ومعناه : أنا نروي في ذلك بالأسانيد ، وإن لم يكن محدِّثوها من الثقات الذين يُحتجُّ بهم ) ، ونقل الإمام ابن رجب في كتابه شرح علل الترمذي (1/92) قول الإمام ابن أبي حاتم - موافقاً له - : ( يجوز رواية حديث من كثرت غفلته في غير الأحكام ، وأما رواية أهل التهْمة والكذب : فلا تجوز إلا مع بيان حاله ، وهذا هو الصحيح ) .

         وليست هذه التصريحات من أهل هذه الصناعة الشريفة تجري مجرى التساهل المذموم ، ومن زعم ذلك فقد أساء الظنَّ بالعلماء ، وإنما هي من الاحتياط الممدوح للسنَّة والتعظيم لها ، فيما يُحتمل أنه أو بعضه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

         وشبيهٌ بهذا : رواية كثير من العلماء للقراءة القرآنيَّة الشاذة ، بعد ثبوت الرسم العثماني ، فرغم أنها عند أكثر العلماء لا تُعدُّ قرآناً يُقْرأ بها ، ولا تُجزئ في صحَّة الصلاة ؛ إذ لا بدَّ لآي القرآن من التواتر كشرطٍ ضروريٍّ للتعبُّد بها ، ومع ذلك تُذكر القراءة الشاذة أحياناً ولا تُهْمل ، ويُستشهد بوجوهها عند ذكر القراءات المتواترة ، لا سيما ما وافق منها الرسم العثماني ، وكثيراً ما يأتون بها في تفسير بعض الآيات ، للدلالة على وجه من وجوه التفسير ، ضمن معنىً صحيح قد لا تُؤدِّيه القراءة المتواترة ، وقد اتَّفق جمهور العلماء على تدوين القراءة الشاذة ، والاحتجاج بها في المجالات اللغويَّة ، غير أنهم اختلفوا في اعتبارها دليلاً مُستقلاً في المجالات الفقهية والأحكام ، وأقلُّ ما يُقال فيها إنها كخبر الآحاد إذا ورد صحيحاً (انظر: الاختلاف بين القراءات لأحمد البيلي 112-118) ، فلا يصحُّ إسقاطها بإطلاق ، أو إهمالها من كلِّ وجه ، حتى تنزل الرواية القرآنية الشاذة إلى مرتبة كلام البشر !!  

        ولولا درجة ما من التقديس والاحترام لِما ورد عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم – من القراءات الشاذة ، التي تلقَّوها عن الرسول صلى الله عليه وسلم : لَما حظيت هذه القراءات بهذا الاهتمام من العلماء ، ولَما وقع الخلاف بينهم حول اعتبارها – بوجه من الوجوه - من عدمه ، فالنسبة اليسيرة إلى الوحي المبارك – قرآناً أو سنَّة - لا بدَّ أن تُعطيَ النصَّ القرآنيَّ الشاذ ، أو الحديث الضعيف : شيئاً من التقديس بقدر ذلك .

          ومن هذا الباب استحسن التربويُّون إعمال الحديث الضعيف – بهذه الاعتبارات العلميَّة – فيما يكون تربية للناشئة وتهذيباً لهم ، بما يحمله من المعاني الصحيحة ، اتِّباعاً لِما قرَّره أهل الحديث في هذا الباب ، فيما ذهبوا إليه من إعمال الحديث الضعيف فيما دون الأحكام الشرعيَّة والعقائد ، ممَّا يكون فيه الوعظ والترغيب والترهيب والفضائل ، ونحو ذلك ممَّا يندرج ضمن حقول المقاصد الدينيَّة ولا يتعارض معها ، لا سيما وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد أذن فيما هو أبعد من هذا ؛ في التحديث عن بني إسرائيل في غير حرج ، فيما لا يتعارض مع الثابت الصحيح من دين الإسلام ، رغم ما عُرف عنهم من الكذب والتحريف ، فلئن كان التحديث عن هؤلاء الكافرين جائزاً بضوابطه ، أفلا يكون التحديث - بضوابطه - عمَّن هم خيرٌ منهم أولى بالجواز ؟!

         ولهذا لم يجد العلماء غضاضة في تسمية الخبر الضعيف بالحديث ، مع توسُّعهم في إعماله ، وعدم اشتراطهم بيان ضعفه على الدوام في كلِّ مناسبة ، لا سيما عند ذكره في فضائل الأعمال ، وما فيه ترغيبٌ وترهيب ، ونحو ذلك (انظر أيضاً: علوم الحديث لابن الصلاح 93) ، في الوقت الذي تحرَّجوا فيه غاية الحرج من وصف الخبر الموضوع بالحديث ، فضلاً عن إعماله في شيء من الشؤون الدينيَّة ، فهذه كتب السنن الأربعة ، التي اتفقت الأمة على اعتبارها - مع الصحيحين - دواوين الإسلام ، فقد اشتملت جميع الأربعة على قدر من الأحاديث الضعيفة ، وُضعت في أبوابها المُناسبة لها من هذه الكتب ، وقد تجاوز مُصنِّفوها - بالأحاديث الضعيفة - قضيَّة فضائل الأعمال ، إلى اعتبارها في بعض مسائل الأحكام ؛ فبوَّبوا على كثير منها أبوابهم ، حين لم يثبت عندهم من الأحاديث أمْثلُ منها في موضوعاتها ، مُستنبطين منها ما يدلُّ على تراجم تلك الأبواب ، وهذا فضلاً عن إيرادها بكثرة في هذه السنن ، فيما فيه فضيلة من أدب أو خُلُق أو وعظ .

          كلُّ هذا كان مُتاحاً لطلبة العلم في غير حرج ، وما سبق لأحد من العلماء : أن ألزم الناس بالصحيحين دون باقي كتب السنَّة ومصادرها ؛ لوجود أحاديث فيها لم تصحُّ ، لا سيما وأنه قد مضى إلى الله تعالى أكثر أئمة السلف من فقهاء ومحدِّثين - ضمن القرون الثلاثة المفضَّلة - قبل ظهور الصحيحين ، فكيف وهما لم يستوعبا جميع الصحيح ، فضلاً عن أن يستوعبا جميع السنَّة المقبولة للاحتجاج والاعتبار ؟! فالمُعتبر من السنَّة أوسع وأكبر من أن يحويه كتاب واحد بعينه ، وبالاقتصار على الصحيحين يفوت طلاب التربية كثيرٌ من السنَّة المعتبرة .

         والخشْية من بعض طلاب التربية : أن يكون هدفهم من الاقتصار في أبحاثهم العلميَّة على الصحيحين : هو ميلهم إلى الدعة ، وعدم رغبتهم في التنقيب التربوي في كتب السنَّة بصورة أوسع ، وضعف الهمَّة العلميَّة عن خوض هذا المجال العلمي الكبير ، وليست حقيقة قضيَّتهم مسألة الحرج من رواية الحديث الضعيف ، تقليداً لمن يرى ذلك من المعاصرين .

         وقد قطع المزايدة في هذه المسألة : أمير المؤمنين في الحديث : الإمام البخاري في كتابه الأدب المُفرد ، الذي وضعه بهدف تهذيب الأمة وتربيتها ؛ فرُبع ما رواه فيه تقريباً ضعيف لا ينْجبر ، حسب تقسيم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني له - رغم أنه لا يُعدُّ من المتشدِّدين - فقد خرَّج فيه الإمام لجمع من الرواة المُتكلَّم فيهم ، ومع ذلك بوَّب على أحاديثهم أبوابه العلمية والأدبيَّة والأخلاقيَّة ، على نهجه الفريد المعروف في تراجمه المستنبطة من الأحاديث ، ومع ذلك لم يفلت عليه في الكتاب حديثٌ موضوع واحد ، فدلَّ بوضوح - من منهجه هذا - أنه كان يعلم تماماً ما يُروى من الأحاديث وما لا يُروى ، ومن يُخرَّج له من الرواة ومن لا تُقبل روايته ، ومن يُنْتقى من مرويَّاته ويُنتفع بها ، وما يُتْرك منها ويُعرض عنها ، ولهذا انفرد كلٌّ من الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما بالتخريج لطائفة من الرواة المُتكلَّم فيهم بالضَّعف ، فأخذا عنهم وتركا ، وفق منهجيهما فيما تصحُّ روايته عن هؤلاء وأمثالهم (انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/92) ، فأيُّ عدل يُدَّعى في التسوية بين راوٍ ضعيف يَهِم أو يُخطئ أو ينْسى في بعض ما يروي ، أو آخر مجهول الحال ، وبين وضَّاع أفاكٍ أثيم ، معلوم الحال ، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!

          وأما شرطه في كتابه المشهور الجامع الصحيح ، حيث اشترط ألا يُورد فيه إلا حديثاً صحيحاً : لا يعدو أن يكون - شرطه هذا - نهجاً اتخذه في هذا الكتاب خاصَّة ، وليس في هذا بيان مذهبه في حكم رواية الحديث الضعيف ، لا سيما وأن تأليف كتاب الأدب المفرد جاء متأخِّراً بعد الجامع الصحيح ، وأبعد من هذا كتابه خلْق أفعال العباد ، الذي وضعه في سنة وفاته – رحمه الله تعالى – وقد حوى - هو الآخر – شيئاً من الأخبار الضعيفة ، رغم أنه كتابٌ في العقيدة ، فلو صحَّ إلزام الإمام البخاري بمذهب في هذه المسألة : لكان ما انتهى إليه من إيراد الضعيف أقرب لوصف مذهبه ، وإنما الأليق في تعيين مذهبه : أنه لم يخرج عن اتجاه أهل الحديث في مسألة رواية الضعيف بضوابطه ، وما اشترطه من الصحَّة في جامعه الصحيح : كان نهجاً خاصًّا بهذا الكتاب ، وليس فيه تعيين مذهبه في هذه المسألة .

        ثم هذا شيخه الإمام الكبير أحمد بن حنبل ، وقد صنَّف المسند ليكون مرجعاً للأمة في الحديث حين يختلفون فيه ، فيكون حجَّة لمن أخذ به ، ومع ذلك شمل جمعاً من الأحاديث الضعيفة التي لا ترتقي (انظر: سير الأعلام للذهبي 11/329) ، بل ذهب بعض المحدِّثين إلى وصف عدد قليل من أحاديث المسند بالوضع ، ممَّا دفع بعض العلماء للذود عنه ، بوصف هذه الأحاديث – المطعون فيها - بالضعف وليس بالوضع ، كما فعل الحافظ ابن حجر في كتابه : القول المسدَّد في الذب عن المسند ، فلو كان الضعف كالوضع : فما وجه الذبِّ عن هذه الأحاديث لترقى إلى درجة الضعف ؟!

         وهذا أيضاً فيه بيان خطأ من وصف الأحاديث الضعيفة في المسند بأنها في درجة الحسن ، ومعلوم عند أهل الاصطلاح في تعريف الضعيف – بعد استقرار المصطلح - أنه : ما فقدَ شرْطيْ الصحيح والحسن ، وموقع الحديث الحسن : وسطٌ بين الصحيح والضعيف ، فلو صحَّت هذه الدعوى : لكان نزول هذه الأحاديث – المطْعون فيها على المسند – إلى الضعف لا إلى الوضع ، وتكون المنافحة عنها لتحسينها ، وليس لدفع تُهْمة الوضع عنها !! وبذلك يكون مسند الإمام أحمد – بهذا الزعم - أصحَّ كتابٍ وأوسعه في السنَّة النبويَّة على الإطلاق !! لأن الحسن مُلحقٌ بالصحيح ، وعليه مدار غالب السنَّة المعتبرة للاحتجاج عند جماهير المحدِّثين والفقهاء ، ومعلوم أن مثل هذا الادِّعاء لم يقل به أحد مُعتبر القول .

         وأما ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (1/252) من أن ما أطلق عليه الإمام أحمد بأنه ضعيف يُحتجُّ به : هو ما اصطلح عليه الإمام الترمذي بالحسن ، وهو عنده خبرٌ تعدَّدت طُرقه ، وليس بشاذ ، وليس في رواته متَّهمٌ ، وضرب لهذا الوصف مِثالاً بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ومعلومٌ أن روايته مُحتجٌّ بها عند جمهور أهل الحديث (انظر: مقدمة ابن الصلاح 283) ، بل ذكر الإمام السيوطي في تدريب الراوي (2/257) قول الإمام البخاري : ( رأيت أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، وإسحاق بن راهويه ، وأبا عبيدة ، وعامة أصحابنا : يحتجُّون بحديثه ، ما تركه أحدٌ من المسلمين ) ، فهل يُضير حديثه أنْ وُصف بالضعيف وهو بهذه المنزلة من الأئمة الكبار ؟ فدلَّ عن أن تسمية الإمام أحمد له بالضعيف : مسألة فنيَّة متعلِّقة بالاصطلاح ، وليست مُتعلَّقة بقبوله حجَّة شرعيَّة ؛ لأن مصطلح الحسن لم يظهر آنذاك ، ولهذا اعتبره – مع باقي الأئمة – حجَّة شرعية ، ولو كان ضعيفاً على اصطلاح المتأخرين : لنزل عن رتْبة الاحتجاج إلى رتْبة الجواز .

          ولهذا فإن حديثه سيق هنا في باب الاحتجاج به كحكم شرعي مقبول ، وليس لمجرَّد بيان جواز العمل به ، الذي يأتي درجة أو أكثر دون ما سيق من الآثار للاحتجاج الشرعي ؛ إذ لا بدَّ من التفريق بين ما يُحتجُّ به في الأحكام ؛ كحديث عمرو بن شعيب هذا - سواء سُمِّيَ ضعيفاً أو حسناً ؛ إذ التسمية لا تغيِّر الحقيقة القائمة ، ولا ترتقي بضعيف المسند - وبين ما يجوز العمل به ، فيما دون الحلال والحرام من الفضائل والرغائب والتهْذيبات ، فكلا الصنفين وغيرهما من أنواع الحديث ومراتبه : شملهم المسند ، عدا صريح المكذوب المُخْتلق .

         إذا تقرَّر هذا : فما حاجة الإمام أحمد إلى رواية أحاديث ضعيفة في مسنده ، وتوقِّيه الأخبار المكذوبة ، حتى لم يُطعن على مسنده الذي ضمَّ قريباً من ( 28000) حديثٍ إلا في أحاديث محدودة معدودة ، ومع ذلك لم يُسلَّم بها للطَّاعنين ؟ فأقلُّ ما يُجاب به : هو جواز روايتها ما دامت في حدِّ الضعيف ونحوه ممَّا يُحتمل ، فضلاً عمَّا ذهب إليه كثيرون من إعمال بعض الضعيف فيما هو فوق مجرَّد الرواية ، وفْق شروط وضوابط وضعوها لذلك ؛ فإن نهج الإمام أحمد أنه كان يُقدِّم الحديث الضعيف والعمل به على آراء الرجال وأقْيستهم (انظر: فتح المغيث للسخاوي 1/147-148 ومقدمة تحقيق المسند لشعيب الأرنؤوط 1/79) ، فلولا هذا الاعتبار باحتمال نسبة هذه المرويَّات الضعيفة أو شيء منها إلى المعصوم - صلى الله عليه وسلم – ما رواها ولا قدَّمها ، بخلاف الموضوع المكذوب من الأخبار ، فقد كان يتوقَّاه ولا يرويه .

           ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (18/72) ، في تزكية مُصنَّفات الإمام أحمد : ( فإنه لا يذكر في مُصنَّفاته عمَّن هو معروفٌ بالوضع ، بل قد يقع فيها ما هو ضعيفٌ بسوء حفظ ناقله ، وكذلك الأحاديث المرفوعة : ليس فيها ما يُعرف أنه موضوع قُصد الكذب فيه ، كما ليس ذلك في مُسنده ، لكن فيه ما يُعرف أنه غلطٌ ، غَلِطَ فيه رُواته ، ومثل هذا يُوجد في غالب كتب الإسلام ، فلا يسلم كتابٌ من الغلظ إلا القرآن ) ، وقال الإمام الذهبي عن المسند في سير الأعلام (11/329) : ( ففيه جملةٌ من الأحاديث الضعيفة ، ممَّا يسوغ نقلها ، ولا يجب الاحتجاج بها ، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة ، ولكنَّها قطرةٌ في بحر ) ، فهذا نهجٌ واضحٌ في التفريق بين الضعيف المُقارب ، وبين المكْذوب الخالص .

          وفي استقراء سريع لأحكام المُحقِّق الشيخ أحمد شاكر على الألف حديث الأولى من المسند ، التي شملت مسانيد الخلفاء الراشدين الأربعة : أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطائفة من مسند عليٍّ – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فقد جاءت أحكامه على أسانيد هذه الأحاديث - فيما دون الصحيح منها والحسن وما أُلحق بهما - وفق الجدول أدناه :

في إسناده نظر

إسناده ضعيف

إسناده منقطع

إسناده مُشكل

إسناده فيه مجهول

إسناده ضعيف جدًّا

7

0.70 %

191

19.10 %

14

1.40 %

1

0.10 %

1

0.10 %

18

1.80 %

         وبمراجعة هذه العيِّنة المُختارة من أحاديث المسند : يظهر بوضوح أن (23.20) بالمائة من هذه الألف حديث لم تبلغ درجة الحسن لغيره ، فضلاً عن أن تبلغ درجة الصحَّة عند الشيخ أحمد شاكر ، فهي مؤشِّرٌ لما وراءها من المرويَّات ، والتي – غالباً - لن تخرج كثيراً عن هذه النسبة بارتفاع أو انخفاض ، إلا أن يكون شيئاً يسيراً ، ومع ذلك أثبتها الإمام أحمد في مسنده مع الصحيح والحسن ؛ لتكون – في الجملة - مرجعاً للأمة في الحديث عند الاختلاف .

         وممَّا يُؤكِّد هذه النتيجة : تحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط وفريقه للمسند ، فقد أشاروا في غالب مقدِّمات المجلَّدات المُحقَّقة إلى عدد الأحاديث الصحيحة والضعيفة ، والأحاديث الأخرى التي توقَّفوا في الحكم عليها ، فلم يخلُ مجلَّدٌ من عدد ما من الأحاديث الضعيفة ، وما دونها من درجات الضعف والوهن ، ممَّا لم يجدوا لها ما يجْبرها لترتقي ، حتى خلصوا في مقدمة التحقيق (1/68-70) إلى أن أحاديث المسند تنقسم إلى ستة أقسام ؛ بدءاً من الصحيح لذاته ، وانتهاءً بما يقرُب من وصف الموضوع !! ثم علَّقوا على ذلك بقولهم : ( أما القضيَّة التي أُثيرت قديماً حول ما إذا كان في المسند أحاديث ضعيفة أو معلولة ؟ فهذا ممَّا يُسلِّم به من له معرفة بهذا الشأن ) .

         ورغم اختلاف منْهجي التحقيق بينهما ، وتوسُّع فريق الشيخ الأرنؤوط في التخريج ، واستدراكهم لما يُمكن استدراكه على اجتهادات الشيخ أحمد شاكر ، وجبْرهم لبعض الأحاديث ، ومع ذلك لم يختلف إجمالي نتائج هذه الألف حديث من أوَّل المسند : إلا في حدود (6) بالمائة فقط ، فالمرويَّات الضعيفة وما دونها في الدرجة بلغت (17) بالمائة ، على النحو الآتي :  

إسناده ضعيف

إسناده منقطع

إسناده ضعيف جداً

إسناده مسلسل بالضعفاء

إسناده ضعيف جداً مسلسل بالضعفاء

إسناده ضعيف ومتنه منكر

إسناده ضعيف جداً شبه موضوع

إسناده ضعيف ومتنه منكر شبه موضوع

150

15 %

3

0.3 %

10

1.0 %

1

0.1 %

1

0.1 %

1

0.1 %

3

0.3 %

1

0.1 %

         ورغم أن نسبة الأحاديث الضعيفة وما دونها في الدرجة – في هذا الجدول – أقلُّ من الجدول السابق بنسبة (6) بالمائة ؛ فإن صيغ تضْعيف بعض الأسانيد والمُتون جاءت شديدة للغاية ، تصل في بعضها إلى حدِّ الوصف بالنكارة وشبه الوضع ، في حين كانت أشدُّ عبارات تضْعيف السند في أحكام الشيخ أحمد شاكر : هي الوصف بضعيف جداً ، فهذه موازنة بين التحْقيقيْن – في هذه الألف - لا بدَّ من ملاحظتها ؛ في من توسَّع في تضْعيف بعض الأحاديث ولان في الحكم عليها ، وفي من ضيَّق في تضْعيفها واشتدَّ في الحكم عليها .

         ولا يصحُّ هنا أن يُقال : إن مجرَّد الجمع كان هو هدف الإمام أحمد في مسنده ، فلو صحَّ هذا : لوضع فيه جميع محفوظاته التي بلغت عشرات الألوف ، ولجاء حجم المسند موسوعة حديثيَّة لا مثيل لها ، وإنما كان نهجه الانتقاء من مرويَّاته الأفضل منها والأحسن ، ثم الأمثل فالأمثل ، ممَّا يصحُّ الرجوع إليه ، ويجوز الأخذ به للانتفاع بوجه من الوجوه الشرعيَّة ، ولو أراد الاقتصار على الصحيح من مرويَّاته : ما عجز عن ذلك ، ولكان هذا هو الأيسر عليه ، وإنما أراد كتاباً للأمة يصحُّ الاحتكام إليه في قبول الأحاديث وردِّها ، ممَّا تجوز روايتها على نحوٍ ما ، ومع ذلك لم يزعم أنه جمع في المسند كلَّ السنَّة المقبولة ، فهذا لم يحصل لأحد قطُّ .

         وقد قال - رحمه الله - لولده عبد الله عن منهجه في المسند : ( قصدت في المسند الحديث المشهور ، وتركت الناس تحت ستر الله تعالى ، ولو أردت أن أقصد ما صحَّ عندي : لم أروِ من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ، ولكنَّك - يا بنيَّ – تعرف طريقتي في الحديث ؛ لست أخالف ما ضعُف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه ) (فتح المغيث للسخاوي 1/149 ومقدمة تحقيق المسند لأحمد شاكر 1/31) ، فهذا واضحٌ في أنه لم يشترط الصحَّة فيما يروي في المسند ، كما أنه لم يضع فيه كلَّ شيء وقف عليه .

         ولهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية أنه ليس في المسند حديث موضوع ، ثم قال : ( ولكن يروي عمَّن يُضعَّف لسوء حفظه ، فإنه يكتب حديثه ، ويعتضِد به ، ويعتبر به ) ، إلى أن قال : ( ويُراد بالموضوع : ما يُعلم انتفاء خبره ، وإن كان صاحبه لم يتعمَّد الكذب ، بل أخطأ فيه ، وهذا الضرب في المسند منه ) (مقدمة تحقيق المسند لأحمد شاكر 1/40) ، وقال في الفتاوى (1/248) عن سبب وجود بعض الأخبار الواهية ، التي رُويَ منها شيءٌ في المسند : ( بخلاف من قد يغلط في الحديث ولا يتعمَّد الكذب ، فإن هؤلاء تُوجد الرواية عنهم في السنن ومسند الإمام أحمد ونحوه ، بخلاف من يتعمَّد الكذب ؛ فإن أحمد لم يروِ في مسنده عن أحد من هؤلاء ) .

         وبناء عليه : فإنه لا مجال هنا للمزايدة على مسند الإمام أحمد ، فلو كانت هذه المرويَّات الضعيفة في مسنده : بواطل من كلِّ وجهٍ ؛ بمعنى أنه لا يجوز اعتبارها مُطْلقاً ، لا من جهة السند ، ولا من جهة المعنى : فكيف جاز لإمام أهل السنة والجماعة إيرادها في مسنده المُنتقى من بين عشرات الألوف من الأحاديث ؟! بل كيف ساغ له أن يجعلها – مع باقي ما في المسند - مرجعاً للأمة عند الاختلاف في الحديث ؟!

         وأما ما ذكره الإمام السيوطي في تدريب الراوي (1/299) من أن الإمام ابن العربي المالكي لا يرى العمل بالحديث الضعيف مطْلقاً ، فلو صحَّ هذا عنه ، فقد يُراد منه : منع العمل به في الأحكام ، أو منع العمل بما كان واهياً شديد الضعف ، لا سيما وأنه قد شرح سنن الإمام الترمذي ، في كتابه عارضة الأحوذي ، وهو من آخر مؤلَّفاته ، وفيه كثيرٌ من الأحاديث الضعيفة ، التي تعامل معها على نهج سلفه من الأئمة المتقدِّمين ، ومن ذلك تعليقه على آخر حديث في باب : ( ما جاء : كم يُشمَّت العاطس ) ، الذي رُويَ ضعيفاً (انظر: ضعيف سنن الترمذي للألباني 310) في سنن الإمام الترمذي (5/85) ، فقال معلِّقاً عليه في كتابه العارضة (10/205) : ( إذا زاد على الثالثة - روى أبو عيسى حديثاً مجهولاً - إن شئت شمَّته ، وإن شئت فلا ، وهو وإن كان مجهولاً ، فإنه يُستحب العمل به ؛ لأنه دعاءٌ بخير ، وصلةٌ للجليس ، وتوددٌ له ) ، فهذا إعمالٌ منه للضعيف في أدب اجتماعي .

          وقال عن نهجه في التعامل مع الحديث المرسل ، رغم أنه معدود عند جمهور أهل الحديث ضمن أنواع الحديث الضعيف : ( والمرسل عندنا حجَّة كالمسند ) (2/50) ، وقال مُصرِّحاً باقتدائه بمن سلفه في التعامل مع ضعيف السنَّة : ( ولو ملنا إلى مذهب أحمد : فلا يكون التعلُّق بلين الحديث إلا ما في المواعظ التي ترقِّق القلوب ، فأما في الأصول فلا سبيل إلى ذلك ) (5/202) ، فهذا قولٌ صريحٌ منه ، وهو الأولى بالصيرورة إليه من القول المظْنون عنه ، وقد خلص الإمام السخاوي في كتابه القول البديع (472-473) إلى نحو هذا في تقرير مذهبه في هذه المسألة ، ممَّا يُفيد انسجامه مع باقي الأئمة المحدِّثين .

         وأما دعوى الكفِّ عن مطلق الضعيف ، والاستغناء عنه بالصحيح والحسن فحسب ، فهي دعوة مشكورة ، فيها حماسة للسنَّة النبويَّة الصحيحة ، ولكنها - مع ذلك – سطحيَّة الفكرة ، فلو كانت منطقيَّة علميَّة لسبق إليها الأئمة المُتقدِّمون ، فقد كانوا أغْير الناس على شرع الله تعالى ، والأولى بالوصاية على السنَّة النبويَّة ممَّن أتى بعدهم ، فأين الكتاب الذي خلا من حديث ضعيف على مدار تاريخ الأمة العلمي وتراثها الثقافي غير الصحيحين ، فكلُّ المصنَّفات سواهما في : التفسير ، والحديث ، والفقه ، والعقيدة ، واللغة ، والتاريخ ، وغيرها من المجالات العلميَّة ، لا يكاد يخلو كتابٌ منها من حديث ضعيف ، فضلاً عن احتواء بعضها على أخبار واهية وموضوعة ، ومن ادَّعى سلامة مُصنَّفه من مُطلق الضعيف : لم يُسلِّم له الجميع بدعواه ، بل الصحيحان – رغم جليل مكانتهما عند الأمة - لم يسْلما تماماً من نقد بعض مرويَّاتهما !!

         بل إن مرتبة الحديث الذي اصطُلح على تسميته بالمُضعَّف ؛ والذي اختلف النقَّاد في الحكم عليه بين من يُقوِّيه ، وبين من يُضعِّفه ، فمثل هذا النوع من المرويَّات يُوجد منه أشياء في الكتب التي التزمت الصحَّة ؛ كصحيح الإمام البخاري (انظر: فتح المغيث للسخاوي 1/177) ، فكلُّ هذا تفريقٌ بين الآثار المُحتملة لشيء من الصدق ، وَفق معايير علميَّة معيَّنة ، وبين الأخرى المكْذوبة المُخْتلقة ، التي لا تحمل شيئاً من الاعتبار الشرعي .

         ولهذا كان نهج المُصنِّفين في الحديث : إفراد الأخبار الواهية والموضوعة بمصنَّفات مُستقلَّة عن باقي كتب السنَّة ؛ لكونها دخيلة عليها ، ليست منها في شيء ، وبقيَ الضعيف منها - في مصنَّفاتهم - مجاوراً للصحيح والحسن ، كأنهم جسد واحد ، يعسُر فصل بعضه عن بعض ، فما زالت أحاديث هذه المراتب الثلاث : يشدُّ بعضها بعضاً ، حتى إن الحديث المقبول في ذاته : يتقوَّى أكثر بطرق أحاديث ضعيفة ، كما هو منهج الإمام مسلم في صحيحه ؛ حين يروي الخبر الصحيح كأصل ، ثم يُتبعه بأسانيد فيها بعض الضعفاء ؛ وذلك على وجه التأكيد والتعزيز ، أو بسبب علوِّ إسناد الخبر الضعيف ، وكون سند روايته من طريق الثقات نازلاً ، أو ربَّما لزيادة فائدة رآها (انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/97-98 و164) ، وفي صحيح الإمام البخاري أيضاً بعض الضعفاء ، ممَّن تصلح الرواية عنهم ، فقد ذكرهم في الشواهد والمتابعات (انظر: علوم الحديث لابن الصلاح 76) ، وهذا فضلاً عن ترقِّي الضعيف بالحديث الصحيح أو الحسن ، فمثل هذه المعاني العلميَّة الدقيقة غير مُهْملةٍ عند المحدِّثين .

          وبهذا يُعلم فداحة خطأ أحد المُختصِّين الشرعيين ، حين صرَّح - في درس علميٍّ عام - عن أمنيَّته في وقفة حازمة مع السنَّة النبوية ، كوقفة أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان – رضي الله عنه – مع القرآن الكريم ؛ بحيث يُجمع الضعيف والموضوع ويُتْلف ، ليخلص للأمة – حسب زعمه – المقبول من السنَّة للاحتجاج به فحسب !!

          ولئن كانت الآثار الضعيفة مدوَّنةً ثابتةً بأسانيدها ومتونها في كتب السنَّة ، محفوظةَ الحُرمة الدينيَّة ، فلا سبيل لهؤلاء المُتحمِّسين لإتلافها ؛ فإن الأخبار المكذوبة الموضوعة : مُستباحة الحرمة ، غير أنها – هي الأخرى – أصبحت جزءاً أصيلاً من تراث الأمة العلمي ، تضمَّنتها دواوين المكتبة الإسلاميَّة ومؤلَّفاتها ، وقد بذل فيها مصنِّفوها جهوداً علميَّة كبيرة ، فميَّزوا الأخبار الموضوعة المكذوبة ، واستخلصوها من جمهور مرويَّات السنة المطهَّرة ، وأودعوها كتباً مُستقلَّة ، وربَّما علَّقوا عليها في مظانها من كتب السنَّة بما تستحقُّه من البيان الشرعي ، مُنبِّهين على فسادها ، وكاشفين لكذب واضعيها ، من الفجَّار والزنادقة المنافقين ، أو من الجاهلين المُغفَّلين .

          ومثل هذا الصنيع العلميِّ المشكور : كافٍ في الشرع ، فلا تجوز فيه المُزايدة على جهودهم ، فهذه المؤلَّفات العلميَّة – من هذا الباب – لا سبيل لإتلافها أيضاً ، ومن تُراه يجرؤ على مثل هذا ؟! فما تميَّز الصالح من السنَّة إلا بها ، وما زال الباحثون في السنَّة – جيلاً بعد جيل - يعتمدون عليها في الحكم على الأخبار الواهية والموضوعة ، ويرجعون إليها على الدوام ؛ لمعرفة هذا القسم من الأخبار المنْسوبة إلى السنَّة النبويَّة ، فهي كالحصن لصحيح السنَّة ، وكالسِّياج الحامي لها من دخيل باطل .

          ولو قُدِّر إتلافها على ما أراد هؤلاء ، فأمِن الناس - عند ذلك - على ما بقيَ بين أيديهم من السنَّة الموثوقة ، يتداولونها فيما بينهم جيلاً بعد جيل ، في غير خوف ولا حرج : فمن تُراه يضمن للأمة حينها منع جديد الكذب والافتراء على السنَّة ، وقد فقدت الأمة معاييرها العلميَّة الدقيقة ، التي يقيسون عليها الصالح والخبيث ، ويُميِّزون بها بين الصحيح والسقيم ؟ فمثل هذا الخطر لا يُستبعد ؛ فإن دين الأمة المسلمة مُستهدفٌ من أعدائها على مرِّ التاريخ .          

          بل إن بقاء هذه المصادر العلميَّة – على ما فيها – حيَّةً متوافرةً في أيدي المُتخصِّصين : أدْعى لليقظة والحذر لحماية السنَّة على الدوام في كلِّ عصر ، فلا يكفُّ العلماء عن جودهم العلميَّة ، ولا يضعوا أسلحتهم الدفاعيَّة ، فإن غفلة المُتخصِّصين عن حماية السنَّة - التي يمكن أن يُحدثها هذا المقترح - أخطر بكثير من تداول هذه الكتب على ما فيها من السقيم المردود .  

          ثم إن تدوين العلماء الأخبار الواهية والموضوعة ، وضبط رجالها ومواردها ومخارجها : ليس مقصوداً لذاته ، ولا ولعاً بالغرائب والعجائب – حاشاهم - وإنما لتمييزها عن غيرها من الأخبار المقبولة ، ومعرفتها بقصد كشْفها وردِّها ، حين تَرِد مدسوسة ضمن مرويَّات الثقات : قصداً أو خطأً ، فمعرفة الصحيح لا يكمل تمامه ويتحصَّن إلا بمعرفة السقيم (انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب 1/89-92) .

          ومن هنا : فإن أقلَّ ما يُحكم به على هذه الأمْنية الساذجة : أنها صدرت في حال غفلة من صاحبها ؛ وذلك لأن الطرق الضعيفة في ذاتها ، التي يتحرَّج بعضهم من وجودها في كتب السنَّة ، وتضيق نفوسهم بها : هي مادَّة التحْسين الأولى ، وما يلحق به من درجات الترقِّي والقبول ؛ وذلك حين تُقوِّي طُرق الحديث الضعيف بعضها بعضاً ، فيرتقي بذلك الخبر الضعيف درجة من درجات الحُسْن ، وَفق مناهج المحدِّثين النقَّاد وشروطهم ؛ فيزداد المسلمون بذلك علماً وعملاً ، ويُسهم هذا الجهد الشريف في حفظ مزيد من السنَّة المُعتبرة ، وينال المجتهد المُخْلص في هذا العمل : دعوة النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – بالنضارة .

          وبهذا يُفهم أن الآثار الضعيفة ليست عبئاً على السنَّة ، بقدر ما هي ذخيرةٌ للنهوض والترقِّي بعضها ببعض ؛ فلئن كان الحديث الحسن لذاته ينزل رتبة عن الصحيح لذاته بسبب نقص الضبط ، فإن الحديث الضعيف يرتقي إلى الحسن لغيره بطريق ضعيف آخر يعضُده ؛ وفي هذا قال الإمام أحمد ، فيما نقله الإمام ابن رجب في كتابه شرح علل الترمذي (1/91) : ( قد أكتب حديث الرجل ، كأني استدلُّ به مع حديث غيره يشدُّه ، لا أنه حجَّةٌ إذا انفرد ) ، وقال الإمام السخاوي في فتح المغيث (1/122) : ( الحسن لغيره أصله ضعيف ، وإنما طرأ عليه الحُسن بالعاضد الذي عضَده ، فاحتُمل لوجود العاضد ، ولو لا العاضد لاستمرَّت صفة الضعف فيه ) ، ثم نقل قول الإمام النووي (1/126) على بعض الأحاديث الضعيفة كيف يقوِّي بعضها بعضاً فترتقي بمجموعها : ( وهذه وإن كانت أسانيد مُفرداتها ضعيفة ، فمجموعها يقوِّي بعضه بعضاً ، ويصير الحديث حسناً ، ويُحتجُّ به ) ؛ بمعنى أن الحديث الضعيف يصبح بمجموع هذه الطرق الضعيفة – التي يتمنَّى بعضهم إتْلافها – حجَّةً شرعيَّةً ، ضمن مجموع الوحي الربَّاني المبارك .

