الصفحة الرئيسة @ المقال الشهري @ البحث العلمي بين الاستنباط والاستقراء


معلومات
تاريخ الإضافة: 1/1/1438
عدد القراء: 1065
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

مقال شهر محرم 1438هـ

البحث العلمي بين الاستنباط والاستقراء

          الحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على معلِّم الخير ، وسيِّد المرسلين ، النبيِّ الكريم محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد فإن الكون ، بكلِّ ما يحويه من مخلوقات الله تعالى ؛ مما بثه الخالق العظيم في جنبات الفضاء ، أو كنزه في باطن الأرض ، أو استودعه في عوالم الجانِّ والإنسان والحيوان ، فكلُّ ذلك - وأكثر مما خلقه الله تعالى ويخلقه – هو ساحة للبحث العلمي ، ومجال للنظر والتأمُّل ، وموضع للتفتيش والتنْقيب ، فلا حظْر على الإنسان في تلقُّفه للمعرفة أياً كانت ، ولا حرج عليه في تتبُّعها حيث ما وُجدت ، ما دام أنه يتْبع النهج العلميَّ المشروع ، وفق خطوات بحثيَّة سليمة ، ليخلص منها إلى الحقيقة العلمية المنْشودة ، بقدر ما يأذن الله تعالى فيه ، ما لم يعتمد أسلوب الخرْص ، وأوهام الظنِّ ، وأهواء النفس ، التي لا تُغني من الحقِّ شيئاً ، فما زال الكون ذاخراً بالعطاء العلمي الثري ، مليئاً بالمدَّخرات المعرفيَّة الجليلة ، مما يُغني الباحثين عن أساليب : الوهم ، والخرْص ، والظنِّ .

          والحكيم من طائفة الباحثين - في مجالات المعرفة المختلفة والمتنوِّعة - يُحسن اختيار الأنسب لبحثه من بين مناهج البحث العلمي المتعدِّدة ، فيقدِّم بعضها على بعض ، ويزاوج بين بعضها أحياناً ، وفق ما تقتضيه مصلحة بحثه ، ونوع موضوعه المطروح للدراسة ، فما كان مسْتودعاً في ذمَّة التاريخ من موضوعات البحث ، اختار له المنهج التاريخي ، يتتبَّع من خلاله الوقائع والأحداث ، والوثائق والسجلات ، وفق ضوابط المنهج وأصوله ، ليصل إلى مبْتغاه من أهداف البحث ، وما كان واقعاً مُعاشاً قائماً ، مما يحتاج إلى وصْفٍ وتحليل ميداني ، من خلال جمع البيانات وتصنيفها ، ومن ثمَّ وصفها وتحليلها ، وفق نظم إحصائية ورياضيَّة معيَّنة : اختار له نمطاً من أنماط المنهج الوصفي ، وما كان من الأبحاث تجْريبيًّا ، سواء في مجالات العلوم الإنسانيَّة ، أو في مجالات العلوم الطبيعيَّة : اتخذت لها معاييرها العلمية المعْتبرة ، وخطواتها التطبيقيَّة المقنَّنة ، وفق مناهج البحث التجريبي ؛ بما يُلائم نوع الفكرة المطروحة للدراسة ؛ بهدف بلوغ مقاصد البحث .

