الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية السياسية للفتاة @ 5ـ تعارض الأنوثة الاجتماعي مع نمط البروز السياسي


معلومات
تاريخ الإضافة: 24/8/1427
عدد القراء: 2352
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

تعتمد الممارسة السياسية على أسلوب الاتصال الإنساني الواسع والعميق بين السَّاسة والجمهور بما يكفل وحدتهم الاجتماعية، وحمايتهم من التأثيرات الخارجية.  فهي علاقة إنسانية من الدرجة الأولى، تخضع بصورة أساسية للخبرة التراكمية التي تبنيها الممارسة الواقعية، وتمحِّصها التجربة العملية، فلا تُغني فيها المعرفة العلمية بالقواعد والأصول السياسية – مهما كانت متفوقة– دون فنِّيات الممارسة التطبيقية؛ لأن المسألة السياسية ليست من العلوم المشاعة التي تُؤخذ كما تُؤخذ النظرية العلمية، بل هي علاقات إنسانية وتفاعلات تراكمية ترتبط بخصوصيات الأمم الثقافية فلا تُستعار ولا تُقتبس.  فإذا كان كمال العلم، وأعلى مراتبه لا يحصل إلا بالمخالطة والاحتكاك: فإن أدنى مراتب القدرة السياسية لا تحصل إلا بالدربة والمعاطاة.

ومن هنا تظهر قوة العلاقة بين العمل السياسي وبين البروز الاجتماعي، بحيث تحتاج المرأة إلى قدر من الصفاقة الخلقية، والجرأة الشخصية التي تُؤهلها للممارسة السياسية؛ ولهذا لحقت رياح التغريب بغالب النساء والفتيات المطالبات اليوم بالعمل السياسي، وأخذت بهن بعيداً عن ضوابط الأخلاق التي يرسمها منهج الإسلام للمرأة المسلمة ضمن خصوصيات حضارته ونظامه للحكم.

إن الشارع الحكيم في تعامله مع أحكام النساء ضيَّق أسباب بروزهن الاجتماعي، حتى منعهن من وسط الطريق، وربط مصالحهن الخارجية بأوليائهن: فلا تسافر إحداهن إلا مع محرم لها، ولا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها.  وأعفاها– مقابل ذلك الاحتباس– من طلب المعاش، وواجب المشاركة العبادية في الحياة العامة كحضور الجمعة والجماعات وشهود الجنائز ونحوها– إلا في الحج الواجب– ولم يرض لها – مهما بلغت من العلم والفضل– أن تتقدم على ذكرٍ حرٍ أو عبدٍ أو حتى صبي في الصلاة: نافلة كانت أو فريضة، بل إنها لو قرأت السجدة بمسمع من رجل وسجدت: فإنه لا يسجد معها؛ لأنها ليست بإمام.  وحتى ميدان النكاح فإن ولاية الرجال عليها دائمة؛ بل إن الصبي المراهق يتقدم على المرأة العاقلة فلا تزوج نفسها، ولا تعقد لغيرها حتى وإن كانت أمة مملوكة لها؛ ففي الوقت الذي يصح منها بيعها يحرم عليها التصرف في بضعها، "فكل أنثى لا تعقد نكاح أنثى بخلاف الذكر"؛ ولهذا كانت السيدة عائشة رضي الله عنها إذا عزمت على تزويج إحدى قريباتها، وحان وقت العقد قالت: " أنكح يا فلان فإن النساء لا يُنكحن".