         وأبعد من هذا ما جاء في تدريب الراوي للإمام السيوطي (1/198-199) ، فيما يتعلَّق بالحديث المرسل ، المعدود ضمن أنواع الحديث الضعيف ؛ وصورته أن يرفع التابعي الخبر مباشرة إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ولا يذكر صحابيًّا ، فالمرسل بهذا المعنى ضعيف ، غير أنه ينْجبر بمرسل آخر ، فيرتقيان معاً إلى رتبة الصحَّة ، بل ويتقدَّمان على حديث صحيح جاء من طريق واحدة ، وتعذر الجمع بينهما ، فقد جاء في المتن للإمام النووي ما لفْظه : ( ثم المرسل : حديث ضعيف عند جماهير المحدِّثين ... فإن صحَّ مخرج المُرسل بمجيئه من وجهٍ آخر : مسنداً أو مرسلاً – أرسله من أخذ من غير رجال الأوَّل – كان صحيحاً ، ويتبيَّن بذلك صحَّة المرسل ، وأنهما صحيحان ، لو عارضهما صحيحٌ من طريقٍ : رجَّحناهما عليه ، إذا تعذر الجمع ) ، فهذا إعمالٌ للمرسل حين ينهض بغيره من مُسندٍ ضعيفٍ ، أو مرسل من طريق أخرى ، فيصبحان معاً حجَّة شرعيَّة ، ويُقابلان صحيحاً – معارضاً لهما - جاء من طريق واحدة .

          وممَّا يُجلِّي هذه المسألة بصورة عمليَّة : عمل فريق الشيخ الأرنؤوط في هذه الألف حديث الأولى من مسند الإمام أحمد - المُشار إليها آنفاً - فإن (146) رواية ضعيفة السند ، بنسبة (14.6) بالمائة من هذه الألف : ارتقت – وفق منهج الفريق - إلى درجة القبول والاحتجاج بطرقٍ أخرى وشواهد ومُتابعات ، ونحوها من المسوِّغات التي تُجْبَر بها الأخبار الضعيفة لترتقي ، وذلك وفق الجدول الآتي :

صيغة الحكم

العدد

النسبة المئوية

حديث صحيح وهذا إسناد ضعيف

6

4.11

حديث صحيح بشواهده وهذا إسناد ضعيف

4

2.74

صحيح لغيره وهذا إسناد ضعيف

29

19.86

حسن وهذا إسناد ضعيف

9

6.16

حسن لغيره

22

15.07

حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف

75

51.37

حديث قوي بطرقه وهذا إسناد ضعيف

1

0.68

          وللوهلة الأولى يظهر للمتأمِّل من هذا الجدول حجم الأحاديث الضعيفة التي انجبرت بغيرها ، فارتقت إلى درجة من درجات القبول ، ودخلت ضمن مجموع السنَّة المُعتبرة عند أهل هذا الفن ، فلم تُهمل هذه الطائفة الشريفة من الوحي المبارك كما أراد بعضهم ، فعُلم أن دعوتهم لإتلاف ضعيف السنَّة : فكرة مُستعجلةٌ لا اعتبار علميًّا لها ، فلا ينبغي لطلاب التربية أن يلتفتوا إليها ، وإنما عليهم بالسواد الأعظم من أهل هذه الصناعة الشريفة ، لا سيما من الأئمة المُتقدِّمين .

          وأبعد من هذا ما نقله الإمام السخاوي في فتح المغيث (1/130) من كلام الإمام النووي على المرويَّات القاصرة ، التي لا ترتقي بمجموع طرقها إلى أدنى درجات القبول بوجهٍ من الوجوه ، ومع ذلك ترتفع – بمجموع هذه الطرق القاصرة - درجة عن مرتبة المردود المُنكر ، فقال : ( الحديث بكثرة طرقه القاصرة عن درجة الاعتبار ؛ بحيث لا يجبُر بعضها بعضاً : ترتقي عن مرتبة المردود المُنكر ، الذي لا يجوز العمل به بحال : إلى رُتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في الفضائل ) ، فهذه اعتبارات علميَّة مُحكمة ، ودرجات ومقاييس دقيقة ، تهدف كلُّها إلى تعظيم الوحي المبارك ، والحرص عليه ، والحذر من إهمال شيء منه ، ولو كان ذلك باحتمال ضعيف ، فما لا يرقى من المرويَّات للاحتجاج الشرعي ، فلا أقلَّ من إعماله في الفضائل إن كان مُقارباً .

          وهذا بغضِّ النظر عمَّا وقع ويقع - في العادة - بين المتخصِّصين في علوم الحديث ؛ من خلاف اجتهاديٍّ في تقويم مراتب بعض المرويَّات الضعيفة ، سواء كان في هذه العيِّنة المُختارة من مسند الإمام أحمد أو في غيرها ، فالتَّطابق التَّام بينهم على حكم كلِّ رواية ضعيفة : أمر بعيد ، ومع ذلك فلا مطْعن في شخْصِ أحدٍ منهم فيما انتهى إليه اجتهاده ؛ إذ لا بدَّ أن يبقى الخلاف في بعضها قائماً ، إلا أن أحكامهم على جملتها لن تختلف كثيراً ، كما تقدَّم في الجدولين الأوَّليْن .

          ولهذا ما زال علماء الحديث – في القديم والحديث - يتجاذبون كثيراً من هذه الأحاديث الضعيفة ؛ فيتنازعون في تعيين مراتبها ، كلٌّ حسب اجتهاده ، فلو طُلب منهم أن يتَّفقوا على فصل الصحيح عن الضعيف : لاختلفوا في تعيين كثير منها غاية الاختلاف ، بل لو أُلجِئَ مُتحمِّس للسنَّة الصحيحة إلى أن يُقْسِم بالله على حديث ضعيفٍ بعينه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقلْه : لمنعه الورع عن ذلك ، ولهاب الإقدام على مثل هذا ؛ لوجود احتمالٍ ما في نسبته ، أو نسبة بعضه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا ذكر الإمام السيوطي في كتابه تدريب الراوي (1/149) أن بعض علماء الحديث منعوا من الجزم ( بتضْعيف الحديث اعتماداً على ضعف إسناده ؛ لاحتمال أن يكون له إسنادٌ صحيحٌ غيره ) (انظر أيضاً: علوم الحديث لابن الصلاح 92-93) ، في حين أن هذا المُتحمِّس لن يتردَّد في الحلِف على خبر موضوع مكْذوب .

         بل إن الخبر المُختَلف في كذبه – رغم عدم الاعتبار به - خيرٌ من الخبر المُتَّفق على كذبه ، فكما أن من بين الأخبار الصحيحة المُعتبرة شرعاً : ما هو أصحُّ وأفضل ، أو ما عُبِّر عنه بأصحِّ الصحيح ، فكذلك في الأخبار الواهية ما هو أوهن وأحطُّ ، حتى ينتهي كلٌّ منهما إلى طرف ؛ فينتهي أفضل الصحيح وأصحُّه إلى التواتر ، وينتهي أردأ الواهي وأحطُّه إلى الوضع والكذب المحض .

         وبهذا يُفهم أنه ليس كلُّ ما رُويَ ضعيفاً من الأخبار : أنه باطل من كلِّ وجه – تماماً - كحال الخبر الموضوع ، فهذه تسوية باطلة ، وإنما هي درجات ومقاييس معتبرة ، فقد يعتري الخبر الصادق شيء من الخلل ، فيأتي مُضْطرباً لا يقبله النقَّاد ، ولعلَّ في ضرب المثال ببعض ما رُوي ضعيفاً من أخبار الفتن : ما يُوضِّح المُراد ، فقد حدَّث النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – بالكثير من أخبار آخر الزمان ، وما سوف يعتري الأمة في زمن ضعْفها من سوء الأحوال ، وربمَّا حدَّث أصحابه بتفاصيل ذلك يوماً كاملاً ، من بعد صلاة الفجر حتى غروب الشمس ، فما ترك شيئاً من مقامه ذاك إلى قيام الساعة إلا حدَّثهم به ، حتى إنه ما من صاحب فتنة له أتباعٌ إلا وقد سمَّاه لهم ، فكان أعلم أصحابه – رضي الله عنهم – أحفظهم لأكثر تلك الأخبار ، ومع ذلك لم تُنقل هذه الأخبار على الكمال كما نُقل غيرها ؛ لِما كان فيها من الحرج الاجتماعي والسياسي ، ممَّا قد يُعرِّض الراوي لها إلى الأذى .

         ولهذا أحجم عن هذا النوع من الرواية سيد الحفَّاظ أبو هريرة وحذيفة – رضي الله عنهما – وغيرهما ممَّن حفظ كثيراً من أخبار الفتن ، خوفاً على أنفسهم من التهْلكة ، ومع ذلك لم يكتموا العلم حذراً من لحوق الإثم ، فكانوا يُخبرون بمحفوظاتهم هذه سرًّا لمن يثقون فيهم ، فيقلُّ عدد رواة هذه الأخبار عنهم ، فلا تنتشر كغيرها من الروايات الأخرى ولا تسْتفيض ، وقد يتبادرها من لا يكون مرضيًّا في ضبطه أو عدالته ، فيأتي كثيرٌ منها مضطرباً بأسانيد ضعيفة أو ربَّما مُتهالكة ، حتى إذا حضر زمان تحقُّقها ، وانطبق بعضها على جانب من واقع الأمة - بغير تكلُّفٍ ولا تجاوز - صدَّق الناس بمضمونها عندئذٍ ، مع بقاء أحكام أسانيدها على حالها ، فليس السند - على الدوام – هو الفيصل الوحيد في قبول الرواية ، فقد تُردُّ الرواية الصحيحة السند لشذوذ متْنها ؛ إذ لا تقتضي – دائماً - صحَّة السند : صحَّة المتن (انظر: مقدمة تحقيق المسند لشعيب الأرنؤوط 1/146) .

          وفي الجانب الآخر فقد تُقبل الرواية الضعيفة السند لسلامة متنها ، أو لاشتهارها وقبول عموم العلماء لها ، لا سيما إذا أجمعوا على صحَّة معناها (انظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/66-67) ، وقد سبق أن اتفق الفقهاء على إعمال حديث : ( لا وصيَّة لوارث ) ، واعتبروه أصلاً في بابه ، رغم ما في سنده من مقال (انظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري 6/212) .

         ومن لطيف ما يُذكر في هذا الباب : الحديث الذي ورد فيه ذكر السقَّارين ، وهم قومٌ من الأمة يظهرون في آخر الزمان ، تكون تحيَّتهم اللعن إذا تلاقوْا ، فالحديث رواه الإمام الحاكم في المستدرك (4/444) وصحَّحه ، وخالفه الإمام الذهبي فحكم عليه بأنه مُنكر ، وكذلك الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (1/353) ، ومع ذلك انطبق وصف الحديث على واقع طائفة ليست قليلة من الشباب المعاصر ، لا تُخطئهم العين ، ولا تفوتهم الأذن ، وهم يستفتحون حديثهم فيما بينهم – في أنديتهم وعبر هواتفهم النقَّالة - بالتلاعن والعياذ بالله تعالى ، فلئن كان انطباق المتن على الواقع - على هذا النحو - لا يرتقي بسند الحديث ؛ فإن التكْذيب بمتْنه صعب وقد شهد له الواقع ؛ ولهذا كثيراً ما يصف العلماء متن بعض الأحاديث بالصحَّة ، مع ضعف أسانيدها .

         وممَّا يُستأنس في هذا الباب – مع الفارق - تقديم الإمام مالك لعمل أهل المدينة على الحديث الصحيح ، إذا جاء مخالفاً لما كان عليه عملهم ، فهذا إعمالٌ للواقع المُسْتفيض ، فكيف إذا عضَد الواقع حديث ضعيف ، أو منكرٌ كحديث السقَّارين ، أفلا يكون مضمون هذا الخبر مُعتبراً بوجهٍ من الوجوه ، ما دام أنه ليس بموضوع ؟! وقد جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 301) ، وهو يتحدَّث عن بدع شهر رجب ، أنه قال : ( والحديث إذا لم يُعلم أنه كذبٌ : فروايته في الفضائل أمرٌ قريب ، أما إذا عُلم أنه كذبٌ : فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله ) ، وقال في الفتاوى (1/250) : ( أحمد بن حنبل وغيره من العلماء : جوَّزوا أن يُروى في فضائل الأعمال ما لم يُعلم أنه ثابتٌ ، إذا لم يُعلم أنه كذب ) ، فالخبر المكذوب لا يُروى مُطْلقاً ، أما المُحِتمل للصدق – ولو كان ذلك يسيراً – فالأمر فيه واسع بشروطه .

         وخُلاصة الأمر في مسألة استخدام الحديث الضعيف في المجالات التربويَّة : هو جواز العمل به من غير حرج ، فيما فيه تربية وتهذيب ، وترغيبٌ وترهيب ، وأدبٌ وخُلق ، ممَّا تكون أسانيدها مُقاربة ، ومعانيها شرعيَّة صحيحة ، فلو راجع الباحث التربويُّ القسم الضعيف من تراجم أبواب الإمام البخاري في كتابه الأدب المفرد ؛ لوَقف على استنباطاته التربويَّة الفريدة في ذلك ، ممَّا لا يستغني عنه المُشْتغل بالتربية ، لتكون هذه المرويَّات الضعيفة مُكمِّلة لما رواه الإمام صحيحاً في باقي أبواب الكتاب ، فلا يُحْجم عن الضعيف إذا وجد فيه ما يخدم بحثه .

         وكذلك العمل مع باقي كتب السنَّة ، فلا يمتنع الباحث التربوي عن إعمال حديثٍ ضعيف ، يحمل معنىً تربويًّا ينتفع به ، إذا لم يقف على ما هو أمْثل منه ، لا سيما إذا كان الضعيف يحمل معنىً تربويًّا مُضافاً ، مع أهميَّة التوثيق العلمي في كلِّ ذلك ، والإشارة بدقَّة إلى مصدر الحديث من كتب السنَّة الأصليَّة ، ودرجته من الصحَّة والضعف ، مُقلِّداً - في هذا - أهل الفن من المتقدِّمين والمُتأخِّرين ، فمثل هذا سهلٌ مُتاحٌ لجميع الباحثين في هذه الأيام ، فلا عذر للباحث في إهماله ؛ لأنه في مقام البحث العلمي ، وليس في مقام الوعظ والتذكير ، فيُعبِّر بالصيغ المناسبة عن الصحيح الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبلغ من تعبيره عن الضعيف المُقارب ، على نحو ما اصطلح عليه المُحدِّثون من صيغ التضْعيف ، فلا يكون إيراد الأثر الضعيف في البحث مقصوداً لذاته ، وإنما لمعنىً علميٍّ وتربويٍّ مُعتبر ؛ إذ الولَع بإيراد الأخبار الضعيفة ، وإهمال الأخرى الصحيحة : لا يُعدُّ مسلكاً علميًّا صحيحاً ، لمن رام أن يكون باحثاً تربويًّا مرموقاً ، أما ما ورد موضوعاً أو واهياً من الأخبار الساقطة : فلا سبيل لطالب العلم للانتفاع بها على أيِّ وجه كان .

         ومن لم يكن منهم مُميِّزاً بين صحيح الأخبار وسقيمها ، من خلال مهارة الرجوع إلى مصادر السنَّة المُعتبرة والمُحقَّقة : فأقلُّ ما يجب عليه أن يُقوِّي ملكته الفطريَّة ، التي تُعينه – بتوفيق الله تعالى – على التمييز – ولو بصورة مبدئيَّة – بين ما يجوز الاستشهاد به من الآثار ، وما لا يجوز منها ، وليكن دليله لتقوية هذه الحاسَّة الفطريَّة كتاب : المنار المنيف في الصحيح والضعيف للإمام ابن القيِّم ، فقد ذكر فيه جمعاً من القرائن العلميَّة ، التي يُستدلُّ بها على الأخبار المكْذوبة ؛ كالمبالغات والمجازفات المُفْرطة ، والغرائب والتهاويل والشطحات العجيبة ، لا سيما ما كان سمجاً ركيكاً من الألفاظ والمعاني ، التي يُكذبها الحسُّ المُرهف ويمُجُّها ، ممَّا يُعْلم أن مثله لا يصدر عمَّن أُوتيَ جوامع الكَلِم – عليه الصلاة والسلام – خاصَّة ما كان مُخالفاً لصريح القرآن الكريم ، والثابت الصحيح من السنَّة المُطهَّرة ، وما كان موضع إجماع الأمة ، ممَّا هو معلومٌ عامٌ عند عموم المسلمين ، فيعلم الطالب الموفَّق – من خلال هذه القرائن – بطلان هذه المرويَّات ، أو على الأقل يحصل له نوعٌ من النفْرة النفسيَّة عند الوقف عليها .

  

]]>
Sun, 18 Feb 2018 12:29:56 +0300
الحاجة إلى التأصيل التربوي للمصطلحات الشرعيَّة وأهميَّته مقال شهر جمادى الأولى 1439هـ

الحاجة إلى التأصيل التربوي للمصطلحات الشرعيَّة وأهميَّته

          الحمد لله الذي علَّم بالقلم ، علَّم الإنسان ما لم يعلم ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يُضْلله فلا هاديَ له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، بلَّغ الرسالة ، وأدَّى الأمانة ، ونصح الأمة ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فقد استقرَّ في خلد المسلمين جميعاً ، أن الوحيين : الكتاب والسنة هما الأصلان الأساسان لكلِّ منطلقات الفرد والجماعة ، في كبار المسائل وصغارها ، فلا يعزب عنهما شيءٌ ممَّا تحتاج إليه الأمة لدينها ودنياها ، في أيِّ عصر ومصر ؛ بحيث يكون الوحي المنزَّل هو قاعدة العلم والعمل على وجه الدوام ، في كلِّ مناحي الحياة وميادينها وأنشطتها المختلفة والمتنوِّعة ، فلا يُستثنى من ذلك شيء .

          ولقد اعتمدت أمة الإسلام الوحي المبارك : قاعدة أصيلة في مسيرتها الحضاريَّة الشاملة ، عبر قرونها المديدة ؛ فقد كانت النصوص الشرعيَّة المحكمة ، والأحكام الشرعيَّة المستنبطة ، والقواعد الفقهيَّة والأصوليَّة الضابطة ، وما لحق بها من علوم الآلة العلميَّة الأخرى ، كلُّ هذه المعارف والعلوم الأصيلة والرديفة : كانت وما تزال رفيقة المسيرة الحضاريَّة للأمة الإسلامية في غالب أطوارها ، لا سيما في عصورها الذهبيَّة ، وما ضعف عطاء الأمة المعرفي ، وخفت بريقها العلمي : إلا حين اختلَّت درجة ارتباطها بعلومها الأصيلة وآلاتها الضابطة ، فما زالت تتراجع في عطائها الحضاريِّ بقدر ذلك الاختلال ، فبعد أن كانت الأمة ملء السمع والبصر في كلِّ ميادين الحياة الإنسانيَّة : غدت - في عصورها المتأخِّرة - محصورة في زاوية ضيِّقة من الحضارة المعاصرة ، لا تكاد تُحسن شيئاً مما يُجيده الآخرون ، حتى الاقتباس الحضاري ، الذي يأتي أوَّل مهارات المُتخلِّفين المعاصرين ، والتي غالباً ما يُحسنونها ، فيُقلِّدون الآخرين فيما تُطيق حملَه عظامُهم الهشَّة ، ومع ذلك تتعثر الأمة في مسيرها الحديث ، في أسهل مُتطلَّبات الحياة المعاصرة ، ممَّا هو لصيقٌ بحاجات الناس اليوميَّة المعتادة ؛ في طعامهم وشرابهم ولباسهم ، وفي اتصالاتهم ومواصلاتهم ، وما جاء مخالفاً لهذا الوصف الواقعي فهو نادرٌ ، والنادر – عند العقلاء – لا حكم له .

         وعند النظر في واقع الأمة المُتردَّي : يجد المتأمِّل أن الأزمة في أصلها وحقيقتها إنسانيَّة الطابع بالدرجة الأولى ، فكلُّ ما لحق الأمة من السوء بصورة عامَّة ، فقد سبق أن لحق الإنسانَ مثلُه بصورة خاصَّة ، فما تردَّت الأمة وهوت ، إلا بعد أن تردَّى إنسانُها وهوى ، فهو – دائماً – في كلِّ أمة ؛ إما أن يكون عنصر خيرها ، وإما أن يكون عنصر شرِّها ، ولهذا تحرص الأمم المتقدِّمة - في هذا العصر - على الإنسان بهذا الاعتبار ، فتعمل على بناء شخصيَّته ليكون عنصراً اجتماعيًّا نافعاً لأمته ، وذلك بقدر ما ادَّخرته - تلك الأمم - من خبراتها المعرفيَّة المُتراكمة ، وبقدر ما حفظته من ثقافاتها التراثيَّة المُتوارثة ، فبالمعرفة العلميَّة تتقدَّم الأمم ، وبالثقافة الموروثة تأْتلف وتتَّحد ، وبهما معاً تنهض وتستمر ، ويكون البناء الحضاري ثمرة لهذا التلاحم الضروري بين المعرفة العلميَّة والثقافة الأمميَّة .

          والحالة الحضاريَّة عند الأمة الإسلاميَّة أبلغ من الحالة عند غيرهم ؛ فهم إنْ اتَّحدوا مع الآخرين في العنوانيْن : الثقافيِّ والمعرفيِّ ؛ فإنهم – بكلِّ حال – ينفردون عن الجميع في المضمون الثقافي ، وفي الهدف المعرفي ، ففي الوقت الذي ضلَّت جميع الأمم المعاصرة في ثقافاتها ، المتضمِّنة : لأديانها ، وعاداتها ، وتقاليدها ؛ فإن أمة الإسلام – في الجملة وعلى الدوام – مهتديةٌ في دينها ، مُعاذةٌ من الضلال العام ، لم يفتْها من دينها المُنزَّل قليلٌ ولا كثير ، حتى وإن لحقها شيءٌ من سَنَن مَن كان قبلها من الأمم السالفة ؛ فإنها دائماً مُتجدِّدة في كيانها ، مُتيقِّظة لفسادها ، مُتنبِّهة لضلالها ، لا يسري عليها ما يسري على غيرها ؛ فليس عند غيرها ما يرجعون إليه – عند التنازع - للاهتداء ، إلا ما خلَّفه رهبانهم وقساوستهم من الصحائف المحرَّفة ، أو ما تفوَّه به كُهَّانهم من الأهواء المُضلِّلة ، أو ما سطَّره فلاسفتُهم من الآراء المُحيِّرة ، وما كان من شيءٍ سوى ذلك ، فلا يعدو أن يكون جهوداً فرديَّة ، يزعم أصحابها الإصلاح ، وفق رؤاهم وتصوُّراتهم المُضطَّربة عن الكون والحياة والإنسان .

         وأما انفراد أمة الإسلام عن غيرها من باقي الأمم في الهدف المعرفي ؛ ففي إدراج المعرفة بكلِّ تفصيلاتها ضمن مفهوم العبوديَّة لله تعالى ، فكلُّ نشاط علميٍّ صالح ، وأداء معرفي نافع ، واجتهاد عقليٍّ مُثمر ، يتعاطاه المسلم في مسيره الحضاري ؛ فإنه يُسجَّل له حسنات في صحائفه ، ويندرج ضمن مفهوم العبادة الشامل لكلِّ أعمال الإنسان الصالحة .

        وهذا المفهوم التعبُّدي للهدف المعرفي من شأنه : ضبط مسيرة البشر الحضاريَّة بتوحيد غايتهم ، وفق مفهوم استخلاف الإنسان في الأرض ؛ إذ ليس للبشر المُستَخْلفين في الأرض أن ينِدُّوا عن نهج العبوديَّة لله تعالى ، فيختاروا لأنفسهم بين أن يعبدوا الله أو أن لا يعبدوه ، فضلاً عن أن يتخيَّروا لأنفسهم آلهة أخرى يعبدونها من دونه سبحانه .

        وعلى إحكام الشعبتين معاً : الثقافيَّة والمعرفيَّة ، وصلاحهما من جهة المضمون والهدف : تبلغ الحضارة الإنسانيَّة مداها المُقدَّر دون انقطاع ، ويبقى عطاؤها الإنسانيُّ مستمرًّا دون اختلال ، فالبشريَّة باقيةٌ على هذا الحال الصالح من وعد ربِّهم تبارك وتعالى ، حتى يكون الخلل والتفريط من جهتهم ، والانقلاب والنكوص من قِبَلهم ، فلا وعد لهم حينئذٍ ولا أمان : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (14/6) .

         وبناء على ما تقدَّم : تظهر أهميَّة تربية الإنسان لمهمَّة الاستخلاف في الأرض ، وفق الطيِّب الثقافيِّ والصالح المعرفيِّ ، كما تظهر أيضاً مركزيَّة الإنسان الصالح في مشروع البناء الحضاريِّ للأمة الإسلاميَّة ، ومن هنا يبرز الدور التربوي الرائد لمنهج التربية الإسلاميَّة ، وضرورته الحضاريَّة في بناء الإنسان الصالح ، الذي أناط به الخالق – جلَّ وعلا – مهمَّات الاستخلاف في الأرض ، وفق نهج هدايته ، وحسب سبيل سنَّته .

        ووضْع هذا المنهج التربوي المنشود - لبناء إنسان الحضارة الصالح - لا يأتي من أوهام ثقافيَّة قاصرة ، ولا من آمال اجتماعيَّة زائفة ، ولا من خروص فكريَّة وافدة ؛ وإنما يأتي من عمق الثقافة الإسلامية وأصولها الدينيَّة المستنبطة من الوحي المبارك ، وإلا فكيف لمنهج الشرك أو الفسق أن يبني موحِّداً أو تقيًّا ؟! ومعلومٌ أن المنهج التربوي الأجنبيَّ : يُنتج إنساناً أجنبيًّا ، وكذلك المنهج المختلط بين هُويَّتين – هو الآخر – يُخرج وليداً قاصراً مشوَّه الشخصيَّة ، لا يصلح للبناء الحضاريِّ المتميِّز .

         وغنيٌّ عن التنويه هنا إلى أن الْتقاط الحكمة الصحيحة عن الآخرين : هو من مقتضيات مفاهيم الإسلام الثقافيَّة وتفاعلاتها الحركيَّة ، ولكن هذا لا يجوز البدء به ما لم تستوفِ الأمة حقوق تراثها الثقافيِّ واستحقاقاته الواجبة أوَّلاً ، قبل أن تنظر إلى ما عند غيرها ، فإن العاقَّ لذويه لن يبرَّ الآخرين ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى : لا بدَّ أن تمتلك الأمة المنهج الراشد لمهارات الاقتباس الحضاري، وذلك قبل أن تخوض تجارب الآخرين وثقافاتهم .

        ثم هذا الذي تجرَّأ بالاقتباس من ثقافات الآخرين وتراثهم : بأي منهج تُراه يأخذ عنهم ؟ فإن بعض الموتورين من المتغرِّبين : لا يرى بأساً في أن يأخذ عنهم كلَّ شيءٍ يجده ، حتى ما اتفق عليه العقلاء أنه ساقط ، بل إن الباحث الدقيق يعجز أن يجد في بعض كتبهم وأبحاثهم المنشورة : لفظ الجلالة المعظَّم ، واسم الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم- فضلاً عن أن يجد الآية من القرآن ، أو الحديث من السنة ، باعتبار أن التربية عندهم شيءٌ آخر غير الدين ، بل إن أحدهم يتحاشى في تعبيراته كلمة الإسلام في وصف البلاد العربيَّة ، فيستخدم كلَّ مفردة لغويَّة أوتيها على أن يصف العرب بالإسلام ، فمثل هؤلاء العميان التائهين : إذا قُدِّر أن أُسندت إليهم مسئوليَّات الاقتباس التربوي عن الآخرين ، فماذا تُراهم يُخرِجون لأمتهم من المناهج التربويَّة ؟!

         ومن زعم منهم أنه يمتلك منهجاً مُتقناً للأخذ عن الآخرين من غير أهل الملَّة : فليُبْرزه للتقويم إن كان صادقاً ، فإن الذي لا يُفرِّق – من هؤلاء - بين التوحيد والشرك ، ولا يُميِّز بين الوحي والرأي ، ولا يعرف معنىً لاستخلاف الإنسان في الأرض ، ولا يفهم هدفاً للأمانة التي حمَّله الله تعالى إيَّاها ، ولا يراعي حتميَّة معاده في الآخرة ، فمثل هذا كيف يسوغ للأمة أن تأمنه على وضع منهج تربيتها ؟ فإن طريق الاقتباس محفوفةٌ بالمخاطر العقديَّة والأخلاقيَّة ، إضافة إلى ما يُتوقَّع من الاختلالات الفكريَّة - بسبب المنهج الوافد - في بناء الشخصيَّة الإسلامية المنشودة ، التي يزعم هؤلاء المقتبسون أنهم يتجاوزونها بأساليبهم الخاصَّة ، وبما يدَّعونه لأنفسهم من خبرات ومهارات علميَّة ومعرفيَّة ، تخوِّلهم حقَّ الأخذ عن غير أهل الإسلام .

         ولقد شهد الواقع القريب زيف دعاوى هؤلاء وخروصهم ؛ فقد أُوتوا الفرصة التربويَّة تلو الأخرى ، وملَكوا بالفعل زمام مؤسسات التربية ومراكزها في العالم الإسلامي الحديث عقوداً من الزمان : إدارة ، وتأليفاً ، وتنظيراً ، فما زادوا الأمة – في أزماتها التربويَّة - إلا خبالاً ، رغم أن مَن كانوا من الأمم في شرق آسيا وجنوبها في حضيضٍ حضاريٍّ إلى عهد قريب : تجاوزا المسلمين اليوم بمراحل ، فلن يكون من الحكمة أن يُمكَّن هؤلاء من جديد بعد كلِّ هذا الإخفاق ، وقد خابت مساعيهم ، وظهر للناس عوارهم ؛ في حين أن الواجب الآن المتعيِّن شرعاً : هو التقويم لما سلف من جهودهم ، وفق المعايير الشرعيَّة والعلميَّة .

         إن أمل الإصلاح التربوي في العالم الإسلامي : معقودٌ على منهج التربية الإسلامية وحده ، فلا يُنازعه دخيلٌ في مكانه وموضعه من مؤسسات التربية ، فهو منهجٌ ربَّانيٌّ لا يقبل الشرْكة في أصوله ومبادئه ، ولا في منطلقاته وأهدافه ، يستلهم تراث الأمة الثقافيَّ وينطلق منه ، ويفهم الواقع الحضاريَّ ويُراعيه ، فيجمع بكفاءة بين الأصالة والمعاصرة ، ويفرِّق – في اختياراته التربوية –  بين الثابت والمتغيِّر ، ويعرف - تماماً – ما يُقتبس عن الآخرين وما لا يُقتبس ، فهو منهج تربويٌّ راشد بكلِّ المعايير .

         ومع كلِّ هذا ، فإن هذا المنهج المنشود : لا يعمل من تلقاء نفسه ؛ لا في بنائه ولا في أدائه ، وإنما هو ثمرة جهد الإنسان المُجتهد ، الذي يعيش خضوع العبوديَّة لخالقه جلَّ وعلا ، فلا يتجاوز في بنائه لهذا المنهج معالم دينه ، ولا يتعدَّى في أدائه حدود شرعه ، فهو في نطاق العبوديَّة في البناء والأداء .

         وهذا يقتضي بالضرورة استيعاب المنهج للمعالم الدينيَّة الكبرى ، التي يقوم عليها البناء الإسلامي ، فيما يتعلَّق بمفهومي : الإسلام والإيمان ، وما ترمي إليه الشريعة من حفظ المقاصد الخمسة الضروريَّة : الدين ، والنفس ، والعقل ، والعرض ، والمال ، وما يلحق بذلك من خارطة العلوم الإسلاميَّة ، وما يتبع ذلك من المفاهيم العلميَّة والاصطلاحيَّة ، التي غالباً ما تشكِّل عائقاً علميًّا للباحثين التربويين ، عندما يتعاطون مع هذه العلوم ، فيصطدمون بمصطلحات شرعيَّة وأخرى لغويَّة ، لم يسبق لهم التعرُّف عليها في مراحلهم الدراسيَّة السابقة ، ولهذا كثيراً ما يُحْجم الباحثون التربويُّون عن خوض مفازة المصطلحات الشرعيَّة ، باختيارهم موضوعات تربويَّة غير تأصيليَّة ، خوفاً من الخطأ الشرعي ، وإيثاراً للسلامة ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى : رغبة بعضهم في الدعة ، وتجنُّب التحدي البحثي ، الذي يتكلَّف فيه الباحث – عادة - أضعافاً من الأداء العلمي ، ويُكابد فيه مزيداً من الإرهاق النفسي ، ويتحمَّل كثيراً من الجهد الذهني ، فرغم إحْجام كثير من الباحثين عن خوض تجربة هذا النوع من المعاناة العلميَّة ، فإنهم – بإحْجامهم هذا – يُفوِّتون على أنفسهم تجارب : علمية ، ونفسية ، وذهنيَّة ، لا يمكن لهم اكتسابها في غير هذا السبيل ؛ فإن المعاناة البحثيَّة وصعوباتها المُتنوِّعة : جزءٌ أصيلٌ في بناء شخصيَّة الباحث ، وقاعدة مهمَّةٌ في إعداده لحياة علميَّة واعدة .

         إن من أهم مهمَّات منهج التربية الإسلاميَّة في هذا العصر : هو تذليل السبل الكفيلة بدخول الباحثين التربويين إلى مختلف العلوم الشرعيَّة ؛ ليتمكَّنوا من الجمع بكفاءة بين التربية والشرع ، في ضوء ما يُسمَّى بالبحوث البينيَّة ، وهذا لا يتأتى إلا بالبدء الجاد في التأصيل التربوي للمصطلحات الشرعيَّة ؛ بحيث يُعرَّف المصطلح الشرعي تعريفاً تربويًّا يفهمه التربويُّون ، مع الإبقاء على اسم المصطلح ورسمه ، حتى لا يستهجنه الشرعيُّون ، ومن ثمَّ يُصنَّف المصطلح تصنيفاً تربويًّا ، ضمن مجالات التربية وحقولها وفروعها المتعدِّدة : الإيمانيَّة ، والتعبديَّة ، والأخلاقيَّة ، والاجتماعيَّة ، العقليَّة ، والجسميَّة ، الاقتصاديَّة ، والمهنيَّة ، والسياسيَّة ، والجماليَّة ، والفنيَّة ، والبيئية ، ونحوها من المجالات التربويَّة الكثيرة ، فيُخرَّج المصطلح الشرعي تخريجاً تربويًّا قابلاً للتصنيف التربوي ، ممَّا يُمكِّن الباحثين ويسهِّل عليهم خوض التجربة البحثيَّة في العلوم الشرعيَّة ، وفق معالم ومجالات التربية وحقولها المتنوِّعة ، ممَّا يُهيئ للباحثين بيئة علميَّة خصبة لبحوث جديدة رائدة ، ويفتح لهم آفاقاً علميَّة واسعة ومتجدِّدة .