         وعلى الرغم من وفرة المعطيات العلمية عبر تاريخ المسلمين العلمي ، على مدار قرونٍ متتالية من الزمان ، فإن مسمَّيات هذه المناهج العلميَّة ، وعناوينها الحديثة المستخدمة في هذا العصر ، لم تكن متداولة عند علماء المسلمين الأوائل ، رغم أن المعايير العلمية ، والضوابط المنهجيَّة ، والخطوات البحثيَّة : لم تكن – في الجملة - مجهولة لدى علماء المسلمين ، ولا غائبة عن إنتاجهم العلمي ، سواء ما كان نظريًّا من الأبحاث أو تجريبيًّا ، فالأمة الإسلامية لم تنهض بالمعرفة نحو ألف عام من فراغ ووهم ، فإن جلَّ مضامين البحث العلمي ، وغالب مجالاته الرئيسة : كانت موْضع تطبيق حيٍّ في الحياة العلميَّة عند المسلمين ، في زمن نهضتهم الحضاريَّة السابقة ؛ فإن مخْرجات أبحاث العلوم التطبيقية والهندسية والطبية ، ونحوها من العلوم الطبيعية والكونية : كانت إرهاصاتها الأولى من إبداعات علماء المسلمين بلا منازع ؛ فبدايات الانتقال من التنظير العلمي لخصائص المواد الطبيعيَّة ، وما رافقها من الإبداعات الهندسية والفلكيَّة والطبيَّة ، وما لحقها من تطبيقات تجريبيَّة ومعْمليَّة محدودة ، وما تبعها - بعد ذلك بزمن - من التحوُّل إلى مجالات التطبيقات العامة في الصناعات ، ومن ثمَّ في التجارات : كانت اللبنات الأولى لهذه الصروح العلميَّة وتطوُّرها إسلاميةً بامتياز ، ولا يُنكر ذلك إلا مكابر جَحود .

          وعلى الرغم من التنوُّع العلمي الشامل ، الذي اتسمت به النهضة الحضاريَّة الإسلامية ؛ فإن جلَّ جهود المسلمين العلميَّة كانت نظريَّة الطابع ؛ فغلب عليها – في أوَّل الأمر - الحفظ بالتحمُّل ، ثم الأداء بالتعليم ، ثم كانت الكتابة والتأليف والتدوين ، وهذه أيضاً غلبت عليها الموضوعات الشرعية ؛ وذلك لشرف مكانتها في الدين ؛ لكونها علوم الوحي ، ولشمول حاجات المجتمع - بكلِّ فئاته – إليها ؛ لأن العلوم الشرعيَّة ألصق بمصالح الناس في دينهم ودنياهم من غيرها ، لا سيما فيما يتعلَّق بفروض الأعيان ، التي تشمل بتكاليفها الشرعيَّة جميع المكلَّفين .

         ولما كانت علوم الوحي - في أصلها الملزم للمكلَّفين - نصوصاً مقدَّسة ، تضمَّنها الكتاب الكريم ، وتضمَّنتها أيضاً السنة المطهرة ، من خلال أقوال وتقريرات صاحب الرسالة – عليه الصلاة والسلام – وما اندرج تحتهما ، وأُلْحق بهما ، من آثار السلف الصالحين : كان استخدام المنهج الاستنباطي هو الغالب على علماء الشرع الحنيف ، من خلال سبرهم أغوار النصوص والآثار ، بالتأمُّل والتدبُّر والنظر ، فكانت طبيعة عملهم - من خلال هذا المنهج - تنطلق من النصِّ في أعلى الهرم ، مستخرجين منه الجزئيات الكثيرة ، باتجاه قاعدة الهرم العريضة ، فكان نهج الاستنباط يعمل منْطلقاً من الكلِّية الواحدة باتجاه الجزئيات الكثيرة والمتعدِّدة ، فبرع جمهور العلماء المجتهدين في هذا الباب غاية البراعة ، مما كان وما زال موضع إعجاب العقلاء ، من أهل الملل المختلفة - فضلاً عن أهل الإسلام - حتى غدت كثير من المستخرجات الفقهيَّة مواداً قانونيَّة في بعض دساتير المجتمعات الغربية المعاصرة ، لا سيما ما نُسب منها إلى المذاهب الفقهيَّة الأربعة ، ممن كان لهم السبق في إحكام نهج الاستنباط وضبط أساليبه ، مع حُسْن التصنيف والتبْويب والتفْريع لهذه المستنْبطات العلميَّة ، مما سهَّل على الباحثين بلوغ مراداتهم منها في مظانها المعتبرة .