ومن هنا، ومن هذه الجهة كان خبر النساء عبر التاريخ الإنساني على الستر والصون، بعيداً عن المجامع العامة، ومواقع محكَّات الرجال؛ لهذا كان غالب الطعن على بعض نقلة الحديث النبوي من النساء كونهن مجهولات الحال لعدم المخالطة.  ولعل هذه الطبيعة النسائية وراء إخفاقهن اليوم في العلوم الميدانية: كالجغرافيا وعلوم الأرض ونحوهما فكتاباتهن في هذه العلوم قليلة جداً؛ لكونهما من العلوم التي تتطلب البروز الميداني، والشخوص للرحلة ومعاناة السفر، خاصة وقد أثبت البحث الميداني أن الإناث أقل تقبلاً من الذكور لمبدأ السفر للكسب؛ لكونه أداء لا يناسب طباعهن الفطرية؛ ولهذا لا يُوجد بين سفراء النبي r – رغم كثرتهم– امرأة واحدة.

ولعل في تجربة السيدة عائشة – رضي الله عنها– السياسية في الزمن الأول ما يُجلي الحكمة الإسلامية في قصْر حركة النشاط السياسي على الأفذاذ من الرجال، فرغم قسوة التجربة في موقعة "الجمل" وما آلت إليه أحوال الأمة السياسية بعدها: فقد كانت أحداث التجربة في غاية  الشدة على نفس السيدة عائشة رضي الله عنها، ليس ذلك من جهة مبدأ الإصلاح السياسي فإن هذا أمر محمود، ولكن من جهة بروزها الشخصي للميدان السياسي العام: فرغم أنها كانت مجتهدة مأجورة إلا أن ندمها على خروجها كان في  غاية الشدة، ويكفيها في ذلك أنها كانت سبباً في أول اصطدام مسلح بين المسلمين، وقد كانت الحجة عليها ممن خالفها : إلزامها بيتها، وأن الأمر لا يقوم بالنساء، وأما حجتهم على من خرج بها كونهم خرجوا بها دون نسائهم، حتى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "… أخرجتم أمكم عائشة وتركتم نساءكم".  وقال لطلحة بن عبيد الله رضي الله  عنه: " يا طلحة أتيت بعرْس رسول الله r تقاتل بها، وخبَّأت عرسك في البيت".  مما يدل على أن المسألة متعلقة بالسيدة عائشة خاصة دون غيرها من النساء لكمال علمها وفضلها، وليس لكون الذين خرجوا بها يرون جواز بروز المرأة للعمل السياسي، فلو كان الأمر كذلك لخرجوا بنسائهم يستكثرون بهن. خاصة وأن نساء النبي r رضي الله عنهن لم يخرج منهن غير عائشة، وحتى أم سلمة الظعينة المهاجرة  صاحبة الرأي السديد يوم الحديبية لم تخرج، بل كانت أشدهن إنكاراً على عائشة، حتى كتبت إليها تقول: "… قد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع، حُماديات النساء غض البصر، وضم الذيول…فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حصنك، فابغيه منزلاً لك حتى تلقيه، فإن أطوع ما تكونين إذا ما لزمته"، ونُقل عنها أنها قالت لها أيضاً: " وأقسم لو سرت مسيرك هذا ثم قيل لي: يا أم سلمة ادخُلي الفردوس لاستحييت أن ألقى محمداً r هاتكة حجاباً قد ضربه علي".  ولما عزم علي بن أبي طالب رضي الله عنه المسير إلى البصرة لرد أهل الشام دخل على أم سلمة رضي الله عنها يودِّعها فقالت له: " سر في حفظ الله وفي كنفه، فوالله إنك لعلى الحق والحق معك، ولولا أني أكره أن أعصي الله ورسوله؛ فإنه أمرنا r أن نقر في بيوتنا لسرت معك، ولكن والله لأرسلن معك من هو أفضل  عندي وأعز عليَّ من نفسي ابني عمر". ومع كل هذا لم ينقل عن السيدة عائشة رضي الله عنها بعد هذه الحادثة شخوصها في أي نشاط سياسي عام، حتى قالت: " وددت أني كنت غصناً رطباً ولم أسر مسيري هذا"، وكثيراً ما كانت تعتذر للسائلين عن خروجها يوم الجمل بالقضاء والقدر.  مما يدل على أنه صار ذلك مذهباً لها، ولعلها تذكرت بعد هذه الحادثة الأليمة قول الرسول r لنسائه: " أيَّتكن صاحبة الجمل الأدْبب،يُقتل حولها قتلى كثير، وتنحو بعد ماكادت".  ولعله يكون قد بلغها أمر النبي r لعلي رضي الله عنه في شأن هذه الفتنة حين قال له: "إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال: أنا يا رسول الله، قال: نعم، قال : أنا ، قال: نعم، قال: فأنا أشقاهم.  قال: لا ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها". 