         ولعلَّ في ضرب المثال ما يُوضِّح المقصود بالتأصيل التربوي للمصطلح الشرعي ؛ ففي مصطلح : ( اللُّقَطَة ) عند اللغويين : هو من الالتقاط ، وهو الأخذ والتناول ، وهو عند الشرعيين في الاصطلاح : مالٌ محترم يجده الإنسان ضائعاً في الطريق ، سواء كان نقداً ، أو شيئاً ممَّا له قيمة ماليَّة ، ولا يُعلم صاحبه ، فمن وجده من المارَّة ، وعزم على أخذه : أُلزم بمعرفته وحفظه ، فهو أمانةٌ عنده ، وعليه الإعلان عنه ، وتعريفه مدَّة سنة ، وتسليمه لصاحبه إن حضر ، وإلا فهو بعد ذلك أحقُّ بالاستمتاع به ، وفق ضوابط ذكرها الفقهاء ، فهذا المصطلح إذا قُدِّم للتربويين على هذا النحو اللغوي والشرعي ، فلن يجدوا له موضعاً تربويًّا ، ولكن إذا قُدِّم المُصطلح بأبعاده التربوية : اختلف الأمر عندهم ؛ فاللُّقَطة قيمةٌ ماليَّةٌ مُعرَّضةٌ للضياع ، فهي من جهة حفظها : تنميةٌ في بعدها الاقتصادي ، وبحيازتها ورعايتها ، ومن ثمَّ تسليمها لأهلها : أمانة في بعدها الأخلاقي ، وبالإعلان عنها ، والبحث عن صاحبها : صلةٌ في بعدها الاجتماعي ، وهكذا يدخل المصطلح الشرعي في صلب المسألة التربويَّة ، فإذا أُخذت طائفة من هذه المصطلحات ، وفق هذا التأصيل التربوي أو نحوه : انفتحت أبوابٌ واسعة من المعرفة العلميَّة ، طالما كانت موصودة في وجوه التربويين .

         وبهذه الخطوة الضروريَّة تُقام الجسور الرابطة بين التربية والشريعة ، فيسهل على السالكين التردُّد بيسر بين التخصُّصين ، وهذا من شأنه - إن تمَّ على هذا النحو – أن يمنع من استمرار الأميَّة الشرعيَّة عند التربويين ، الذين ابتُليَ جمهورهم بها ، فإذا رافقت هذا المشروع مجموعة من المقرَّرات المنهجيَّة لطلاب التربية الإسلاميَّة ، في مهارات البحث في العلوم الشرعيَّة وفنونها : كان من تكامل هذين الأمرين خروج أبحاث علميَّة تأصيليَّة ، تُوطِّد الصلة وتقوِّيها بين المجالين : الشرعي والتربوي ، فيقوم التزاوج بينهما في نهجٍ علميٍّ متكامل ، وتُردم بذلك الهوَّة بينهما ، فينتج عقب هذا التزاوج : منهج التربية الإسلامية المنشود ، الذي عقدت عليه الأمة الإسلامية أملها في النهضة ، وقد رسخ تربويًّا أنه إذا صحَّت المُدخلات التربويَّة : صحَّت بقدر ذلك مُخرجاتها .

 

]]>
Tue, 16 Jan 2018 20:46:50 +0300
بصمات المعلمين مقال شهر ربيع الآخر 1439هـ

بصمات المعلمين

        بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه وأزواجه أجمعين ، أما بعد .. فعلى الرغم ممَّا مُنيت به شخصيَّة المعلم المعاصر ، من الاختلال والضعف والتراجع ، لا سيما في دول العالم الثالث ، التي تُعاني قوائم طويلة من أنواع القصور والتخلُّف والتعثُّر ، التي شملت جميع شؤون الحياة ، بما في ذلك قطاعات التعليم ، وما يلحق بها من المناهج الدراسيَّة ، والتجهيزات الفنيَّة ، والمُنشآت المدرسيَّة ، وما يتبعها من الإدارات التعليميَّة ، والميزانيَّات الماليَّة ، والأجهزة الرقابيَّة ، إضافة إلى الأنشطة التقويميَّة ، والخطط التطويريَّة ، والبرامج التجويديَّة ، ممَّا اجتمع بثقله على كاهل المعلم المعاصر ، الذي لم يعد يُطيق وحده حمل أعباء التخلُّف الحضاريِّ المُتراكم ، عبر عقود متطاولة ومتتابعة من عصور الانحطاط والتراجع ، التي عجزت عن حملها قطاعات المجتمع ومؤسساته مُجْتمعة ، حتى انهارت أمام حجم تكاليفها ، وعظيم أعبائها ومتطلَّباتها ، ثم أمام هذا الخضم الهائل من تكاليف النهضة ، ومشاقِّها المُضنية والعسيرة : تُرشِّح الأمة المعلم - بكلِّ ضعفه وهوانه وهزائمه - ليتحمَّل وحده أعباء هذه النهضة الحضاريَّة المنْشودة !! فتُعقد على عطائه المحدود : الأمانيُّ الحالمة ، وتُبنى على جهوده القاصرة خطط التنمية القادمة ، بكلِّ ما تتبنَّاه من الآمال والمطالب والأهداف ، باعتباره المسئول الأول عن تربية إنسان النهضة والتقدُّم .  

           وفوق هذا تُوكل إليه مهمَّة تفكيك منظومة التلاحم الظالم بين غالب مؤسسات المجتمع ، التي تكالبت عليه ، واجتمعت مُتَّحدة ضدَّه ؛ تقوِّض أركانه ، وتهدم بنيانه ، وتُعفي آثاره ، فعليه أن يدفع كلَّ هذا بنفسه ، وواجبٌ عليه – إضافة إلى ذلك - أن يحلَّ للتلاميذ : كلَّ تناقضات الحياة الاجتماعيَّة السائدة ، التي لم تعد مستورة عن صغير ولا كبير ، فهو مرجع المجتمع الوحيد لمهمَّة صناعة الإنسان الصالح ، بعد أن اتفق الجميع على تركها له ، فمهمَّته – المُوكلة إليه - أكبر من مهمَّات مؤسسات المجتمع كلِّها ؛ إذ على عاتقه يقوم بناء شخصيَّة الإنسان الشاملة لجوانبه : الإيمانية ، والتعبُّدية ، والروحيَّة ، والأخلاقيَّة ، والاجتماعيَّة ، والعقليَّة ، والأسرية ، والنفسيَّة ، والجسميَّة ، بحيث يتحوَّل المعلم إلى مجتمع ، فتتلخَّص جميع مهمَّات مؤسسات المجتمع المُتقاعسة في شخص المعلم الضعيف ، ثم تنسلُّ هذه المؤسسات من مهامِّها التربوية والتوعويَّة ، لينبري المعلم وحده يُعالج كلَّ جوانب الشخصيَّة المُتهالكة ، رغم قصوره الذاتي في نفسه من جهة ، وعجز مؤسسته التربويَّة في نفسها من جهة أخرى .

           ولو تأمَّل البصير في المؤسسة الإعلامية وحدها ، التي يُوكل إلى المعلم حلُّ لغزها المستعصي ، ومواجهة آثارها المُدمِّرة ، والتي ما زالت المنافس الأشرس لجهود المؤسسات التعليمية في جميع الأوطان المعاصرة ؛ فإنه لا بدَّ أن يصل إلى نتيجة مفادها : معضلة بلا حلٍّ .

            ولئن كان من عرف الباحثين النجباء : أن لكلِّ مشكلة حلاً ؛ فإن المسألة الإعلاميَّة بقيت مشكلة بلا حلٍّ ، فما زالت المؤسسات التربوية - على مدار عقود من المحاولات والجهود - تستجدي المؤسسات الإعلامية ، مُسترحمة إيَّاها للتخفيف من جرعات السوء ، التي تقوِّض بسرعة البناء التربويِّ البطيء في طبيعة مسيره ، وما زال صدى صياحها وعويلها في وجه المؤسسات الإعلاميَّة : يخفُت ويضعُف شيئاً فشيئاً ، حتى انتهى إلى القبول بالأمر الواقع ، والعمل على خطَّة التعايش بين المُتناقضات ؛ بين من يبني بأظافر مُقلَّمة ، وبين من يهدم بمعاول من حديد .

            وبهذا المثال يُفهم حجم المسئوليَّة التربويَّة ، فهذه واحدةٌ من المهام الصعبة العسيرة ، التي يُطالب المعلم ومؤسسته التربوية بإنجازها بكفاءة واقْتدار ، فكيف إذا اجتمعت عليه أزمات : الاختلال الأسري ، والفساد الاجتماعي ، والاضطراب النفسي ، والتراجع الاقتصادي ، والغزو الفكري ، إلى غيرها من قضايا الأمة الشائكة ، التي تفتقر جميعها – بالضرورة – إلى المعالجات التربويَّة المتفوِّقة والمُتقنة ، في عصر لم تعد فيه للمسلمين يدٌ في عمل شيءٍ ذي بال ، إلا أن يكون تقليداً زائفاً ، لا يُطابق الأصل ولا يُقاربه ، إلا في يسيرٍ من الشأن ، الذي لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر .  

         ولئن كانت كثيرٌ من الدول المُتقدِّمة في سلك التعليم ، ومرافقه ، وبرامجه ، وإداراته : تُعوِّل كثيراً على المعلم في نهضتها العلميَّة ، وتعتمد عليه باعتباره أسَّ العمليَّة التعليميَّة ، والأصل في بناء شخصيَّة الطالب ، والأداة الفاعلة في تكوين اتجاهاته العلميَّة ، والأقدر تربويًّا على استثمار ميوله ومواهبه العقليَّة ؛ فإن هذا الاعتماد على المعلم لم يأتِ من فراغ حضاريٍّ ، أو آمال طائرة حالمة ، أو خطط تنمويَّة عابثة ، وإنما هو ثمرةٌ طبيعيَّة لجهود التنمية الصادقة في قطاعات التعليم عامَّة ، في بناء شخصيَّة المُعلم خاصَّة ، إضافة إلى تعاون جمعٍ من مؤسسات المجتمع الرسميَّة والأهليَّة ، فمن خلال جهود كثيرة موجَّهة ومُقنَّنة ، وعزيمة صادقة ماضية ، وإعمالٍ موفَّقٍ للسنن الاجتماعيَّة : نال من نال منهم ثمار جهود عقودٍ من العطاء السخيِّ ، الذي شمل : الوقت ، والفكر ، والمال .

         ولئن لحق مؤسساتهم التربويَّة شيءٌ من المعاناة ، قريباً ممَّا لحق غيرهم في العالم الثالث ، فأنهم – مع ذلك - كانوا أقْدر على مواجهة التحدي التربوي ، وأكثر عطاءً علميًّا لمقاومته ، وأفضل أداءً تربويًّا في التعامل معه ، إضافة إلى الفارق الثقافي الجوهريِّ ؛ بين من يدين بقائمة من الفروض العقديَّة والعمليَّة ، وأخرى من المُحرَّمات الخلقيَّة والسلوكيَّة ، فلا يكون الواحد منهم مسلماً حقًّا إلا بها ، ومع ذلك تتسع في واقعهم دوائر التفريط ، فتختلُّ – بناء عليه - مُخرجات التعليم ، وبين من له دينٌ لا يكاد يلْتزم تجاهه بشيءٍ ، وإنما حدُّه ما يفرضه عليه القانون ، ومع ذلك يُكافح لنجاح مشروعه التربوي .

         وما كان لأحدٍ – في عُرْف الحياة الإنسانيَّة - أن يبلغ مراده دون تكْلفة يُؤدِّيها ، وعطاءٍ يُقدِّمه ، ومُعاناة يتجرَّعها ، فكيف بنهضة الأمم ، ووثوب الشعوب ، وقيام الحضارات ، فهذه أعظم كُلْفةً وبذلاً ، وأشدُّ قسوةً ومعاناة ، وأبلغُ في استهلاك الطاقات الفرديَّة والجماعيَّة ، وأمضى في استنْزاف الإمكانات والموارد الاقتصاديَّة ، وهي - بكلِّ حال - جديرةٌ بما يُبذل لها ، وحقيقةٌ بما يُنفق فيها ؛ من الوقت ، والجهد ، والمال .

         بل لو تطلَّبت النهضة مُهج طائفة من نخب المجتمع وقياداته : لم يكن ذلك كثيراً ، في سبيل الانعتاق من ربْقة الثالوث المُدمِّر : المرض ، والفقر ، والجهل ، الذي كان وما زال ينْخر كيانات المجتمعات الإسلاميَّة ، ويحصرها ضمن التعثرات المزمنة لدول العالم الثالث ، التي تعيش آثار إخفاقاتها المُتكرِّرة والشاملة ، وتحيا حبيسة تآمر أعدائها ومكرهم ، وتقْبع في أسر التكتُّلات الاقتصاديَّة والماليَّة الكبرى ، وما يتبعها من شرائط مجموعة البنوك الدوليَّة ، وصناديق الدعم المالي ، التي ما فتئت تُكبِّل الدول النامية : بالقيود والآصار المُرهقة ، التي تعُوق سبل نهضتها ، أكثر ممَّا يُزْعم من دعمها ؛ إذ لا مصلحة للدول الكبرى المُتنفِّذة ، في بلوغ الدول النامية الاكتفاء الذاتي ، الذي يُغْنيها – بإذن الله تعالى – عن التسوُّل الدولي ، ويسمح لها بخوض غمار التنافس الحر : المحليِّ والعالمي ، ويأذن لها بالمشاركة الفعَّالة ، في البناء الحضاري لثقافات أممها ، ومن ثمَّ تدخل – بعد حين - ضمن بُناة الحضارة الإنسانيَّة ، فتُسْهم في مسيرها التاريخي ، كغيرها من الأمم السابقة والمعاصرة ؛ فإن بناء الحضارة الإنسانيَّة ليس حكْراً على جنس من الناس ، أو طائفة من الشعوب ، أو دولة من الدول ، كما أنه ليس عصراً ماضياً من العصور ، ولا زمناً سابقاً من الأزمنة ، وإنما هو إسهامٌ بشريٌّ نافعٌ وشاملٌ ، سواءً كان كبيراً أو صغيراً ، قديماً أو حديثاً ، ممَّا يستحقُّ أن ينْدرج ضمن مسيرة الإنسان الحضاريَّة ، فلا يُستثنى من إسهامات الأمم السابقة والمعاصرة واللاحقة : إلا ما كان فساداً في ذاته ، أو كان سبيلاً إلى الفساد ؛ فإن الله تعالى لا يُحبُّ الفساد ولا المُفسدين .

          وليس في الأرض قوَّة ظالمة ، أو حاسدة ، أو طامعة : تستطيع أن تمحوَ أثر معرفة صالحة ، مِن أنْ تنضمَّ إلى سجلات الحضارة الإنسانيَّة ، فكلُّ مُنْتج طيِّب - معنويٍّ أو ماديٍّ - فهو هناك محفوظٌ للبشريَّة ، ومُنْدرجٌ – بصورة ما - في المسيرة الإنسانيَّة الطويلة ، سواءً نُسب المُنْتج إلى أهله ، أو لم يُنسب إليهم ، فكم هم الذين سرقوا كثيراً من حقوق الشعوب الفكريَّة ونسبوها لأنفسهم ، ثم تلمَّسوا حمدَ الناس على ما لم يفعلوا ؟! كعادة الظلمة المُتنفِّذين في كلِّ زمان ، حين تفترق القوَّة عن الحقِّ ؛ فيقوم الحقُّ بلا قوَّة ، وتقوم القوَّة بلا حقٍّ .

          وهذا أقصى ما يُمكن أن يفعله المُبطلون مع طيِّبات الآخرين : العلميَّة والعمليَّة ، ومع ذلك فالطيِّب النافع باقٍ للبشريَّة للانتفاع والاستمتاع ، وأما ما لحق به من الزبد الأجْوف ، فنور النهار كفيلٌ بأفوله ؛ إذ لا بدَّ للحقوق الحضاريَّة أن تُردَّ - يوماً ما - إلى أهلها ، فلا يُحمد عليها إلا من كابد معاناة إنتاجها ، وعالج خطوات صناعتها ، ورافق نموَّها حتى النضج ، وبذل في ذلك ما اعتاد أن يبذله كلُّ مُبدعٍ موهوب ، فهذه طبيعة الأشياء ولو كرهها الحاسدون ، وهي كذلك دائماً ولو أنكرها الجاحدون .

          وهكذا هي سنن الحياة الاجتماعيَّة ، التي وضعها الله تعالى في خلقه ، لا تبخل على أحدٍ بعطائها الحضاريِّ ، إلا على من بخل على نفسه بعطائه الجهادي ؛ فإن من زرع حصد ، وإلا كيف لسنن الله تعالى أن تتبدَّل ، من أجل جيلٍ مسلم مُشوَّهٍ أخْدج ، لم يتمَّ له نموَّه الطبيعي بعد ، فلم يزلْ يُمنِّي نفسه بالخوارق المُعجزة ، التي تأخذه مُنبطحاً على وجهه نحو علياء سامقة ، فيبلغ الثريَّا بلا تعب ولا عناء ، في الوقت الذي علَّم الإسلام أتباعه النابهين : بسنَّة العدل الربَّاني في سعة العطاء الدنيوي ، لكلِّ من اجتهد وجاهد ونصب : ( كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ) (17/20) ، فهذا حقٌّ قضاه الله تعالى لكلِّ كفاح ، وسنَّةٌ ماضيةٌ سنَّها الله تعالى لكلِّ اجتهاد ، لا تتخلَّف عن أحد ، إلا بقدر تخلُّفه عن شروطها .

            ولئن كان خير السنَّة الربَّانيَّة أبرَك على المؤمن وأعظم ، حين يلتزم شرطها ، ويؤدِّي حقَّها ؛ فإن خيرها لا يمتنع عن الكافر لكفره ، حين يُؤدِّي - هو الآخر - شرْطها وحقَّها ، وإلا من يُفسِّر كلَّ هذه الإنجازات الحضاريَّة ، التي سجَّلتها أممٌ سابقةٌ ومعاصرةٌ ، لم تُوحِّد الله تعالى قطُّ ، فضلاً عن أن تعبده – سبحانه – حقَّ عبادته ، مع ذلك أنجزت في مجالات الحياة الدنيا ، ما عجز المسلمون المُعاصرون عن قليله ، فضلاً عن الحديث عن كثيره .

          والناظر - للوهلة الأولى – يجد في الواقع المشاهَد مصداق هذا الفهم : واضحاً بيِّناً ، لا يُنكره إلا مكابرٌ أرعن ، يروم الطيران بلا جناح ، ويقصد إلى البحر بلا شراع ، ثم يأمل – بعد ذلك - في الفوز والفلاح ، ويطلب من العقلاء تصديقه فيما يزعم ، ومسايرته فيما يخرص !! والله تعالى يقول عن سنَّته الماضية : (...فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) (35/43) .

           ومع اجتماع كلِّ هذه العناصر المُحْبطة ، التي تُحاصر مشاريع الأمة التربويَّة ومؤسساتها ، وتعُوق بلوغها أهدافها ومطالبها : يبقى المعلم المشفق الحصيف أملاً صادقاً وحيداً للأمة المنكوبة ، حين لم يبقَ لها – بعد الله تعالى - ما ترْكن إليه من عناصر النهضة إلا المعلم ، صاحب الرسالة التربوية ، الذي يعرف نفسه ، ويفهم رسالته ، ويُقدِّر حجم مسئوليَّته ، وهو فوق ذلك مُدركٌ قدر طاقته ، في مواجهة عناصر الإحباط ، فلا ينبري لما لا يقدر عليه ، ولا ينشغل بما لا طائل وراءه ، فما عجز عن إنجازه المجتمع بأكمله ، فالمعلم بشخصه أعجز عنه وأضعف ، وإنما تبقى له بصماته التربوية ، المُفعمة بالإيمان ، والمشْبعة بالحياة ، والمضيئة بالنور : يُودعها قلوب براعمه الناهضة ، فيستودعها هناك بتوقيعه لتبقى فلا تُمحى أبداً ، حتى تُؤتي ثمارها اليانعة ، وَفق قدر الله تعالى وتقديره ، فهؤلاء الناشئة من الجيل الجديد : هم عناصر النهضة ليوم ما ، فبصمات المعلم للختم حاضرةٌ على الدوام ، وأقلامه للتوقيع مُرافقة له دون انقطاع ، ما دام مُخلصاً لدينه ، ومُشفقاً على أمته ، فهو مؤمنٌ برسالته ، موقنٌ بمستقبلها ، يبثُّها بذوراً صالحة للنماء ، فيستودعها كلَّ قلب حيٍّ ، ثم يمضي في سبيله إلى الأمام ، فلا يقف مُرتاباً ولا مُتشكِّكاً في جناها ، فإن ثمارها قادمةٌ لا محالة .

          وهكذا المعلم الناصح ، لا يلتفت إلى عوائق الطريق ، ولا ينتظر قوافل المتأخِّرين ، ولا يبالي بطابور المُثبِّطين ، فهو يعلم تماماً ما يفعل ؛ يزرع ثم ينتظر الحصاد ، فلا يبدِّد طاقاته النفسيَّة والعلميَّة في بُنيَّات الطريق ، ولا يستهلك نفسه في مواجهة جملة عناصر الإحباط ، ولا يهتمُّ لتهاويل القوم وتخاويفهم ، ولا لدعاياتهم وتزويرهم ، فتكاليف النهضة غاليةٌ الأثمان بطبيعتها ، وإنما الرخْص في غيرها .

]]>
Tue, 19 Dec 2017 18:59:12 +0300
التفتيش عن المنافقين مقال شهر ربيع الأول 1439هـ

التفتيش عن المنافقين

      

        الحمد لله تعالى وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده ، نبيِّنا وسيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد .. فإن حجماً كبيراً من الضياع الأخلاقيِّ ، والاجتماعيِّ ، والاقتصادي ، والسياسيِّ ، الذي يُكبِّل المسيرة الحضاريَّة للأمة المسلمة في عصرها الحديث : لا يُعرف له تفسيرٌ واضحٌ بيِّن ، غير أن آثاره المُعيقة للنهضة ، لم تعد خافية على المتأمِّلين في شؤون الأمة الإسلاميَّة العامة ، بل إن حجماً كبيراً من مشاعر الإحباط : قد خيَّم بظلاله القاتمة على قطاعات اجتماعيَّة واسعة ، لا سيما من فئات الشباب الناهض ، الذين غدوا أكثر تشاؤماً وريبة في توقُّعاتهم عن المستقبل ، في ظلِّ الإخفاقات الشعبيَّة الشاملة والمُتلاحقة ، التي أرخت بستورها السوداء على كلِّ أملٍ واعدٍ ، قد كانوا يتطلَّعون إليه مُشْخصين ، ويتغنَّون به فرحين ، فما زالت آمال الشباب تتكسَّر على صخور العوائق ، وأحلامهم تتبدَّد على وقْع الحقائق ، فما يزدادون – على مرور الأيام - إلا يقيناً لاحقاً من اليأس ، على يقين سابقٍ من القنوط .

           قد تتابع – كلُّ ذلك - مُتراكِماً على نفوس الشباب الغضَّة الطريَّة ، التي لم تعرُكها الحياة بعد ، ولم تُكابد قسوتها ، ولم تعاين شدَّتها ، التي اعتادها الشيوخ وألفوها ، فهم ما زالوا على أعتاب الحياة ومداخلها ، غير أنهم يدخلونها مُحْبطين مهْزومين ، من سجلِّ تاريخ التراجع والإحباط ، والتخلُّف والقصور والإخفاق ، حتى إنهم من فرط يأْسهم ، وشدَّة قنوطهم : لم يعودوا يثقون في وعود التنمية المستقبليَّة ، ولا في آمالها البرَّاقة ؛ فهم – في هذا العصر بالذات – أذكى من أن تستهْويهم الدعايات الإعلاميَّة ، أو تطمينات الخطط الإستراتيجية ، بل إن الوعد الصادق في ذاته : لم يعد مقبولاً عندهم ؛ لما قد سبق أن استقرَّ في وجدانهم ، ورسخ في عقولهم وأذهانهم ، من سلسلة الإحباطات المُتلاحقة ، التي يصعب معها تقبُّل مزيد من الصدمات النفسيَّة المرهقة ، التي عادة ما تُخلِّف وراءها شخصيَّات مأْزومة مُحْبطة ، وتترك بعدها نفوساً مضْطربة هشَّة ، لا تُطيق مزيداً من الإحباطات والإخفاقات ، ولا تتحمَّل أوضاعاً أخرى من التراجع والتخلُّف ، التي قد تبعث في بعض الشباب المُحْبط : اضطراب سلوكيًّا حادًّا ، ممَّا قد يُهيِّج إلى اضطراب اجتماعيٍّ عامٍّ ، هو أكبر من طاقات المجتمع على استيعاب تداعياته ، وأوسع من قدراته على احتواء آثاره وعواقبه .

          لقد غدت نفوس طوائف واسعة من شرائح الشباب المسلم : مريضة كئيبة ، تساورها شكوك المستقبل ، وتداخلها أوهام القادم ؛ فحجم كبير ممَّا يلْحق الشباب المُعاصر من الأمراض النفسيَّة ، وما قد يظهر عليهم من الاضطرابات السلوكيَّة : مردُّ كثير منها إلى جملة هذه المشاعر المُحبَطة في ذاكرتهم القريبة ، وإلى انسداد أفق الأمل في نفوسهم العليلة ، الذي عادة ما يدفع المتأزِّمين نحو أحد الطرفين البعيدين عن الوسط ، ممَّا يُهيئ – في مجموعه - لحمل أجنَّة التطرُّف والغلو ، والاستعداد لولادة الشخصيَّة الإنسانيَّة الرافضة ، التي لا تسمع ولا تُبصر ولا تفهم ، إلا ما تُمْليه عليها هواجس النفس المكلومة ، وما تبثه فيها من مشاعر الغضب والحَنَق ، وما يتبعها من مشاعر الرغبة في الأخذ بالثأر والانتقام ، التي تُعبِّر بنفسها عن حجم أزماتها الشخصيَّة ، وشدَّة آلامها النفسيَّة ؛ فتُفْصِح عن عميق حزنها ونكدها ، وتُعلن عن عظيم ضجرها وغيظها ، من واقع يائس بائس ، لا يرحم ضعف الإنسان ، ولا يُلبِّي ضروراته فضلاً عن حاجاته ، وإنما يخوض به دروب الأوهام ، ويلفُّه بأستار الظلام ؛ ليبقى حبيس الآمال الزائفة ، والوعود المُتكرِّرة الكاذبة ، يتصبَّر بهذه ، ويتأمَّل بتلك ، فما بلغ هذه ولا تلك ، فلا يُفيق المسكين لنفسه إلا على نهاية مطاف الزمان ، وآخر أوقات العمر ، فلا هو أنجز شيئاً يُقابل كدِّه الطويل ، ولا هو أنكر ظلماً يُكتب في سجلِّه الهزيل ، وإنما هو كومٌ من هباء خفيف ، وجلدٌ على عظم رقيق ، قد أنهكه زمان البؤس والشقاء ، وأضناه همُّ الليل وعناء النهار .

          في هذا الخضمِّ من زمان البُئْس ، وفي آثاره الكئيبة والحزينة : تغيب عن ضحايا المجتمع أسئلة مشروعة مُهمَّة ، بل أسئلة ضروريَّةٌ ومصيريَّةٌ مفْروضة ، لا تتحمَّل التأخير ، ولا تُطيق التأجيل : عن أسباب هذا النكد الطويل ، وعمَّن كان - وما زال - لهم مصالح من طول أمد هذا العذاب ، ممَّن يتأكَّلون بدوام بقائه ، فيجتهدون في سَقْيه وإرْوائه ، لتبقى لهم مواردهم الحرام ، من شقاء التُّعساء ونكدهم ، ممَّن يلْتقطون لُقَم قوتهم معجونة بعرقهم ، وربَّما يلْتقطها بعضهم ممزوجة بصديد جراحهم ، فهم كائنات بائسةٌ قاصرة ، لا تستطْعم ولا تتذوَّق ، قد استوى في حسِّهم كلُّ شيءٍ ، فلا تُميِّز بين حُلوٍ ومُرٍّ ، ولا بين طيِّب وخبيث ، وإنما هي أجرامٌ تُسمَّى طعاماً ، يقذفونها مضطرِّين في بطونهم من أجل الهضم ، لا تُسمن ولا تُغني من جوع ، وإنما تتلهَّى بها الأمعاء الخاوية أزمنة معدودة ، لتبلغ بأصحابها آجالهم المعلومة ، فتُسْلِمهم إلى مصارعهم المضروبة ، ليبلغوا قدرهم المحتوم ، وبه تكون لهم نهاية زمن التعاسة والأنكاد : ( يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ، الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ، يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (43/68-71) ، فإذا صحَّت الخاتمة على هذا النحو من القبول الإلهي ، والحفاوة الكريمة الربَّانيَّة : فما ضرَّ البائس زمان البؤس ، ولا ضرَّ المُعدم طول العوز ، ولا ضرَّ المضطَهد ألم الظلم ، فما هي إلا غمْسةٌ واحدةٌ في رحمة الله تعالى ، حتى يُمحى بها سابق الآلام والأحزان والمظالم ، فلا تبقى من آثارها إلا تبعاتها على المجرمين : ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ) (55/41) ، فهي أخذةٌ عادلةٌ لا بدَّ منها ؛ لحقِّ الله تعالى أولاً ، ثم لحقِّ المظلومين والمُضطَّهدين والمحرومين ثانياً .

           ولهذا فإن من حقِّ المظلومين أن يعرفوا خصومهم الألداء من الفئة المجرمة ، من مستترين وظاهرين ، وغائبين وحاضرين ؛ ليقفوا على أسباب نكدهم ، ويفهموا أسباب طول بؤْسهم ، فيشْفوا شيئاً من غليل صدورهم ، ويُنفِّسوا بعضاً من مخزون نفوسهم ، فمن انكشف من المُجرمين : انتقموا منه ، ومن استتر : كمنوا له ، ومن فاتهم بنفسه القبيحة فموعده القيامة : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ) (68/42) ، حينها ينكشف حال من كان في الدنيا مستتراً بدعوى الإيمان ، مُتعوِّذاً بشيء من شعائر الإسلام ، فإذا هو ليس من الإيمان ولا الإسلام في شيء ، قد بان المكنون ، وظهر المدفون ، إنهم المنافقون المُخادعون ، قد استتروا بكيدهم وراء مآسي المسلمين ، وتحصَّنوا بضلالهم في خنادق الكافرين ، يَظْهرون إذا ضعُف الإيمان ، ويغيبون إذا ظهر الإسلام ؛ كحال سلوك اليرابيع الليليَّة ، تكْمن في نور النهار ، وتظهر في ظلام الليل ، فلا يُناسبها الانكشاف للعيان .

          إن أزمات المسلمين المُتلاحقة ، وإخفاقاتهم المُتكرِّرة ، وخُطواتهم المُضطَّربة : يكمن وراءها المنافقون وطوائف من المُنتفعين والمُغفَّلين ، فأينما تعثر المسلمون في مسيرهم ، وحيثما وقعوا وعطبوا ، وكيفما تنازعوا وافترقوا : فعليهم أن يُفتِّشوا دوماً عن المنافقين من وراء أزماتهم ؛ فإن أفحش رجل في المسلمين ، وأفسق واحد فيهم : لا يُسعده ذلُّ المسلمين ، ولا يرتضي نصر الكافرين ، فضلاً عن أن يسعى في كيد أمته ، أو أن يدلَّ على عورة جماعته ، وإنما يتلبَّس بالفواحش العقديَّة الكبرى ، والمكائد الباطنيَّة العظمى : من لم يبقَ معه أصل الإسلام ، فضلاً عن أن يبقى معه شيءٌ من الإيمان ، ممَّن بلغ بهم التماهيَ مع الكافرين مبلغاً لا مزيد عليه ، مع تاريخٍ أسود طويلٍ من الدسائس السياسيَّة المُخزية ، وقائمة عريضة من الجرائم الفاشيَّة المؤلمة ، فهم هناك دائماً مع كلِّ عدوٍّ للإسلام والمسلمين ، يحضرون بلا دعوة ولا طلب ؛ لأنها مُهمَّتهم الأولى في الحياة بلا نزاع ، تماماً كمهمَّة الشياطين في الغواية والضلال .

          ولهذا يُخطئ من يظنُّ : أن النفاق حِقْبة تاريخيَّة ماضية ، أُبتليَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرحلة المدنيَّة ، ثم انقرضت من بعده وتلاشت ، فهذا الظنُّ - إن لم يكن هو النفاق في ذاته - فأقلُّ ما فيه : خفَّة العقل وسوء الرأي ، وربَّما تضمَّن أيضاً الاستخفاف بهذا الحشد من الآيات القرآنيَّة ، والأحاديث الصحيحة النبويَّة ، في أخبار النفاق والمنافقين ، فما الغرض من حديثٍ تاريخيٍّ لا يخدم واقع المسلمين التربويَّ ؟ ثم كيف تم للأجيال اللاحقة اجتثاث النفاق من جذوره ، في الوقت الذي تُوفيَّ فيه المربي الأعظم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يتمكَّن من القضاء على النفاق ؟ فهل ظفر المُتأخِّرون بهديٍ - لإصلاح المنافقين - لم يعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أم أن عمى الألوان قد بلغ مبلغه من عيون المُغفَّلين ؟ حتى إن دعاوى المنافقين ودعاياتهم ، قد وجدت لها رواجاً عندهم ، إلى أن ظنَّ المُغفَّلون بأنفسهم من الخير ، ما لم يظنُّه الصحابة – رضي الله عنهم – بأنفسهم ؛ فما كان منهم أحدٌ يأمن النفاق على نفسه ، فضلاً عن أن يأمنه على غيره ، فقول اللطيف الخبير : ( وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ) (29/11) أمرٌ عامٌّ في كلٍ الأجيال المسلمة ، يبتليهم الله تعالى في دعواهم ليختبرهم في صدق إيمانهم ، وصحَّة إسلامهم ، فمنهم المؤمن ومنهم المنافق ، ومن زعم أن جيلاً من المسلمين خلُص كلُّه من النفاق - فهو إن لم يكن مُغفَّلاً مُسْتخَفًّا – فهو لا يعدو أن يكون منافقاً خالصاً ، يدفع التهمة عن نفسه .

         إن المماحكة المملَّة حول انقراض المنافقين ، والجدل حول نجاعة قرار التفتيش وراءهم : لا يخدم حلَّ أزمات المسلمين ، بقدر ما تُؤجِّل حلَّها إلى ما بعد الإفاقة من الغفلة ، ومن ثمَّ اتخاذ قرار الحذر والحيْطة منهم ، كما أمر الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ...) (3/118) ، فكيف للعاملين على الإصلاح أن يتجنَّبوا في مسيرهم دعاة الخبال ؟ الذين انبعثوا في كلِّ مكان : يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون ، ومع ذلك يدَّعون : (...إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) (2/11) ، فكيف للمُصلحين أن يُميِّزوا بين من يُريد لهم العنت ، وبين من يُريد لهم الفلاح ، وهم يعتقدون الخير في الفئتين ، وقد عاتب الله تعالى المؤمنين الأوائل ، حين اختلفوا في تقويم المنافقين ، فلم يكن لهم رأيٌ واحدٌ فيهم ، كما قال عزَّ وجلَّ : ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (4/88) ، فقضى - العليم الحكيم - فيهم بالضلال والارتكاس ، فمن ذا يظنُّ فيهم خيراً بعد أن قضى الله تعالى فيهم قضاءه ؟! فلا يقول أحدٌ بغير قول الله تعالى : إلا مغفَّلٌ ساذج ، أو منافق ماكر .

           ولا يفهم الفطن أن دعوى التفتيش عن المنافقين : تبحث في تعيينهم بأشخاصهم ، أو إصدار الحكم فيهم ، فهذا لا طائل وراءه ، ولا فائدة منه ، ما داموا مستترين بدعوى الإيمان ، وإنما الغرض تجنُّب فِخاخِهم التي ينْصبونها ، والإعراض عن آرائهم التي يقولونها ، والحذر من نصائحهم التي يُقدِّمونها ، فهذا هو أمر الله تعالى لنبيِّه الكريم صلى الله عليه وسلم : ( وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) (33/48) ، فمن تُراه يستغني عن هذه النصيحة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضلاً عن أن يرى أنه ليس بملْزمٍ بها ؟!

         

 

 

 

 

 

]]>
Sun, 19 Nov 2017 20:25:34 +0300
العَورةُ الخُلُقيَّة مقال شهر صفر 1439هـ

العَورةُ الخُلُقيَّة

           الحمد لله الواحد الأحد ، والصلاة والسلام على خير من خلق ، نبيِّنا وسيِّدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد .. فرغم حجم الانتهاكات السلوكيَّة ، والتجاوزات الأخلاقيَّة ، التي يُعاينها النُّقاد الاجتماعيون في جانب العورة الجسديَّة : فما زال السلوك الإنساني – في مجمل المجتمعات الحضاريَّة - يحترم ستْر العورة ، ويُولي الخصوصيَّة الشخصيَّة – في هذا الجانب – تقديراً عاماً ، وَفق ما يعتقده المجتمع من الحدود المُحرَّمة للعورة الجسديَّة .