         ومما يُنقل من براعة الاستنباط الفائق ، ما جاء عن الإمام الشافعي ، أنه استخرج من لطيف حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم المتَّفق على صحَّته : ( يا أبا عُميْر ما فعل النُّغير ) : مائة حكم شرعي ! في حين لو اجتمع الفِئام من الناس ، ليصنعوا صنيعه هذا ، لعجزوا عن ما هو دون ذلك بكثير .

        ولهذا تفاوت المجتهدون في براعة الاستنباط تفاوتاً كبيراً ، فلم يكونوا على مرتبة واحدة ، فبقدر إمعان النظر ، وطول التأمُّل ، وسلامة الذهن ، ووفرة الذكاء ، وسعة الاطلاع ، مع ما يرافق ذلك من سلامة الاستنباط ودقَّته ، بعد توفيق الباري – سبحانه وتعالى - تحصل وفرة الاستخراجات الجزْئية وتنوُّعها ، رغم محدوديَّة النصوص ، فما زال العلماء يعبُّون من معين الكتاب والسنة ، في السابق والحاضر واللاحق ، فما تزداد النصوص بذلك إلا ثراءً وحيويَّة ونصاعة ، بصورة مستمرَّة غير متناهية ، فكان للعلماء مع هذا المنهج إبداعاتهم العجيبة ، واستخراجاتهم الفريدة ، التي ما تزال موضع اهتمام الأمة ورعايتها ، عبر أحقاب الزمان المتلاحقة .

           وعلى الرغم من غلبة المنهج الاستنباطي على العلوم النظريَّة لدى علماء المسلمين الأوائل ، غير أن المنهج الاستقرائي لم يكن غائباً عن كثير منهم ، لا سيما بعد اتساع خارطة المعارف الإنسانية بين علماء المسلمين ، وتشعُّب مجالاتها ، ووفرة جزئياتها ، وكثرة شواردها ، التي تتطلَّب نهجاً علميًّا آخر ، يعمل على جمع الجزئيات الكثيرة ، من النصوص الشرعية ، والآثار السلفيَّة ، والآراء الفقهيَّة ، ليخرج منها العالِم بكلِّية عامة تصلح للتعميم ، فكان هذا النهج على العكس من نهج الاستنباط ؛ حيث ينطلق من قاعدة الهرم العريضة نحو قمَّته الصغيرة ، مسْتجمعاً الجزئيات الكثيرة : المتناظرة منها والمتشابهة ، ليخلص منها إلى كليَّات قانونيَّة عامة ، تحزم قوائم الجزئيات في زُمَر منْطقيَّة متجانسة ، فكان من نتاج ذلك كليَّات وقواعد وضوابط : فقهيَّة ، وأصوليَّة ، ولغويَّة ، لم يكن لبلوغها سبيل بغير أسلوب الاستقراء العام لجزئياتها الصغيرة المتناثرة .

         ولهذا خرج العلماء من منهج الاستقراء بعناوين كليَّة إبداعيَّة ، تنتظم كلٌّ منها قائمة وافرة من الجزئيات والتفصيلات الدقيقة ، التي لا تعمل الواحدة منها منْفردة ، ما يمكن أن تُؤدِّيه منْتظمة ، ضمن أشباهها ونظائرها الأخرى ، فكان من ذلك كتب القواعد والضوابط الفقهيَّة والأصوليَّة ، وكتب الأشباه والنظائر ، وما راج إنتاج بعض العلماء ، حتى ذاع صيتهم العلمي ، من أمثال العز بن عبد السلام الشافعي ، والشاطبي المالكي ، وابن رجب الحنبلي ، وابن نُجيم الحنفي ، والسيوطي الشافعي ونحوهم ، إلا من خلال جهودهم الاستقرائية العجيبة ، التي انتظمت المعارف الشرعيَّة ، ضمن ضوابط كليَّة عامة ، وزُمَر متناظرة شاملة ، انتفع بها طلاب العلم في كلِّ عصر ، فكانت جامعة وحاكمة لكثير من الشوارد والجزئيات المستجدَّة .

