الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية السياسية للفتاة @ 6ـ المرأة ومهام عضوية أهل الحل والعقد


معلومات
تاريخ الإضافة: 24/8/1427
عدد القراء: 2318
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

شهدت بداية القرن العشرين الميلادي صراع النساء الشديد حول الحقوق السياسية، الذي دام في الجملة نحواً من سبعين عاماً، حتى نهاية الستينات تقريباً– على تفاوت بين الدول– تكلفت فيه النساء الغربيات صعوبات ومشاق قد يعجز عنها كثير من الرجال المضطهدين من أصحاب الحقوق المسلوبة، في صور  عجيبة من الصبر، والإلحاح المستمر الذي لا يدخله الملل، حتى حُزْن في نهاية الأمر على جلِّ أو كلِّ حقوقهن القانونية والدستورية، ولم يبق عليهن الآن سوى  خوض معارك التطبيق القانوني، ومطالبة الأجهزة المعنية بالتنفيذ الواقعي للدستور، فإنهن حتى الآن مازلن يُعتبرن أقلِّية في مجالس النواب، ومواقع اتخاذ القرارات، التي يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على أجهزة الدولة التنفيذية.

وقد توافق هذا الصراع الأوروبي مع انهيار الأمة الإسلامية وذهاب نظام وحدتها التشريعية والسياسية، في ظل السيطرة  الأوروبية: العسكرية والفكرية.  فلم يعد أمام الأمة المستضعفة المفككة سوى النموذج الغربي لأنظمة الحكم، ولم يعد بين يديها من معالم تراثها السياسي الإسلامي إلا ما يفي بأسلمة نماذج الغرب السياسية، في صور من التلفيق والترقيع المشوَّه، فبدلاً من أن تلتفت الأمة إلى ذخائر تراثها السياسي: تتجه– للأسف– نحو أنظمة الغرب، حتى إن الأمة– من فرط اضطرابها– لتبادر المرأة الغافلة المخدَّرة، فتبتدئها بالمشاركة السياسية– انتخاباً وترشيحاً– قبل أن تُطالب المرأة العربية بنفسها بذلك، وقبل أن تكون مستعدة لمثل هذه المشاركات، فتشرع القوانين والأنظمة التي تُسِّهل مشاركتها السياسية، في مجتمعات ساذجة غلبت عليها الأمية والجهل.

وقد أدّى تحكيم هذه القوانين الانتخابية في زمن غياب الشريعة إلى تعارض المُفتين الإسلاميين: بين مُجيز للمرأة مشاركتها بصورة مطلقة في المجالس البرلمانية، وبين مانع، وبين متردد ومتوقف، مما أثار – بالتالي– جدلاً اجتماعياً وصراعاً تتنازعه فئات المجتمع المتصارعة على حقوق المرأة السياسية، في مظاهر سلوكية، وأطروحات فكرية غريبة عن الحياة الإسلامية.

إن مبدأ البحث في هذا التنازع الشرعي حول مشروعية مشاركة المرأة في الانتخاب والترشيح، والصراع الاجتماعي في ذلك: يبقى بلا معنى صحيح في ظل سيطرة القوانين الوضعية التي عمت غالب بلاد المسلمين، ومع ذلك فلا يمكن أن تُحسم مادة الخلاف بالكلية، إلا أنه يمكن التخفيف منها ببيان صفة أهل الحل والعقد من أولي الأمر، المعنيين بالقضية السياسية، وهم: الموصوفون بالعلم والفضل، والخبرة والرأي من العلماء، والوجهاء وأهل الشوكة ممن صحت قواهم البدنية، وكملت قدراتهم العقلية، وانصقلت تجربتهم الميدانية، ممن ألزم الشارع الحكيم برد الأمور إليهم، ومشاورتهم، والصدور عن رأيهم فيما يُشكل على الأمة من جليل أمر الدين أو الدنيا، من مصالح العباد والبلاد، مما يفتقر إلى اجتهاد أهل الخبرة المتخصصين، كل فيما يُحسن، بحيث يكون رأيهم الاجتهادي عند الإجماع مُلزماً للأمة حاكمها ومحكومها، وعند الاختلاف خاضعاً للأغلبية، أو ترجيح الحاكم.