         غير أن ما حظيت به الأجساد من معاني الحُرمة – على ما فيه من الاضطراب والإخفاق المُخْجل – ظلَّت الأخلاق الاجتماعيَّة قابعةً في أحطِّ دركات التعاطي الإنساني ، حتى عاد السقوط الأخلاقي المدوِّي والمُتكرِّر عند الرجل : صغائر مُغتفرة ، ولم يعد للفضيحة الخُلقيَّة وقعها المُفزع على المجتمع ، بعد أن اتَّسعت ساحة الانتهاكات السلوكيَّة وتكرَّرت ، وكثرت العثرات الأخلاقيَّة وتعدَّدت ، وتجاسر الجمهور على الوقاحات ، واقْتحموا قائمة من الحماقات ، حتى كادت تبلغ الجميع ، فلا يكاد يُستثنى أحد من المزالق السلوكيَّة المُخْجلة ، وإنما يتفاوتون في حجم لوثاتهم الخُلقيَّة ؛ فمنهم من يتخفَّى مُستتراً بلوثته الصغيرة ، فتبدوَ للعَيان أحياناً ، وتغيب أحياناً أخرى ، ومنهم من لوثته ظاهرةٌ بادية ، تذهب معه حيث ذهب ، وتحلُّ معه حيث حلَّ ، فلا يكترث لبدوِّها ، ومنهم – والعياذ بالله تعالى – من يجرُّها خلف ظهره جرًّا ، يتقدَّمها تارة ، وتتقدَّمه تارة ، فيتعثَّر بها في مسيره ، وتتعثَّر به في انحدارها !!

          وهذا الوضع الاجتماعيُّ الشائع أدَّى : إلى تعارف الناس على قبول بعضهم بعضاً ، بكلِّ عيوبهم وسواقِطِهم ، على قاعدة : افْتضحوا فاصْطَلحوا ، لا يعرفون معروفاً ، ولا يُنكرون مُنكراً ، إلا ما كان مشوباً بهوى ، ثم بقيَ الصالحون وحدهم في زاوية ضيِّقة من حياة المجتمع ، يُكافحون ما لحق بهم في أنفسهم ، من كشف عوراتهم الخلقيَّة ، ويُعالجون لوثاتهم المَرَضيَّة ، ويُقاومون التآكل الأخلاقي لا يُصيبهم ، ويُدافعون الزحف الاجتماعي لا ينالهم ، وقد قلَّ على طريقهم الوعرة السالكون ، وكثر – في مقابل ذلك – المُخالفون ، ولهذا تُساورهم رهبة السقوط ، وتُخيفهم عواقب الأمور ، فقد أحاطت بهم غُمَّةٌ قاتمةٌ حالكةٌ ، ولفَّهم سواد ليل مُظْلم دامس ، من السوءات الخلقيَّة المكشوفة ، والرعُونات السلوكيَّة المفْضوحة ، التي تفرض نفسها على الجميع ، فلا تسمح لكريم النفس بالعيش السوي ، فضلاً عن أن تسمح له بالانفراد السلوكي ، أو الشموخ الخُلُقي ، ممَّا يُعسِّر مهماتهم التربويَّة ، ويُقلِّل من نجاحاتهم الميدانيَّة ، سواء كان ذلك تجاه أنفسهم بحفظها من الذوبان ، أو تجاه الآخرين بإعانتهم على أنفسهم ؛ فإن أخوف ما يخافه كريم الخُلُق : أن ينكفئ على نفسه ليحفظها من فساد يُحاصرها ، فينشغل بنفسه عمَّن سواه ، فينطلق يُغلق دونها أبواب الحرام ، ويكفُّ عنها مداخل الفساد ، فلا يعود له شغلٌ إلا حفظ نفسه ، قد تنكَّر له كلُّ شيء ، فما بقيَ يعرف إلا نفسه .

          وفي مثل هذا الخضمِّ الصعب : يُكافح المغمومُ ليبقى كريماً بين البخلاء ، ويجاهد ليبقى شريفاً بين الحُقراء ، ويُنافح ليبقى مُحترماً بين السفهاء ، ويُقاوم ليبقى عزيزاً بين الأذلاء ، فإن من الناس من يعيش كبيراً ، ويموت كبيراً ، لا يرضى لنفسه الكريمة إلا العلوَ بالحقِّ ، قد تشوَّقت روحه للمعالي ، وتشوَّفت نفسه للكمال ، في مقابل من يعيش صغيراً ، ويموت صغيراً ، قد رضيَ لنفسه الوضيعة بأدنى المقامات ، بنحو ما يُؤْنس العجماوات ، من الأولويَّات البدائيَّة الفسْيولوجيَّة ، وصدق الشاعر إذ يقول :

على قدْر أهْل العَزْم تأتي العَزائمُ             وَتأتي علَى قدْرِ الكِرامِ المَكارمُ

 وتَعْظُمُ في عَين الصَّغير صغارُها             وتصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

        وإن أسوأ ما يَلْحق الصالحين : أن يضطرَّ أحدهم لسقْطة أخلاقيَّة ، لا يجد عنها مناصاً ولا محيداً ، فإذا تلبَّس بها - ولو مرَّة - عَسُر عليه غسْلها ، فتبقى كدَمةً في صفحته الخُلقيَّة ، وشجَّةً في بنائه النفسي ، وعورة في حياته الاجتماعيَّة ، فهي في حسِّه الخُلقيِّ : أعظم ألف مرَّة من انكشاف سوْأته الجسديَّة ، فهذه لا تلبث إلا يسيراً ، حتى تُمْحى من الذاكرة الاجتماعيَّة ، أما تلك فلا كفَّارة لها ؛ فإن المجتمع – بطريقة عفويَّة – لا يتسامح مع القدوة حين تسْقط ، ولو كانت مُضْطرَّة لواحدة في العُمر ؛ لأن ما يُنتظر منها اجتماعيًّا : أكبر بكثير ممَّا تظنُّ ، فلا يتحمَّل المجتمع من قدواته – لا سيما رموزه الكبار – خطأً ما ، يُشوِّش في عقولهم صورَهم الذهنيَّة ، ويُعكِّر في نفوسهم مقاماتهم الاجتماعيَّة ، التي سبق أن ارتسمت في مُخيَّلات أبناء المجتمع ، ورسخت في أذهانهم ، عبر عقود مُتعاقبة من الزمان .

          ورغم ما يحمله هذا السلوك الاجتماعي - تجاه القدوة الأخلاقيَّة - من القسوة والصرامة والحدَّة : فإنه - مع ذلك - من أجلِّ الحوافز النفسيَّة للصالحين ، ومن أعظم الكوابح الأخلاقيَّة للمربيِّن ؛ حين يعمل المجتمع – بطريقته العفويَّة الخاصَّة - على تخْليص قدواته من السواقط الخلُقيَّة ، ويحميهم من المزالق السلوكيَّة ، فيبقوْا شامخين على عهودهم الاجتماعيَّة المعلومة ، لا تشوبهم شوائب المجتمع ، ولا تُدنِّسهم رعوناته الأخلاقيَّة ، فهم دائماً عند حسْن ظنِّ الجميع ، حتى إن أرذل الناس : لا يقبل من الشريف إلا أن يبقى شريفاً دائماً ، ولا يرضى للإمام إلا أن يكون في الأمام أبداً ، فلا يلين المجتمع مع رموزه في الترخُّص برخص العوامِّ ، ولذا يُلجئهم إلى مسلك القدوة إلْجاءً ، ويضطرُّهم إلى مقام النُّبل اضْطراراً .

         ولهذا انتفع الإمام أحمد بن حنبل في سجنه بسارق ساقط ، في زمن محنة القوْل بخلق القرآن ، حين حثَّه على الثبات على الحقِّ ، فلم يرضَ له مقاماً دون العزيمة ، في مقابل ثبات السارق – نفسه - على الباطل ، فكان ذلك حافزاً مؤيِّداً للإمام أحمد ، على أن يأخذ بالأعلى من المهمَّات ، التي انفرد بها عن جمهور علماء عصره ، وهكذا المجتمع الإسلامي في كلِّ عصر – مهما بدا فيه من التفريط والتقْصير – فإنه لا يقبل من المُحسن إلا الإحسان ، ولا يرضى لرموزه إلا العزيمة ، فهو – وإن لم يسلك مسالكهم –  فإنه يرى نفسَه فيهم ، فكلُّ إنجازٍ لهم : يراه المُجتمع إنجازاً له ، كما أن كلَّ سقوطٍ منهم : هو سقوطٌ للمجتمع بأكمله ، ولهذا يسعد المُجتمع بغلَبتهم ، ويحزن لهزيمتهم ، ويرتاح لعلوِّهم ، ويضْجر لهبوطهم .

          ولا يخالف هذه المشاعر الإسلاميَّة إلا منافق مُنْدس ، قد مرَد على النفاق ، فلا يُسعده ثبات الصالحين ، ولا يُؤنسه مقام المتَّقين ، ولا يُتْحفه تعاطف المسلمين ، فهو كالأرَضة ينْخر المجتمع من داخله ؛ فيذيع السوء ويستر الحسن ، ينشر الباطل ويكبت الحقَّ ، فهو كائنٌ خارج المسلك الاجتماعيِّ العام ، ليس هو من الناس في شيء ، غير أنه متيقِّظٌ لعورات المجتمع ، ثم هو أيضاً مُنتبهٌ لمقَاتِله المُميتة ، فإذا حانت الفرصة المُواتية ، وتهيَّأت الظروف المُناسبة : انقضَّ على مواضع الوجع من المجتمع ، ونزل بثقله على المفاصل الرخوة منه ، فهو دليلٌ أمينٌ لكلِّ عدوٍّ غاشم ، وعينٌ خائنة لكلِّ كافر آثم ، وكما قال الشاعر :

إن الكريمة ينْصرُ الكرمَ ابنُها              وابن اللئيمةِ للئام نصور

          والغريب أن السذَّج من أبناء المجتمع ، يعيشون بأحلام المراهقين ، ويُغرِّدون بأصوات العصافير ؛ فيأملون الخير في المُنافقين ، ويرجون البرَّ في الكافرين ، وهم يرون بأعينهم سوءاتهم الخُلُقيَّة بادية للعيان ، ظاهرة لا تخفى على العميان ، عبر تاريخهم القديم والحديث ، ضمن مواقف مُخزية كثيرة ومُتكرِّرة ، من أسافل الأخلاق وأحطِّها ، ممَّا يعجز الواصف البليغ عن وصفه ، فهم دائماً وعلى مرِّ العصور : ( لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً...) (9/10) ، وإنما طريقتهم الوقحة في تسويق باطلهم على السذَّج : (... يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ...) (9/8) ، فالكلام الأجوف هو حدُّهم مع من يقبل منهم ، والتصريح الأخرق هو نهجهم لمن يُصدِّقهم بكذبهم ، من سفهاء الناس ، ممَّن يعجزون عن فهم المُحْكمات القرآنيَّة ، فلا يستوعبون المُحكم الصريح من التنزيل المبارك ، القاطع في شأن هؤلاء ، فقد جمع الله تعالى لنبيِّه محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – كلا الفئتين : المُنافقة والكافرة ، لينفض يديه الشريفتين منهما جميعاً ، ويقطع الأمل فيهما معاً ، فقال - جلَّ مِن قائل - : ( وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) (33/48) ، فالله تعالى كافٍ من كلِّ شيء ، ومُغْنٍ عن كلِّ أحد ، ولذا يُلفت نبيَّه الكريم – صلى الله عليه وسلم - إلى كنز النصر والفلاح : (...هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ) (8/62) ، ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (8/64) .

          إنها لفتةٌ ربانيَّةٌ ضروريَّة ، يحتاج إليها الصالحون المُصلحون ، حتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان في حاجة إلى أن يُذكِّره الله تعالى بها ، فهم ليسوا وحدهم منْفردين في غياهب الظلُمات الاجتماعيَّة ، ولا منسيين في دروب الحياة في أيِّ زمن ؛ فإن الحضور الإلهي العظيم ، بمعيَّة الحفظ والنصر والتأييد : شاهدٌٌ قائمٌ دائمٌ ، يشعر بذلك المؤمنون ، فلم تغبْ معيَّته – سبحانه وتعالى - عن أوليائه قطُّ ، ولن تغيب عنهم أبداً ، لا سيما في أشدِّ الأزمنة خوفاً وحرجاً : (...لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) (20/46) ، وإنما الذي ينقص الصالحين – في بعض الأحيان – هو استحضارهم الحيَّ للمعيَّة الإلهيَّة ، في تعاطيهم مع ضغوط الحياة الاجتماعيَّة من حولهم ، وفي كفاحهم المُستميت لحفظ أخلاقهم من الذبول ، وفي سعيهم الحثيث للحدِّ من تفاقم الانحرافات السلوكيَّة ، فهم دائماً في كنف المولى - جلَّ وعلا – يتلمَّسون لطفه ورحمته بهم ، في كلِّ خطوة يخْطونها ، وفي كلِّ اجتهاد يتخذونه .

          إن المجتمع المسلم بكلِّ أفراده : صالحهم وطالحهم ، عالمهم وجاهلهم ، بلا استثناء ولا تمييز : مدعوون إلى التوبة من ذنب أو تقصير ، كما قال الله تعالى : (...وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ...) (24/31) ، كلُّهم في حاجة ملحَّة إلى عطْفةٍ خُلُقيَّة صادقة ، تُلْجم جموح النفس ورغباتها ، وتضبط نوازع الشهوة وأهوائها ، فما زال الربُّ الكريم : توَّاباً رحيماً ، لكلِّ من عاد إليه تائباً مُنيباً ، فهذا شأن العبيد : يُذنبون ويخطئون ، ثم يعودون تائبين مُنيبين ؛ فليس لهم - في شأن سلوكهم - أن يختاروا لأنفسهم بين الاستقامة أو الانحراف ، ما داموا مؤمنين ، ففرقٌ كبير بين من يُذنب ويسْتغفر ، ومن يُذنب ويسْتكبر ، فالأول ينتظر من الله الرحمة ، والآخر ينتظر المقْت : ( إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ) (39/41) .

 

 



 

 

]]>
Sat, 21 Oct 2017 13:00:52 +0300
36- المبرر التربوي والشرعي لغطاء وجه المرأة 36- المبرر التربوي والشرعي لغطاء وجه المرأة

منذ فجر التاريخ الإنساني والمجتمعات البشرية تمارس مزيد ضبط أخلاقي على سلوك النساء، وتطالبهن – أكثر من الرجال – بمسالك أخلاقية ومعايير سلوكية، لا سيما في المسألة الجنسية، فليس بغريب على الشرائع السماوية أن تؤكد على هذه المسألة، وتأتي موافقة للخبرات الإنسانية الصحيحة فتلزم النساء بمزيد تحفُّظ وتستُّر، رغبة في تحقيق الطهارة الروحية، والسلامـة الأخلاقيـة، وهـذا ما عبَّر عنه المولى عز وجل حين وجَّه نسـاء النبي صلى الله عليه وسلم– وعموم النساء المسلمات من ورائهن–بالاحتجاب عن الرجال الأجانب؛ لما في ذلك من طهارة القلوب، وسلامة السلوك، فقال سبحانه وتعالى: {... وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ...}33/53،فعلى الرغم من الخلاف الفقهي في مسألة كشف المرأة عن وجهها أمام الأجانب من الرجال؛ فإن الإجماع قائم على وجوب ستره عند خوف الفتنة وكثرة الفساق، وحتى بعض المعاصرين، ممن يرون جواز الكشف: يُلزمون المرأة بتغطية وجهها إذا ترتب على ذلك مفسدة، كنظرة الوقح المريبة، أو كلمته البذيئة، حتى قال أحد المتحمِّسين لكشف وجه المرأة، وعدم استحباب ستره : " ... لا نغفل أن الستر في بعض الظروف الخاصة بالأفراد قد يكون مندوبًا، وهذا أمر لا يأخذ حكماً عاماً، لكنه يخضع لتقدير الفرد المؤمن؛ ذلك مثلاً عند تأذي المرأة تأذياً بالغاً من نظرات محملقة منكرة، أو عند إدراكها أنالأمر يتعدى النظرات العابرة إلى فتنة مخوفة توشك أن تقع "، بل إن بعض العلماء ممن يجيز للمرأة الكشف عن وجهها : يتشدَّدون في خروجها من بيتها حتى إلى المسجد أو لصلاة العيدين بحجة فساد الزمان، فهؤلاء وإن أجازوا للمرأة الكشف عن وجهها أمام الأجانب فقد حجبوا ذاتها عن البروز الاجتماعي ، مما يدل على أن كثيراً من المجيزين للكشف لا تتعدى آراؤهم الفقهية حدود المناقشة العلمية فحسب، دون الوصول بها إلى ساحة التطبيق الاجتماعي.

ولعل مما يُوضح المسألة بصورة أفضل : إجماع العلماء على حق المرأة في أن تسدل الخمار على وجهها حال الإحرام عند خوفها من نظر الرجال الأجانب، في الوقت الذي أجمعوا فيه على أن المرأة المحرمة لا تغطي وجهها، فدلَّ على أن الشريعة لا تقصد إلى كشف وجوه النساء للأجانب إلا حال الضرورة أو الحاجة التي لا بد منها للمرأة في حركتها الاجتماعية العامة، أما في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم– خاصة – فإنهن لا يكشفن مطلقاً لأي أمر كان، وهذا هو الفارق بينهن وبين باقي النساء المسلمات، يقول ابن عباس رضي الله عنهما في حق المرأة المحرمة: " تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به"، وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها في حقها : "... تسدل الثوب على وجهها إن شاءت"، ولما دخلت عليها إحدى النساء في يوم التروية في الحج تسألها: " يا أم المؤمنين، هنا امرأة تأبى أن تغطي وجهها وهي محرمة؟ فرفعت عائشة خمارها من صدرها فغطت به وجهها"، وحتى الكفان من المرأة في حال الإحرام فقد وجِّهت لخضابهما بالكامل دون نقش أو تطريف حتى لا يظهر لون بشرتها للأجانب حين مُنعت من لبس القفازين ، وهذا في الجملة يؤكـد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة..."؛ يعني يُستحى من ظهورها كما يُستحى من العورة إذا ظهرت، وقد مال بعض القانونيين إلى اعتبار وجه المرأة عورة لا بد من صيانته وستره ؛ لأن " ملامسته بما يدل على توافر الباعث الجنسي هو من قبيل هتك العرض ".

وعلى الرغم من ميل بعض العلماء إلى أن وجه المرأة ليس بعورة، فإنهم مع ذلك لا يجيزون نظر الأجنبي إليه من أجل خوف الفتنة، لا سيما إذا كان نظره بشهوة، يقول ابن القطان – وهو ممن يرى جواز كشف وجه المرأة -: " واتفقوا على رد البصر عن غير الحرائم، والزوجات والإماء"، وحتى الأمة المملوكة التي لم يلزمها الشارع الحكيم بالجلباب، ولا بتغطية وجهها أو رأسها إجماعاً، فإنها مع ذلك تُؤمر بالنقاب إذا كانت جميلة فاتنة، محافظة على مشاعر الرجال من الإثارة، وقد نفى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاباً حسن الوجه إلى البصرة حين خشي من افتتان نساء المدينة به، فإذا ساغ لعمر رضي الله عنه أن يفعل ذلك برجل لم يُؤمر أصــلاً بالاستتار، فكيف تراه يصنع بشابة جميلة أسفرت عن وجهها، تتعرض للرجال في الطريق، وقد أُمرت بالستر والخفر؟! لا سيما وأن المولى عز وجل قد ندب القواعـد من النساء – فضلاً عن الشابات – إلى تمام التستر وترك الرخصة في وضع الجلابيب.

وأما حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما – المتضمن جواز كشف الوجه واليدين، فهو مع كونه ضعيفاً من جهة السند، فإنه وإن صحَّ سنده عند بعضهم:يُحمل على مرحلة ما قبل نزول حكم الحجاب؛ فإن سورتي النور والأحزاب المتضمنتين لأحكام حجاب النساء من آخر ما نزل من القرآن في المدينة، وبما فيهما من أحكام الحجاب نسخت أحوال النساء السابقة ؛ حتى عمد النساء إلى أغلظ أكسيتهن فاختمرن بها، وقد وصفت عائشة رضي الله عنها رؤوسهن - حين رأت منظرهن – بالغربان في سوادها، وهذا عين ما فهمته أسماء رضي الله عنها – صاحبة حديث كشف الوجه والكفين - فقد كانت تغطي وجهها حتى في حال الإحرام، فقد ثبت عنها أنها قالت: " كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام"، فهذا آخر ما انتهى عليه أمر الحجاب زمن النبوة، لا سيما وأن أسماء رضي الله عنها ليست من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كانت ترى أنها مأمورة بغطاء وجهها حتى في الإحرام.

وأما القول بأن ضرب الخمار في قوله تعالى:{... وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ...}24/31 ، هو لتغطية فتحة الصدر فحسب، وهو ما عبر عنه القرآن بالجيب، فهذا لا يصح من الجهة العملية؛ إذ الوجه يتوسط الرأس والصدر، وهما الموضعان الواجب تغطيتهما بالاتفاق، فتغطيتهما – من الجهة العملية – تستلزم تغطية الوجه معهما، وأما من الجهة التاريخية فإن الأمر بتغطية الصدر قد سبق في المرحلة المكية؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر به بناته حتى قال مرة لزينب رضي الله عنها بمكة: " يا بنية خمري عليك نحرك"؛ مما يدل على أن الأمر بالحجاب في المرحلة المدنية كان يحمل معنىً إضافياً أكثر من مجرد تغطية الصدر؛ لهذا ذهب جمهور المفسرين إلى أن الحجاب تغطي به المرأة وجهها.

وأما حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما، حين صرف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عن المرأة التي كان ينظر إليها وتنظر إليه ؛ فإن الروايات الواردة ليس فيها تصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، ويعلم من حال الأعراب عدم انضباطهم بكمال التستر، فقد يُرى من وجهها شيء مع تسترها، فكل هذه الاحتياطات الشرعية قُصد منها المحافظة على الأخلاق، ودرء الفتنة، وكفُّ المثيرات المؤدية للمفاسد الخلقية في المجتمع.

ثم إن وجه المرأة أكثر ما يجذب نظر الرجال الأجانب، وهو أعظم مواضع جمالها من جسمها، وهو أفضل وأقوى وسائل التواصل البشري، وعليه تكون درجة الفتنة، والميل العنيف نحو المرأة ؛ ولهذا تتعرض المرأة الجميلة الفاتنة أكثر من غيرها للاغتصاب ؛ لذا لا تكشف المرأة المشتهاة للأجانب إلا لمن لا إرب له من الرجال، ممن لا يقوى على النساء ، ولا يكون منه خطر عليهن.

ومن ألطف ما ينقل من أخبار حرص الصالحات على أنفسهن من نظر الرجال إليهن: خبر فاطمة بنت محمد السمرقندي، المتوفاة في نهاية القرن السادس الهجري، زوجة أحد الفقهاء المقربين من أمير البلاد، وذلك حين علم الأمير بإلحاحها على زوجها بالسفر، فأرسل إليها خادمه – بعلم زوجها- حتى يقنعها بعدم السفر، فلما جاء الخادم إلى بيتها لم تأذن له، واحتجبت منه، وأنكرت دخوله عليها، وأرسلت إلى زوجها تعاتبه في ذلك، وتقول له : " بَعُد عهدك بالفقه إلى هذا الحد، أما تعلم أنه لا يحلُّ أن ينظر إلي هذا الخادم، وأيُّ فرق بينه وبين غيره من الرجال في جواز النظر ؟ " .

إن حجاب المرأة في العموم، وغطاء وجهها على الخصوص: يحجز بينها وبين المتطفلين من الرجال، فلا يجرؤ أحدهم على مراودتها، أما حين تكشف لهم عن وجهها فإنها تمهِّد الطريق إلى نفسها، وتغري المتشوِّق لمراودتها، تقول فاطمة بنت جودت باشا، المولودة عام 1279هـ : " لما كانت النساء عندنا متحجبات كان الاجتماع بهن مستحيلاً على الرجال "؛ ولهذا لما كشفت عن وجهها في بداية القرن العشرين – بعد قرون طويلة سابقة من الاحتجاب- لم تلبث طويلاً أن كشفت عمَّا أجمع المسلمون على وجوب ستره من بدنها ، حتى ظهرت المرأة العربية: الممثلة، والمغنية، والراقصة، وبائعة الهوى، وبلغت الجرأة بمجلة آخر ساعة المصورة في عددها (57) في يوم الأحد (11) من أغسطس من عام 1935م أن نشرت صورة امرأة عارية، وكتبت تحتها – بكل وقاحة – : " هذه امرأة من مصر وليست من فرنسا"!! وقد كانت مصر وتركيا من أوائل الدول التي تمردت فيها كثير من النساء على الحجاب، وهذا الواقع النسـوي المتردي علم من أعلام نبوَّته – عليه الصلاة والسلام – حين أخبر في أحاديث كثيرةعن انفلات عقد النساء في آخر الزمان، وخروج كثير منهن عن حدود الشرع الحنيف.

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:26:10 +0300
35- الدور التربوي للحجاب في كف الإثارة العاطفية 35- الدور التربوي للحجاب في كف الإثارة العاطفية

إن من أعظم الدوافع التي تسوق النساء للتبرج في كل عصر، وفي جميع الطبقات الاجتماعية: رغبتهن في الاستهواء والجذب والمغامرة، ومنافسة القرينات؛ وذلك من خلال إظهار مفاتن الجسد المكنونة مثل: الشعر، والصدر، وطريقة المشية، والصوت، والعطر، وهذه السلوكيات لا شك محرمة بالدرجة الأولى بالشرع الحنيف، وفي الدرجة الثانية: تُعتبر سلوكاً غير اجتماعي؛ إذ تتعدَّى المرأة المتبرجة بهذه الممارسات حدود حريتها الشخصية إلى أن تتعرض لحريات الآخرين؛ فإن حرية الفرد – في التصور الإسلامي – تنتهي عند بداية حرية غيره؛ فمن أعظم حقوق الرجال على النساء في الحياة الاجتماعية العامة: ألا يُثرنهم بسلوكهن المقصود؛ فإن الغرض الأول من فرض الحجاب: المحافظة على مشاعر الرجال من الإثارة والفتنة؛ فمع كون الحجاب وسيلة لمحافظة المرأة على نفسها فهو مع ذلك وسيلة مهمة لكفِّ فتنتها عن الرجل، فإن رؤية أجساد المُسْتحسنات من النساء: تُزعج الصالحين، وتُثير الفاسقين؛ لأن " السمات الجسدية في الأنثى هي أكثر سمات الأنثى جاذبية للذكر"؛ إذ "يشكِّل الإغراء الجســدي عند الرجـــال عاملاً حاسماً أثناء اختيار القرين، بعكس ما هو الحال عند النســاء ؛ فإنهنينطلقن – بصورة أساسية – من الشخصية، وما يترتب عليها من صفات عند الرجل"؛ ولهذا لا يمثل النظر إلى جسم الرجل بالنسبة للمرأة عنصراً مثيراً، في حين يُعتبر جسمها بالنسبة له في غاية الإثارة، حتى إن الجاهل القاصر من الرجال يكتشف المرأة عن بعد مائة متر من خلال نمط حركة مشيتها، وقد استقر عند المختصين أن التأثيرات البصرية تُثير الرجال أكثر بكثير مما تثير النساء، ولعل هذا ما يفسِّر تفوُّق كثير من الذكور على الإناث في التأكيد على مسألة الحجاب والتستر، وكثيراً ما تغفل الفتيات عن عمق هذا الأثر في الجنس الآخـر ، فقد تكون إحداهن – بقصد أو بغير قصد – سبباً في إثارة الرجل وجرأته عليها تحت ضغط الشهوة، وفي هذا يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي: " لو كنت قاضياً ورُفع إليَّ شاب تجرأ على امرأة فمسَّها، أو احتك بها، أو طاردها، أو أسمعها، وتحقق عندي أن المرأة كانت: سافرة، مدهونة، مصقولة، متعطِّرة، متبرِّجة: لعاقبت هذه المرأة عقوبتين، إحداهما بأنها اعتدت على عفة الشاب.... والثانية بأنها خرقاء كشفت اللحم للهرِّ".

ومن هذا المنطلـق الفطــري للفــروق بين الجنسين في تأثير كل واحد منهما في الآخر: جاء التشريع الإسلامي المحكم موافقاً لهذه الطبيعة: فقدَّم "ستر النساء على ستر الرجال دفعاً لأعظم المفسدتين"، وأمر النساء في الحياة العامة بالحجاب، وإخفاء زينة البدن، وعدم إظهار حجم الأعضاء، ومُنِعْن الطيب، ولفت الأنظار بالمشية، وأمرهن بخفض الصوت, واستخدام التصفيق عند الحاجة، وعُذرن من الأذان والإقامة،والرَّمل في الطواف، وحتى الميِّتة منهن تُستر فلا يرى الأجانب حجم عظامها، كل ذلك احتياطاً لمنع الإثارة الجنسية غير المرغوب فيها، سواء كان ذلك بقصد أو بدون قصد؛ فإن رغبة المرأة الملحَّة في استحواذ إعجاب الرجال أمر فطري في نفسها، يصعب عليها ردُّه، فالاستعراض لجذب انتباه الآخرين: سلوك طبيعي عند الإناث، حتى في البيئات الاجتماعية المحافظة، لا سيما في سن الشباب، ولا يعني هذا بالضرورة ميلهن نحو الفاحشة، وإنما رغبتهن المُلِحَّة في أن يكنَّ محطَّ اهتمام الرجال وإعجابهم، " والمرأة منهن لا تزال حريصة على إبراز جمالها وحسنها؛ لأنها ترى في هذا السلوك إخلاصاً لطبيعتها، وتحقيقاً لأنوثتها"، ومن هنا، ومن هذا المسلك الفطري الطبيعي في بناء نفسية المرأة يبرز دور الحجاب في إحكام هذه الطبيعة وضبطها، فالمرأة إذا ارتدت جلبابها الشرعي تمكَّنت به من إخفاء مشاعرها الملحة، فلا تصدر عنها إيماءة غير مقصودة تثير الرجال؛ فإن مظاهر الجسد وحركاته تُعتبر وسيلة اتصال جيدة لنقل المشاعر والأحاسيس، خاصة وأن أهون وأخف الحركات من الفتاة الطائشة يمكن أن تفعل فعلها البالغ في نفس الرجل؛ بل إن مجرَّد كونها أنثى مع كامل التَّستُّر والأدب: كاف لجذب نظر الرجل إليها حتى وإن كان صالحاً ، وحصول شيء من الإغراء الطبيعي في نفسه،وتحريك الطبيعة الغريزية فيه, ومن هذا المنطلق الفطري جاء التوجيه الرباني للنساء بالقرار في البيوت، والالتفات إليها، وعدم الخروج إلا لحاجة، فإذا خرجن لحاجاتهن ضمن حدود الأدب: كان حقاً على الرجال أن يغضُّوا أبصارهم حتى عن جلابيبهن.

 

                                                 

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:23:47 +0300
34- أزمة الحجاب 34- أزمة الحجاب

منذ عقود مضت تولي مجموعة من المنظمات الأجنبية قضية المرأة المسلمة أهمية خاصة، من خلال عقد المؤتمرات الدولية داخل البلاد العربية والإسلامية وخارجها، بهدف إحداث التغييرات الاجتماعية المطلوبة لتطوير المنطقة الإسلامية ضمن المفهوم الغربي للحياة الاجتماعية، ومن خلال تقنية الاتصالات في العقود الأخيرة من القرن العشرين: غدا الحضور الثقافي الغربي قائماً في حياة المسلمين، وأصبح التأثير السلبي لنمط الحياة الغربية ملموساً في واقع المسلمين الاجتماعي بصورة عامة، وفي واقع المرأة المسلمة بصفة خاصة، لا سيما فيما يتعلق بنمط اللباس، الذي يعدُّ خاصية تميز المرأة المسلمة عن غيرها؛ فقد أصبح نمط اللباس الغربي عاماً بين غالب المسلمات، ولم يعد مستنكراً أن تسير المرأة المسلمة في عواصم الحواضر الإسلامية بغير حجاب، تُظهر مفاتن جسمها، ولا تستر منه إلا ما تستره غالب النساء الغربيات.

وبعد أن تعرض حجاب المرأة المسلمة في بداية القرن العشرين لنقد شديد، بهدف خلخلة الثوابت الشرعية المتعلقة به: أخذ وضع الحجاب يتراجع في الساحة الاجتماعية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، مع شيء من التحسُّن في بعض الأوساط الاجتماعية، ومع ولوج البشرية الألفية الميلادية الثالثة، واستفحال التأثيرات السلبية للعولمة الثقافية: انحصر مفهوم الحجاب وتطبيقاته الواقعية في تغطية جزء من شعر المرأة المسلمة، باعتبار ذلك حجاباً شرعياً يكفُّ الألسنة عن النقد، وتراجع – في الوقت نفسه – مفهوم الحجاب باعتباره خماراً أو جلباباً يعم بدن المرأة كلَّه، فلم يعد غريباً أن تشاهد الفتاة المسلمة في الشارع العام، أو على وسائل الإعلام المختلفة: مغطية شعرها بقطعة قماش صغيرة، وقد لبست ما يحدد بوضوح معالم جسمها، أو يكشف جزءاً من نحرها وساقيها، إضافة إلى استخدامها – بصورة صارخة – المساحيق الملونة، والعطور النفاذة، ومع ذلك يُراد – لمثل هذا النموذج – أن يُعطى الصفة الشرعية، بحيث تتربى عليه الفتاة المسلمة، وتنشأ على أنه القدْر الشرعي من الحجاب الذي ألزمها الله تعالى به.

ولا شك أن هذا الواقع القائم يعود إلى أسباب اجتماعية وثقافية وأخلاقية، تحتاج إلى مراجعة، إضافة إلى شبهات فكرية وتاريخية تتطلب المدارسة، حتى تظهر الوجهة الإسلامية الصحيحة في ضوء الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، وتطبيقات السلف، التي يجب أن تتربى عليها الفتاة والمرأة المسلمة.

إن من الضروري – والحالة الاجتماعية هذه – إعادة بناء شخصية المرأة المسلمة المتقيدة بالحجاب الشرعي السابغ الذي يعم البدن، ويمنع أو يحد – على الأقل – من الفتنة بالمرأة، باعتبار أن الحجاب ضرورة للعفة، لا يُستغنى عنه بمجرَّد الاعتماد على الشرف أو نحوه فعلى الرغم من المنزلة الإيمانية والأخلاقية التي بلغها جيل الصحابة من الرجال والنساء رضوان الله تعالى عليهم: فقد أمرت المرأة بالحجاب السابغ الذي يعم البدن كلَّه، حتى إن بعضهن كن يحضرن صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، وينصرفن قبل أن يتبين ضوء النهار، فلا يعرفهن أحد، ولا يعرف بعضهن بعضاً ، ومع ذلك يحضرن: " ... متلفِّعات بمروطهن..."،كما وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها؛ يعني مغطيات كامل أبدانهن، ولم تذكر في وصف حالتهن من التستُّر استثناء للوجوه أو للأكف.

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:22:16 +0300
33- المؤامرة على حجاب المرأة المسلمة 33- المؤامرة على حجاب المرأة المسلمة

منذ أكثر من قرن من الزمان، واليهود والنصارى يعملون بوسائل مختلفة لإقناع الفتيات والنساء المسلمات بنزع الحجاب، وهيَّأوا الكاتب المصري قاسم أمين للقيام بدور المحرر للمرأة المسلمة، وجنَّدوا معه الأقلام المشبوهةلدعمه وتأييده؛ حتى قال أحد النصارى فيه: " إن قاسم أمين من المصلحين العظام الذين يحفظ التاريخ ذكرهم"، ونسبه بعضهمإلى مجموع المجدِّدين الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة عام ليجددوا ما اندرس من الدين الحق، وانساق جمع من المعاصرينإلى الثناء عليه ومدحه، متناسين المفاسد العظيمة التي جلبها على الأمة بجرأته على السعي في تبرج النساء وسفورهن؛ فإن النساء – المصريات خاصة – لم يعرفن السفور، والتبرج إلا بعد دعوته المشبوهة، التي  بدأت أولاً بدعم وجهة المجتمع المصري المحافظة، ثم بالمطالبة بتعليم المرأة، ثم خُتمت " برفع الحجاب عن الفكر والوجه معاً ".

