الصفحة الرئيسة @ المقال الشهري @ الكتابة المقاليَّة


معلومات
تاريخ الإضافة: 1/4/1437
عدد القراء: 1401
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

مقال شهر ربيع الآخر 1437هـ

الكتابة المقاليَّة

           الحمد لله الجليل الكريم ، والصلاة والسلام على النبيِّ السيد العظيم ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين ، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد .. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وخير الهدي ، هدي محمد × ، وشرَّ الأمور محدثاتها ، وكلَّ محدثة بدعة ، وكلَّ بدعة ضلالة ، وكلَّ ضلالة في النار .

لم يكن من عادتي كتابة المقالات الصحفيَّة والإلكترونية ، وإنما سلكت -  منذ عقود - الكتابة البحثيَّة العلمية ، غير أن تأسيس موقعي التربوي على الإنترنت عام 1427هـ ، والْتزامي للموقع بكتابة مقال شهري : كان حافزاً لي لكتابة المقالات الحرَّة ، فقد وجدت لها مذاقاً آخر ، يختلف عن الكتابة العلميَّة المنهجيَّة ؛ فإن من أهمِّ ما يميِّز المقال هو حريَّة العناوين والموضوعات المتاحة للكتابة ، واتساع مجالاتها وميادينها ، مما يفسح للخواطر العقليَّة ، والاهتمامات الخاصَّة ، والهموم الشخصيَّة ، أن تجد لها موضعاً للتسجيل والرصد والمناقشة ، إضافة إلى اتساع أساليب التناول ، وسعة طرق المعالجة ، بعيداً عن الضوابط المنهجيَّة ، المقيَّدة بالمراجع والمصادر ، والمحكومة بالأساليب العلمية ، إلى جانب ما تتيحه المقالات من المعالجة السريعة للموضوعات العامة المطروحة ، التي لا تحتمل التأجيل ، ولا تنتظر جمع المعلومات ، وتصنيف البيانات ، وتحليل النتائج ، كما يفعل الباحثون الأكاديميون ، وإنما تفتقر إلى الومضات الفكرية ، والإلهامات الروحيَّة ، والأحاسيس الوجدانية ، ثم هي بعد ذلك تنضج بموهبة الكاتب الشخصيَّة ، بما أكرمه الله تعالى به من ملكات الفهم ، وسلامة النظر ، وعمق التأمُّل ، إضافة إلى مكْرُمة التوفيق الربَّاني إلى حسن التعبير بسلاسة وسهولة عن الفكرة موضوع المقال ، فقد تجول في النفس المتأمِّلة ، ويطيف بالعقل المتوقِّد ، أفكار رؤى جليلة وجميلة ، ونظرات ثاقبة بديعة ، غير أن صاحبها يعجز عن التعبير عنها بدقَّة ، فيتعثر قلمه عند أوَّل سطورها ، هذا إذا لم تفتْه بجملتها ، حتى تغيب عن ذهنه قبل أن يعزم على رصدها ، فلا يبقى له منها إلا الأوهام الفارغة بلا محتوى ، أو الخواطر الشاردة بلا خُطُم .   

ولا يُفهم من هذا : أن كتابة المقال انطلاقة بلا حدود ولا مصداقيَّة ؛ بحيث يسجِّل الكاتب فيها مجرَّد أهواء شخصيَّة لا ممسك فيها ، أو أوهام ذهنيَّة لا خطام لها ، فتتحوَّل الكتابة إلى عبث شرُّه أكثر من خيره ، وإنما الكتابة المقاليَّة نضج فكري طليق وفسيح ، يوجِّه الشرع بأحكامه ، ويضبطه الخلق بأفضاله ، ويحكمه العقل بنظراته ، وتهذبه اللغة بآدابها ، فلا يخرج المقال عن توجيه شريف يبثه ، أو تحليل دقيق يعالجه ، أو فهم جديد يعلنه ، أو إشكال مؤرِّق يناقشه ، يقدِّمه الكاتب في قوالب لغويَّة سليمة ، وعبارات ناضجة عفيفة ، لا تهتك ستراً ، ولا تقتحم حرمة ، ولا تتبنَّى ضلالة ، فالمقال لا يخرج بحال من الأحوال عن فائدة ما يجدها القارئ في ثناياه .

إن مما تعلَّمته من خلال خبرة الكتابة العلميَّة والمقاليَّة أن القلم عسير ، لا يطاوع صاحبه دائماً ، وربما قد لا يطيعه أبداً ، فقد يعجز الشخص - الراغب في الكتابة - أن يكتب سطراً واحداً بقلم مُسْتعْص ، رغم توافر الفكرة عنده ، وتمكُّنه من المعلومة ، وحاجته إلى الكتابة ، بل قد يسْتعصي القلم على العالِم الكبير ، حتى يمضي عمره دون أن يدوِّن شيئاً يُذكِّر به ، وإن كان هذا لا يُقلِّل من شأن العالِم ، إلا أن الأثر يبقى كبيراً بين من ألَّف ودوَّن من العلماء ، وقيَّد فكره وآراءه ، وبرع وأجاد في ذلك ، وبين من لم تتيسَّر له الكتابة مطلقاً ، وبين هذا وذاك مُقلٌّ ومُكثر ، ومتقنٌ ومهمل .