ومما جاء في بيان هذا الشأن قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " يا رسول الله إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان: أمرٌ ولا نهيٌ فما تأمرنا ؟ قال تشاورون الفقهاء والعابدين، ولا تمضوا فيه رأي خاصة". وكان عمر رضي الله عنه يقول: "شاوروا المهاجرين والأنصار، وسراة من هنا من الأجناد".

ومن هنا يُعلم أن العامة رجالهم ونساءهم، وصغارهم وكبارهم تبع لاجتهاد أهل الحل والعقد، لا يجوز لهم الخروج عليه. بل وحتى العلماء ممن هم خارج دائرة الشورى لا يسوغ لهم أيضاً الخروج عن اختيار الصفوة واجتهادهم– ضمن حدود الشريعة– فيما يشق عصى الطاعة ويفرق الجماعة: ابتداء من اختيار الحاكم وعزله، وانتهاء بأصغر مصلحة عامة تهم مجموع الأمة، بحيث يصبح الخارج عن اختيار أهل الحل والعقد عاصياً مفارقاً للجماعة.

وبناء على هذا فإن عضوية أهل الحل والعقد ليست امتيازاً يتمتع به العضو، وليست وطراً يُقضى، وليست حقاً لكل أحد؛ وإنما  هي عضوية مصير وتكليف وأمانة.  كما أن هذه العضوية ليست صراعاً حزبياً، وتنافساً سياسياً لمجرد بلوغ السلطة؛ وإنما هي تفاعل إيماني صادق بين الثوابت الشرعية، وبين المتغيرات الواقعية بهدف الوصول إلى الحق.  فليست السياسة بكل فعالياتها غاية في ذاتها، بل ليس المجتمع كله غاية في ذاته؛ فإن كل هذه الفعاليات المجتمعية والسياسية لا تعدو أن تكون وسائل المؤمنين  إلى مرضاة رب العالمين، من خلال السعي الجاد في إحقاق الحق ورد الباطل ضمن  حدود القدرة البشرية.

ومن هذا المنطلق يخرج العوام من الرجال، وجملة النساء والصبيان عن عضوية أهل الحل والعقد لتبقى الشورى خالصة للخاصة من أفذاذ الرجال،  ممن يستطيع أن يقف للحق في وجه الباطل، وينافح عن الأمة، ويتحمل واجب المطالبة السياسية بالالتزام الشرعي، وتنفيذ القرارات الحكيمة؛ إذ ليست المسألة مجرَّد صوت يُدلي به، أو رأي يقوله دون مسؤولية يتحملها، وعبء ينوء به فإن الغُنْم بالغرم. 

وعلى هذا جرى عمل الأمة منذ فجر التاريخ الإسلامي يقصرون الشورى في الخلَّص من الرجال دون النساء، فلا يُعرف للمرأة المسلمة في التاريخ الإسلامي مكان ضمن عضوية أهل الحل والعقد.  حتى إن إحداهن لتكون بين رجال الدولة من محارمها، في بؤرة الصراع السياسي، تعاينه عن قرب ثم لا يُؤخذ رأيها في شيء، كحال زوجة عمر بن عبد العزيز التي خالطت محارمها من الخلفاء، في الوقت الذي لا يجد كبار الساسة والقادة غضاضة في الرجوع إلى أقوالهن العلمية فيما يُحسنَّ من معارف الحديث والفقه ونحوهما، وحتى السيدة عائشة رضي الله عنها صاحبة المقام العالي، التي كان أكابر الصحابة يصدرون عن رأيها في كثير من المسائل العلمية: لم يكونوا يستشيرونها في شيء من قضايا السياسة وشؤون الحكم، حتى إن أبا بكرة رضي الله عنه يقول: " عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله r لما هلك كسرى قال: من استخلفوا ؟ قالوا: ابنته، فقال: لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة، قال: فلما قدمت عائشة ذكرت قول رسول الله r فعصمني الله به"، يقول رضي الله عنه هذا القول رغم أن عائشة رضي الله عنها لم تكن قائدة أو أميرة؛ وإنما كانت رمزاً عاطفياً لوحدة جيش الإصلاح السياسي، ومع  ذلك اعتبر مجرَّد وجودها كأنثى ضمن هذا الجيش كافياً لإحجامه عن المشاركة.