وقد انبرى لدعوته هذه جمع من الفضلاء، فردُّوا عليه، وفندوا مزاعمه، ولم يكن قاسم أمين هو أول من دعا إلى مسألة تحرير المرأة من الحجاب، فقد سبقه بفترة قصيرة بعض المفتونين، من أمثال: رفاعة الطهطاوي، وفارس الشدياق، ومرقص فهمي وغيرهم، إلا أن شبهاته التي أثارها حول حجــاب المرأة كانت ولا تزال مداخل المبطلين من بعده للاحتجاج ضد الحجاب، فهم أعجز من أن يعترضوا على الحجاب باعتباره فريضة دينية على المرأة المسلمة، وإنما يعترضون عليه: بالشبهات، والتحريفات، والتأويلات، سواء كان ذلك بحسن نية منهم أو بسوء نية، مع ذلك تبقى فئات من المنتسبين إلى الإسلام يعترضون بصورة واضحة على مبدأ التحجب في النساء، بل ربما اعترضوا على مبدأ تحكيم الشريعة الإسلامية ككل، حتى إن إحداهن تشيد بالممثلة والمغنية والراقصة، باعتبار ذلك إنجازاً في صالح المرأة !

إن أعداء الإسلام أدركوا أن الحجاب – في حد ذاته – أكبر عقبة اجتماعية تقف أمام تحقيق أهدافهم في تغيير نمط الحياة الاجتماعية الإسلامية، لا لكونه ملاءة تضعها المرأة على جسمها؛ فإن أخلاق المرأة لا يرسمها الخيَّاط، ولا تحدد معالمها الأقمشة؛ وإنما لكونه موقفاً عقدياً من المرأة قبل كل شيء، يُعبِّر عن ارتباط روحي عميق في النفس، يبعث على التستر والتحفظ، إلى جانب أنه سلوك بشري فطري عام في النوع الإنساني، هو عند إناثهم أبلغ وأشد لموافقته لطبائعهن الفطرية المستترة،ولهذا يقف أعداء الفضيلة موقفاً عدائياً من حجاب المسلمات، وما أدلَّ على ذلك من الدعم الأجنبي الكبير
– السياسي والمالي – الذي تلقاه الحركات النسوية في الوطن العربي والإسلامي , المناهضة للوجهة الإسلامية في العموم، والرافضة لستر النساء على وجه الخصوص، والساعية لتنفيذ مقررات المؤتمرات العالمية الخاصة بالمرأة.

والناظر في التاريخ الحديث يجد الارتباط في غاية القوة بين جرأة بعض النساء المسلمات على نزع الحجاب ووجود المستعمر الأجنبي ودعمه وإشرافه، حتى إن الصورة نفسها تتكرر في أكثر من بلد عربي، بل إن حربي الإدارة الأمريكية لأفغانستان والعراق في بداية الألفية الميلادية الثالثة، ضمن ما يسمى بالحرب على الإرهاب : كانت قضية تحرير المرأة الأفغانية والعراقية ضمن المُبررات المعلنة لهاتين الحربين.

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:20:43 +0300
32- مصالح المرأة في التزامها بالحجاب الشرعي 32- مصالح المرأة في التزامها بالحجاب الشرعي

إن أعظم ما يحققه الحجاب من المصالح هو انسجام المرأة المسلمة مع المطلب الشرعي القاضي بوجوب التستر عند الرجال الأجانب، وهذا في حدِّ ذاته أسمى المصالح، إضافة إلى أنه طهارة للقلب، مما يوقعه الشيطان من تزيين الفواحش، كما أنه تميُّز للمرأة الحرة عن الأمة المملوكة المتبذِّلة، إلى جانب أنه سلوك فطري يرفع المرأة عن مرتبة الحيوان، ويبعث في نفسها عزة المؤمنة القادرة على ضبط شهواتها، والمسيطرة على سلوكها رغم ضغط الحياة الاجتماعية المنحلة ؛ فإن " الحرية الحقيقية هي: أن يسيطر الإنسان على نفسه، وأن يتحكم في شهواته، وأن يُخضع كل ذلك للقيم والمبادئ السامية التي يؤمن بها "، فلا تحسُّ المتحجبة بالمنبوذية، أو الشعور بالنقص؛ فإن موافقة الحق كافية لشعور المؤمن بالأنس وإن كان وحيداً.

كما أن التعرُّف على حال كثير من المجتمعات المعاصرة، وما وصلت إليه من المفاسد العظيمة وتردِّي الأحوال من جرَّاء  نزع الحجاب: يزيد من قناعة المرأة بالتزام الستر، والتحفظ في الملبس، خاصة إذا نشأت المرأة في وسط عائلي يحبذ الحجاب، ويتشدَّد فيه الرجال على أعراضهم وشرفهم، فإنها في الغالب – رغم ما يحتفُّ بها من انحرافات سلوكية وضغوط اجتماعية – تعتاد اللباس الشرعي، وتتشبَّث به، وتقاوم هتْكه بكلقوة.

 ولعل إدراك المرأة الشابة واقتناعها بأنها بذاتها كأنثى: موضع استمتاع للرجال، من جهة البدن والبضع، ومن جهة النظر أيضاً: فإن الأبية منهن تندفع نحو التستر والتَّحجُّب، خاصة إذا علمت أن المرأة المتبرجة المتهتكة لا حرمة لها في الشرع من جهة النظر، وأنها تُعامل عند بعض الفقهاء معاملة الأمة المملوكة.

كما أن المرأة الصالحة تأبى أن يكون بدنها موقع نظر للخائن من الرجال؛ فإنه يستمتع بالنظر إليها، ويتلذذ بذلك تلذذاً عظيماً، قد يصل به إلى حدِّ الإنزال، بل إن بعض الفجرة من شواذ الرجال قد يبلغ قمة استمتاعه الشهواني بمجرد استحواذه على بعض الملابس أو الأدوات النسائية؛ ولهذا منع الفقهاء رحمهم الله من النظر إلى الأجزاء المنفصلة عن المرأة، حتى قلامة ظفرها، أو خصلة شعرها، وذلك سدّاً لمثل هذه المفاسد الخلقية والسلوكية.

ومن هنا فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تُمكِّن الأجنبي من الاستمتاع بها – من هذا الوجه أو نحوه – حتى وإن كان نظره منها إلى الوجه والكفين؛ فإن القول بجواز كشفهما لا يستلزم إطلاق جواز نظر الأجنبي إليهما.

ولعل مما يساعد المرأة المسلمة على الحرص على حجابها: خبر النساء المسلمات حديثاً، وما يعبِّرن عنه من المشاعر الفياضة حين لبسن الحجاب ، وفي هذا تقول الأمريكية جينيفر منصور عن تجربتها الأولى في لبسها الحجاب، وما حصل لها من التردد في أول الأمر؛ لكونها أسلمت حديثاً: " ما أن حسمت ترددي، وأقدمت على ارتداء الزي السابغ، ووضعت الخمار على رأسي حتى فاض شعوري بالحرية والانعتاق، إن هذا الخمار ليس رباطاً مزعجاً كما كنت أتوهم... بل إنه ليمنحني السكينة وهدوء البال التام، ويقطعني عن كل فكرة تمنعني من التركيز فيما أنا بشأنه من الحياة، ويا لها من حرية لم أنعم بها من قبل قط، ويا له من شعور سعيد مزيد بالحرية، لا يكدِّره إلا اقتداري عن التعبير عنه بالكلمات".

إن استيعاب المرأة المسلمة المعاصرة لمثل هذه القضايا ووعيها لها، مع رسوخ الإيمان بوجوب التحجُّب وفرضيته الشرعية : كل هذا يحقق مصلحتها ومصلحة المجتمع، ويساعدها على لزوم التستر، والالتفات إلى البيت، وكره البروز إلا لحاجة لا تستغني عنها، ولا تجد من يكفيها إياها.

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:18:45 +0300
31- علاقة الحجاب بشخصية المرأة المسلمة 31- علاقة الحجاب بشخصية المرأة المسلمة

يظنُّ بعضهم أن حجاب المرأة الشرعي لا تأثير له في سلوكها؛ بمعنى أن وجود الحجاب وعدمه لا يعني للمرأة شيئاً، وهذا لا شك خطأ بيِّن؛ فإن سلوك الإنسان الخارجي لا بد أن يؤثر قسم منه في نفسه، فتبرج المرأة لا بد أن يمسَّ عقلها وفكرها، وأقل ما يحدثه أن يُذلَّ كبرياءها فتصبح مملوكة للتَّأنُّق والتصنع؛ فالمرأة لا يمكن أن تخرج عن آداب اللباس الشرعي، الذي أوجبه الله عليها " إلا وهي قد تغيَّر فهمها للفضائل، فتغيَّرت بذلك فضائلها"؛ فقد دلَّ البحث الميداني على أن هناك اختلافاً بيِّناً في التزام القيم بين الفتيات المتحجبات والأخريات المتبرجات، حيث فاق المحجبات غيرهن في الالتزام بالأخلاق الحميدة والآداب العامة، مما يدل على ارتباط سلوك الفتاة الظاهر بمكنون ونوع أخلاقها الباطنة.

إن التزام المرأة المسلمة بالحجاب الشرعي يحقق لها على الأقل فائدتين: الأولى: أنه انسجام مع المتطلب الشرعي الذي فرضه الله على النساء، والثانية: أنه صورة من صور التحرر من نموذج المرأة الغربية، الذي فُرض على المرأة المسلمة، إلى جانب أن الشباب من الجنسين يفضلون الفتاة المحجَّبة، حيث يُفضِّلها الشاب للزواج، وتفضِّلها الزميلة للصداقة، ومازال المجتمع الإسلامي حتى اليوم يحترم الحجاب، ويرغب في تعميمه على النساء، ويتَّجه – في العموم – نحوه بإيجابية كبيرة، رغم الحملات الحديثة المسعورة ضد الحجاب، ووصفه بالرجعية والهمجية، وربطه بجوانب تخلف المسلمين في هذا العصر، وما يسمى بالإرهاب.

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:16:43 +0300
30- فطرة الاحتجاب عند المرأة 30- فطرة الاحتجاب عند المرأة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد... فإن الله تعالى خلق الكائن البشري على طبيعة مغايرة عما خلق عليه المخلوقات الأخرى: العلوية والسفلية، وفطره على طباع تختلف عما فطر عليه غيره من الكائنات، وجبله على سجايا وخصال تميِّزه عن غيره من أنواع المملكة الحيوانية، فهو كائن متفرِّد، لا يماثله من المخلوقات شيء، ولا يشابهه في طباعه منها نوع، إلا ما كان من أصل الخلْقة الترابية؛ فإن التراب هو أصل دواب الأرض بما فيها الإنسان، كما قال الله تعالى عن أصل الإنسان:{ وَلَقَدْخَلَقْنَاالإِنسَانَمِن سُلالَةٍمِّنطِينٍ...} 23/12، إلا أنه – مع ذلك – ينفرد بكيانه الروحي العلوي عن سائر الدواب، كما قال تعالى: { فَإِذَاسَوَّيْتُهُوَنَفَخْتُفِيهِ مِنرُّوحِي... } 15/29، مما أهَّله - دون غيره من العجماوات – إلى مرتبة التكاليف الربانيـة، التي اقتضت الإلزام بالأحكام الشرعيـة، وعليها يكون الثــواب والعقاب، كما بيَّن سبحانه وتعالى ذلك بقوله: { قُلْنَااهْبِطُواْمِنْهَاجَمِيعاًفَإِمَّايَأْتِيَنَّكُممِّنِّيهُدًىفَمَنتَبِعَ هُدَايَفَلاَخَوْفٌعَلَيْهِمْوَلاَهُمْيَحْزَنُونَوَالَّذِينَكَفَرواْ وَكَذَّبُواْبِآيَاتِنَاأُولَـئِكَأَصْحَابُالنَّارِهُمْفِيهَاخَالِدُونَ} 2/38، 39.

ولئن كان الإنسان قد تشابه مع بعض الثديَّات في شيء من الطبائع الخلْقية والسلوكية؛ فإنه – مع ذلك – قد بان عنها – بصورة كاملة – في القدرة الإرادية، التي أهَّلته لحمل الأمانة الربانية؛ فإن مجرَّد التشابه بين الإنسان وبعض الحيوانات الثديَّة في بعض الصفات المادية والسلوكية لا يعني – بالضرورة – التماثل والتطابق؛ فكم هي الكائنات في الطبيعة التي تتشابه في الأشكال ثم تتباين – بعد ذلك – في الطبائع والصفات.

وإن من أعظم مظاهر التباين بين عالمي الإنسان والحيوان: طبيعة التستر والتحفظ عند الإنسان، ضمن مفهوم العورة، التي يستحي الإنسان من ظهورها، وهذا المفهوم منعدم تماماً في عالم الحيوان، ولهذا يرتكس الإنسان حين لا يبالي بانكشاف عورته إلى مرتبة الحيوان، ولا يصدر مثل هذا السلوك الشائن عن الإنسان إلا حين يتلبَّس بمعتقدات باطلة زائفة تسيطر على سلوكه، وتخرجه عن طبعه السوي، كما يحصل من بعض أصحاب الديانات الباطلة في القارة الهندية.

ولئن كانت مشاعر الإنسان تجاه انكشاف العورة بهذه الحساسية؛ فإنها عند أنثى الإنسان أشد وأبلغ، وأشمل ساحة منها عند الذكور؛ ولهذا تُحفظ الأبكار من الفتيات في الخدور المستورة في البيوت؛ ليكنَّ أبعد ما يمكن عن الانكشاف والظهور، ولهذا لما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يتخذ قراراً عاماً مثيراً، قال: "لأقضينَّ في الكلالةبقضاء تتحدث به النساء في خدورها"، فلم يجد رضي الله عنه تعبيراً يدل على الشمول والقوة والمنعة من وصول الأخبار إلى خدور النساء، وذلك لكونها بعيدة المنال؛ لذا كان العمل الأوفق في مقاضاة المرأة المخدرة أنها لا تُدعى إلى مجلس القضاء ، وإنما يأتيها القاضي بنفسه، أو من ينيبه ليسألها ويسمع منها من وراء حجاب.

يقول ابن عبد السلام – رحمه الله – في التأكيد على حفظ العورات: "المبالغة في ستر العورات من أشرف المروءات"، وهذا عام في الجنسين، إلا أنه في حق الإناث آكد وأبلغ، وإلى هذا يشير ابن بطال – رحمه الله – في شرحه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين استأذنته في الجهاد: "جهادكنَّ الحج" ، حيث يقول: "ليس للمرأة أفضل من الاستتار، وترك المباشرة للرجال بغير قتال، فكيف في حال القتال التي هي أصعب، والحج يمكنهن فيه مجانبة الرجال والاستتار عنهم، فلذلك كان أفضل لهن من الجهاد"، فكان تقديم الحج على الجهاد في حقِّهنَّ من جهة كونه أستر لهن وأحفظ، وهذا حين لا يكون الجهاد فرض عين على الجميع، وإلا فإن الجميع حينئذٍ يشارك بما فيهم الشيوخ والنساء والعبيد والأطفال للضرورة.

ولما كان التستر في حقهنَّ آكد جاء فرض الحجاب عليهن في الحياة العامة، وعند الأجانب من الرجال كما قال الله تعالى: {... وَلْيَضْرِبْنَبِخُمُرِهِنَّعَلَىجُيُوبِهِنَّ وَلايُبْدِينَزِينَتَهُنَّ...}24/31، وكما قال أيضاً: { يَاأَيُّهَاالنَّبِيُّقُللِّأَزْوَاجِكَوَبَنَاتِكَوَنِسَاءالْمُؤْمِنِينَيُدْنِينَ عَلَيْهِنَّمِنجَلابِيبِهِنَّ...} 33/59، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبايع بعض النساء على عدم التبرج، وربما أرسل إليهن خمراً يتسترن بها، وقد كان – عليه الصلاة والسلام – حريصاً على حفظ عورات النساء، حتى إنه حارب يهــود بني قينقاع وأجلاهم من المدينــة لما حاولوا كشف عـورة امرأة مسـلمة، فهو – عليه الصلاة والسلام – أولى بمثل هذه المواقف الصارمة من بعض عرب الجاهلية الذين أشعلوا حروباً من أجل كشف وجه امرأة منهم.

ويمثل الحجاب الشرعي خاصية للمرأة المسلمة تميزها عن الذكور وعن النساء غير المسلمات، فهو ميزة لصاحبة العقيدة والخلق تنفرد بها عن المتبرجات؛ وذلك لأن دوره ملموس في سلوك المرأة، وفعاليته بارزة في تصرفاتها في الحياة الاجتماعية العامة، فهو قبل كل شيء تكليف رباني للمرأة المسلمة بنصِّ الكتاب والسنة وإجماع الأمة، بحيث يكفر من يرى جواز التبرج، أو يستهزئ بالحجاب الشرعي، وتفسق من تنزعه من النساء ولو أقرت بوجوبه، فليس الحجاب تراثاً اجتماعياً قابلاً للتغيير كما يزعم بعضهم، أو فرضاً فرضه الرجل على المرأة ليستحوذ عليها ضمن ممتلكاته، وإنما هو تكليف رباني للمجتمع المسلم عامة، يقرره ويأمر به ويحث عليه، وتكليف للمرأة المسلمة على الخصوص، تؤمن بفرضه، وتلتزم به.

وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية جاءت بالتفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام، فبقدر ما يشترك الجنسان في الأحكام العامة الواردة في الكتاب والسنة، فإنهما – مع ذلك – يختلفان في أحكام خاصة، اختص الله بها كل جنس على حدة، وهذا على عكس ما يُراد من مفهوم (الجندر)، الذي تنادي به بعض المنظمات الدولية، وتوصي به بعض المؤتمرات العالمية الخاصة بالمرأة، والذي يهدف إلى رفض الهوية الجنسية للذكر والأنثى، وإلغاء الدور المسبق لكل من الرجل والمرأة؛ باعتبار أن السلوك الإنساني الخاضع لنوع الجنس سلوك مفتعل، فرضه نوع التربية الاجتماعية، وليس هو سلوكاً فطرياً نابعاً من أصل الخلقة، بمعنى آخر: السعي في توحيد نوع السلوك بين الجنسين، ونبذ مظاهر التفريق المفتعلة بينهما، ولا شك أن هذا المفهوم من شأنه إلغاء الأحكام الشرعية، التي تفرق بين الجنسين، بما فيها أحكام الحجاب وستر العورة الخاصة بالمرأة، وقد نبَّه الرسول صلى الله عليه وسلم مؤكِّداً ضرورة التمايز السلوكي بين الجنسين: فقد " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"، كما " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل "، واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى، ولا يصدر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عند اقتراف أمر شنيع.

والمتأمل في الواقع الاجتماعي المعاصر، وما طرأ على وضع المرأة وسلوكها من التطور: يجد أن مفهوم (الجندر) : آخذ في الظهور والشمول، فعلى الرغم من تأخر ظهوره كمصطلح متداول، إلا أن مقتضاه الخطير آخذ في السيطرة على المفاهيم العقلية والتطبيقية في الحياة الإنسانية بصورة عامة، والحياة الإسلامية والعربية بصورة خاصة منذ عقود مضت، فالتقارب السلوكي بين الجنسين، وتطابق الأدوار بينهما أصبحا واقعاً اجتماعياً قائماً يصعب إغفاله، فلم يعد غريباً في المجتمع العربي المعاصر أن تقوم المرأة بدور الرجل، فبعد أن كان المجتمع في بداية القرن العشرين يقدِّر المرأة المحجبة ربة المنزل، ويعتبرها مثالاً للمرأة الفاضلة: تبدَّل هذا التقدير ليعطى للمرأة المتحررة المنطلقة في الحياة العامة، والناظر أيضاً في ألبسة النساء يرى بوضوح التحول الكبير والمتدرج من الألبسة المحافظة والأحجبة في بداية القرن العشرين إلى السفور والتبرج، حتى إن الناظر يجد أن ألبسة الرجال في بداية الألفية الثالثة أكثر أدباً ومحافظة من ألبسة بعض النساء، وهذا الوضع الأخلاقي من شأنه خلط مفاهيم ومعالم الذكورة والأنوثة، لتنصهر جميعاً في قالب واحد ضمن مفهوم (الجندر) الجديد.

وعلى الرغم من أن دعوة تحرير المرأة في بداية القرن العشرين كانت منحصرة في الدعوة إلى كشف وجوه النساء المسلمات، إلا أنها – بعد ذلك – اتخذت أبعاداً أخرى: سلوكية واجتماعية وسياسية، فما بين صدور كتاب: (تحرير المرأة )، لقاسم أمين وبين تولي امرأة مرتبة وزير نحو من خمسين عاماً تقريباً، وهذا يدل على شمول وارتباط قضايا المرأة بعضها ببعض، ويدل أيضاً على مركزية قضية كشف المرأة عن وجهها، باعتبارها حاجزاً اجتماعياً يحول دون الانفلات الاجتماعي، ومن هنا كان لا بد من بحث هذه القضية، والوقوف على أبعادها: التاريخية، والأخلاقية، والاجتماعية.

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:12:36 +0300
29- حجاب المرأة عبر التاريخ 29- حجاب المرأة عبر التاريخ

يزعم بعضهم: أن النساء زمن النبوة وعصر الخلفاء كنَّ سافرات الوجوه، لا يحتجبن عن الرجال؛ بمعنى أنه لا جديد في آيات الحجاب أكثر من غطاء الرأس والجسم دون الوجه والكفين، وهذا زعم لا يصح من الجهة التاريخية الواقعية لتطبيق الأمة، بل إن المتأمل في التاريخ الإنساني الطويل يجد أن تستر النساء سنة ماضية في جميع المجتمعات البشرية، ومروراً بالحضارات الإنسانية القديمة المختلفة، حتى إن غطاء الوجه والكفين كان معروفاً عندهم، وقد كان من المسالك الاجتماعية المحترمة التي تعاطتها المرأة في أوروبا حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ، وقد وُجد البرقع في القارة الأمريكية حين اكتشفها المسلمون قبل رحلة كولومبس المشهورة، وذلك على طريقة حجاب النساء المسلمات في الأندلس، وقد كان المجتمع الأوروبي ورجال الدين فيه حتى عقدين من بداية القرن العشرين يستهجنون تبرج النساء، ويستنكرون ظهورهن في المجتمع العام بغير احتشام، ويتوجَّسون من التجديد الذي طرأ على ملابسهن وسلوكهن، وقد شاع بين النساء الأوروبيات عند ممارسة الرياضة لبس السراويل السابغة الفضفاضة التي تستر فخذي المرأة والركبتين، وقد شـوهدت المرأة البريطانيــة عام 1928م وهي تلعب التنس بملابس فضفاضــة ، لا يظهر منها إلا الوجه والكفان ، وشيء من الساعدين، ولا يُستغرب في بعض بلاد المسلمين اليوم مشاهدة المرأة النصرانية ترتدي الحجاب الإسلامي، ومازالت القوانين الغربية حتى اليوم – رغم اتساع الانحلال الأخلاقي- تعاقب على التعري في الطريق العام.

وأما المرأة في الجاهلية العربية فقد كانت تمارس في الجملة نوعاً مقبولاً من التستر، ولم تعرف المجتمعات الإنسانية الراقية التبرج الذي يمارسه كثير من نساء اليوم إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين الميلادي؛ فقد شاع بين كثير من النساء العربيات في العصر الجاهلي غطاء الوجه، فضلاً عن غطاء الرأس وباقي الجسد، والشعر الجاهلي حافل بالمعاني الدالة على هذا النوع من التستر ؛ ولهذا كان غالب غزل شعراء الجاهلية العربية ينصب على وصف الأجزاء التي قد تظهر من بعض النساء كالوجه ، واليدين، وأسفل الساقين ، ولم تكن المرأة العربية آنذاك تتجاوز هذا الحد من الكشف عن جسمها إلا في المصائب والنكبات ، حين تخرج إحداهن عن طبعها ؛ وذلك رغبة في إثارة الحمية القبلية في قومها ، ولقد كان من أسـباب إشعال حرب الفجار – التي شارك فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة – بين قريش وبني عامر: أن شاباً من قريش ألح على امرأة من بني عامر أن تكشف عن وجهها فأبت، فاحتال عليها حتى انكشفت عورتها، فصاحت بقومها، فاشتعلت الحرب، وفي هذا يقول الحلبي في سيرته معلقاً على هذه الحادثة: " يدل على أن النساء في الجاهلية كنَّ يأبين كشف وجوههن".

إذا كان هذا وضع حجاب النساء في الجاهليات التي سبقت الإسلام: فلا بد أن يكون لآيات الحجاب بعد البعثة النبوية معنى إضافي على ذلك؛ من جهة الالتزام الشرعي بتمام التستر، والبعد عن مواضع الفتنة، والالتفات إلى البيوت ونحوها، فلا يتصور أن يأتي الإسلام – فيما يحفظ أخلاق المجتمع – بما هو دون ما تعارفت عليه المجتمعات المتحضرة من الحق في الماضي؛ لذا فقد انتهى حجاب النساء في عصر النبوة إلى غطاء الوجه، بما في ذلك نســاء النبي صلى الله عليه وسلم وعمــوم نساء الأمة ؛ فقد دخل أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجَّىً على فراشه قد قُبض، والنسوة حوله، وفاطمة رضي الله عنها قطعاً بينهن، فلا يتصور أن تغيب عن هذا الموقف، يقول ابن كثير رحمه الله: "... فخمَّرن وجوههن واستترن من أبي بكر إلا ما كان من عائشة..."،يعني أن جميعهن غطين وجوههن بما فيهن فاطمة عدا عائشة رضي الله عنهن جميعاً.

وعلى هذا المنهج المحافظ سار الخلفاء، حتى إن علياً رضي الله عنه لما أراد أن يكلِّم عاتكة زوجة عمر رضي الله عنهما، حدَّثها بحضوره من جانب الخدر، ولما شكت امرأة زوجها إلى عمر رضي الله عنه دعاه ليسأله، وأقعدها خلف ظهره، فلما حضر الرجل قال له: "ما تقول هذه الجالسة خلفي؟ قال: ومن هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه امرأتك "؛ يعني أن الرجل ما عرف زوجته لكونها مغطية وجهها، وجاء عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان " يُلبس بناته القفَّازين"، ولما بلغ هشام بن عروة بن الزبير رضي الله عنهم أن ابن إسحاق يروي عن زوجته فاطمة بنت المنذر رضي الله عنها استنكر ذلك وقال: " تحدث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، والله إن رآها قط "، وعلق الذهبي رحمه الله على هذا بقوله: " هشام صادق في يمينه فما رآها، ولا زعم الرجل أنه رآها، بل ذكر أنها حدثته، وقد سمعنا من عدة نسوة وما رأيتهن"، فقد كان نهجهم السماع من وراء حجاب، وهذا النوع من السماع مقبول عند العلماء لا اعتراض عليه، وهي الطريقة التي كانت تروي بها السيدة عائشة رضي الله عنها للرجال الأجانب.

وعلى هذا النهج سارت الأمة في قرونها المتعاقبة، حتى إن بعض النساء ممن كان لهن نفوذ سياسي في بعض فترات التاريخ الإسلامي: كنَّ يقضين في الأمور العامة من وراء
حجاب، وكانت الواحدة من قريبات الملوك والأمراء تُمدح بقولهم في وصفها:
"المُحجَّبة"، ويذكر الإمام أبو عبد الله السبتي خبر أم الخير فاطمة البطائحي (ت 711 هـ) حين أخذ عنها الإجازة في المسجد النبوي، حيث وصف دقة تستُّرها وحيائها، رغم أنها كانت حينذاك في التاسعة والخمسين من عمرها فيقول عنها : "... كانت تسدل جلبابها على وجهها حياءً وصوناً رضي الله عنها"، وعلى هذا النهج كان عمل نساء الحجاز في اتخاذهن الحجاب، لايكاد يُرى منهن حين يخرجن إلى الطريق مخرز الإبرة من كثيف الملابس والجلابيب، والبراقع والخفاف، ومن أعجب ما يُنقل عن تمام تستر النساء في التاريخ الإسلامي: خبر ليلى الأخيلية مع عشيقها توبة الحميري، فعلى الرغم من التعلُّق الشــديد الذي كان بينهما ، فقــد كانت لا تقابله إلا ببرقعها على وجهها.

وقد كان الرجال من أصحاب كتب التراجم لا يعرفون صفات النساء الأجنبيات المترجم لهن حتى وإن كانت إحداهن معاصرة له إلا من خلال المحارم أو النساء، وفي هذا يقول المؤرخ شرف الدين أبو البركات اللخمي في ترجمة المقرئة الكاتبة جَشْمَأورنة بنت مكي الأرموية: " أخبرنا بنسبها وصفتها محمد بن حامد بن محمد بن يحيى الأرموي ابن أختها"، وقريب من هذا ما ذكره الإمام ابن حجر العسقلاني في ترجمة شيخته رقية (ت 830 هـ) بنت شرف الدين محمد، حيث يقول: " فلما كان في سنة سبع وعشرين حضرت عندهم في محاكمة، فرأيتها تامة القامة، مستوية العقل، وذكر لي أهلي أنه لم يظهر عليها الكبر، وأن أكثر ما يمكن أن يكون سنها ما بين الستين والسبعين"، فرغم لقائه بها إلا أنه ما عرف سنها لكمال تسترها، بل إن بعض العلماء كان يستنكر على الكبيرة العجوز أن تكشف وجهها، فقد قال السخاوي رحمه الله عن إحدى شيخاته، ممن أخــذ عنها بعض الرواية : " كنت ممن حمل عنها قديماً أشياء قليلة استغناء عنها، خصوصاً وقد كانت على نمط كثير من العجائز في عدم التحجُّب ونحوه، ثم حسن حالها، وقرأت عليها سائر ما وقفت عليه" .

وعلى الرغم من أن بعض العلماء يرى جواز كشف وجه المرأة، وأنه ليس بعورة إلا أنهم مع ذلك يأمرونها بالنقاب والتستر، وفي هذا يقول ابن حجر:" ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك..."،فهذا هو نهج السلف حين لم يتركوا للخلاف الفقهي - في مسألة جواز كشف وجه المرأة للأجانب - موضعاً للتطبيق في الحياة العامة، فكانت المسألة العلمية قضية، والتطبيق العملي قضية أخرى؛ بل إن النصَّ لو وُجد مخالفاً للعمل المتوارث عن السلف : لم يُؤخذ به، فإن العمل المتوارث حجة، والنصُّ قابل للتأويل أو النسخ أو نحو ذلك، يقول المحدث شاه ولي الله الدهلوي:" إن اتفاق السلف وتوارثهم أصل عظيم في الفقه"، وكذلك عمل أهل المدينة في عصر الخلافة الراشدة حجة قاطعة باتفاق المسلمين، وطريقتهم سنة ماضية يُعمل بها ويُرجع إليها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ"؛ لذا فإن " قول الصحابي: كنا نقول كذا، ونفعل كذا من ألفاظ التكثير، ومما يفيد تكرار الفعل والقول، واستمرارهم عليه، فمتى أضاف ذلك إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم على وجه كان يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره: وجب القضاء بكونه شرعاً، وقام إقراره له مقام نطقه بالأمر به" ؛ فإن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم شرع يتبع، وجزء من سنته التي أمر الناس بالعمل بها، فإذا تقرر هذا : فإن قول السيدتين عائشة وأسماء رضي الله عنهما : " كنا نغطي وجوهنا من الرجال ...": يدخل ضمن ما أقرهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصبح جزءاً من سنته التي ألزم الله الناس اتباعها.

والناظر في التاريخ الإسلامي يجد أن المرأة في البلاد الإسلامية لم تعرف سفور الوجْه– فضلاً عمَّا أجمع المسلمون على وجوب ستره من البدن- إلا في بداية القرن العشرين الميلادي، بعد تحـريـض النساء على السفور من خلال الدعوات المشبوهة، ودعم وتحريض بعض الأنظمة الحكومية لها؛ إذ لم تكن الدعوة في أول أمرها تهدف لأكثر من كشف الوجه ؛ فقد كان الجدال الاجتماعي حينها منصباً حول جواز كشفه أمام الأجانب من الرجال؛ وذلك حين كان غطاؤه في الحياة العامة سائداً بين النساء المسلمات، عاماً فيهن حتى العقد الثالث من القرن العشرين، بل إن بعضهن من فرط الحياء والعادة المستحكمة تغطي وجهها حتى في بيتها بين محارمها؛ ولهذا كان أقصى ما قامت به النساء الجريئات في ذلك الوقت هو الكشف عن وجوههن، كما فعلت ذلك هدى شعراوي حين رجعت من روما عام 1923م بعد مشاركتها في مؤتمر دولي للنساء، والناظر في المجلات المصورة التي صدرت في تلك الفترة يجد أن دعوة تحرير المرأة لم تتجاوز في مطالبها حدود كشف الوجه؛ فقد كانت المرأة الجريئة منهن تظهر مغطية لجسمها بكامله عدا وجهها، ومن شهود ذلك العصر على صحة ما تقدم : حكاية الكاتبة زينب بنت علي العاملي، التي عاشت الفترة ما بين 1860م- 1914م، فرغم ما كانت تحمله من بعض الأفكار التحررية حول المرأة :تحكي عن حالها ومعاناتها حين ألَّفت كتابها: " الدر المنثور في طبقات ربات الخدور"، فتقول: "خصوصاً من كانت مثلي ذات حجاب، ومتنقبة من المنعة بنقاب"، تعني صعوبة حركتها الاجتماعية لجمع المادة العلمية لكتابها لكونها متنقبة.

ومن هنا يُعلم أن الحجاب ليس بدعة ابتدعها الرجل وفرضها على المرأة، أو تقليداً نابعاً من المجتمع، بل سلوك فطري، ودين يُتَّبع، وعمل أنثوي قديم قدم البشرية، وكذلك غطاء وجهها، فقد دخل في حياة المرأة المسلمة ضمن حجابها الشرعي، وعملت به الأمة عبر القرون المتعاقبة ، وهو صورة من صور الإجماع العملي الذي عملت به الأمة منذ فرضه الله تعالى على النساء حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، حين بدأت الدعوات والنداءات المشبوهة الداعية للسفور.

 

 

 

 

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:10:15 +0300
22- الترويح الغريزي للفتاة 22- الترويح الغريزي للفتاة

ويُقصد بهذا النوع من الترويح : استهلاك شحنة الفتاة الغريزية تجاه العناية بالنسل في نشاط تدريبي مشابه، يُعِدُّها قبل الإنجاب – بصورة غير مباشرة – لدورها الأمومي المرتقب من خلال اللعب بالدُّمى المصوَّرة، وهو ما أشارت إليه النظرية الغريزية، من أن بعض الغرائز لا تظهر دفعة واحدة، وإنما تظهر بالتدريج من خلال اللعب، فتعد الفتاة الصغير للحياة المستقبلية الجادة .

ويعتبر هذا النوع من اللعب الصبياني أقدم ألعاب الإنسان عموماً، وأهم وأجمل ألعاب البنات والفتيات خصوصاً ؛ لكونه يشبع عندهن غريزة الأمومة الطبيعية، ويُدرِّبهن على دورهن الاجتماعي في العناية بالنسل ورعايته، وليس دافع هذه الرغبة عند البنات عقداً نفسية جنسية كما تزعم مدرسة التحليل النفسي؛ وإنما هو ميل فطري طبيعي، تشبع به الفتاة حاجتها الغريزية إلى الأمومة، ولهذا جاءت الشريعة السمحاء باستثناء لُعب البنات المجسَّمة من عموم النهي الشديد الوارد في المسألة ؛فقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وصواحباتها -رضي الله عنهن - على اللعب بالبنات في غير حرج،رغم ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في شأن الصور والمصورين من التهديد، وغليظ القول .

