الصفحة الرئيسة @ المقال الشهري @ التربية الصحية العامة


معلومات
تاريخ الإضافة: 5/2/1440
عدد القراء: 64
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

مقال شهر صفر 1440هـ

التربية الصحية العامة

(من الإرشيف)

المقصود من التربية الصحية : وضع الخبرات الصحية المتعددة في أنماط وقوالب سلوكية، بهدف التأثير الإيجابي على أفراد المجتمع والرفع من مستواهم في عاداتهم واتجاهاتهم ومعارفهم، مع توفير الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية اللازمة للجميع، بحيث يستمتع كل فرد - ذكراً كان أو أنثى - بحقه من الصحة العامة الشاملة للكيان الإنساني بجوانبه المختلفة، فإن " مفهوم الصحة في الإسلام لا يقتصر على الصحة الجسمية … بل يشمل الصحة الجسمية والنفسية والعقلية أيضاً "، فالنمو الإنساني يستوعب كل نواحي الشخصية بأبعادها المختلفة، فالفرد لا يتحرك في الحياة، وتفاعلاتها مجزَّأ؛ إنما يتحرك بكليته، والخطاب القرآني واضح في تعامله مع الفرد ككيان إنساني متكامل، حيث يُمثِّل البعد النفسي عند الإنسان أشرف وأغرب جانب في طبيعته المتميِّزة عن طبيعتي الحيوان والنبات، فرغم اليقين بوجود النفس كجزء رئيس في الكيان الإنساني، وثبات طبيعتها الفطرية، فإنها مع ذلك أكثر جوانب الإنسان غموضاً، وأعظمها خفاء. ومذهب الجمهور في حقيقتها أنها : " جسم نوراني علوي خفيف، حيٌّ ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، والنار في الفحم "، فهي جوهر روحاني لطيف قائم بنفسه، وهي مع ذلك مخلوقة من مخلوقات الله تعالى، تموت وتفنى كغيرها من المخلوقات، فهي ليست عنصراً إلهياً في طبيعة الإنسان كما يظن بعضهم، وصحتها تكمن في توافقها التام والمتكامل " مع وظائفها المختلفة، مع القدرة على مواجهة الأزمات العادية التي تطرأ عادة على الإنسان، مع الإحساس الإيجابي بالسعادة والكفاية ".

وأما البعد الجسمي فهو أوضح جوانب الإنسان ظهوراً، وأبلغها بروزاً في الطبيعة الإنسانية؛ لكونه مادي الأصل والنشأة والتكوين، حيث تعود طبيعته المادية إلى عناصر الأرض ومكوناتها، حتى إن الفلاسفة الماديين لفرط استفحال نشوز الطبيعة المادية في الكيان الإنساني ظنُّوا أن الإنسان لا يعدو أن يكون ظاهرة مادية كيميائية، حتى " إن العلوم الاجتماعية الحديثة تبدو وكأنها قد عقدت العزم، وجمعت الهمة على أن لا ترى في الإنسان إلا كيانه المادي … وأن تعتبر أن الإنسان لا يمثل إلا امتداداً تطورياً لعالم الحيوان، مما دفع بعضهم في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي نحو استخدام قواعد المنهج العلمي للعلوم التطبيقية على العلوم الاجتماعية، في حين " يتفق الباحثون على أن التقدم في العلوم الإنسانية لا يمكن قياسه بالمعايير نفسها التي تطبق على العلوم الطبيعية "، كما أن البعد الجسمي بكل مظاهره البارزة المحسوسة لا يعدو أن يكون جانباً من جوانب الطبيعة الإنسانية المتعددة الأبعاد، وليس هو الجانب الوحيد في بناء الشخصية الإنسانية، وصحته المنشودة تكمن في : " توافقه التام بين وظائفه المختلفة، مع القدرة على مواجهة الصعوبات العادية المحيطة به، والإحساس الإيجابي بالنشاط والقوة والحيوية "، والهدف من تربيته ورعايته : " الوصول بالفرد إلى الكمال الجسماني، بحيث يكون خالياً من الأمراض والعاهات، وفي حالة يكتمل فيها الشعور بالكفاية البدنية، مع رصيد من الصحة يمكِّنه من التغلب على المرض إذا ما انتابه، وأن يكون لديه القدرة على استخدام أجهزة الجسم استخداماً يوفر من طاقتها، ويزيد من مهارتها ".

وأما البعد الجنسي، فمع كونه أدنى الأبعاد الإنسانية شرفاً، ودونها مكانة إلا أنه من أشدها عنفاً وعدوانية، وأكثرها تأثيراً في الكيان الإنسان الكلي، إلى جانب أنه من أعظم الظواهر الأساسية والمحورية في حياة الأفراد والشعوب، ومن أكثرها إزعاجاً للمجتمع، ومن أبلغها فتنة وإضلالاً، خاصة عند الأنثى البالغة، حتى إن البعض جعله مقياساً لصدق الأخلاق، وسلامة السلوك؛ ولهذا عقد الغرب عدة مؤتمرات خلال منتصف القرن العشرين الميلادي يؤكدون فيها على ضرورة رعاية القيم الأسرية، ومحاربة الانحرافات الخلقية، وتضييق فرص الممارسات الجنسية المنحرفة، مع ضرورة التحفظ في القضايا الجنسية، وهذا يدل على خطر هذا الجانب من كيان الإنسان، والحاجة الملحة للتربية الجنسية ضمن المفهوم الإسلامي.

وأما الصحة الجنسية فتكمن في حصول درجة الإشباع والكفاية المشروعة الواقية من الوقوع في الانحراف المُوجب للحد أو التعزير، وأما الهدف من السلوك الجنسي فخدمة النوع الإنساني من خلال التناسل والتكاثر.

إن صحة هذه الأبعاد، وسلامة نموها، واستمرار أدائها الحيوي مع باقي جوانب الكيان الإنساني ضمن منهج التربية الإسلامية هي القاعدة الكبرى في مجال التربية الصحية للناشئ المسلم، وما لم تنضبط هذه الأبعاد، وتتوازن نزعاتها ضمن التصور الإسلامي المحكم، فإن الفراغ النفسي، والاستفحال المادي، والانحراف الخلقي، بما تحمله من صنوف المعاناة هو مصيرالإنسان المحتوم، ومن ثم مصير المجتمع كله.