          ورغم الجدال السقيم ، الذي يتبنَّاه بعضهم ، حول جدوى منهج الاستقراء ، في مقابل منهج الاستنباط ، باعتبار الأهميَّة والأفضليَّة ، فإن فكرة المقابلة بين المنْهجين من أصلها ممنوعة ؛ إذ لا يصحُّ - في ميادين البحث العلمي - تقديم منهج على آخر لغير الاعتبارات العلميَّة المنهجيَّة ، التي تقتضيها طبيعة البحث وأهدافه ، فما قد يصلح من المناهج العلميَّة لبحث ما ، قد لا يصلح لغيره ، ومثل هذا النقاش لا ينْبغي طرحه بين الباحثين الجادِّين من أصل الأمر ، فمن كان منهم لا يُميِّز بين متغيِّرات الأبحاث ، ونوع مقتضياتها العلميَّة والإجرائيَّة ، فلا يُحسن عقْله إلا طريقة واحدة لجميع أعماله العلميَّة ، فإنه لا يحقُّ له أن يزاحم الباحثين المتْقنين في شغْلهم ، فينكر عليهم ما لا يعرف من الأساليب البحثيَّة ، ويُعيبهم بما يشينُه في شخصه وعقله .

        ولعلَّ في وضع يد المثقَّفين في العموم ، والباحثين على الخصوص ، على مصلحة واحدة ، من جليل أداء المنهج الاستقرائي في العلوم الشرعيّة بالتحديد : ما يُزيل عن الأذهان الشبهة عن مدى صلاحيَّة أداء هذا النهج ، وأهميَّته لبعض الأبحاث العلمية ، وضرورته لبعض المصادر الشرعيَّة ، وذلك في مسألة الإجماع على الخصوص ، باعتباره المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي ، وعليه تقوم طائفة كبيرة من الأحكام الشرعيَّة ، في العقائد والعبادات والمعاملات والحدود ، فيقْطع النزاع بين الناس في أية مسألة سبق فيها إجماع مُتحقِّق ، فلا يُعارض بأيِّ دليل شرعي ، فضلاً عن أن يُعارض برأيٍ أو استنباط ؛ لأن الإجماع في أصله يقوم على مستند شرعي ثابت ، ولا يمكن أن يصدر عن ضلالة ، فالأمة معصومة بمجموعها عن مثل هذا ، فإذا انعقد إجماع مجْتهدي العصر على مسألة شرعية ما : لم يسعْ غيرُهم مخالفتهم فيها ؛ سواء من عوام عصرهم ، أو من مجتهدي مَنْ بعدهم ، حتى إن الإجماع يدخل في صلب العقيدة ، فمن اعتقد خلافه خارقاً له : كفر ، ومن اعتقده ولم يعمل به فسق ، ما لم تكن لهما شبهة من : جهل ، أو غفلة ، أو تأويل .

         إذا تقرَّر هذا في خطورة الإجماع ، وعظيم موضعه من التشريع الإسلامي : عُلم بيقين أهميَّة المنهج الذي يصل من خلاله العلماء إلى التحقُّق من دعوى الإجماع ، وهو بلا منازع منهج الاستقراء ، من خلال تقصِّي آراء كافَّة مجتهدي العصر ، وتتبُّع أقوالهم ومذاهبهم ، ليخلص الباحث الأريب إلى ادِّعاء الإجماع ، فيكون المرجع في ذلك ، فتقوى بذلك الحجَّة أمام الخصوم .