وأما ادعاء النسخ في المسألة، فإن السيدة عائشة رضي الله عنها – صاحبة الشأن في هذه المسألة – تقول مخبرة عن حالها في بيت النبوة : "كنت ألعب بالبنات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، مما يدل على أن الأمر استقر على الإباحة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو مذهب جمهور العلماء،من المتقدمين،والمعاصرين، وإن كان الخلاف في هذه المسألة قائماًبين بعض الفقهاء .

وأما حبكة صناعة الدُّمى للفتيات و إتقانها، وحسن إخراجها , والتوسع المفرط في اقتنائها : فإنه غير مستحسن من الناحية الشرعية ؛ فإن بساطة الإخراج أولى في مثل هذه المسائل المحْرجة شرعاً، ضمن مفهوم حدود الرخصة الشرعية، في غير إفراط أو تفريط.

وفي الجانب الآخر من الناحية التربوية : فإن بساطة الإخراج تُعطي الفتاة المتدرِّبة فرصة تربوية تستغل فيها خيالها العقلي في إكمال نقص دميتها الساذجة، بما تُضْفيه عليها من عناصر خيالية تكمل بها – ذهنياً – صورتها الطبيعية، وما تقوم به من عناصر أخرى عملية تُصلح بها من  شأنها,  فتخيط ملابسها، وتُطرِّز ثيابها.

وكذلك الفائدة قائمة في عدم الإكثار من اقتناء الدمى؛ فإن فيه فرصة جيدة تسمح للفتاة بمزيد من الاتصال الاجتماعي بالآخرين ؛ فإن كثرة الدمى ووفرة الألعاب تحول دون اتصال الناشئ بالوسط الاجتماعي من حوله .

ومن مجموع هذه الإرشادات والضوابط يحصل للفتاة الخروج من الحرج الفقهي في حبكة صناعة الدمية من جهة، ويتحقق لها – من جهة أخرى – الهدف التربوي المنشود من وراء مبدأ الترخُّص لمثل هذه الألعاب.

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 21:00:41 +0300
21- الترويح الذهني للفتاة 21- الترويح الذهني للفتاة

والمقصود بهذا النوع من الترويح هو: تنويع النشاط العقلي بتجديد أسلوبه، أو مادته ضمن ما يكون نافعاً ومفيداً من المعارف والأساليب العلمية المختلفة، إلا أن الواقع الاجتماعي غالباً ما يتوجَّه في جانب الترويح الذهني إلى الألعاب الجماعية التنافسية : كالألعاب التي يدخلها النرد " الزهر "، أو لعبة الشطرنج الأعجمية المشهـورة، أو لعبة الدومينو، أو ألعاب الورق المختلفة " الكوتشينة "، أو ألعاب الكمبيوتر المتنوعة الحديثة , فمع أن هذه الألعاب – كما هو المفروض – تخضع لقواعد الشرع العامة من الحظر والإباحة، حيث إن منها ما هو ممنوع بالإجماع من خلال نصوص شرعية ثابتة كالنرد، الذي قاس عليه العلماء بعض الألعاب الأخـــرى، كلعبة الــورق، والدومينــو لما فيها من الغفلـــة عن ذكر الله، ومنهــا ما هو ممنــــوع عند جمهور الأمة كالشطرنج، بل قيل إنه محرم بالإجماع،ومنها ما يكون بين الحل والحرمة: فإن بعض الألعاب – وإن كانت مباحة في أصلها – فإنها قد تُوقع أصحابها في محظورات شرعية، من خلال: أسلوب ممارستها، ووقتها المستهلَك، وهدفها التربوي، فقد تجرُّهم إلى التنافس البغيض، والتحاسد المشؤوم، وهدر الأوقات، وإهمال الفروض، وربما إلى تعاطي القمار , وهذه الممارسات الممنوعة تنقل اللعبة – وإن كانت في الأصل مباحة – إلى درجة الكراهة الشديدة، أو التحريم.

ولعل أقلَّ ما يمكن أن يُقال للمُستغرق في مثل هذه الألعاب، المنهمك في تعاطيها: أنها دليل على التأخر الحضاري، والبطالة الاجتماعية، ونضوب مادة الحديث الشيِّق الذي يُغني عن مثل هذه التسالي المفرطة، وفي هذا يقول بعض المتقدمين : "ولقباحة العطلة، ونفور العقل عنها : اشتغل الفُرَّاغ بلعب الشطرنج والنرد على سخافتهما، وأخذهما من العمر، وذهابهما بالزمان في غير طائل "، إضافة إلى ما يحمله هذا الاستغراق اللاهي من علامات دالة على صراعات نفسية، ومشاعر منهزمة مفتقرة إلى النجاح والإنجاز.

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:58:11 +0300
20- الترويح البدني للفتاة 20- الترويح البدني للفتاة

والمقصود بهذا النوع من الترويح هو : إعطاء الجسم شيئاً من الحرية الحركية غير المعتادة، يخرج بها البدن عن حالة السكون والرتابة إلى حال الانبعاث والحركة المقصودة لذاتها، وغالباً ما ينحصر هذا النوع من الترويح في جانب التَّجْوال والسياحة في الأرض، وفي جانب الرقص الترفيهي، فأما تجْوال الفتاة، وسيرها في مناكب الأرض فالأصل فيه الإباحة، ما دامت تمارسه في بلاد المسلمين، دون سفر طويل لا بد فيه من محرم لها، وفي مناطق لا تشاهد فيها ما يضرها من منكرات الأخلاق، وخوارم الآداب،فإن بلاد الكفار ليست مكاناً لإقامة المسلم أو تنزُّهه، إلا ضمن ضوابط شرعية قد يصعب توافرها في هذا العصر،مع  ما يرافق ذلك عادة من إنفاق الأموال الطائلة بحجة السياحة في بلاد غير إسلامية، إضافة إلى ما أشار إليه العديد من الدراسات إلى أن السفر إلى الخارج بداية كثير من الانحرافات الأخلاقية ,  ثم إن مواقع الفجور والمنكرات هي الأخرى ليست مكانًا مناسبًا  لتنزه المسلم ؛ فإن التنزه من الكماليات التي لا ترقى إلى مرتبة الحاجيات فضلاً عن رقيِّها إلى مرتبة الضروريات، فالأولى بالفتاة المسلمة تركها لهذا النوع من الترويح حين لا يمكن فعله إلا في مواقع يشاهد فيها المنكر, ولعل فيما تُتيحه أساليب العمارة الإسلامية من الأفنية المستوردة, التي تسمح بدخول الهواء وأشعة الشمس ,ما يحقق للفتاة حاجتها من الحركة والترفيه البريء.

ولا يصح أن يصل نشاط الحركة بالفتاة إلى درجة المسِّ المُقلق الذي يصعب معه الاستقرار، بحيث يصبح التنقل عندها هدفاً في حد ذاته، وحاجة نفسية ملحة لا تستطيع معها السكون في مكان واحد فهذا مرض نفسي ؛ فإن القرار هو الأصل في طبيعة الفتاة الاجتماعية .

وأما جانب الرقص في المناسـبات العامة والأعياد الإسلامية فمشروع للرجال،فقد كان الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما يليق بهم ضمن آداب الشرع العامة، وبما فيه "تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو"، وللفتيات في مثل هذا المقام جواز النظر إلى هذا اللعب التدريبي المشروع، في غير ريبة .

وأما تعاطي الفتيات الرقص الترفيهي على وجه المرح والفرح فلا يدخل ضمن مستحبات الشريعة،ولم تُؤْثر ممارسته عن القدوات من نساء السلف، ولعلهجائز لهن في المناسبات الشرعية، واللقاءات السعيدة في غير فُحْش أو تكسُّر أو تثنٍّ مُخل،وبالقدر الذي لا يُخرجهن عن حدِّ الاعتدال إلى درجة الهوس المفرط الذي يصيب بعض الشباب في الأوساط الاجتماعية المنحلة، ومع كل هذا فإن ترك الفتاة له أولى، والسلامة منه أفضل ؛ لأنه مخالف لمسلك الوقار، وأبعد ما يكون عن طابع الاتزان السلوكي، إضافة إلى ما فيه من الضرر الصحي المتوقع على جسم الفتاة .

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:55:52 +0300
19- الترويح النفسي للفتاة 19- الترويح النفسي للفتاة

يقصد بالترويح النفسي : النشاط الذي يقوم به الإنسان بهدف حصول الاسترخاء والراحة، ودفع السآمة عن النفس، فالفتاة تحتاج إلى شيء من اللهو البريء المريح للنفس، والمجدد للنشاط، والباعث على الخير؛ فإن هذا مبدأ مقبول في التصور الإسلامي، حيث تجد الفتاة هذا النوع من الترويح في مجال السَّماع المعتدل، ففيه ساحة رحبة للترويح النفسي، والتجديد الروحي، بما يتضمنه من المعاني الحسنة، والصفات الحميدة, ضمن كلمات وعبارات موزونـــة، وصــــوت حسن، بعيداً عن آلات العزف، وفاحـــش القــــول ؛ فإن هذا الوصف لهذا النوع من الترويح لا خــــلاف في جـــوازه بين أهـــل العلـم قديماً،وحديثاً ؛ فقد أقرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنشاد الشعر الحسن،وسماع الحُداء المعتــــدل لعمــــوم الأمة،وزاد النســـاء – مع هذا – الدفَّ؛ لحاجتهن الفطرية إلى مزيد من اللهو، وميل طباعهن إلى شيء من التعمُّق والاستغراق،وفي هذا يقول ابن عبد السلام رحمه الله-: " تمكين الشباب من اللعب، ومن النظر إليه : ضرب من الإحسان ؛ لأنهم يستروحون إلى ذلك . . . وكذلك التمكين من سماع الدف والغناء".

وقد كان بعض السلف في أسفارهم يتعاطون مثل هذا النوع من الترويح دون نكير،لما فيه من النشاط ودفع الملل ؛ ولهذا يترنم المتعب في عمله ليستجلب النشاط، ومن المعلوم أن سماع ما يُستحسن ويُستطاب من الأصوات الجميلة له تأثير إيجابي في زيادة النشاط، ودفع السَّآمة عن النفس، وفي هذا يقول ابن عبد السلام رحمه الله - : " وعلى الجملة فالسماع بالحداء, ونشيد الأشعار بدعة لا بأس بسماع بعضها"،ويقول الإمام عياض رحمه الله- : " وقد استجاز الصحابة وغيرهم غناء العرب المسـمى بالنصب، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط، وأجازوا الحـــداء، وفعلــوه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا كله إباحة مثل هذا " .

وقد أثبت هذا النوع من الغناء المشروع نجاحه في نقل مشاعر الفتاة المعاصرة وعواطفها من الذوق الجاهلي الهابط إلى مستوى الذوق الإسلامي الرفيع، في الوقت الذي وقف فيه الغناء الماجن، بمضامينه الساقطة، وآلاته المطربة وراء انحراف كثير من الشباب المعاصر وضياعهم، فكما أن للغناء تأثيره الإيجابي في الإصلاح والتوجيه إذا استغلَّ في الخير، وانضبط بالشرع : فإن له تأثيره السلبي العنيف إذا استغل في الشر، وخالف الشرع،وأبلغ ما يكون تأثيره إذا وُجِّه إلى الإناث؛ فإن عمله فيهن أكبر وأعظم، خاصة في هذا العصر الذي سيطر فيه أعداء الإسلام على غالب أجهزة البث الإعلامي بأنواعها، ولا سيما الإذاعية منها، حيث انهمكت في بثِّ المضامين المنحرفة عقدياً وخلقياً، ضمن المنظومات الغنائية، والألحان الموسيقية للصد عن سبيل الله ؛ وهو من نوع الغناء القبيح الذي كان يستخدمه المبطلون في الزمن الأول للصد عن الإسلام،وهو أيضاً الغناء المذموم الذي تعاطاه بعض المفتونين في العصور الإسلامية، حتى راج خبر الفنانين والفنانات، فأشغلوا الناس بما لا خير فيه،حتى قال فيهم الإمام ابن عبد السلام : " وأما سماع المطربات المحرمات فغلط من الجهلة المتشبعين، المتشبهين، المتجرئين على رب العالمين " ؛ولهذا نصَّ بعض الفقهاء على معاقبة المغنيين، وحبسهم حتى يتوبوا .

وفي العصر الحديث أفتى كثير من العلماء المعاصرين بحرمة الاستماع إلى مفاسد وسائل الإعلام، وما تبثُّه من الغناء الماجن، والعبث الخلقي، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال في شأن المغنيات من الجواري : " لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، ولا تجارة فيهن، وثمنهن حرام "، وما يُذكر من المسامحة في ذكر الغزل,فإنما هو مما يُنقل من أشعار الجاهلية، وليس هو ما ينظمه أهل المجون والميوعة بغرض الفساد .

وفي الجانب الآخر تجد الفتاة المسلمة في مجال الإنشاد المعتدل بمضامينه الحسنة، ونغماته الخالية من العزف الموسيقي : ساحة واسعة للترويح النفسي، والترقي العاطفي، فتستغني بذلك عن الغناء المنحرف الصاخب .

ولعل مما يُعين الفتاة على الكفِّ عن الغناء الماجن أن تعرف أنه باب من أبواب المرض النفسي، فقد أثبت العديد من الدراسات المعاصرة : " أن الاكتئاب والهوس سائد بين الفنَّانين"،فلو كان مفيداً لنفع أصحابه، وأراح نفوسهم، والواقع يشهد بأنهم أرذل طبقات المجتمع، حتى في نظر الشباب المفتونين بهم ؛ ففي دراسة عربية لاستطلاع آراء الشباب حول المكانة الاجتماعية لأنواع المهن المختلفة, فقد جاءت مهنة : مطرب، وممثل، وموسيقار في آخر القائمة، ضمن عشر مهن هي أخس المهن وأقبحها في نظر الشباب،بل وحتى في السابق ؛ فإنه لم يكن يشتغل بهذا النوع من الفن الهابط إلا الإماء والنساء غير العربيات, ممن ضعف ضبطهن الخلقي، أما المرأة الحرة، فإنها كانت في الغالب - تترفع عن هذه المنزلة الوضيعة،ولهذا يقول ابن القطان رحمه الله -  : " والغناء الذي يتغنى به الفساق، وهو الغناء المنهي عنه : مذموم عند الجميع "،فنهي عنه لكونه علامة على الفساق يترفع عنه الفضلاء، بل وحتى الذين قالوا بإباحة الغناء والموسيقى, فإنهم مع ذلك يمنعون منهما إذا كان فيهما ذريعة إلى الفساد والفتنة، كما هو واقع الفن في هذا العصر .

ومن هنا تدرك الفتاة أن الفن المعاصر في غالبه باب من الأذى النفسي, وليس هو باباً من الترويح عن النفس, إلا ما كان منه منضبطاً بضابط الشرع .

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:51:16 +0300
18- حاجة الفتاة إلى الترويح 18- حاجة الفتاة إلى الترويح

الفتاة بطبيعتها محتاجة إلى الترويح بمعناه الشامل للعب واللهو ونحوهما من مظاهر الترفيه؛ بغرض راحتها : العقلية، والنفسية، والجسمية، والغريزية، فمع أن الترويح فطرة إنسانية تحتاج إلى إشباع، فإنه مع ذلك حاجة مهمة لكمال نمو شخصية الفتاة، وفهمها لثقافة المجتمع،وإعدادها للعمل الجاد، إلى جانب أهميته في الخروج بالفتاة عن حياة الرتابة المملَّة إلى شيء من التجديد،فإن الإنسان بطبيعته يكره التقييد والتكليف، ويحب الانطلاق والحرية، فشيء من الترويح البريء يمكن أن يحقق للفتاة كل ذلك، ويشبع جانباً مهماً من كيانها الفطري .

وقد أقرَّ الإسلام في منهجه التربوي مبدأ الترويح للفتيات، باعتباره حاجة نفسية، وعقلية، وجسمية،وغريزية, موافقة منه للفطرة الإنسانية السوية، ومراعاة لاهتمامات الفتيات الترفيهية، التي كثيراً ما تنتقل معهن – كحاجة ملحَّة – من مرحلتي الطفولة والمراهقة إلى مرحلة الشباب ؛ فإن السيدة عائشة – رضي الله تعالى عنها – ظلَّت شغوفة بنشاطها الترويحي الخاص، تمارسه مع صواحباتها بجد، حتى بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وهذا يرجع إلى أن بعض الغرائز الإنسانية لا تظهر دفعة واحدة، وإنما تظهر بالتدريج في صور من اللعب واللهو البريء .

ومع كون نظام الإسلام التربوي يراعي طبع الفتاة، وميلها الفطري إلى الترويح : فقد " أحاط هذه الرغبة بسياج من الفضائل، وجعلها منوطة بنبل الأهداف ؛ حتى لا يخرج بها الهوى إلى حيث المجون، والاستهتار، ومعصية الله "، فإن الترويح يخضع لقاعدتي الحلال والحرام، ولا يعدو المباح منه أن يكون وسيلة في حد ذاته، لا يرقى لأن يكون غاية تُهدر من أجلها الأوقات والأموال، فإن الحياة الفاضلة هي الحياة الجادة، ولهو المرء – وإن كان حقاً له – لا قيمة فيه إذا لم يُعدَّه للعمل من جديد، ويبعث فيه النشاط لما بعده من مهام الحياة الكبرى، فمن العبث أن يصبح اللهو غرض الحياة، بحيث لا يعرف المرء من الحياة إلا أن يألم ويكدح ليلهو، ويجتهد ويعمل ليلهو من جديد، فإن هذا المسلك عين التفاهة والسفه،فالأصل " في جواز اللعب ألا يؤدي إلى ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها، وألا يشغل عن واجب ويؤدي إلى تركه، وألا يؤدي إلى فعل محرم " .

وفي هذا العصر " يعتبر الترفيه مؤشراً من مؤشرات تطور المجتمعات، فكما أن العمل – الشغل والتشغيل – أمارة الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الصناعي ؛ فإن الترفيه هو العلامة على الانتقال من المجتمع الصناعي إلى المجتمع ما بعد الصناعي"، وهذا ما يُلاحظ بوضوح في نهاية القرن العشرين , ودخول القرن الجديد من توسع كبير في قطاع السياحة والترويح، ودخول هذا القطاع بقوة ضمن برامج التنمية القومية لكثير من دول العالم؛ لما فيه من دعم ملحوظ وفعال للاقتصاد القومي، حتى إنه يسهم بأكثر من (10%) من إجمالي الناتج العالمي، وربما عن قريب يحتل الصدارة من بين مصادر الدخل في العالم .

 

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:48:22 +0300
7- مشروعية الترويح البريء 7- مشروعية الترويح البريء

      إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله، جاء بالحنيفية السمحة، لا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، نهجه العدل، وسبيله الحق، تركنا على المحجَّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ضال، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد:

فإن المجتمعات المعاصرة في نهاية القرن العشرين، وبداية الألفية الثالثة الميلادية تتوجه بقوة نحو مزيد من أوقات الفراغ في مقابل أوقات العمل، وإلى مزيد من حياة الترفيه في مقابل حياة الجد، حتى إن أوقات العمل الجاد تتقلَّص شيئاً فشيئاً، لتحتل أوقات الفراغ الساحة الأوسع من حياة الإنسان المعاصر، يقول فليب فينكس: " لقد أصبحت التسلية في القرن العشرين عملاً تجارياً كبيراً، وأصبح لها تأثيرها القوي في تكوين الاتجاهات، وفي الشخصية".

ولا شك أن هذه الوجهة الاجتماعية المعاصرة نحو مزيد من أوقات الفراغ والتسلية والترفيه : تدفع إلى ضرورة الإفادة من أوقات الفراغ المتاحة في أنشطة إيجابية هادفة، تضمن حسن استهلاك الوقت من جهة، وتضمن من جهة أخرى سلامة النشاط المستخدم من الإضرار بالفرد أو المجتمع، ومن هنا برز مفهوم الترويح بصورته الشاملة ؛ ليكون مصطلح المجتمع المؤدَّب لملء أوقات الفراغ التي توافرت لأفرادالمجتمع - بصورة كبيرة - بأنشطة : عقلية، ونفسية، وبدنية . . . هادفة, توافق وجهة المجتمع, وتصب في مصلحته العامة والخاصة، فليس الترويح عطلة من الحياة، بل له نتائجه الإيجابية على الفرد في تكوين شخصيته, وسلامة نموها.

ولما كان الميل نحو الترويح وشيء من الترفيه والتسلية واللعب أمراً فطرياً في الإنسان، يحتاجه لراحة نفسه، وتجديد نشاطـــه : جاءت الشريعة الإســـلامية بما يوافق هذه الفطرة الإنسانيـــة ؛ فقد أقرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لعب الحبشة بحرابهـــــم في مسجده، وسمح بالتقْليـــس، وهو اللعب بالسيوف، وأذن للجواري  بضرب الدف في الأعراس والأعياد، وقال : "فصل ما بين الحلال والحرام : الدف والصوت"، وقد كان له – عليه الصلاة والسلام – " حادٍ حسن الصوت " .

وقد أقرَّ سلف الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ الترويح، فهذا أبو الدرداء – رضي الله عنه – يقول : "  إني لأستجمُّ ببعض الباطل ليكون أنشط لي في الحق "، يعني أنه يجدد نشاطه ببعض المباح من اللهو، ويقول علي بن أبي طالب – رضي الله عنه –: "روِّحوا عن القلوب، وابتغوا لها طُرَفَ الحكمة ؛ فإنَّها تملُّ كما تملُّ الأبدان " ، ودخل مرة على بعض البنات وهنَّ يلعبن لعباً ما استحبه، فقال لهن: " . . . ألا أشتري لكم جوازاً بدرهم تلعبون به، وتتركون هذا ؟ قلنا : نعم، فاشترى لنا جوازاً وتركناها "، وقد سمع الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – شيئاً من الغناء الذي لا يشتمل على منكر يصدر عن بيت ولده، فلم ينكر عليه، رغم شدته في مثل هذه المسائل.

ولئن كان الجنسان في هذه المسائل الترويحية سواء، فإنَّ حاجة الإناث إليها أكبر، وميلهن إلى الاستمتاع بها أشد ؛ لذا جاءت الشريعة المباركة بمزيد تسامح في شأن الترويح مع النساء، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم- على جلالة قدره، وعظيم مقامه – يقول لعائشة – رضي الله عنها – حين دخل  الحبشة المسجد يلعبون بحرابهم :"يا حميراء، تحبين أن تنظري إليهم ؟ فقلت: نعم "، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلميسترها حتى تنظر وتستمتع إلى أن تنصرف من عند نفسها، دون ملل منه،وفي هذا  تقول – رضي الله عنها – منبِّهة المربين إلى حاجة الفتيات إلى مزيد من الترفيه والترويح : " ... فاقدُرُوا قدرَ الجارية الحديثة السن، تسمع اللهو "، وفي رواية : " الحريصة على اللهو "، فدل على حاجة النساء، ولا سيما الشابات والصغيرات منهن إلى مزيد من اللهووالترفيه الذي ترتاح إليه نفوسهن .

ولما كانت درجات الإشباع، وحدود الاكتفاء تختلف من شخص إلى آخر، فقد تندفع الفتاة بفطرتها نحو الإغراق في اللهو والترفيه، أو تتجاوز بحبِّـها للترويح حدود المباح إلى المكروه أو المحرم ؛ ولهذا ضبط النبيصلى الله عليه وسلمعبارات الغلو من بعض الجواري اللاتي غنين وضربن بالدف في حضرته الشريفة،  " إذ قالت إحداهن : وفينا نبيٌّ يعلم ما في غدٍ، فقال : دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين "، ولما بالغ أنجشة – رضي الله عنه – في حُدائه: خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء، لا يقع حداؤه في  قلوبهن، فأمره بالكف عن ذلك، وقال له، منبِّهاً إياه : "ويحك يا أنجشة، رويداً سوقك بالقوارير "، وفي رواية : " رويداً يا أنجشة، لا تكْسِر القوارير".

ومن هنا فلا بدَّ لهذه الدوافع الفطرية من كوابح تضبط مسارها، وتحدِّد  اتجاهها , فلا تخرج عن حدودها إلى الممنوع؛ إذ المقصود منها هو دفع السآمة والرتابة، وتجديد النشاط للقيام بالجاد من أمور الحياة، يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو : " يلزم المرء أن يلهو ليشتغل بعد ذلك بجد، وله الحق كلُّ الحق، فإن اللهو نوع من الراحة، ولما أن المرء لا يستطيع أن يشتغل بلا انقطاع فالراحة حاجة، ولكن الراحة ليست في الحق غرض الحياة ؛ لأنها لا محل لها البتة إلا نظراً إلى العمل الذي يُراد إتمامه بعدها "، وقال أيضاً : " فالسعادة إذن لا تنحصر في اللهو، ومن السُّخف أن يكون اللهو هو غرض الحياة، ومن السُّخف أن يشتغل المرء طوال حياته، ويألم لا لشيء إلا ليلهو . . . إنه لأن يجدَّ المرء ويجتهد ليصل إلى أن يلهو، فذلك يظهر أنه سفهٌ وتفاهة " .

إن الأصل في إباحة المستلذات من الأصوات والأطعمة والأنكحة ونحوها, إنما هو تحقيق العبودية لله تعالى، فالأعمال والأنشطة المفروضة والمباحة، كلُّها يدفع بعضها بعضاً إلى تحقيق العبودية لله تعالى، فليس شيء من أنشطة الإنسان الموافقة للشرع تخرج عن العبودية، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  " . . . وفي بُضْع أحدكم صدقة، قالوا : يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحـــــلال كان له أجر "، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلم أن يقع في ذهنه أن عملاً ما- مما لا يتعارض مع  الشرع- يمكن أن يخرج عن مفهوم العبودية لله تعالى، فالصوت الحسن، الذي يتلذذ به الإنسان عند سماعه، فإنه يدخل في مفهوم العبودية والأجر والثواب إذا استُغل في طاعة الله تعالى، يقول ابن تيمية رحمه الله : " والله قد خلق الصوت الحسن، وجعل النفوس تحبُّه وتلتذ به، فإذا استعنَّا بذلك في استماع ما أُمرنا باستماعه، وهو كتابه، وفي تحسين الصوت به . . . كنا قد استعملنا النعمة في الطاعة، وكان هذا حسناً مأموراً به . . . فهذا كان استماعهم، وفي هذا السماع كانوا يستعملون الصوت الحسن، ويجعلون التذاذهم بالصوت الحسن عوناً لهم على طاعة الله وعبادته باستماع كتابه، فيثابون على هذا الالتذاذ ؛ إذ اللذة المأمور بها المسلم يثاب عليها كما يثاب على أكله وشربه ونكاحه، وكما يُثاب على لذات قلبه بالعلم والإيمان، فإنها أعظم اللذات، وحلاوة ذلك أعظم الحلاوات "، ولا شك أن ما يقوم به الإنسان من أعمال يتعاطاها بجوارحه، فإن قدراً من الأثر الإيجابي أو السلبي لا بد أن يصل إلى قلبه، ثم ينعكس بعد ذلك مرة أخرى على جوارحه, فلا تتحرَّك إلا على وفق ما وقع في القلب، فاللذة التي يستمتع بها المسلم، ضمن الترويح المباح، يمكن أن تدخل ضمن مفهوم العبادة التي يثاب عليها، كما أن اللذة الممنوعة يأثم بها، وربما عاقبه الله عليها .

ولهذا فقد خالط الترويح المعاصر كثير من الممنوعات، التي تتعارض مع الوجهة التربوية الإسلامية، بسبب الغزو الفكري والثقافي، الذي تحمله وسائل الاتصال الحديثة، ولا سيما في ظل العولمة الثقافية والاقتصادية والسياسية، التي يشهدها العالم اليوم، إضافة إلى التوسع في خطوط المواصلات، التي سمحت بمزيد من الاحتكاك والحراك بين الشعوب، مما يؤثر بصورة سلبية على الشخصية الإسلامية، التي لم تعد تتحمل – في هذا العصر – حجم الاستلاب الثقافي الذي يمارس عليها ؛ ولهذا جاءت توصية الدورة الرابعة لمجمع الفقه الإسلامي المنعقدة بجدة عام 1408 هـ، مؤكِّدة على هذه المسألة، ومنبِّهة لخطورة الهجمة على الشخصية الإسلامية المعاصرة، حيث جاء فيها : " وضع الخطط العلمية للمحافظة على الأصالة الإسلامية، والتراث الإسلامي، والقضاء على كل محاولات التغريب والتشبه، واستلاب الشخصية الإسلامية، والوقوف أمام كل أشكال الغزو الفكري والثقافي، الذي يتعارض مع المبادىء الأخلاقية الإسلامية، وأن تُوجد رقابة إسلامية صارمة على الأنشطة السياحية والابتعاث إلى الخارج، حتى لا تتسبب في هدم مقومات الشخصية الإسلامية وأخلاقها " .

إن العمل – أيّاً كان – لا يُذم ولا يُمدح لكونه يحمل لذة أو مشقة، وإنما يُستحسن إذا كان لله أطوع، وللعبد أنفع، فرب لذيذ من العمل : يكون طاعة لله تعالى، ورب شاق منه يكون معصية له سبحانه وتعالى، فكل لهو تلهو به الإنسان لا بد أن ينطبع بطابع الشرع، وينضبط بضوابطه المحكمة .

 ويمكن تلخيص الموقف الشرعي من الترويح في النقاط الآتية: 

1 – يقر الإسلام مبدأ الترويح بضوابطه الشرعية، ضمن نظامه التربوي الشامل، الذي يوازن بين حاجات الإنسان المختلفة، ويراعي ميله إلى تجديد نشاطه في الحياة , بما يخرجه عن الرتابة والملل .

2 – يتوجه العالم المتحضر نحو مزيد من أنشطة الترويح، التي تشمل أنواعاً كثيرةً من الألعاب والهوايات والممارسات المختلفة، التي تحتاج إلى نظر شرعي، يضبط هذه الأنشطة ضمن حدِّ الإباحة المشروعة .

3 – يُعطي منهج الإسلام التربوي للفتيات ساحة أوسع للترويح ؛ وذلك لميل طباعهن نحو مزيد من الترفيه الموافق لفطرهن الأنثوية .

5 – يسمح نظام الإسلام التربوي للفتيات بالترويح النفسي، المتضمن للسماع المباح في غير إفراط أو تفريط، بما يجدد نشاطهن، ويصرف الملل عن نفوسهن.

6 – لا يستحب منهج الإسلام التربوي التوجه نحو ألعاب البطالة بقصد الترويح الذهني، كالنرد، والشطرنج، والورق، وألعاب الكمبيوتر، ونحوها ؛ لما فيها من الحظ، والتنافس البغيض، والتحاسد بين اللاعبين، إضافة إلى هدر الأوقات النفيسة في غير طائل.

7 – يشجع نظام الإسلام التربوي على تجديد النشاط الذهني بتنويع مادته، وتجديد أساليبه، بما يكفل دفع الرتابة الذهنية، ويبعث على النشاط العقلي .

8 – يقر الإسلام في منهجه التربوي حاجة الإنسان – ذكراً كان أو أنثى – إلى الحركة الجسمية المعتدلة، المتضمنة للسير في الأرض، والسياحة فيها، والرقص الترفيهي ؛ للبعد عن حال السكون والرتابة إلى حال الحركة والانبعاث، بما يحقق صحة جسمية، وترويحاً بدنياً، في غير ريبة، أو مذمة خلقية، ضمن حدِّ الاعتدال الذي يأمر به الإسلام .

9 – يرخِّص منهج الإسلام التربوي للفتيات – بصورة خاصة – اقتناء الدمى المجسَّمة، والتلهي بها، ضمن ضوابط وإرشادات معلومة، بهدف رعاية غريزة الأمومة عندهن، التي فطرن عليها، ولحاجتهن إلى التدريب على الرعاية الوالدية في سن مبكرة .

10 – لا يستحسن الإسلام في منهجه التربوي حبكة صناعة الدمى للفتيات الناشئات، بما يُخرج هذه الصنعة المتكلَّفة عن هدفها التربوي في الترويح وتنشيط غريزة الأمومة عند الفتيات، إلى المضاهاة بخلق الله تعالى، التي نهت عنها الشريعة الإسلامية .

وبناء على ما تقدم تجدر النصيحة بنا يأتي:

1 – أهمية إعادة النظر في أنشطة الترويح المعاصرة في ضوء تعاليم التربية الإسلامية، بهدف تأصيل منطلقاتها، وأسلمت ممارساتها ضمن ضوابط الشرع الحنيف .

2 – التنبُّه إلى حاجة الفتيات الفطرية إلى مزيد من الترويح، وساحة أوسع من الترفيه، في غير إفراط يخرج بهن عن حدِّ الاعتدال، الذي تأمر به شريعة الإسلام السمحة .

3 – ضرورة إشاعة ضوابط الترويح النفسي للفتيات في المجتمع، بما يضمن ممارستهن ضمن الحدِّ المشروع الذي سمحت به الشريعة الإسلامية، وبما لا يخرج بهن عن حدِّ الاعتدال إلى الإفراط المذموم.

4 – السعي الجاد في ابتكار الأساليب والوسائل المشروعة، التي تجدد نشاط الفتيات العقلي، وتروِّح عن أذهانهن، ضمن ما تسمح به الشريعة، ويحقق لهن هدف الترويح الذهني .

5 – محاولة تعديل مفهوم الترويح الذهني من كونه مجرد ألعاب بطالة تُهدر فيها أوقات الفتيات، إلى تنويع النشاط العقلي بتجديد أسلوبه وطريقته، وتنويع مضمونه ومادته، بما يحقق فائدة علمية، ومعرفة ثقافية جديدة , يتحقق من خلالها هدف الترويح الذهني للفتيات .

6 – العمل على ضبط حركة الفتيات الجسمية وسياحتهن في الأرض, ضمن مفهوم الترويح البدني الذي تقره الشريعة، وبما لا يتجاوز حدَّ الاعتدال المشروع، فيخرج بهن إلى الإفراط المخل بسلوك المرأة المسلمة، وربما خرج بهن إلى حدِّ المسِّ المقلق الذي يصعب معه الاستقرار والسكون، ويبعث - بصورة دائمة - على الحركة والتنقل .

7 – ضبط معايير إنتاج دمى الفتيات المجسَّمة ضمن مفهوم الترويح الغريزي، بما يحقق هدف إباحتها لهن، ضمن حدِّ الرخصة الشرعية وضوابطها، وبما لا يتجاوز الغاية من صناعتها إلى المضاهاة بخلق الله تعالى، بحيث تسمح الدمية الساذجة للفتاة – من خلال بساطة صناعتها – بشيء من الخيال الإيجابي في إكمال نقصها، بما تضفيه عليها من عناصر خيالية تكمل بها – ذهنيًّا – صورتها الطبيعية .

 

]]>
Sun, 24 Sep 2017 20:43:58 +0300
19- المسئولية الاجتماعية في تربية الطفل وتهذيبه 19- المسئولية الاجتماعية في تربية الطفل وتهذيبه

الحمد لله الذي خلق فسوى ، والذي قدَّر فهدى ، الذي علَّم بالقلم ، علَّم الإنسان ما لم يعلم ، أحمده وأستعينه وأستغفره ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، خير من علَّم وأدَّب ، ووجَّه ونبَّه ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد ... فإن الكائن البشري يمر بسلسلة من مراحل النمو الإنساني المترابطة والمتداخلة " بدءاً من البويضة المخصبة إلى الجنين ، إلى الوليد ، إلى الرضيع ، إلى الطفل ، إلى المراهق ، إلى الشـاب ، إلى الرجـل ، إلى الشـيخ الهرم " ،  كما وصف الله تعالى مجمل هذه المراحل بقوله : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا...﴾ ،  فهي مراحل من النمو البشري يمر بها الإنسان ، يتدرج فـيها من ضعف إلى قوة ثم إلى ضعف ، عبر سنوات عـمره المقدَّرة ،  يشمل ذلك كل جوانب شخصيته: الجسمية ، والعقلية ، والروحـية ، والاجتمـاعية ، والأخلاقية ، واللغوية ، والانفعالية ، والجنسية ، من الإخصاب إلى الممات .

