الصفحة الرئيسة @ المقال الشهري @ الغاية من التنمية الاقتصادية في الإسلام


معلومات
تاريخ الإضافة: 4/3/1440
عدد القراء: 78
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

مقال شهر ربيع الأول 1440هـ

الغاية من التنمية الاقتصادية في الإسلام

الإيمان في منهج الإسلام هو  ضابط التنمية الاقتصادية، فهو البعد الغيبي الذي يحكم الممارسة الاقتصادية من جهة تحديد هدفها، وتميُّزها، واستقلالها، بحيث تحمل طابع ذاتها الإسلامية الخاصة، التي تتصف في كلياتها وجزئياتها بالصفة الروحانية، وتتميز في مضمونها وشكلها بالصبغة الربانية، فليس للجاهلية-القديمة أو الحديثة- موقع في انطلاقتها التنموية، كما قال الله تعالى: {صِبْغَةَ الله وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون} [البقرة:138].

والاقتصاد جزء من نظام الإسلام الشامل، تحكمه إرادة الله الشرعية في إلزام الناس بقوانينه الإلهية، ومن جهة أخرى تحكمه إرادته الكونية في إخضاعهم لسلطان قضائه وقدره.  فكل نشاط اقتصادي- أياً كان نوعه أو حجمه- لابد أن يخضع لهاتين الإرادتين حتى يُوصف بأنه اقتصاد إسلامي.  ففي الجانب الشرعي لابد أن يكون التداول المالي مشروعاً في أصله مطهَّراً من الخبث، والسلعة المُنْتَجة لابد أن تكون هي الأخرى مباحة في ذاتها وصالحة في استعمالها، وكذلك في طريقة إنتاجها، فلا يُستغل جهد العامل في كسب محرم تحت أيِّ مبرر اقتصادي.  وفي الجانب الكوني لابد أن يسيطر البعد الغيبي وآثاره الروحية على فهم وتفسير الظواهر الاقتصادية: في نهضتها وإخفاقها، وتقدمها وتخلفها، فيرجع بذلك كله إلى قوة العامل الإيماني وضعفه، فلا تنحصر النظرة الاقتصادية في تفسيرات مادية قاصرة، أو تحليلات مالية عقيمة، بل تنضم كل هذه الأبعاد، والجهود، والمقاصد بكل ما تحويه من فعاليات فكرية، أو سلوكية، كلية أو جزئية، لتصب كلها في هدف الأهداف، وغاية الغايات وهي مرضاة الله تعالى، بحيث يصبح كل نشاط اقتصادي يمارسه المسلم ضمن هذه الغاية الكبرى، يستشعر من خلاله في كل لحظة أنه يمارس عبادة لله تعالى، وقربة يتقرب بها إليه.فلا تتأثر ثوابته الاعتقادية، أو أنماطه السلوكية بالوضع الاقتصادي لا من جهة قوته بحيث يضعف ارتباطه الروحي بالغاية الكبرى عند التفوق الاقتصادي - كما يزعم الملحدون -ولا من جهة نوعه فيختل التزامه الخلقي عند التطور الصناعي، واختلاف أساليب الإنتاج كما يتخيل العلمانيون.

إن الهدف من عملية التنمية الاقتصادية في نظام الإسلام: تيسير سبل العبودية لله تعالى؛ بحيث تُسخَّر العملية الاقتصادية بكل فعالياتها في مساعدة الفرد على تحقيق العبودية لله تعالى،وتكون التقوى
- بأبعادها الإنسانية الداخلية والخارجية- هي قاعدة الانطلاق في البناء الاقتصادي،فمسلك التقوى أساس ضروري للتنمية الاقتصادية في مفهوم الإسلام، "وهذا لا يعني عدم إعمال الفكر في كيفية كسر إطار التخلف الاقتصادي والاجتماعي، فالتدبر وإعمال العقل مطلوب، لكن يجب أن يتسق هذا الفكر مع قيم وتعاليم الإسلام"؛ فإنتاج السلع - في العملية التنموية -لا يمكن أن يكون قيمة في حدِّ ذاته، تُهدر في سبيلها المبادئ والقيم؛ وإنما القيمة - في الحقيقة الإسلامية - مرتبطة بموافقة الشرع، والانتظام ضمن إطاره الرباني، والوقوف عند حدوده المشروعة.

ولئن كانت غاية النشاط الاقتصادي الكبرى: مرضاة الله جل جلاله، فإن الإنسان هو الغاية الصغرى المقصودة بكل الممارسات التنموية؛ بحيث لا يصح - في خضم التفاعل الاقتصادي - أن يُزاحم هدف إسعاده، ورفاهيته، وسلامته أيُّ هدف تنموي آخر، فهو المقصود الأول بالتسخير الكوني، إضافة إلى ذلك فإن الإنسان هو الأساس في التنمية الاقتصادية؛ فقد ارتبطت عمارة الأرض بجهده الذي يأتي ثمرة طبيعية لدوافعه الفطرية، وملذَّاته الشهوية،"فالبشر يكوِّنون العنصر الحي الذي لا يُستغنى عنه في أيِّ نظام اقتصادي، فهم الغاية والوسيلة".

ومع وضوح هاتين الغايتين - كُبْراهما وصُغْراهما - في منهج الإسلام الاقتصادي: فإن الواقع التنموي - على المستويين الجماعي والفردي- لا يكاد يتوافق في أيِّ جانب من جوانبه الكلية أو الجزئية مع مقتضيات هاتين الغايتين: من حيث المخالفات الاقتصادية الصارخة لمراد الله تعالى الشرعي،ومن حيث الفتنة المالية التي ساقت الإنسان المعاصر من كونه مالكاً للمال إلى كونه عابداً صاغراً له،حتى أصبح تحت ضغط بهرج الفتنة المالية التي أخبر بوقوعها رسول الله r :لا يبالي بمصدر المال من أيِّ وجه اكتسبه.

إن المسلم ضمن هذه الثقافة المادية المُستحكمة، والوضع الاقتصادي المُوحش لا يمكن أن ينجو من أثر سلبي يطعن في نهج سلوكه، بل ربما نال من بنائه العقدي حتى يصبح الواقع الشاذ في حسِّه مقبولاً. وهنا لابد أن يتيقن المسلم: أن "الرؤية الإسلامية لا تعتبر ما هو كائن مقياساً تأخذ منه، ولا تُقيِّم ما هو كائن إلا في ضوء ما يجب أن يكون، ولا تقبل تحديداً لما يجب أن يكون إلا بدلالة النصوص الشرعية"،فلا قيمة حقيقية لحجم الانحراف وثقله إذا جاء مخالفاً لمراد الله تعالى الشرعي، فليس الهوى الجماعي أو الفردي مقياساً يُعوَّل عليه في التصور الإسلامي الذي يُلزم أتباعه ابتداء بمشروعية الوسيلة - تماماً - كما يُلزمهم بمشروعية الغاية؛فإن للوسائل في الشريعة حكم المقاصد.