الصفحة الرئيسة @ المقال الشهري @ حاجة المجتمع إلى التعليم عن بعد


معلومات
تاريخ الإضافة: 2/12/1440
عدد القراء: 24
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

مقال شهر ذي الحجة 1440هـ

حاجة المجتمع إلى التعليم عن بعد

(من الإرشيف)

تشهد الساحة التربوية العالمية توسعاً كبيراً في استخدام التليفزيون التعليمي، والذي بشَّرت به بعض الأوساط التعليمية منذ زمن، بأن المجتمع سيصبح من خلال وسائل الإعلام مدرسة واحدة، يجد فيها المتربي بغيته العلمية ضمن ظروفه الخاصة دون حرج، ويتمكَّن الجميع من التواصل العلمي والتجاري، والحصول على الخدمات المختلفة من خلال البيوت, حتى قال رئيس جامعة الهواء اليابانية عام 1985م عند افتتاحها : " فإن الهدف من تأسيس الجامعة هو مدُّ الخدمة التعليمية إلى الأفراد في المنازل، وأماكن عملهم، وحتى في الجبال أو في البحار، ولن يقتصر
الأمر على ذلك، بل ستقدم الخدمة التعليمية لجميع الأفراد مدى الحياة، وفي كل مراحل العمر
" .

ولقد شهد كثير من دول العالم خاصة المتقدمة منها توسعاً عظيماً في استخدامات التليفزيون التعليمي بوسائل مختلفة، من خلال: البث الهوائي المباشر، أو عن طريق شبكات الهاتف، أو الكيبلات المنزلية، أو الشبكات الخاصة المغلقة، أو الحاسب الآلي، أو وحدات أشرطة الفيديو المسـتقلة، أو شبكات الإنترنت الحديثــة, حتى غدا التعليم بمراحله كلِّها – العامة والعليا – متاحاً لكل أفراد تلك الشعوب دون استثناء، بما في ذلك أهل القرية والمدينة، الصغار والكبار، الذكور والإناث,
وأصبحت تقنيات استخدام هذه الوسائل التعليمية وأسلوب التعامل
معها من الوجهة التربوية، وكذلك تكاليفها الاقتصادية:
معلومة في الأوساط التربوية ومنشورة .

ورغم هذا التوجه الدولي العام نحو الإعلام التربوي إلا أن غالب الدول الإسلامية تكاد تكون في معزل عن هذه التقنية العالية, فما زالت
"
تعاني من محدودية الاستفادة من تقنية الإعلام وخبراته لتطوير العملية التربوية، مما جعل تأثير وسائل الإعلام وخاصة البرامج التليفزيونية على التحصيل الدراسي أكثر سلبية ", حتى استقر في الأذهان أن المعرفة التي يمكن اغترافها من خارج المؤسسات التعليمية لا تعدو أن تكون للاستمتاع وقضاء وقت الفراغ، في حين " أن المجتمع المثقف يُقاس على ضوء تمتع وسائل إعلامه بالقدرة على إغراء الناس بالإقبال على مصادر الثقافة، ينهلون منها، مستعينة في ذلك بكل الوسائل الفعالة ", لا أن تكون أداة صدٍّ عن المعرفة، وتجهيل للمجتمع .

" إن أفضل مواجهة لحاجات هذا العصر: أن تعرف التربية كيف تسخِّر أدوات هذا العصر لتحقيق أهدافها، وأن يعرف رجال التربية كيف يصلون إلى أفضل صيغة للتعاون مع الإعلاميين ", تماماً كما فعل اليابانيون في نهضتهم الحديثة، حين تعاضدت كل المؤسسات التربوية بما فيها المؤسسة الإعلامية على بثِّ الثقافة والمعرفة بين أفراد الشعب .

إن واقع الأمة المسلمة التربوي يعاني تخلفاً علمياً كبيراً، لا سيما في المناطق الريفية، حيث يُحرم أهلها أساسيات المعرفة، خاصة النساء الريفيات ؛ فإن غالب النساء المسلمات يسكنَّ الريف, وهن دائماً أكثر فئات المجتمع حرماناً من التعليم, وما يُوجَّه إليهن من الإعلام التربوي لا يكاد يُذكر, كما أن فتح المدارس والمعاهد العلمية عندهن في الريف ليكتفين ذاتياً : تقصر عنه الإمكانات المادية ومقدرة أهل الريف العلمية، وتخصيص فريق من المعلمـات يسـافرن من المدن إلى الأرياف ذهاباً وإياباً , لن يستوعب حل المشكلة المتزايدة بعمقها وشمولها، إضافة إلى ما في هذه الوسيلة من المجازفة بالأرواح؛ فقد أثبتت التجربة الواقعية في المملكة العربية السعودية قسوة هذه الوسيلة وعنفها، من خلال الحوادث المرورية المؤلمة , إلى جانب المحاذير الشرعية، والمخاطر الأخلاقية على المعلمات المرتحلات, وعلى أسرهن المهملة، إضافة إلى ما يشهده المجتمع السعودي من انحسار رغبات الشباب في الزواج من المعلمات المعيَّنات في القرى النائية, ولقد حلَّت بعض الدول الأوروبية مثل هذه المشكلة التعليمية ضمن ما يُسمى بالمناطق المعزولة من خلال التليفزيون التعليمي والإذاعة قبل نحوٍ من أربعين عاماً .  

إن الواقع يحتم على الدول الإسلامية والعربية أن تتبنى مثل هذه الوسيلة التربوية، فتُنشئ لها محطات خاصة بها، أو على الأقل تُخصص لها مساحة ضمن أنشطة الإعلام الحالية التي انهمكت – غالباً – في البث السلبي غير التربوي ؛ لتسهم بجدية في إيصال المعرفة إلى المرأة المسلمة في دارها أياً كان موقعها .

من خلال ما تقدم يظهر جلياً أهمية استخدام التليفزيون التعليمي لبث العلوم والثقافة للمرأة، وملاحقتها بالمعرفة النافعة في بيتها على طريقة السلف دون إحراجها للخروج طلباً للعلم، أو تعطيلها عن الزواج، ورعاية النسل، فليس كل النساء يمكنهنَّ الخروج، وليس كل من تمكَّنت من الخروج للعلم تأدَّبت بآداب الشرع، خاصة في هذا الزمن. 

ولا يصح بحال أن يفهم من هذا التوجُّه المنزلي على أنه حبس للنساء عن الخروج لحاجاتهن، فإن الحبس في البيوت كان عقوبة المرأة الزانية قبل نزول حدِّ الزنى، وإنما يُفهم هذا التوجه على نهج قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا...)، وقوله – عــز وجــل– : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى. . . ), وقولـه – جل وعلا –  : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ...)   

ويفهم هذا التوجه المنزلي أيضاً على نهج توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للفريعة بنت مالك – رضي الله عنها – لما مات عنها زوجها حيث قال لها:" امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"، وقوله في شأن صلاة النساء في المساجد : " . . . وبيوتهن خير لهن " ، وقوله أيضاً في لفت اهتمام النساء إلى بيوتهن : " . . . والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها . . . " ، وقوله في بيان الافتتان بخروج النساء : " إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي فيقعر بيتها ".  

لا بد أن يفهم هذا التوجه على نحو هذه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، والتي توجه الإناث نحو البيوت، وتلفت انتباههن إليها دون غيرها من مرافق الحياة الاجتماعية الأخرى .