وتأتي مرحلة الطفولة من عمر الإنسان - بما تحمله من المخزون الفطري الرباني -  أساساً لما بعدها من مراحل النمو البشري ، وعليها تتحدَّد نوعية الشخصية التي سوف يكون عليها الإنسان في المستقبل ،  ولهذا جاءت "... وحـدة الطفـولة البشـرية أطول من طفولة أي كائن حي آخر . . . " ، وأضعفها أيضاً ، وأكثرها اعتماداً على رعاية الآخرين ، وذلك لتأخذ التربية - بكل أبعادها وجوانبها - مداها في صناعة الإنسان ، وإعداده وفق معايير المجتمع ومبادئه وتصوراته ، فالطفل في مفهوم الإسلام كائن بشري مكرم فريد، يُعدُّ لمسئولية التكليف ، ضمن غاية العبودية التي وُجد من أجلها، كما قال الله تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ) ،  فالأطفال الصغـار - بهذا المعنى الإسلامي - ليسـوا مـلكاً للأسـر التي أنجبتهم ،  ولا ملكاً للمؤسسات التعليمية التي تحتضنهم ، ولا ملكاً للمجتمعات التي نشأوا فيها ، بحيث يُترك لهذه المؤسسات حق التصرف المطلق في تكييف مناهج التربية وأهدافها ، وفق نظريات وضعية ، أو مذاهب فكرية،  أو أهواء شخصية ، وإنما هم عناصر بشرية مدَّخرة ، تتهيأ - من خلال التربية الإسلامية - لزمن التكليف الشرعي ، وما يلحقهم بذلك من مسئوليات ومهام تكليفية.

ولهذا فقد حفل التراث الإسلامي بثروة تشريعية عظيمة ، مستمدة من فقه الكتاب والسنة لتربية الأطفال ، وإعدادهم لسن التكليف والإنتاج والعمل ، بما يكفل تعريفهم أصول الدين ، وتهذيبهم بآداب السلوك ، وتعويدهم نهج العبادة ، حسب مراحل نموهم ، بحيث ينشأ الطفل نشأة سوية ، تشمل كل جوانب شخصيته ، ضمن منهج تربوي إسلامي ، يراعي طبيعته الفطرية ، وحاجاته الإنسانية .

ولما كان الأطفال بفطرتهم الإنسانية متنوِّعين في طبائعهم ، متباينين في أخلاقهم ، ليسوا على طبع واحد في مسالكهم الاجتماعية ، ولا هم على طريقة واحدة في استجاباتهم السلوكية ،  ولا هم أيضاً على مستوى واحد في ردود أفعالهم تجاه المواقف التعليمية ؛ فإن منهج التربية مدعوٌ ليشمل كل هذه الأطياف السلوكية ، فيتعامل معها بما يناسبها ، وفق معطيات علمية صحيحة ، ومبادئ تربوية حكيمة ، ولهذا تواجه المؤسسات التعليمية كل أنماط السلوك الصبياني بحزمة من التشريعات التربوية ، والأنظمة الإدارية ، التي تعمل في مجموعها على الحدِّ من السلوك غير المرغوب فيه ، في مقابل دعم السلوك المغاير .

إلا أن الواقع التعليمي المعاصر - على المستوى المحلي والعالمي - يشهد تراخياً تربوياً في المؤسسات التعليمية ، وفي تشريعاتها التربوية ، بسبب ضغوط سياسية ، وفكرية ، واجتماعية منذ عقود ، أدَّت - في مجموعها - إلى ظهور سلوكيات طلابية متباينة ، بعضها في غاية الشذوذ والشناعة ، مما يُصنَّف ضمن الجرائم الجنائية ، التي تتطلب - في بعض الحالات - التدخل الأمني ، والمحـاكمة القضائية ، حتى تحوَّلت بعض مؤسسـات التعـليم - في بعض أحـوالها - إلى ساحات للصراع والعنف والاقتتال ، بين الطلاب وذويهم من جهة ، والمعلمين والإدارة من جهة أخرى .

ولا يشك الباحثون أن متغيرات سلبية جديدة : اجتماعية ، واقتصادية ،
وإعلامية ،  طرأت على المجتمعات الحديثة : فأسهمت بصور مباشرة وغير مباشرة في تعقيد العملية التعليمية ، واضطراب العلاقة التربوية بين المعلم والتلميذ ؛ إذ يستحيل على مؤسسات التعليم الرسمية أن تعمل وحدها في بناء الإنسان ، منفردة بالمسئولية التربوية دون باقي مؤسسات وقطاعات المجتمع ، فضلاً عن أن تناهض مؤسسات المجتمع وقطاعاته جهود مؤسسات التعليم ، وتعارض غاياتها التربوية ؛ بحيث تعمل في غير اتجاهها ، وتعاكس أهدافها ، وحينها تتعسَّر العملية التعليمية ؛ فتُفرَّغ  من محتواها التربوي ، وتتحول إلى هياكل شكلية جوفاء ، لا تبني كياناً إنسانياً صحيحاً ، يقول محمد قطب :
" ... إن تربية طفل واحد على الإسلام كتربية ألف طفل ، كتربية جميع الأطفال ، تحتاج إلى البيت المسلم ، والشارع المسلم ، والمدرسة المسلمة ، والمجتمع المسلم " .

ومع كل ذلك تبقى المسئولية التربوية منوطة بالمؤسسات التعليمية ، ضمن نطاق حدودها وإمكاناتها المتاحة ، بل هي مدعوة في هذا العصر أكثر من ذي قبل للاضطلاع بمسئولياتها التربوية ، ومضاعفة جهودها التعليمية ، للنهوض بالأمة الإسلامية في عصر تخلَّفت فيه عن الإسهام الجاد في بناء الحضارة الحديثة ، فكل ما من شأنه ازدهار العملية التعليمية بدعم إمكاناتها ، وتذليل معوِّقاتها : يأتي أولوية تربوية ، لا بد أن تحظى بتأييد سياسي واجتماعي وثقافي ، يمكِّن مؤسسات التعليم من القيام بواجباتها التربوية المنوطة بها ، سواء التعليمية منها أو التأديبية، بحيث تُمكَّن من كل ذلك ضمن ضوابط وأنظمة وتشريعات محكمة ، تضمن الحقوق ، وتحكم الأداء ، في إطار العدل والتوسط ، المجانب للظلم والتطرف ؛ فقد ثبت أن القسوة في التربية تثير الحقد وتُميت الهمـة والمبـادرة ، إلا أنه لا بد من التمييز بين القسوة العمياء ، وبين الحزم القائم على احترام الحدود وضبط السلوك ؛ فإن الانفلات التربوي ، والتردد بين التسامح والحزم : يحول دون نمو منظومة القيم الخلقية اللازمة والضرورية لتوجيه سلوك التلميذ ، وتدريبـه على مهـارة التميـيز بين الخطـأ والصواب ؛  فإن الطفل في مرحلتي الطفولة المتوسطة والمتأخرة - بما تحملانه من خصائص وحاجات -  يتأثر بما يُلقى إليه من مدح أو ذم ، فيكون ذلك باعثاً قوياً له في إثارة دافعه ، ومن ثمَّ توجيهه نحو الخير ، وتحذيره من الشر .

وكذلك الشأن في جملة أساليب الثواب والعقاب ، باعتبارها محفِّزات وكوابح ، تحرك الطفل أو تكفُّه ، تعزَّز سلوكه أو تثبِّطه ؛ إذ من الصعوبة بمكان -  من الوجهة التربوية الإسلامية - تقرير قاعدة مسبقة مطردة بتحريم العقـوبة مطلـقاً ، أو الأخـذ بهـا مطلقـاً ، سـواء كانت عقوبة حسـية أو معنوية ،  وإنما المرجِّح في ذلك هو المصلحة التربوية ، المبنية على النظر الصحيح ، في ضوء التشريع الإسلامي .

وأما ما يتنادى به الغربيون من منع العقاب البدني مطلقاً ، واعتماد أسلوب الثواب فقط ، من خلال طرح آراء فقهائهم التربويين ؛ فهو إلى المثالية أقرب منه إلى الحقيقة الواقعية ، وهو إلى النظرية أقرب منه إلى الممارسة الفعلية ، وهذا واضح بيِّن في مجتمعاتهم التي عجَّت بالعنف المفرط تجاه الطفولة .

ولا يُنكر المهتمون بالشأن التربوي الفائدة الإيجابية من استخدام بعض
الأساليب التربوية الحديثة كاللعب ونحوه ، في التخفيف من حدَّة المشكلات السلوكية عند الأطفال ، مما يُغني عن كثير من العقاب ، إلا أن ذلك غيرُ مطَّردٍ في كل الأحوال ، ولا عام في كل الحالات ؛ إذ لكل قاعدة شواذ لا بد من مراعاتها ، والمنهج التربوي الحق ، هو الذي يستوعب بشمول أنماطه ، وتنوُّع أساليبه جميع المواقف والأحـوال ، ويُلبي علاج مختلف الطبائع والمسالك ، ضمن برامجه التعليمية ، وتشريعاته التنظيمية .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:35:46 +0300
18- التلميذ والتكاليف الشرعية 18- التلميذ والتكاليف الشرعية

التكاليف في الشريعة الإسلامية منوطة بالبالغين العقلاء ، دون غيرهم من الأطفال أو المجانين ، فالخطاب الشرعي الملزم بالعبادات ، والمعاملات ، والحدود لا بد له من الأهلية التي لا تثبت إلا بالبلوغ والعقل ؛  فالطفل يفتقر إلى قدرتين ليتأهل للمسئولية ؛ قدرة تؤهله لفهم واستيعاب الخطاب الشرعي ، وهذه لا بد لها من العقل ،وقدرة أخرى تؤهله لتنفيذ مضمون الخطاب ، وهذه لا بد لها من القدرة على الاختيار ، فلا بد من العقل المدرك والإرادة القادرة للمسئولية الشرعية والجنائية ،  وهاتان القدرتان لا تتوافران في الطفل ؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رُفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يشب ، وعن المعـتوه حتى يعقل " ،  وفي رواية : " ... عن الصبي حتى يحتلم ... " ،  فبلوغ الحــلم هو بدايـة التكـليف الشــرعي ،  ما لم يكن البـالغ مغلـوباً على عقله ،  فقد " أجمع أهل العلم على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل " ،  فلا خلاف بينهم أنه لا تكليف على الصبي ، ولا قصاص عليه ، ولا إثم يلحقه بفعل شيء أو بتركه ،  فالحدود الشرعية لا تُقام إلا على بالغ عاقل ، عالم بالتحريم ؛  " لأنه إذا سقط التكليف عن غير العاقل البالغ في العبادات ، وسقط الإثم عنه في المعـاصي ؛ فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى " ،  " ولكن على وليه أداء الزكاة ، ونفقة القريب من مال الصغير ، وكذا غرامة إتلافه ونحوها " ،  فالساقط عن الطفل في الجنايات هي العقوبات البدنية المعروفة بالحدود الشرعية ، أما العقوبات المالية فلا تسقط عنه بسبب الطفولة ،  وغاية الأمر أنه إذا جنى على نفسٍ ، أو مالٍ : فإنه يؤاخذ مالياً لا بدنياً ، كأن يقتل أحداً ، أو يتلف مال غيره ، فإنه يضمن دية القتيل ، وما أتلفه من المال ، ولكنه لا يقتصُّ منه ، وهذا معنى قول الفقهاء : " عمد الطفل أو المجنون خطأ " ،  قال إبراهيم النخعي : " عمد الصبي وخطؤه سواء " ، ومع ذلك فإنه يُعزَّر تأديباً له وليس قصاصاً حديًّا ، بهدف زجره عن السلوك القبيح ،  ما دام أنه مميِّز ، ينتفع بالتأديب ، وإلا فلا يصح تعزير من لا يفهم . 

ومما يُنقل من السيرة النبوية في ذلك أن صبياً به علَّة ، أتي به النبي صلى الله عليه وسلم ليرقيه ، " فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرقي الصبي ويتفل عليه ، وجعل الصبي يتفل على النبي صلى الله عليه وسلم كما يتفل النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل بعض أهل البيت ينهى الصبي ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم" ،  فرغم أن هذا من أقبح السلوك ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذه لصغر السن .

وقد ناقش فقهاء الإسلام مشاركة الطفل - ذكراً كان أو أنثى - في الجرائم المنصوص عليها بحدود شرعية ، كالزنا ، وشرب الخمر ، والقتل ، والقذف ، والردة ، فلم يحمِّلوا الطفل شيئاً من تبعات المسئولية الجنائية ، إلا ما كان مالياً ، مع التأديب الذي يزجره عن مثل ذلك إن كان مميِّزاً ، وحتى جريمة القتل التي يقترفها الطفل ، فإنه لا حدَّ عليه ،  في حين لو قتل البالغ صبياً لم يبلغ الحلم قيد به ،  بل حتى الجنين في بطن أمه : فيه الدية على من أسقطه ،  فالطفل في الإسلام كائن محترم ، لا يؤاخذ بالعقوبة الجنائية ، ولا يلحقه الإثم ، ما دام لم يبلغ الحلم بسبب عدم الأهلية ، وإن مات قبل البلوغ كان في الجنة ، وفي الحديث : " ذراري المسلمين في الجنة ، يكفلهم إبراهيم عليه السلام" ،  وبذلك تكون الشريعة الإسلامية أول شريعة ميَّزت بين الصغار والكبار من حيث المسئولية الجنائية ، ضمن قواعد وأحكام لم تتغيَّر ولم تتطور ، وما تزال صالحة حتى الآن ، وكلَّما نضج القانون الوضعي الحديث : قرب من التشريع الإسلامي ، وتوافق معه .

ولا يفهم مما تقدم أن هذه الموبقات حلال للصبي ما دام صغيراً ، بل هي محرمة عليه ، كما هي محرمة على البالغين ، إلا أنه لا حدَّ عليـه إذا وقع فيها ، ولا يلحقه الإثم لعدم الأهلية ، يقول السيوطي عن الصبي : " إذا وطئ أجنبية فهو زنا ، إلا أنه لا حدَّ فيه لعدم التكليف " .

والعجيب أنه رغم وضوح الوجهة الإسلامية في التعامل مع الطفولة ، وتطبيق مقتضياتها القضائية عبر قرون متطاولة من الزمان في الشرق الإسلامي : بقيت مجتمعات أوروبا - في الجانب الآخر- قابعة منذ قرونها الوسطى ، حتى بدايات القرن العشرين الميلادي في تردد طويل حول أحكام الطفل القضائية ، تمارس بحقه من العقوبات الجنائية ما تمارسه بحق الكبار البالغين ، مقتدية في ذلك بأمم بدائية ، فقد سجَّل التاريخ جمعاً من المخازي القضائية بحق الجناة ، تطال الشخص في ذاته فتستأصله بأقسى أنواع العقوبات ، ونظراً لغلبة المفاهيم الخرافية على المشهد الأوروبي فقد طال العقاب القاسي الأطفال دون سن التمييز وما بعده ، حتى الحيوانات والجمادات لم تنج من العقاب ، فقد بلغ الحال أن تصدر الأحكام القضائية بتعذيب جثث المذنبين بعد إعدامهم ، فقد بلغ التشوُّه العقدي والفكري ذروته تجاه الجناة والمذنبين في أوروبا خلال القرون الوسطى ، حتى رُبطت أخطاؤهم بالخبث والفساد والزندقة ، وبالتحدي لإرادة الله تعالى .

وعلى الرغم من التطور الأوروبي الحديث الذي طرأ على الأنظمة القضائية ، بناء على تجدد المفاهيم والتصورات حول التعامل مع الجناة ، لا سيما من الأطفال الصغار والأحداث المراهقين ، والنظر إلى جانب العوامل التي أحاطت بالجاني ؛ فإن إنجلترا وأمريكا كانتا من أواخر دول الغرب تسامحاً مع الأطفال الجانحين ، متأثرتين في ذلك بأفكار كنسية مغلوطة ؛ فقد خطب أحد رجال الدين الإنجليز في القرن السـابع عشر يقول : " من المؤكد أن في جميع الأطفال عناداً وغلاظة في العقل ، نابعة من غرور طبيعي ، وأنها بحاجة - قبل كلِّ شيء- إلى التحطيم والإذلال" ،  وقد نصَّ قانون ولاية جيرسي الشرقية عام 1688م ، قبل الاستقلال الأمريكي ، أن الإعدام عقوبة الطفل العاقِّ لوالديه ، وبالفعل فقد حُكم بالإعدام على أطفال في الثانية عشرة من أعمارهم في كلٍّ من إنجلترا وأمريكا ، وفي عام 1853م كان في سجون إنجلترا ما يزيد على ألف حدث وطفل ، ما بين ( 5- 17 ) سنة ، وقد نالت السلطة الرسمية بالعقاب حتى الحيوانات العجماوات في القرون من الرابع عشر حتى السـادس عشر ، مندفعين باعتقاد مفاده أن الشيطان قد تلبَّس بهؤلاء المذنبين ، وفي تشديد العقاب عليهم ردع للشيطان !!

وقد كانت المسئولية الجنائية في إنجلترا تنحطُّ على الطفل منذ سن السابعة عام 1908م ، ثم رُفعت إلى الثامنة عام 1933م ، ثم إلى العاشرة عام 1963م ، وما تحسَّنت أوضاع التعامل مع هؤلاء الجناة إلا بالثورة الفرنسية ، وما بثـَّـته في أوروبا من الأفكار الجديدة حول كرامة الإنسـان ، معتمدة في ذلك على آراء فلاسفة عصر التنوير ،  وما أعقب ذلك من الإعلانات العالمية المتلاحقة لحقوق الإنسان ،  والوثائق المتضمنة مبادئ حقوق الطفل .

والعجيب أن يتسنَّم الغرب - بكل ما يحمله من المثالب التاريخية- قيادة العالم المتحضِّر في الدفاع عن حقوق الإنسان ، وتبنِّي وثائق حقوق الطفل ، وتولي إرادات متابعة تنفيذها ، ويبقى المسلمـون المعاصـرون أتباعاً في ذلك ، يتعلَّمون المبادئ والحقوق من القاصرين إنسانياً ، ومن الملوثين تاريخياً ، ويكفي المسلمين فخراً أنه منذ البعثة حتى الآن : لم يثبت قطُّ أنه حكم قاضٍ مسلم على طفل لم يبلغ الحلم بحدٍّ شرعي ، مهما كان جرمه ، وقبح صنيعه ، وليس ذلك تهاوناً بالجرائم ، ولكن رحمة بالطفولة ، حتى يهود بني قريظة ، الذين جمعوا بين الكفر والخيانة العظمى ، لم يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا البالغ منهم فقط ،  فإذا كان هذا السلوك سائغاً مع الكفار ، فكيف لا يكون سائغاً مع أبناء المسلمين ، ممن لم يبلغ الحلم ؟

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:33:46 +0300
33- هيبة المعلم التربوية 33- هيبة المعلم التربوية

كثيراً ما يلجأ المعلمون من ضعاف الشخصية إلى استذلال الطلاب وإهانتهم ، والتعامل معهم بقسوة ، أو الاستقواء عليهم بالإدارة المدرسية ، ظناً منهم أن هذا الأسلوب يكسبهم المهابة في صدور التلاميذ ، ويفرض سلطانهم الهشَّ عليهم ، وربما تناول أحـدهم تلميذاً من التلاميذ - لأتفه الأسباب - بالضرب الشديد ، في أول لقاء دراسي ، بهدف إشعار بقية التلاميذ - من أول الأمر- بقوة شخصيته ، وشدَّة بأسه ، رجاء أن ينضبطوا معه طوال العام الدراسي ، وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب الرديء قد يجدي أحياناً مع طلاب وبيئات معينة ، وضمن ظروف حياتية قاسية ، إلا أنه - من الوجهة التربوية - لا يتجاوز الناحية الشكلية والمظهر الخارجي ، وتبقى الحقيقة الماثلة في نفوس التلاميذ هي رفض هذا المعلم ومادته العلمية .

إن الهيبة التربوية التي ينشدها المعلمون لا تأتي من خارج الشخصية ، ولا تُفرض بالأنظمة والقوانين ، ولا تتمكَّن بالقسوة ولا بالشدة ، وإنما هي رصيد إيماني صادق ، قد غمر قلب المعلم حتى فاض على جوارحه ، وبدا واضحاً على محياه ، قد أكسبه إجلالاً ومهابة في صدور الآخرين ، لا يخطؤه صغير ولا كبير ، يقول الحسن البصري : " إن المؤمن رُزق حلاوة ومهابة " ، فمع ما يتصف به المؤمن من حسن الخلق فقد علته مهابة الإيمان ، التي تكسبه الهيبة في صدور الآخرين ، فالناس بطبعهم يهابون أهل الإيمان ، وقد جاء في الأثر عن عبيد بن عمير الليثي رضي الله عنه أنه قال : " الإيمان هَيوبٌ " ؛ يعني : " يُهاب أهله " ، فهذه الهيبة الحقيقية التي تناسب الدور التربوي للمعلم ، فينتفع بها التلاميذ غاية الانتفاع من جهة الانضباط السلوكي ، ومن جهة التحصيل الدراسي .

ولقد بلغت الهيبة منتهاها في شخص المعلم الأكبر محمد صلى الله عليه وسلم ، فعلى الرغم من عظيم خلقه ، ولطيف معشره ، وكريم سجاياه ، إلا أن الهيبة التربوية قد علته ، فعرفها الصحابة رضي الله عنهم ، حتى إن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما -  هابا أن يكلِّماه حين سها في صلاته ،  ولما حضر أبو رمثة التيمي بولده - رضي الله عنهما - عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولده: "هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخذته الرعدة هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ..."، وفي رواية قال : " فجعل ابني يرتعد هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ... " ،  وما تزال هيبة الإجـلال مسـلك المـربين بعـد رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما : " مكثـت سنتـين أريد أن أسـأل عمـر بن الخطاب عن حديث ، ما منعني منه إلا هيبته ... " ،  وقال سعيد بن المسيب لشيخه سعد بن مالك : " إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أهابك ... " ،  وكان بعضهم يجلس في درس الحسن البصري ثلاث سنوات ، فلا يجرؤ على سؤاله ، هيبة له .

ولما كانت عملية ضبط الفصل الدراسي - في أنظمة التعليم الحديثة - من أهم وآكد أهداف المعلمين لبلوغ المقاصد التعليمية ؛  فقد كانت الهيبة - غير المصطنعة - أداة المعلمين الأوائل في إحكام مجالسهم العلمية وضبط طلابهم ، حتى ما يكاد أحدهم يتحدَّث في حضرة شيخه ، ولا يقوم من مكانه ، ولا يَبري قلمه ، يجلسون عنده كأنهم في صلاة ، حتى قال قائلهم : " كنا نهاب إبراهيم - يعني النخعي- كما يُهاب
الأمير
" ،  وقال الإمام الشافعي : " كنت أصفح الورقة بين يدي مـالك - رحمه الله - صفـحاً رقيقـاً هـيبة له ؛ لئلا يسمع وقعها " ،  وقال الربيع بن سليمان : " والله ما اجـترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له " .

ولا يفهم من الهيبة التربوية أنها الغلظة ؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذمها :" ... ألا أخبركم بأهل النار : كلّ عُتلٍّ ، جوَّاظ ، مستكبر " ،  وفي رواية : " لا يدخل الجنة : الجوَّاظ ولا الجعظري" ،  فهذه الصفات القبيحة المذمومة جمعتها صفتا الغلظة والفظاظة في الطبع والسلوك ،  التي تشين المسلم العامي ، فضلاً عن المعلم المخوَّل بأمانة التربية .

وفي مقابل هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم موجهاً المعلمين : " سيأتيكم أقوام يطلبون العلم ، فإذا رأيتمـوهم فقولوا لهم : مرحباً مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقنوهم " ، أي علموهم ،  وكان من لطفه عليه السلام أنه يتبسم حين يحدث أصحابه ،ملاطفة لهم ، ويقولصلى الله عليه وسلم : " إن الله أرسلني مبلِّغاً ولم يرسـلني متعنِّـتاً " ،  وفي هـذا يقول النـووي في حـق المعلم : " يتخلَّق بالمحاسن التي ورد الشرع بها ، وحثَّ عليها ، والخلال الحميدة ، والشيم المرضية ... والجود ومكارم الأخلاق ، وطلاقة الوجه ، من غير خروج إلى حدِّ الخلاعة " ،  ويقول القابسي مرجِّحاً التوسط للمعلم بين التبسُّط والتقبُّض حتى يُبقي على هيبته في نفوسهم : " ... ينبغي له ألا يتبسَّط إليهم تبسُّط الاستئناس في غير تقبُّض موحش في كل الأحايين ، ولا يضاحك أحداً منهم على حال ، ولا يبتسم في وجهه ، وإن أرضاه وأرجاه على ما يحب ، ولكنه لا يغضب عليه فيوحشه إذا كان محسناً " .

إن من أهم ما يعبر عن المهابة في شخصية المعلم : وقاره في أداء مهمته التعليمية ، وسلامة هيئته العامة مما يخدش مقامه ؛ فأما الوقار فهو ما يتصف به المعـلم من صـفات : الحـلم ، والرزانـة ، والسـكينة ، والطمأنينة ،  التي عبَّر عنها أمير المؤمنين عمـر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله : " تعلَّموا العلم ، وتعلَّموا له السكينة والوقار " ،  وهي ما عبَّر عنها أيضاً عطاء بن يسار بقوله : " ما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم " ،  وقال الشافعي : " ليس العلم ما حُفظ ، العلم ما نفع ، ومن ذلك دوام السكينة ، والوقار ، والخشوع ، والتواضع لله والخضوع " ،  وجملة ذلك تظهر في اتزانه السلوكي أمام التلاميذ ، من جهة حـركـات بدنه ، واتجاه نظره ، وسكون يديه ، واعتدال صوته ، وقلَّة ضحكه ، وتوقيه المزاح .  

ومما يُنقل عن علماء السلف في سلوك الوقار ، ما أخبر به أبو السائب سَلْم بن جنادة عن وقار وكيع بن الجراح في مجلسه حيث قال : " جالست وكيع بن الجراح سبع سنين ، فما رأيته بزق ، ولا رأيته مسَّ - والله - حصاة بيده ، ولا رأيته جلس مجلسه فتحرك ، وما رأيته إلا مستقبل القبلة ، وما رأيته يحلف بالله " ،ومن لطائف حلمه وسكينته ، ما حدَّث به أبو عثمان الورَّاق قال : " اجتمع أصحاب الحديث عند وكيع ، قال : وعليه ثوب أبيض ، فانقلبت المحبرة على ثوبه ، فسكت ملياً ، ثم قال : ما أحسن السواد في البياض " ،  ولهذا كان أثر العلماء من خلال السلوك ربما أبلغ من أثرهم من خلال العلوم ؛ فقد كانت الجموع تحضر مجالس العلماء ليس للكتابة عنهم فحسب ، ولكن لملاحظة السلوك والسمت ،  قال الإمام أبو حنيفة : " الحكايات عن العلماء ومجالستهم أحب إلي من كثير من الفقه ؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم " .

وأما سلامة هيئة المعلم مما يشينها فتكمن في سلامة مظهره ، ونقاء ثوبه ،
وطهارة بدنه ، وفي اجتنابه النجاسات ، وحرصه على الآداب الشرعية القاضية بنظافة الأبدان ، وإزالة الأوساخ ، والتزام سنن الفطرة ، وقطع الروائح الكريهة ، ونحوها من كمال الهيئة في غير تكلُّف أو إسراف ،  فالمظهر الحسن - غير المتكلَّف- يثير الإعجاب ، ويبعث على الاحترام ، لا سيما إذا انضم إلى الوقار ، واجتمعت إليه الهيبة ، فحينئذٍ تكمل شخصية المعلم ، وتصبح قدرته على التأثير قوية ، وسلطته
على الضبط نافذة .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:29:24 +0300
32- العلاقة بين المعلم والتلميذ 32- العلاقة بين المعلم والتلميذ 

إن من أشد الروابط التربوية التي تربط شخصين فيما بينهما هي رابطة التعلم والتعليم ، التي تربط بين المعلم والتلميذ برباط وثيق لا يكـاد ينفصم ؛ فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم " ، فالدنيا - بما فيها من الملذات - تصبح ملعونة حين تصدُّ عن سبيل الله ، ولا يستثنى من ذلك إلا ذكر الله تعالى وما شابهه ، مما استحسنته الشريعة ،  ثم خص رسول الله صلى الله عليه وسلم العالم والمتعلم من صور المذمة ، فلم يفصل بينهما ، أو يستغني بذكر العالم وحده لفضله دون المتعلم ، بل ذكرهما معاً لهذا المعنى الأصيل ، والرابطة الوثيقة بين المعلم والتلميذ ؛ إذ لا معنى للمعلم بغير المتعلم ، ولا معنى للمتعلم بغير المعلم .

وقد حفل نظام الإسلام التربوي بعنصري التعليم : المعلم والتلميذ ، واعتنى بهما غاية العناية ؛ فنصوص الوحيين : القرآن والسنة ، ومذاهب العلماء ، وإرشادات المربين - في مجموعها- تكوِّن نسقاً عاماً لموقف التشريع التربوي الإسلامي من المعلم والتلميذ .

ورغم التبشير- في العقود الأخيرة - بزوال دور المعلم ، وأفول نجمه عن الساحة التربوية ، وإقصائه عن العملية التعليمية ، لا سيما في هذا العصر بعد ظهور وسائل التعليم عن بعد بأنواعها المتعددة ،  ومع ذلك فإن عطاءه التربوي ، ومركزيته بين عنـاصـر التعليم : لا تزال قائمة وافرة العطاء ، رغم ما انتابه من الضعف العلمي ، والاختلال الشخصي ، فلا يتصور بحال - على المدى القريب على الأقل- أن يُستغنى عن دوره التعليمي ، وعطائه التربوي ، لا سيما في مراحل التعليم الأولى ، التي تتطلب التصاقاً أكبر ، واحتكاكاً أوسع بين المعلم والتلميذ ، ولهذا أولى التشريع التربوي الإسلامي اهتماماً خاصاً بشخصية المعلم ، من جهة إعداده للعملية التعليمية ، وتهيئته للدور التربوي المنوط به في تهذيب التلاميذ ، وتنمية مداركهم ، وتقويم سلوكهم ، وإعدادهم للحياة وفق مفهوم الإسلام الخاص عن : الحياة ، والكون ، والإنسان ، فدور المعلم التربوي مع التلميذ بمثابة "رضاعٍ ثانٍ للصبي بعد رضاع الأم " ،  فلا بد من إعداده وتهيئته لهذه المسئولية الإنسانية الحيوية .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:27:30 +0300
31- إعداد المعلم للمسئولية التربوية 31- إعداد المعلم للمسئولية التربوية

إن من أهم ما يميِّز طبيعة نظام التعليم في الإسلام أنه مرتبط بالدين ؛ فالعملية التعليمية برمتها لا تعدو أن تكون مسئولية شرعية ، منوطة بمن يقدر على القيام بها ، ويحسن أداءها ، فهو تكليف كفائي ، لا بد أن يكون في المجتمع المسلم من يقوم به ؛\لذا كان إعداد المعلم للمسئولية التربوية فرضاً كفائياً لا بد منه .

ومع أن إعداد المعلم فرض تكليفي اجتماعي ، فيه كثير من الجهد والمشقة ؛ فإن الشرع الحنيف رغَّب في ثواب العلم ، ورفع منازل العلماء ، وأعلى من شأنهم ، فقال الله تعالى في ذلك : {... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}،وقال في تمييزهم عن غيرهم : {... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} ، وقال في وصفهم بالخشية ، التي تأتي ثمرة للمعرفة الصادقة بالله تعالى : {... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ...}.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضلهم ومكانتهم وعظيم ثوابهم :" إن العالم ليستغفرله من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، إنما ورَّثوا العلم ، فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافر " ، وقال عليه السلام عن اختصـاصـهم بالخـير : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ... " ، فهم فئة مصطفاة ، خصَّها الله تعالى بالمعرفة والعلم .

وهذه المكانة الجليلة التي رفع الإسلام إليها مرتبة العلم والعلماء : تستلزم ثلاثاً من الصفات والمسالك الأخلاقية ، التي لا بد من توافرها في شخصية المعلم للقيام بمسئوليته التربوية وهي :

1- الحرص على الإخلاص لله تعالى :

من الضروري إخلاص المعلم القصد لله تعالى في تحصيله للمعرفة العلمية ، وفي أدائها للطلاب ، بحيث يكون طلبه للعلم وأداؤه له لوجه الله تعالى ؛ فقد جاء الترهيب الشديد من فساد النية في طلب العلم ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله عز وجل ، لا يتعلمُهُ إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا : لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " ، يعني ريحها ، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً :" من تعلم علماً لغير الله ، أو أراد به غير الله : فليتبوَّأ مقعده من النار " ؛ ولهذا الوعيد كره جمع من السلف أخذ المعلم شيئاً مقابل تعليم الصبيان ، وبعضهم أجاز له الأخذ ما لم يشترط على الناس الأجر ؛ فقد سـئل التابعي الإمام طاووس بن كيسان : " عن معلم يأخذ الأجر ؟ فقال : إذا لم يأخذ بشرط فلا بأس به " .

ورغم الخلاف في مسألة أخذ الأجر على تعليم الصبيان ، لا سيما فيما يتعلق بتعليم القرآن الكريم خاصة ، فإن الأمر لا يشمل العلوم الأخرى : الشرعية وغيرها ، وبخاصة إذا لم يشترط المعلم أجراً على تعليمه ، أو كان أجره من بيت مال المسلمين ؛ إذ من الصعوبة بمكان تفرغ المعلم للتعليم دون أجر يغنيه عن طلب الكسب ، وبهـذا أفتى الإمـام مـالك فقال : " لا بأس بذلك يعلِّم الخير ، قيل : إنه يُعلِّم مشـاهرة ويطـلب ذلك ، فقال : لا بأس به ، ما زال المعلمون عندنا بالمدينة " ، وقال مرة :
" لا بأس بأخذ الأجر على تعليم الغلمان الكتاب والقرآن " ، فقـيل له : أرأيت إن اشترط مع ماله في ذلك من الأجر شيئاً معلوما ؟ ... قال : لا بأس بذلك " .

وهذا لا يطعن في نيَّة المعلم ، ولا يخلُّ بسلامة مقصده ، ولا يُشترط عليه - ليكون مخلصاً لله - أن يُعلن لأولياء أمور التلاميذ : أنه إنما يعمل لله تعالى ، وإنما يكفيه أن يعلم الله تعالى منه صدق النية ، وسلامة المقصد ، والحرص على الخير ، حتى وإن حصل على أجر منهم ، سواء اشترط عليهم أو لم يشترط ،  وهذا - لا شك - أرفق بمعلمي هذا العصر ؛ فإنه لا يُتصور منهم التفرغ لمهنة التعليم بلا مقابل يُعفُّهم عن القيام بطلب الكسب ، فالأجرة هنا على التفرغ ، والجلوس للتعليم ،وبذلك أفتى بعض المعاصرين .

وفي الجملة فإن صفة الإخلاص الضرورية لمسئولية المعلم التربوية ، لا تتعارض مع حصوله على عطاء مالي معلوم ، سواء من أولياء أمور الطلاب ، أو من بيت مال المسلمين ، إلا أن حصوله على هذا العطاء يستلزم منه الترفع عمَّا في حوزة التلاميذ مننقود وطعام ، فقد سئل الإمام أحمد : " عن الأرغفة التي يأخذها المعلمون من الصبيان ؟ قال : أكرهها ، هذا قذر جداً " ، وقال التابعي عبدالله بن شقيق : " هذه الرُّغف التي يأخذها المعلمون من السُّحت " ، بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من هذا حتى نهى المعلم أن يأخذ مالاً من والد صبي مصدره حرام ، ومنع ابن سحنون المعلم من أن يبعث الصبيان في حوائجه الخاصة ، وكل ذلك لتبقى العملية التربوية خالصة ونقية من شوائب المصالح الشخصية .

