الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية الاجتماعية للطفل @ 6ـ أدب اختلاط الطفل بغير المسلمين


معلومات
تاريخ الإضافة: 18/8/1427
عدد القراء: 1808
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

6 - أدب اختلاط الطفل بغير المسلمين

من آثار الولاء والبراء ترك الاختلاط بالكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، إذ إن كثرة الاختلاط بهم، ومشاهدتهم الدائمة، خاصة في هذا العصر حيث ينتسب أكثرهم إلى دول كبرى تعتبر في عرف بعض الناس مناراً للحضارة، ومثالاً رائعاً للتقدم الصحيح، يعتبر خطراً كبيراً على االعقيدة والإيمان، إذ تزول بالتدرج تلك النفرة منهم، وتصبح رؤيتهم أمراً طبيعياً لا يستنكر، وربما تطور الحال حتى يقروا على ما هم عليه من الشرك والكفر، فلا يستنكر ذلك منهم.

والناظر في أحوال المسلمين اليوم ودخول هذا العدد الهائل من الكفار إلى بلاد المسلمين، خاصة من نصارى أوروبا وأمريكا، واختلاطهم بالمسلمين، واستحواذهم على بعض مراكز القوى في البلاد، وتمتعهم بمميزات فائقة في أكثر المجالات، مثل رفاهية المسكن، والمركب، وارتفاع المخصصات الشهرية، والظهور أمام المسلمين بأحسن هيئة وقد ارتسمت على وجوههم الابتسامات، إلى جانب استخدامهم اللطافة في تعاملهم مع المسلمين مكراً منهم ودهاء، هذا الوضع بهذه الصورة يضعف في النفوس بغضهم، بل ربما أوقع في النفوس حبهم، واحترامهم، وتقديمهم، رغم ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من وجوب الاستعلاء عليهم، وعدم ابتدائهم حتى بالسلام حيث قال: ((لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه))، وقد ذهب جمهور علماء الأمة إلى عدم جواز ابتدائهم بالسلام، فإن احتاج المسلم إلى ابتدائهم بالتحية قال "أنعم الله صباحك" أو نحو ذلك. أما لفظ السلام الذي هو اسم من أسماء الله U فلا يكون إلا للمسلمين إخوان العقيدة والدين. فإذا كان حكم السلام عليهم محظوراً، فكيف بحبهم وتقديمهم على المسلمين؟

ولا شك أن الأب المسلم يواجه في تحقيق هذه القضية وهذا المبدأ الإسلامي العظيم صعوبة، خاصة بعد انتشارهم في البلاد، فلا يكاد يوجد بلد إسلامي إلا وفيه أناس من غير المسلمين يعيشون في بحبوحة تفوق حياة أكثر عامة المسلمين. ورغم هذه الظروف الصعبة فإن الأب لا يعفى من القيام بالمسؤولية، بل عليه أن يضاعف الجهد، ويزيد العطاء ليواجه هذا الضغط الاجتماعي الرهيب على نفس الولد، لا سيما في عصر العولمة، وينتهج في ذلك الأساليب والوسائل المتيسرة، ومن أهم هذه الوسائل: اختيار المسكن، فلا يسكن في الأحياء التي يكثر فيها النصارى، أو الكفار، ولا يجاورهم، ولا يأخد ولده إلى الأماكن التي يشاهدون فيها، مثل الشواطئ، والأسواق، وبعض الإدارات، والمصانع، والورش، فإن حدث أن اضطر الأب لمجاورتهم ومخالطتهم كأن يلتقي بهم في الطائرة، أو في مكان ما، فإن ظهوره أمام الولد بمظهر المستعلي بإيمانه لا يأبه بهم، ولا يكترث لوجودهم: يعد أمراً مهماً، مع تعريف الولد بهم، وإشعاره أن هؤلاء ليسوا من المسلمين؛ لتحصل له القدرة على التمييز بينهم وبين المسلمين، خاصة وأن بعض المسلمين يتشبه بهم، وأصبح من الصعب التمييز بينهم. وإن سنحت الفرصة للحديث مع أحدهم، فليكن حديثه معه يدور حول دعوته إلى الإسلام، وتعريفه به، ولا يكون حديثه معه من باب التفكه، أو الملاطفة، فإن هذا يوقع في نفس الولد الاختلال بين الجانب النظري الذي تلقاه من والده، وبين الجانب السلوكي التطبيقي الذي يشاهده أمامه من ملاطفتهم ومجاراتهم، ولا يعني هذا شتمهم أو تقبيحهم أو الإساءة إليهم فإن لهم على المسلم حق العدل والمعاملة الحسنة في الحدود الشرعية.

