الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية الفنية للفتاة @ 2ـ الضابط الشرعي لمهارات الفتاة اليدوية


معلومات
تاريخ الإضافة: 24/8/1427
عدد القراء: 2158
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

ويقصد بالضابط الشرعي: سلامة مهارات الفتاة من الوقوع في دائرة الحظر الشرعي من جهة نوع المهارة, أو من جهة مضمونها, فإن الضابط الشرعي الذي تغذيه العقيدة الصحيحة يسيطر بقوة الإيمان على كل جوانب وأنواع النشاط الإنساني بما في ذلك المجال الفني, حتى ينطبع بطابعه الروحي, ومبادئه الإيمانية: فينسجم بمعاييره وضوابطه الشرعية, التي تسوقه – بالتالي – إلى رحاب الله تعالى, فتربط بين هذه المُنْتجات الفنية الجميلة، وبين الخالق المبدع سبحانه وتعالى،حيث يلتقي هناك عند هذه الغاية: الفن بالعقيدة، والمتعة الحسية باللذة الروحية، فتصفو النفس عندئذ، ويطيب السلوك. وهذا الشعور الإيماني هو الذي سيطر على طبيعة الفن عند مهرة المسلمين الأوائل.

ولعل أهم ما تحذره الفتاة في عملها الفني هو تجنب المضاهاة بخلق الله تعالى، والمقصود من تجنب الفتاة مضاهاة خلق الله تعالى: خلو مضمون إنتاجها الفني من كل مظهر من مظاهر محاكاة خلق الله تعالى في ذوات الأرواح من جهة التجسيم؛ لإجماع المسلمين على حرمة ذلك، أو من جهة التحنيط والرسم والنقش؛ لأنها في معناه، ولا يُستثنى من ذلك إلا التصوير الفوتوغرافي للأحياء، حين يكون رقماً أو صبغاً، يُوضع موضع المهنة لا موضع التعظيم، فقد كانت كل الصور لذوات الأرواح في أول أمر الإسلام ممنوعة لارتباطها بعبادة الأصنام، فلما عرف الناس من الدين ما لا يُخاف عليهم فيه من الأصنام والصور: جاءت الرخصة بما لا ظل له إذا لم يُنصب نصب عبادة وتعظيم. مع كون الورع في مثل هذا، والاحتياط منه – خروجاً من الخلاف– أمراً مستساغاً شرعاً؛ إذ من المعلوم أن "الخروج من الخلاف والأخذ بالثِّقة والاحتياط أولى"، ولاسيما إذا لم يكن هناك ضرورة. وبعد ذلك تجد الفتاة في ميدان "الموات" من خلق الله تعالى بنوعيه الجامد، والنامي: ساحة رحبة واسعة للتصوير والتمثيل؛ بل وحتى هذا الميدان كساحة مباحة شرعاً للتقليد والمحاكاة: لم تكن محطَّ اهتمام المبدعين المسلمين عبر القرون الماضية؛ لكونها هي الأخرى تحمل جانباً من المضاهاة بخلق الله تعالى في الطبيعة، فقد وجدوا في الزخارف، والرسوم الهندسية  المتنوعة: ساحة أوسع وأرحب للإبداع، والإنتاج الفني. ومع كل هذا: فليس النحت والتجسيم من مجالات الفتيات المحببة كما دلَّ على ذلك ميول كثير منهن.

وأوسع من كل هذا وأرحب: مجال الخط العربي، "فالكتابة الإسلامية أولاً وقبل كل شيء منهج جمالي للتعبير، عن طريقها وصلت العبقرية الفنية للشعوب الإسلامية أقصى درجاتها في مجال الإبداع  الفني"، حيث تجد الفتاة في هذا المجال ميداناً للممارسة الفنية، وساحة واسعة للتَّعبير من خلالها عن خصائصها الذاتية، ومميزاتها الشخصية؛ ففي تجميل كلام الله تعالى بتحسين الخطوط، وفن الكتابة: مجال واسع، لا منافس للمسلمين فيه، وهو من مجالات الفن المحببة الجميلة؛ إذ الخط الحسن له تأثيره الخاص في النفس، وقد كان في السابق ميداناً لتنافس النساء في قرطبة،وكثيراً ما كانت الفتاة المتقنة للخط، العارفة بأصوله وقواعده: موقع تقدير العلماء والوجهاء عبر التاريخ الإسلامي، وقد وُجد في بلاد المغرب العديد من المصاحف المكتوبة بخطوط النساء، حتى إن إحداهن كتبت بخطها خمسة وثلاثين مصحفاً.وما يُحكى من كراهية الكتابة للإناث:لا يُلتفت إليه، فقد خالفه واقع الأمة العملي منذ فجر تاريخ المسلمين,ولم يصح في منعهنَّ منها عن النبي r شيء يُذكر؛ بل الثابت عنه –عليه السلام– الجواز بلا كراهية.

ولعل مما يُعزِّز قناعة الفتاة بحفظ نشاطها الفني من تمثيل مخلوقات الله تعالى أن تعرف: أن المُجسِّمة من الفنانين القدماء كانوا أحقر طبقات المجتمع،وهم اليوم أقبح الناس سلوكاً، وأرذلهم خلقاً، حتى إن فساد طباعهم، وانحراف نفوسهم لا يكاد يخفى عن مضمون أشكال ومظاهر إنتاجهم الفني، حتى إنه ليبدو صارخاً بيِّناً في تصويرهم للأجسام العارية، الطافحة بالشهوة الجنسية، حيث جعلوا من جسم الأنثى غرضاً للفتنة والتكسُّب والاشتهار، حتى غدت تعْرية أجْساد الفتيات أمام الطلاب للرسم في كليات الفنون – بحجَّة التعلُّم– أمراً مستساغاً، لا يعاقب عليه القانون، رغم الفتاوى الصريحة بحرمة هذا المسلك القبيح. وهذا – في الجملة – يدل على حجم الدافع الجنسي، والتلذذ الشهواني المتخفِّيين وراء كثير من هذه الأنشطة الفنية، المتلبِّسة بزي العلم، فقد "ساد اعتقاد بأنه لا أخلاق في الفن والإبداع، بحجة أن القيمة الخلقية قيمة موجِّهة وآمرة، تعتمد أساليب الردع، بينما القيمة الفنية قيمة تستند إلى أحوال الشعور والوجدان، وتتوسل بأساليب الذوق والامتناع"، ولاشك أن هذه المبررات لا ترقى لأن تكون حججاً تُهدر من أجلها الثوابت الإيمانية والأخلاقية.

إن هذه الصورة الساقطة لبعض صور الفن المعاصر لايمكن أن تنفك عن تجربة الفتاة المجسِّمة التي تستبيح لنفسها خوض تجربة المضاهاة بخلق الله تعالى، في حين تسلم الفتاة المتقيِّدة بآداب المهارات اليدوية، وحدودها الشرعية من خوض هذه المفازة الخلقية المهلكة.