استعراض حالة واقعية : 

معلم في المرحلة الابتدائية يجمع النقود من الطلاب ، ثم يبعث بها
مع أحدهم لشراء بعض الحلوى ، فيوزعها على الطلاب المتفوقين ، ثم يناصفهم أكلها !!

2- الحرص على طلب العلم وتبليغه :

رغم الضعف الذي انتاب الجانب العلـمي للمعلم المعـاصـر ؛ فإنه - مع ذلك - لا يزال مصدر التلاميذ للمعرفة ؛ فأطفال المدارس- لا سيما في دول العالم الثالث - لا يزالون عاجزين عن امتلاك أدوات التحصيل العلمي ، مفتقرين للمربي الرؤوف الذي يسوقهم إلى ميدان المعرفة برفق ، وهذا يستلزم من المعلم أمرين ، لا بد أن يلتزم بهما :

الأول : حرص المعلم على طلب العلم، بحيث لا يستغني بما حصَّله من المعرفة مهما كانت واسعة عن السعي الجاد في الاستزادة من العلم ؛ فقد أدب الله تعالى نبيه محمداً - المعلم الأول وصاحب الوحي عليه السلام - بأن يدعو : {... وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، فالمعرفة شيء واسع يصعب استيعابه ، وقد عبَّر السيد الخضر لنبي الله موسى عليهما السلام عن هذا المعنى حين نقر عصفور الماء أمامهما نقرة أو نقرتين فقال الخضـر عندها :" يا موسى ما نقـص عـلـمي وعـلـمك من عـلـم الله إلا كنـقـرة هذا العصـفور في البحر " ،  فلحظة شعور المعلم بالاكتفاء من المعرفة هي عين لحظة تلبُّسه بالجهل ، وفي هذا يقول التـابعي سعيد بن جبير : " لا يزال الرجل عالماً ما تعلم ، فإذا ترك العلم ، وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون " ،  ولهذا لا بد من التواضع والحذر من التعالم ، بحيث يكون التواضع صفة لازمة للمعلم ، فهو مهما بلغ في تحصيله العلمي لا بد أن تخفى عليه مسائل ومعارف ، لا سيما في عصر توسعت فيه المعرفة إلى أبعد ما يكون ، ولهذا ينصح الإمام النووي المعلم فيقول :"وإذا سئل عن شيء لا يعرفه ، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل : لا أعرفه ، أو لا أتحققه ، ولا يستنـكف عن ذلك ، فمن عِلم العـالم أن يقول - فيما لا يعلم- لا أعلم ، أو : الله أعلم " ،  ثم اسـتشـهد بقول الصحابي عبدالله بن مسـعـود رضي الله عنه: " إن من العـلم أن تقـول لمـا لا تعـلم : الله أعلم " ،  وكان الإمام مالك يكثر من ذلك ، حتى قال عنه ابن وهب : " لو شئت أن أملأ ألواحي من قول مالك : لا أدري ، لفعلت " ،وأبلغ من هذا وأعجب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع قارئاً يقرأ القرآن فقال : " رحمه الله ، لقد أذكرني كذا وكذا أية ، أسقطتهن من سورة كذاوكذا " ،  وهذا من النسيان الجبلِّي ، الذي ينتاب عامة البشر ،  فغيره من أمته عليه السلام أولى بالنسيان والغفلة ، وأحقُّ بالقصور العلمي .

الثاني : حرص المعلم على تبليغ العلم،بحيث يكون همه تبليغ العلم إلى طلابه ، مستفرغاً وسعه في ذلك ، فلا يبخل عليهم بعلم يعرفه ، أو فائدة حصَّلها ، يقول النووي : " وينبغيأن يكون باذلاً وسعه في تفهيمهم وتقريب الفائدة إلى أذهانهم ، حريصاً على هدايتهم " ،  فهو في حرصه هذا على حذر شديد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سئل عن علم فكتمه  ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " ،  ولهذا يقول الإمام الشـافعي : " وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على ألا يُنسب إليَّ حرف منه " ،  فهو حريص على تبليغ العلم حتى وإن لم ينسب إليه ، لكونه يحب لطلابه من الخير ما يحبه لنفسه ، فهدايتهم أبلغ مراداته ، وأجلُّ مقاصده ، وفي الحديث : "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمر النَّعم " ،  فالعلم الذي يخلِّفه في تلامذته من الصدقة الجارية ، التي تنفع صاحبها بعد مماته .

ولا ينبغي أن يفهم من تبليغ العلم مجرد إيصال المعلومة - كيفما اتفق- إلى التلميذ ، فهذا لا يتحقق به المقصود ؛ فقد تصل المعلومة إلى التلميذ مشوشة لا يفهمها ، أو ربما فهمها ولكنه قد لا يحسن تطبيقها ، فالتبليغ العلمي الحق هو الذي يجمع بين سلامة الفهم ، وحسن التطبيق ، وهذا ما انتهجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ؛ فقد" كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ، حتى تُفهمَ عنه ... " .

وأما التطبيق فقد حفلت سيرته عليه السلامساحة واسعة من التطبيقات العملية ، التي ربطت بين الفهم والتطبيق ، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر حين صُنع له ، ولم يكن ذلك من عادته ، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس فقال صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ، ولتعلَّموا صلاتي " ،  فكان هدف تعليم الناس مقصوداً في عمله هذا  عليه السلام وهذا في الشأن العام ، أما في الشأن الخاص ، ولا سيما فيما يتعلق بتعليم الشباب والصبيان ؛ وطبيعة الممارسة النبوية العملية في ذلك ؛ فقد قال عـبدالله بن مسعود رضي الله عنه واصــفاً حال النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يعلمه التشـهُّد  : " علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكفي بين كفيه - التشهُّد ، كما يُعلِّمني السورة من القرآن " ،  وقد كان  عليه السلام يلقِّنه القرآن تلقيناً ،  وكذلك في خبر الرجل الذي لم يحسـن صلاته ، فقد باشـره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوجيه العملي ، والتطبيق الواقعي .

وأما في شأن الصبيان ، فقد لازم عبدالله بن عباس رضي الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته ، فكان يلقِّنه القرآن ، ويعلمه التشهُّد في الصـلاة ،  وربمـا أمَّـه في بعـض صـلاة اللـيـل ،  ولمـا رأى عليه السلام عمر بن أبي سلمة عليه السلاملا يحسن تناول الطعام لصغر سنِّه قال له : " يا غلام سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك " ، وأعجب من ذلك حين مرَّ رسـول الله صلى الله عليه وسلم بغـلام يسـلخ شـاة ، والظـاهر أنه لم يكن يُحسن ذلك ، فقال له : " تنحَّ حتى أريك ، فأدخل يده بين الجلد واللحم ، فدحس بها حتى توارت إلى الإبط ... " .

هذه الشواهد النبوية وغيرها كثير تدل على أن التبليغ المجرد عن الإشراف التربوي المباشر لا يحقق المقصود من العملية التعليمية ؛ إذ لا بد مع التبليغ من التطبيق ؛ وهذا ما يشير إليه التوجيه القرآني للمعلمين في قوله تعالى : {... كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ ...}: بمعنى علماء حكماء ، تقومون على من هم تحت أيديكم بالرعاية والإصلاح ، وتتلطَّفون بهم متدرِّجين في تلقينهم العلـوم والمعـارف ، من صـغارها إلى كبارهـا ،  يقـول النـووي - موضحاً هذا المعنى بصورة تطبيقية - : " ويُفهم كلَّ واحد بحسب فهمه وحفظـه ، فلا يعطــيه ما لا يحتمـله ، ولا يقصُـر به عـمَّا يحتـمله بلا مشـقة " ،  ويقول ابن جماعة : " ولا يُلقي إليه ما لم يتأهل له ؛ لأن ذلك يبدِّد ذهنه ، ويفرِّق فهمه ، فإن سأله الطالب شيئاً من ذلك لم يجبه ، ويعرِّفه أن ذلك يضره ولا ينفعه " ،  وقال الحسين بن علي : " يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده ، وتقريب المعنى له ، من غير إكثار لا يحتمله ذهنه ، أو بسط لا يضبطه حفظه " .

3- حرص المعلم على القدوة السلوكية :

 المقصود بالقدوة السلوكية هو انسجام سلوك المعلم مع المفاهيم والمبادئ الأخلاقية التي يربي عليها تلامذته ، ويلزمهم بها ؛ بحيث لا يجد الصغار صعوبة في التوافق بين المفاهيم النظرية التي يتلقَّونها ، وبين السلوك العملي الذي يشاهدونه ، وهذه من أفضل معزِّزات التربية ، ومن أنفع وسائلها ، بل ربما هي الأهم في مجال تربية الصغار ؛ إذ إن السلوك العملي للمعلم أبلغ لوصولهم إلى الحكم الأخلاقي الصحيح ، وأنجح لبلوغهم درجة القناعة بالسلوك القويم ، فهم يتعلمون بالقدوة أكثر بكثير مما يظن المربون ،يقول أحدهم لمعلم ولده : " ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك نفسك ؛ فإن عيونهم معقـودة بعينك ، فالحسن عندهم ما صنعت ، والقبيح عندهم ما تركت " ،  فالتلقين للمفاهيم- مهما تكرر عليهم- لا يبلغ مداه من نفوس التلاميذ حتى يأتي منسجماً مع سلوك القدوة ومتطابقاً معه ، بل ربما أتى التلقين بثمار عكسية إذا صادف قدوة سيئة في شخص المربي .

وقد تنبه بدر الدين بن جمـاعة إلى أهمـية القدوة فقال في نصيحته للمعلم : " ويتجنب مواضع التهم وإن بعُدت ، ولا يفعل شيئاً يتضمن نقص مروءة ، أو ما يُستنكر ظاهراً ، وإن كان جائزاً باطناً ، فإنه يعرِّض نفسه للتهمة ، وعرضه للوقيعة ، ويُوقع الناس في الظنون المكروهة ... فإن اتفق وقوع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها : أخبر من شاهده بحكمه وبعذره ومقصوده ، كيلا يأثم بسببه ، أو ينفِّر عنه فلا ينتفع بعلمه " ،  وهـذا أقل ما ينـاله حين يفـرِّط ، فلا ينتفع النـاس بعلمه ، ولهذا قال مالك بن دينار :" قرأت في التوراة : أن العالم إذا لم يعمل بعلمه : زالت موعظته من القلوب كما يزلُّ القطر عن الصفا " ،  وقد كان الطلبة من السلف لا يأخذون العلم إلا عن القدوات ، قال أبو العالية : " كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه ، فأول ما أفتقِدُ منه صلاته ، فإن أجده يُقيمُها : أقمت وسمعت منه ، وإن أجده يُضيِّعُها : رجعت ولم أسمع منه ، وقلت : هو لغير الصلاة أضيع " .

ورغم ما يبدو من السذاجة في سلوك الأطفال ، إلا أنهم - منذ سنالتمييز- يدركون القدوة ، ويستطيعون تحديد مدى التزام المربين بما يتنادون به من التوجيهات الأخلاقية ،  فهم كائنات عاقلة مدركة ، إلا أنها ليست ناضجة بالقدر الكافي للقيام بنفسها ، والاستقلال بقرارها ، ولهذا جاء التحذير الرباني الشديد من مخالفة الأقوال للأعمال ، لما فيه من التنفير عن الخير ، وإفساد النشء ، فقال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُون} ،  وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق أقتاب بطنه ، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى ، فيجتمع إليه أهل النار ، فيقولون : يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول : بلى ، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه " .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:21:49 +0300
55- الجنة والنار 55- الجنة والنار

الحمد لله على نعمائه ، والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه ، والصلاة والسلام على خير المرسلين ، وأشرف النبيين ، وإمام الغرِّ المحجَّلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين ، أما بعد .. فإن من المستقرِّ عند جميع المسلمين أن الناس يوم القيامة ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما :( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) (42/7) ، فقد قضى الله تعالى على الثقلين من الإنس والجنِّ ، أنهم يصيرون في نهاية مطافهم إلى إحدى دارين : الجنة أو النار ، فمن قضى الله له بالسعادة دخل الجنة ، ومن قضى الله عليه بالشقاء دخل النار ، فالكلُّ لا بدَّ صائر حتماً إلى إحدى هاتين الدارين ، فأهل الجنة هم أهل التوحيد الخالص ، يدخلونها برحمة الله تعالى وفضله وحكمته ، فينعمون فيها بصنوف النعم الربَّانية ، وعظيم العطايا الإلهيَّة ، فيبقون فيها خالدين أبداً ، لا يموتون ولا يتحوَّلون ولا يُزحْزحون .

وأما أهل النار فهم أهل الشرك والكفر ، فيدخلونها بعدل الله تعالى وحكمته ، فيبقون فيها أذلَّة صاغرين ، يقضون أحقاباً متتابعة من الأزمان ، في خلد دائم لا منتهى له ، يعذبون فيها بصنوف العذاب الشديد ، لا يموتون فيرتاحون ، ولا يحْيون فيسعدون ، وإنما هو البقاء الدائم ، والعذاب الأليم .

وقد أنذر الله تعالى الكافرين النار ، وبشر المؤمنين الجنة ، فقد حفل الوحي الرباني المبارك بالبشارة والنذارة ، فمازال الرسل والأنبياء يبشرون وينذرون ، حتى ختمهم الله تعالى ببعثة أكرمهم وأعظمهم عنده ، فكانت رسالته الخاتمة أبلغ في البشارة ، وأخطر في النذارة ، قد بلغت المنتهى في ذلك ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ((10/57) .   

وأما صاحب الرسالة - عليه الصلاة والسلام – فقد أدَّى الأمانة غاية الأداء ، وبلَّغ الرسالة أتم البلاغ ، فبشر وأنذر ، ورغَّب وأرْهب ، وأشهد الأمة على ذلك في اجتماعات عديدة ، وقال فيما قال : "...أنا النذير العريان..."(البخاري) ، وهذا التعبير منه – عليه الصلاة والسلام - أشدُّ في التنبيه والتحذير ، وأبلغ في الإثارة والتحفيز ، فلا ينزع الرجل ثوبه للناظرين من قومه إلا لداهية عظيمة ، يخاف أن تنزل بهم حال غفلتهم .

وكان خبر الجنة والنار حاضراً في حياته – عليه الصلاة والسلام – يذكِّر بهما أصحابه ، فيتخوَّلهم بالموعظة من وقت إلى آخر ، فقد قال لهم مرَّة : "لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرضهذا الحائط وأنا أصلي ، فلم أر كاليومَ في الخير والشر"(البخاري) ، وربما قال مذكِّراً لهم : " والذي نفسي بيده ، لو رأيتم ما رأيت ، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، قالوا : وما رأيت يا رسول الله ؟ قال : رأيت الجنة والنار "(مسلم) ، وقال مرَّة – وقد سقط رداؤه عن عاتقه - : " أنذرتكم النار ، أنذرتكم النار ، أنذرتكم النار "(مشكاة المصابيح) !! ومن أبلغ ما ورد عنه - عليه الصلاة والسلام – في التذكير بهما قوله : "لا تنْسَوا العظِيمتَين ، قلنا : وما العظِيمتان ؟ قال : الجنة وَالنَّار"(المطالب العالية) . 

وهكذا يربط رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه والأمة من ورائهم بهذا المصير المحتوم ، والنهاية الأكيدة ، فلا يغيب خبر الجنة والنار عن ذهن المكلَّف بشغل يشغله ، ولا بعمل يعمله ، فهما شغل المكلَّفين الأول ، وقضيَّتهم الأهم ، ومسئوليَّتهم الأكبر ، فمعتقداتهم وأعمالهم ومقاصدهم : هي زادهم إلى الآخرة ووسيلتهم إليها ؛ فما من عقيدة ، أو عمل ، أو إرادة ، إلا تسوق المكلَّف وتقرِّبه إلى إحدى الداريْن ، فمسارع في نجاته ، ومتعجِّل في عطبه .

إن السعيد من جاءته موعظة ربه فانتبه وانْزجر ، والشقي من تمادى فكفر واندحر ، وثالث يتردَّد مسوِّفاً ، يظن أن يُمدَّ له في الأجل ، فانظر أيها الإنسان من أي الثلاثة أنت ؟ واعلم أنما هما قبضتان لا ثالث لهما ، إحداهما في الجنة ، والأخرى في النار ، ففي أي القبضتين أنت ؟ والله تعالى المستعان ، وعليه - سبحانه - التكْلان ، ولا حول ولا قوة إلا به.

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:17:53 +0300
6- مفهوم الترويح وخصائصه 6- مفهوم الترويح وخصائصه

على الرغم من كثرة المتغيرات الشاغلة في الحياة الإنسانية المعاصرة وتعقيدها, فقد ازداد متوسط وقت الفراغ الذي يتمتع به الشخص في مجتمع اليوم، وازدادت بالتالي الحاجة إلى إدارة هذا الوقت بصورة صحيحة ومثمرة، ويأتي الترويح بأنواعه وجوانبه المختلفة، ومفاهيمه المتجددة ليتصدر أهم حاجات الناس لملء وقت الفراغ.

وفي خضم التداخل الثقافي والفكري والاجتماعي المعاصر، الذي يشهده العالم في ظل مفاهيم العولمة: يختلط في ذهن المسلم المعاصر مفهوم الترويح، فيدخل فيه ما ليس منه من أنواع الترويح غير المشروع، مما يترتب عليه آثار تربوية غير سوية، فبدلاً من أن يكون الترويح أداة مباحة لتجديد النشاط، ودفع السآمة، وراحة النفس : يصبح أداة إزعاج اجتماعي، وضيق نفسي، ومحظور شرعي .

ومنهج التربية الإسلامية المنبثق من الكتاب والسنة وتراث الأمة الثقافي، بنظرته الشاملة للشخصية الإنسانية : لا يغفل حاجة الإنسان عموماً، والفتاة خصوصاً إلى الترويح، إلا أنه يضع له ضوابطه الشرعية، التي تحكم أنواعه، وأساليب تعاطيه ضمن حدود الشرع الحنيف .

وفيما يأتي تحديد لمفهوم الترويح وخصائصه في ضوء المعنى اللغوي والاصطلاحي :

الترويح في اللغة :

رغم أن القاضي نشوان الحميري (573 هـ) في كتابه "شمس العلوم" ذكر لفظة " الترويح "، وقال : " الترويح روَّح دهنَهُ : إذا جعل فيه ما يطيب ريحه "، وكذلك الجوهري في الصحاح حيث يقول : " وأراح إبله، أي : ردَّها إلى المُراح، وكذلك الترويح، ولا يكون ذلك إلا بعد الزوال "، ومع ذلك فإن هذه اللفظة لم تُستخدم في غالب كتب معاجم اللغة العربية ؛ إلا أنها ترجع إلى الثلاثي : " روح "، وما يمكن أن يُشتقَّ منها من كلمات ومعانٍ كثيرة، مثل : الرُّوح، روحاني، الاستراحة، الراحة، تروَّح، المُراح . . . إلى غيرها من المشتقات، وهي في الجملة – فيما نحن بصدده – تفيد الاسترخاء، وانشراح الصدر، والتنفيس عن النفس .

الترويح في الاصطلاح :

وأما في الاصطلاح، فإن كلمة الترويح (Recreation) تعني إعادة الانتعاش والحيوية، عن طريق أنشطة تمارس في أوقات الفراغ، خالية من التزامات العمل، وتعني أيضاً : " إدخال السرور على النفس"، وفي تعريف آخر : " كل نشاط ممتع ومباح يمارسه الفرد اختيارياً في وقت فراغه "، والتعاريف في ذلك كثيرة، إلا أن المختار من التعاريف في ضوء التربية الإسلامية أن الترويح هو : "نشاط هادف وممتع، يُمارس اختيارياً، بدافعية ذاتية، وبوسائل وأشكال عديدة مباحة شرعاً، ويتم غالباً في أوقات الفراغ".

خصائص الترويح :

والترويح بهذا المفهوم له خصائص متعددة، تميِّزه عن غيره من الأنشطة الإنسانية، والأعمال التي يتداولها ويمارسها الناس، ومن هذه الخصائص :

1 – نشاط هادف إيجابي، يخلو من العبث والفوضى .

2- يحمل معه للفرد سروراً ومتعة ورضىً .

3 – يسعى الشخص إليه بدافع ذاتي دون إجبار .

4 – يمارسه الفرد ضمن حرية كاملة في اختيار نوعه .

5 – يتعارض مع أوقات العمل، فلا يُمارس إلا في أوقات الفراغ .

6 – يحمل معه نوعاً من التجديد المخالف لطبيعة العمل الروتينية .

7 – يخلو غالباً من الكسب المادي .

8 – لا يستلزم الممارسة الجماعية، بل يمكن أن يتم بصورة فردية .

9 – يوازن بين حاجات الإنسان الجادة والترفيهية .

10 –تتسع رقعة قاعدته لأنواع كثيرة من الأنشطة المتنوعة والمختلفة .

 

 

]]>
Sat, 23 Sep 2017 19:12:36 +0300
الشعور بالعورة بين الفطرة والشرع مقال شهر محرم 1439هـ

الشعور بالعورة بين الفطرة والشرع

          الحمد لله تعالى الواحد الأحد ، والصلاة والسلام على النبيِّ محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .. فإن المُراجع لكتب الفقه الإسلامي يجد الحديث مطوَّلاً عن أحكام العورة ، باعتبار ذلك خصوصيَّة للمُكلَّفين من بني آدم ، لا يشترك معهم في أحكامها شيءٌ من طوائف المملكة الحيوانيَّة ، التي كانت وما زالت ، وسوف تبقى بلا قيود خلُقيَّة ، ولا آداب سلوكيَّة بشأن العورة ، وإنما تخضع لنهج هدايتها الغريزيَّة .

          وهذا الفارق الجوهريُّ بين سلوكيْ الإنسان والحيوان : يتجسَّد في حرج الإنسان من بدوِّ عورته ؛ بحيث يعظم ذلك في نفسه ، بقدر شعوره بقبح ظهور العورة ، فقد يبلغ الحياء عند بعضهم فيستتر في خلوته ، وربَّما بالغ بعضهم ، فلا يرى عورته في غسْل ولا طهارة .

           وبغضِّ النظر عن الحدود المشروعة في ستر العورة عند فقهاء الإسلام ؛ فإن ستْرها – وإنْ بالغ المرْء فيه – هو الأقرب إلى الشرع منه إلى نقيضه ؛ إذ إن الاحتياط للحرام أو المكروه – في مثل هذه المسائل السلوكيَّة - لا يُنكر على الحييِّ من الناس ، ممَّن تُلحُّ عليه فطرته بشيء من ذلك ؛ فقد كان نبيُّ الله موسى – عليه الصلاة والسلام – في الغاية من هذا ، حتى حُكيَ أنه كان لا يُرى من بشرته إلا ما لا بدَّ منه ، ولهذا تجرَّأ عليه بعض سفهاء بني إسرائيل ، فاتهموه بعيب قبيح في جسده يتحفَّظ منه ، ويخشى ظهوره للناس ، حتى برَّأه الله تعالى مما اتهموه به من العيب .

           والعورة كلَّما غلُظت : كان ستْرها بالفطرة والشرع أبلغ ؛ ولهذا لا يُعذر المُكلَّف في أخذه أسباب الستر ، ما أمكنه إلى ذلك سبيلاً ، لا سيما لأداء فرْض صلاته ، حتى إنه – إنْ اضطُرَّ – استتر بقطع الجلود ، أو أوراق الشجر ، أو الطين ، أو حتى الحفْرة يأْوي إليها ، فهذا خيرٌ له من انكشاف عورته للناظرين .

           وتعْظم مسألة العورة في حقِّ الأنثى من بني آدم ؛ فساحة عورتها أوسع ، وحُرمة النظر إليها أشدُّ ، فلا يُتصوَّر - في الفطرة الاجتماعيَّة السويَّة - أن يسْتتر أوَّل رجل ، قبل أن تسْتتر آخر امرأة ، فما زالت المجتمعات الإنسانيَّة - على اختلاف مشاربها ومِللها - تُعظِّم عورات النساء ، أكثر من تعظيمها عورات الرجال ، ولهذا إذا فقد بعض الناس الملابس والأردية في بعض الكوارث أو الحوادث أو الجوائح ؛ فإنهم يتعاضدون ويتعاونون في حفظ عورات النساء أولاً ، قبل رعايتهم لعورات الرجال .

         ورغم هذه الفطرة الإنسانيَّة المُطْردة في المجتمعات الحضاريَّة ، إلا أن الواقع المعاصر ، منذ بدايات القرن العشرين الميلادي : يسير في غير اتجاه الفطرة ، لا سيما في حال الرفاهية والوفْرة ؛ فمنذ زمن وملابس النساء - في الحياة العامة - تضيق وتقْصُر ، وحجم أقْمشتها يقلُّ ويصغُر ، كما أن ملابسهنَّ - من جهة أخرى – أخذت تتحرَّر من أشكالها النسائيَّة التقليديَّة ، لتصبح ذكوريَّة أكثر ، فلم يعد يُميِّزها عن ملابس الرجال إلا الأحجام ، وشيءٌ يسيرٌ ومن النكهات والرموز النسائية التي لا بدَّ منها .

         في حين بقيت ملابس الرجال – في العموم – على سابق أشكالها التقليديَّة ، في استيعابها لعوراتهم ؛ فضلاً عن أن تنْساق نحو ملابس النساء ، فما زالت القوانين الوضعيَّة – فضلاً عن الشريعة الربَّانية – تُجرِّم ظهور الرجل في ملابس المرأة في الحياة العامَّة ، مع ما طرأ على ملابس الرجال من : لمسات التأنق ، ولطيف الملْمس ، وحُسن الأقمشة ، ومع ذلك بقيت – في الجملة - ذكوريَّة الطابع ، متبرِّئة من الطابع الأنثوي الفجِّ .

           إن اللباس السابغ حضارةٌ إنسانيَّة أصيلة ، قد ضربت أطنابها في أعمق ما في التاريخ البشري ؛ فأبو البشر وزوجه – عليهما السلام – حين أزلَّهما الشيطان ، فأكلا من الشجرة الممنوعة : لم يُمهلا حتى انكشفت لهما سوءاتهما ، بعد أن كانت مستورة بلباس من الجنة ، فما كان منهما إلا أن شرعا معاً في ستْر ما بدا من عوراتهما بورق من أشجار الجنة ، على نحو ما حكى المولى - عزَّ وجلَّ – في غير ما سورة في القرآن الكريم من خبرهما هذا .

            والشاهد في هذا الخبر يظهر في أمرين اثنين ، الأول : من جهة ارتباط الإنسان الأول باللباس حال الرفاهية ، كجزء أصيل في بنائه الفطري ، رغم غياب جملة التكاليف الشرعيَّة عنه آنذاك ، إلا ما كان من أمر الشجرة الممنوعة ، فلم يكن مُسْتساغاً لزوجين ، ليس بينهما ثالث من جنْسهما : أن يتجرَّدا ممَّا يستر عورتهما ، بل كانا في نعمة الستر ، كما وصف الله تعالى .

            وأما الأمر الآخر ، فيظهر في هذا الهلع الفطري من بدوِّ سوءاتهما ، عندما فُجعا بانكشافهما ، حين ذاقا شيئاً من ثمار الشجرة المحرَّمة ، فلم يتمالكا نفسيْهما حتى هرعا يستتران بشيء من ورق أشجار الجنة ، فكان ذلك أوَّل عمل قاما به بعد العصيان ، وقبل الشروع في التوبة ، فدلَّ على أن ظهور العورة - لا سيما المُغلَّظة منها - مُستقبحٌ فطريًّا ، قبل أن يكون مُحرَّماً شرعيًّا .

           وهذا يُؤكِّد أن مشاعر الانزعاج من انكشاف العورة : سلوكٌ فطريٌّ أصيلٌ وعميق ، يستشعره كلُّ من يعيش فطرته البشريَّة السويَّة ، فلا تخبو مشاعره المُقْلقة من انكشافها للناظرين ، إلا عند منْكوس الفطرة ، ممَّن فقد إنسانيَّته الطبيعيَّة ، ودسَّ خُلُقَه في أصله الطينيِّ الوضيع ، فإن العورة ما سُمِّيت سوءةً ، إلا لما يلْحق صاحبها من السوء والمعرَّة بانكشافها ، فإذا لم يسؤه بدوُّها : فهو إلى سلوك الحيوان أقرب .

            ولهذا فإن العورة ساحة بشريَّة مُحرَّمة ، وما شُرع الاستئذان للبيوت - بنصوص قرآنيَّة ونبويَّة مُحكمة - إلا من أجل النظر ، حتى إن الشرع أهْدر عين المُتلصِّص إذا فُقئت في استراقه النظر إلى عورات البيوت المستورة ، فنظرة واحدةٌ من فاسقٍ جريءٍ ، قد تكلِّفه عوَر الدهر ، ومثل هذا يدلُّ على تعظيم الشرع الحنيف للعورة .

          ومن لطيف ما يُنقل في كتب الفقه الإسلامي ، في شأن النظر إلى العورات المحرَّمة : إبطال صلاة من تعمَّد النظر إلى عورة غيره ، فكيف بانكشاف عورة نفسه ؟! ولهذا نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن جلْسة لا يتحفَّظ فيها الإنسان على عورته ، وعن ثوب قصير لا يشمل العورة بتمام الستر ، وعن قماش رقيق يشفُّ عمَّا وراءه ، وعن لباس ضيِّق يصف ما تحته .

          وبذلك دخلت أحكام ستر العورة في حياة المسلم التعبُّديَّة والاجتماعيَّة دخولاً شاملاً ؛ بحيث غدا اللباس السابغ جزءاً أصيلاً من شؤون المسلمين الخاصَّة والعامَّة ، وأصبح الاستكثار من اللباس في حركة الإنسان الاجتماعيَّة وعرفه العام : مؤشِّراً حضاريًّا على التقدُّم والرقي ، فازدهرت لذلك صناعات النسيج والملابس ، في الوقت الذي بقيَ فيه العريُّ والتخفُّف من اللباس : مؤشِّراً على التخلُّف الحضاريِّ ، والانحطاط الثقافيِّ .

 

 

 

]]>
Thu, 21 Sep 2017 20:33:51 +0300
43- المقالات التربوية - القسم الأول المحتويات

         العنوان 

المقدمة

أولاً : مقالات التربية الإيمانية

1- المنهج النبوي في التربية

2- الهوية الدينية : ضرورة ملحة 

3- هويتنا الدينية

4- التاريخ الهجري

5- التكفيريُّون

6- اللاتكفيريون

7- صناعة النفاق

8- النفـــــاق العصـــري

9- رجال بألوان الطيف

10- البنــت الملعـونـــة

11- آيات غزة وعجائبها

12- أوهام الخوف

 ثانياً : مقالات التربية التعبُّديَّة

1- معاني العبادة

2- بيوت الله

3- رمضان يطل علينا من جديد

4- معالم الحج التعبُّديَّة

5- تفعيل خطبة الجمعة : الخطيب والخطبة

6- خطبة الجمعة في مواجهة الغلو

          

ثالثاً : مقالات التربية الأخلاقية

1- مراتب الأخلاق الإسلامية

2- الاستيعاب والشمول في شخصية الداعية المسلم

3- الإعلام العربي الفضائي المعاصر

4- الفضائيات في بيت الداعية المسلم

5- عودة السينما

6- الفن الصالح

7- الجمع بين المتناقضات في السلوك الإنساني

8- غموض الشخصية التربوية

9- العلبة المشئومة

10- حجاب المرأة إلى أين ؟

11- تأملات حول حجاب المرأة 

12- التعليق على أولمبياد لندن 2012م

13- الغيرة الفطرية

14- التربية بالحب

رابعاً : مقالات التربية الاجتماعية

1- الأساس الأخوي في بناء المجتمع الإسلامي -  مشروع مقترح  

2- السلام الاجتماعي في مقاصد التشريع

3- المسئولية الاجتماعية المشتركة

4- معاناة التربية

5- الطفل والتناقض الاجتماعي

6- ظاهرة سلوكية غريبة : الإيمو

7- اللقيط في المجتمع المسلم

          

8- إنسانية المرأة

9- المرأة عبر التاريخ 

10- المرأة وقضية الحقوق

11- المرأة والتغيير الاجتماعي

12- خصوصية المرأة المسلمة في عصر العولمة

13- تجاوزات منظمة الأمم المتحدة في شأن المرأة والأسرة المسلمة 

14- هروب الفتيات من البيوت

15- الشيخ جابر مدخلي - كما عرفته منذ أربعة وعشرين عاماً

16-  حوار حول كتاب : مسئولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة 

17- الإجابة على أسئلة الأستاذ جلال الشايب التربوية

خامساً : مقالات التربية الزوجيَّة

1- غموض العلاقة الزوجيَّة

2- الكفاءة بين الزوجين - جذورها النفسية وموقف الإسلام منها 

3- الكفاءة في السن بين الزوجين

4- القوامة على النساء

5- توجيه الرجال إلى أحسن الخصال

6- في الأزمات الزوجية

7- أزمة الرجال عند تعدد الزوجات

8- أزمة عضل الفتيات

9- مشروع زواج لم يتم

             

سادساً : مقالات التربية العقليَّة

1- دور الكلمة التربوي

2- الطفل المسلم في ظل العولمة

3- فلسفة التربية الإسلامية بين المثالية والواقعية

4- المسلمون والتحدي الثقافي - المشكلة والحــــل

5- نحن والغرب : حضارتان متعارضتان

6- ترجمة الشعوب

7- لبرلة السلفيَّة

8- لليبراليين فقط

9- موقف الإعلاميين من الإسلاميين

10- كلية الشريعة بجامعة الملك عبد الله

11- دعوة تحرير المرأة من الجهل والأميَّة

12- التنافس الفكري بين الجنسين

13- مقترح لنظام تعليم البنات

14- جريمة المستبدِّين في رفض المبدعين

15- المسافة بين التربية والتعليم

16- الأهواء في البحث العلمي

17- ثقافة الصورة

18- حوار مع : موقع تربيتنا

                 

سابعاً : مقالات التربية الاقتصادية

1- مفاهيم في التنمية الاقتصادية

2- منطلقات نحو النهضة التنموية

3- التربية الاقتصادية للأطفال

4- التربية على تحمُّل المسئولية الاقتصادية

5- الطفل الكبير

6- الفطرة الإدارية

7- الرجل الجوكر

8- تجويع النساء

9- دعوى توطين وظائف الوافدين بالنساء المواطنات

10- اشتغال المرأة بالوظائف العامة

11- دور المرأة في العملية التنموية

12- ضوابط مشاركة المرأة في ميادين التنمية الاقتصادية العامة

ثامناً : مقالات التربية السياسيَّة

1- العلمانيون والإسلام السياسي

2- الأمن الفكري والديمقراطية

3- رسالة إلى الأخ الباغي

4- غلو الشباب وتطرفهم- المشكلة والحل

5- الرضيع السياسي

6- دعوى الحقوق

7- ما أسباب سقوط العالم الإسلامي ؟ 

                

تاسعاً : مقالات التربية الجنسيَّة

1- الإلحاح الغريزي

2- أزمة الاحتكاك بين الجنسين في المسجد الحرام

3- تحييد الغريزة الجنسية في خبر الفتاة الهندية

4- الشهوة الإلكترونية

5- الأزمة العاطفيَّة في تأخير سن الزواج

المحتويات

 

الصفحة

3

9

11

13

17

19

23

29

33

39

41

47

51

55

61

63

67

71

73

77

91

 

95 

97

99

105

109

115

119

123

131

135

141

151

155

161

163

165

167

173

177

181

185

189

195

 

201

203

205

209

211

213

217

223

227

237

245

247

253

259

269

271

275

279

283

285

 

299

301

305

309

315

331

335

341

359

365

377

385

387

389

393

399

403

411

415

 

423

425

429

433

439

445

453

459

463

469

473

477

481

499

501

511

515

527

533

541

545

 

549

551

555

563

569

573

577

 

 

]]>
Fri, 15 Sep 2017 18:20:13 +0300
42- العظيمتان  

المحتويات

تقديم ................................... 3

النار العظيمة ........................... 13

الجنة العظيمة .......................... 41

المحتويات .............................. 71 

 

 

]]>
Fri, 15 Sep 2017 18:05:15 +0300