ومما يدل على عظيم ندمها، وفرط ألمها على مسيرها هذا: أنها لم تعد ترى نفسها أهلاً لأن تُدفن في بيتها بجوار الرسول r وصاحبيه، فقد كانت تحدِّث نفسها بذلك، فلما حصلت هذه الفتنة قالت: "إني أحدثت بعد رسول الله r حدثاً، ادفنوني مع أزواجه، فدفنت بالبقيع"، ولاشك أن الحدث الذي تقصد هو مسيرها يوم معركة الجمل.  ولما حضرتها الوفاة جزعت، فقيل لها: "أتجزعين يا أم المؤمنين وأنت زوجة رسول الله r، وأم المؤمنين، وابنة أبي بكر الصديق ؟ فقالت: إن يوم الجمل معترض في حلقي ليتني متُّ قبله، أو كنت نسياً منسياً".  بل وحتى إنكارها على عثمان رضي الله عنه في بعض اجتهاداته ندمت عليه لكونها ربما كانت سبباً في الجرأة على الخليفة، حتى قالت: " والله لوددت أني عشت برْصاء في الدنيا سائماً وأني لم أذكر عثمان بكلمة واحدة".  وإلى هذا الحد انقطع طريق الإناث عن العمل السياسي، وأصبح الدرس واضحاً في كون السياسة مجالاً لإخفاق الإناث، خاصة وأن التجربة كانت على يد امرأة لا يُعرف لها في طبقات النساء مثيل في العلم، والذكاء، والفهم، وقد حفَّتها ظروف التفوق والإبداع من كل مكان، ورغم ذلك استعصت عليها الطبيعة السياسية بسبب الأنوثة فقط دون أي سبب آخر؛ ولهذا قيل: " لو كان لأبيها ذكر مثلُها لما خرج الأمر منه"، يعني أمر الخلافة، فقد كانت رضي الله عنها مقبولة الرأي عند عامة الناس، حتى قال معاوية رضي الله عنه في حقها: " إن من الناس من لا يُرَدُّ عليه أمره، وإن عائشة رضي الله عنها منهم".  وبالرغم من كل هذا الوضوح في موقفها رضي الله عنها إلا أن فئات من الناس لاتزال تصرُّ على أن موقف السيدة عائشة رضي الله عنها في  الفتنة موقف صحيح، وهي في موقفها هذا قدوة للنساء المسلمات.

إن من القضايا التي لابد أن تكون واضحة في ذهن المرأة المسلمة، وفي أذهان من خلفها، ممن يحثونها ويدفعونها نحو العمل السياسي: أن الممارسة السياسية التطبيقية لا يمكن أن تحصل بحال من الأحوال، وفي أي مجتمع من المجتمعات مهما كان صلاحه إلا في وسط رجولي؛ فهذه تجربة السيدة عائشة رضي الله عنها لم تجد ميداناً للممارسة إلا بين الرجال، ولما كانت رضي الله عنها مكتملة الأنوثة والفضل: كانت وسط الرجال في هودج من حديد لا يُرى من شخصها شيء، ولما أرادت أن تحدثهم في مكة خاطبتهم من داخل الحجْر.  فأنَّى لنساء اليوم ، المنخرطات في العمل السياسي أن يكون نهجهن السلوكي على هذا النمط ؟.