الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية العقلية للفتاة @ 46ـ العناية بصحة الفتاة العقلية


معلومات
تاريخ الإضافة: 23/8/1427
عدد القراء: 1992
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

العقل أشرف الموجودات, وعليه مدار التكليف, وهو من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة الربانية بالمحافظة عليها ورعايتها, فهو من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان, فلا بد من حمايته من كل آفة تُفسده, أو تُعطل عمله, فتجعل صاحبه عبئاً على المجتمع الإنساني.

وتعتمد صحة الإنسان العقلية على دعامتين رئيستين:

الدعامة الأولى: فطرية, تقوم على أساس قانون الخلقة, وهي ما حباه الله عز وجل للفرد من الكمال العقلي عن طريق الوراثة, فإن الامتياز والتفوق العقلي يستندان -بصورة أساسية- إلى خصائص وراثية, ومن المعروف أن أبناء الأسر المتفوقة عقلياً يكونون في العادة متفوِّقين عن غيرهم من أبناء الأسر الأدنى مرتبة, فملكات العقل المختلفة تعتمد إلى حد كبير على جذور وراثية, حيث يرث الفرد من والديه المباشرين, ومن أسلافه حدَّة هذه الملكات أو ضعفها, تماماً كما يرث منهما المزاج والطبع, والسمات الجسمية العامة, فإذا كان الأمر كذلك كانت وسيلة تحقيق هذه الدعامة: تحسين النسل من خلال التَّخيُّر للنُّطف, والتَّغريب في الزواج طلباً للجذور الجديدة المتميِّزة.

الدعامة الثانية: كسبية, من خلال المحافظة على قوى العقل -بصورة دائمة- من الآفات المفسدة, والمعطلة له عن مهمة التَّعقُّل التي خُلق من أجلها, وتم تكليفه بناء عليها, وأعظم هذه الآفات على الإطلاق: آفة الإسكار الناتجة عن الخمر, التي عدَّها الرسول r : مفتاحاً لكل شر, أو المخدرات بمختلف أنواعها, أو أي مواد أخرى تقوم مقامهما, وتتَّحد معهما في علَّة الإسكار التي عليها مدار التحريم, حيث يقول الرسول r في عبارة جامعة موجزة: "كل مُسْكر خمر, وكل مُسْكر حرام", فهذه الآفة الكسبية أعظم مفسدات العقل على الإطلاق, ومن أكثرها تعطيلاً لقدراته ومواهبه, ومع هذا فهي من أكثر مظاهر الانحرافات الاجتماعية انتشاراً في غالب المجتمعات المعاصرة عامة, وبين الشباب من الجنسين بصفة خاصة, حتى إن نسبة الفتيات تصل في بعض المجتمعات إلى النصف, وربما وصل فساد المخدرات والخمور لينال حتى من فتيات بعض الدول الإسلامية المحافظة, فمرحلة الشباب أكثر المراحل التي يتهيأ فيها الإنسان لتعاطي المخدرات, ومن ثمَّ الإدمان عليها, مما جعل روَّاد المصحَّات العقلية سنوياً يعدُّون بمئات الألوف, ومن هنا فإن الوسيلة لحماية الشباب -والفتيات بصورة خاصة- من هذه الآفات المدمرة منع أسباب تعاطيها: النفسية, والاجتماعية, والاقتصادية, مع تقوية الوازع الديني في النفوس, الذي ثبت أنه أعظم علاج لمثل هذه الانحرافات السلوكية.

ومن خلال رعاية هاتين الدعامتين تتمتع الفتاة بصحة عقلية تمكِّنها من التأقلم بكفاية ورضا مع الوسط الاجتماعي المحيط بها, ويمكنها الوصول بمواهبها العقلية إلى أعلى درجات الكمال التي قدرها لها المولى عز وجل وخصها بها, بحيث يمكن أن تستمر بعض وظائفها العقلية في النمو إلى ما بعد مرحلة الشباب, ما دامت قدراتها العقلية الأساسية محفوظة من الآفات والأمراض, ولم تغرق في متطلبات الجسد وحاجاته, وسلمت شخصيتها من الأسقام النفسية والعقلية, التي تنتشر بين النساء كالهستيريا والقلق والاكتئاب, إضافة إلى سلامة تفكيرها من المعتقدات والتصورات الخرافية, التي تنتشر عادة بين الإناث بصورة أكبر, ولا يقف لها تعليم ولا ثقافة, حتى إنها لتسيطر بسلطانها الموهوم على أذهان كثير من الشباب المتعلم وسلوكهم, ولا تزال -للأسف- المكتبة العربية وكثير من الصحف تذخر بمثل هذه المفاهيم الخرافية, والسحر, والشعوذة التي تغذي هذه الأوهام في أذهان المتعلمين من الشباب, وتعزز من سلطانها على سلوكهم وتصرفاتهم.