ولئن طاوع القلم صاحبه في وقت وتذللَّ له ، فقد لا يطاوعه في وقت آخر ، وربما سهُلت عليه الكتابة في قضايا دون أخرى ، وفي موضوعات دون غيرها ، وقد يشرع الكاتب في كتابة فكرة ما فينساق قلمه إلى غيرها ، أو يهدف إلى قضيَّة يعالجها فينتهي إلى أخرى ، وهذا كثير في كتابة المقالات ، لأنها - في العادة - غير محكومة بالمنهجيَّة العلمية ، ولا مقيَّدة بالأساليب الأكاديمية ؛ إذ الشأن فيها للموارد الفكرية ، والإلهامات العقلية ، والخواطر الذهنيَّة ، والإثارات الاجتماعية ، فجملة هذه المثيرات هي بواعث الكتابة المقاليَّة ومنطلقها ، فقد يكون الكاتب في غفلة تامَّة عن موضوع مقال له ، لم يخطر له ببال أنه يكتب فيه ، حتى إذا أثير في موقف ما ، أو تأمَّل في حالة قائمة ، أو جال بنظره في أمر حوله : انقدحت في ذهنه فكرة مثيرة ، وزاوية للفهم جديدة ، فما تزال الفكرة الواردة تلحُّ عليه بنفسها ، فتراوده بلحظها ، وتغريه بجمالها ، فما يكاد الملْهم يلبث طويلاً حتى تتدفَّق على ذهنه موارد الأفكار ، فتتوارد على عقله معالم المقال ، فلا تستقرُّ نفسه المثارة ، ولا يهدأ باله المشغول إلا بالتدوين ، فإذا شرع في الكتابة : جاءه من الفهم والنظر والتصوُّر ما لم يخطر له من قبل ببال ، فبقدر ما يعيش الكاتب سطوره ، ويخالط أوراقه ، ويعالج عباراته ، ويقلق لمقاله : تكون درجة الفتح عليه ، فينطلق قلمه بحرَّية ينفِّس ضيق الصدر ، ويخفِّف قلق النفس ، فما زال القلم الحرُّ متنفَّس الشخصيَّة ، ومسكِّن روعها ، ولهذا قد ينطلق القلم في الكتابة بلا خطام يقوده ، ويذهب بعيداً بغير مهذب يسوسه ، فيصدر عنه ما لا يستحسن الحديث عنه بين العامة ، أو ما لا ينبغي تداوله من قضايا الشأن العام ، أو ربما لم يوفَّق الكاتب لحسن التأتي لفكرته المقاليَّة لطارئ ما  ، فتتعثر الكلمات في نفسه ، وتتحجَّر العبارات في ذهنه ، فلا يضيره ذلك ما لم يصادم الشرع .

ولهذا يُتسامح في الكتابة المقاليَّة ما لا يُتسامح في الكتابة الأكاديمية ، ويُتجاوز فيها ما لا يُتجاوز في الكتابة المنهجيَّة ، فلا يُطالب الكاتب في مقالاته بما يُطالب به الدارس في أبحاثه ، فالعفو فيها واسع ، ومع ذلك لا يجوز أن يخلو المقال من درجة ما من النهج العلمي ، في تناول القضية موضوع المقال ، مع المعالجة السليمة لفقراته ، والتسلسل المنطقي لأفكاره ، إضافة إلى اللغة الأدبية السليمة ، التي لا بد منها لحمل الأفكار والمفاهيم ، مما يُعدُّ احتراماً ضروريًّا لعقول القرَّاء ؛ فإن المقال حين يفقد موضوعيَّته ، أو يخرج عن أخلاقيَّته ، أو يعاند شريعته ، فإن القارئ يمجُّه ، فلا يقبله في بناء اتجاهاته الفكرية ، ولا يرضاه لصرف وقته ، ولهذا لا يستنكف الكاتب الحكيم من عرض أوراقه قبل النشر للمراجعة والنقد على منْ فوقه في العلم والرأي ، وعلى من دونه في ذلك ، وعلى قرين يساميه ، فربَّ فكرة فاتته ، أو عبارة خانته ، أو عثْرة أعاقته ، فيجد في جملة آراء هؤلاء ما يسدِّد به مقاله ، ويُنضج به فكرته ؛ فيستدرك فهماً ، أو يصوِّب خطأً ، أو يزيل إشكالاً ، فإذا لم يكن شيء من ذلك لتمام إتقانه ، فلا أقلَّ من أن يكتسب لمقاله تأكيداً ، وينال لفكرته نصيراً ، فيعود ذلك كلُّه لشخصه تأييداً .    

        ومع كلِّ ذلك تبقى قضية الجودة والإتقان في كتابة المقالات درجات متفاوتة ، وقناعات القرَّاء في ذلك أبواب واسعة ، يصعب في ذلك وضع حدٍّ معين لوصف التميُّز ، غير أن الكاتب الذي يحترم نفسه ، ويقدِّر قلمه ، ويتَّقي ربه : لا يدوِّن شيئاً يشينه بين الناس ، ولا يخطُّ بقلمه ما لا ينفعه يوم المعاد ، والموفَّق من وفَّقه الله تعالى ، فألهمه سبيل الإحسان ، وسلك به طريق الإتقان .