          وقد أبدع جمع من علماء المسلمين من أمثال : ابن حزم ، وابن المنذر ، وابن القطَّان ، وابن عبد البرِّ ، والنووي ، وابن تيميَّة ، والجوهري ونحوهم ، ممن اهتموا بنقل مذاهب العلماء في الإجماع والاختلاف ، وتقصِّي آراء المجتهدين ، من خلال الاستقراء للآراء والأقوال ، وصحَّة نسبتها إلى أهلها ، فقيَّد بعضهم مسائل الإجماع في مواضعها من أبوابها الفقهية ، وأفْردوها بالمؤلَّفات المستقلَّة ، وآخرون أوردوها مبيَّنة واضحة ضمن مؤلَّفاتهم العلميَّة ، وفي مجالات منازعاتهم الفقهيَّة ، فاكتسبوا من ذلك قوَّة في الحجَّة ، ووضوحاً في البيان ، فكان إنتاجهم العلمي - وما يزال - المرجع للعلماء عند الاختلاف ، والفيصل بين الفقهاء عند النزاع ، لا سيما وأن بعض العلماء أدرج منهج الاستقراء ضمن الأدلَّة الشرعية لحسم النزاع عند الاختلاف .

          ولا مطْعن على منهج الاستقراء من جهة كونه – في بعض الأحيان - عسيراً على بلوغ التمام ، فيكون منه الاستقراء التام ، ويكون منه أيضاً الاستقراء الناقص ، فأما التام منه إذا انعقد فالحجَّة فيه قاطعة لمن بلغه بلا نزاع ، وأما الناقص منه إذا لم يبلغ التمام ، فأقلُّ ما يُقال فيه أنه مذهب الجمهور ، وهم بلا ريب : الجماعة والسواد الأعظم ، الذي ورد التوجيه النبويُّ بالتزام سبيلهم .

           وقد درجت بعض التخصُّصات العلميَّة ، في مجالات العلوم الإنسانيَّة : التربويَّة ، والاجتماعيَّة ، والنفسيَّة ، على اعتماد نهج الاستقراء الناقص في اخْتيار عيِّنات الأبحاث الميدانيَّة ؛ فيُنْتقى مجتمع الدراسة الصغير من مجموع الفئة الاجتماعيَّة الكبيرة المراد دراستها ، بحيث تمثل العيِّنة المختارة الفئة الاجتماعيَّة أفضل تمثيل ، وذلك وفق أسلوب من الأساليب المعْتبرة في اختيار العيِّنات المجتمعيَّة ، فلا يستهجن الباحثون - في هذه المجالات - تعميم نتائج هذا النوع من الدراسات الميدانيَّة ، على مجموع الفئات الاجتماعيَّة المقْصودة بالدراسة .

          ومع كلِّ ما تقدَّم ، فإن الباحث على نهج الاستقراء على الخصوص ، حين يُفرغ وسعه في تطبيق معايير هذا المنهج بإحكام ؛ فإنه يكتسب من ذلك قوَّة وحماسة في تأكيد حجَّته ، وتعميم نتيجته ، فربَّما ساقتْه سعة الاستقراء إلى شيء من عنف الخطاب ، وقسْوة العبارة ، وربما تجاوز به الحماس حدود آداب الخلاف العلمي ، إلى النيل من المخالفين في ذواتهم وشخوصهم ، بما لا يليق بأهل العلم ، فإذا تجنَّب الباحث المسْتقْرئ هذه المثالب الخلُقيَّة ، وتحاشى هذه الأخطاء السلوكيَّة ، وحصر قوَّة حجَّته في : سبْك عباراته ، وإحكام مُخْرجاته ، وضبط نتائجه : كان ذلك أنجع لحجَّته ، وأمضى لبلوغ رسالته ، وأوْفق لرواج فكْرته ، وأفضل من مغالبة تستجلب عدوان الآخرين ، وأحسن من مكايدة تستهلك طاقات الباحثين ، فإن نتائج الاستقراء المُتْقَن - في حدِّ ذاتها دون عدوان المستقْرئ البارع - مثيرة للآخرين ، وكثيراً ما تبعث النقد في نفوس ضعفاء الباحثين ، فكيف لو تعدَّى المسْتقْرئ عليهم بكلامه ؛ فجمع على المخالفين له بين نتيجته المثيرة ، وبين وعبارته الغليظة ؟! فإنه حينئذٍ يُوقع نفسه في نكد هو في غنىً عنه .