وقضية أخرى تعد أخطر القضايا في هذا المجال وهي قضية السفر إلى بلاد الكفار، فهي أخطر بكثير من مجرد الاحتكاك بهم في بلاد المسلمين، إذ تضعف سلطة المسلم في تلك البلاد، وربما تزول بالكلية، وهنا لا بد أن تكون للأب المسلم وقفة صارمة قوية في هذه القضية؛ إذ إن كل ما يمكن أن يقال للطفل من وجوب بغض الكفار، وعدم موالاتهم , وغير ذلك من معاني الولاء والبراء؛ كل هذا يمكن أن يزول بمجرد قرار الأب السفر للتنزه في دولة من دول الكفار؛ إذ يعيش الولد حالة من الصراع النفسي بين ما يسمعه من التوجيهات، وبين ما يعيشه من المخالفات، ولا شك أن الجانب العملي والواقع التطبيقي، أكثر تأثيراً في الولد من الجانب النظري الذي لا واقع له ولا تطبيق.

ولا يخفي على المسلم ما جاء عن رسول الله r في النهي عن العيش مع الكفار ومخالطتهم، ومن ذلك قوله: ((أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين))، وفي رواية قال: ((لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم))، وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: ((من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة))، فهذه النصوص الزاجرة كفيلة بزجر الأب عن التفكير أصلاً في السفر إلى بلاد الكفار للنزهة وللفرجة، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية في زمنه في القرن الثامن الهجري عن سفر الرجل بأهله للنزهة، وللفرجة في مكان يشاهد فيه المنكر ولا يستطيع إزالته؟ فأجاب رحمه الله بقوله: " ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار؛ إلا لموجب شرعي مثل: أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرهاً، فأما حضوره لمجرد الفرجة، وإحضار امرأته تشاهد ذلك فهذا مما يقدح في عدالته ومروءته إذا أصر عليه "، فلا يجوز -بناء على ما تقدم- أن يسافر الأب والأولاد والأهل إلى هذه البلاد الكافرة التي يشاع فيها المنكر ولا يستطيع المسلم إزالته أو إنكاره، أما المضطر فإنه يجوز له بقدر الحاجة دون إفراط، ولا ينبغي له أخذ الأولاد إلا إذا لم يجد له بداً من ذلك. وعليه قبل أن يقرر سفره المضطر إليه أن يسأل الثقات من علماء بلده عن جواز سفره هذا، وهل له أن يأخذ الأولاد أم لا ؟ فإن حدود الاضطرار والضرورة لا يحددها الرجل لنفسه، بل يحددها الشرع من خلال اجتهاد العلماء الموثوق بدينهم وسيرتهم.

فإذا جاز له السفر هيأ الأولاد لذلك، وعرفهم أنه مضطر للسفر بهم، وأوضح لهم بصورة تقريبية أوضاع تلك البلاد، وأن المنكر فيها شائع ويعطيهم وصفاً لبعض ما يمكن أن يشاهدوه هناك من الانحرافات، وذلك لئلا يصطدموا برؤية تلك الانحرافات الكبيرة فيتأثروا وعليه قبل السفر أن يسأل الهيئات المختصة في بلده عن المساجد، والمراكز الإسلامية في تلك البلاد، ويتصل بهم قبل سفره ليهيئوا له المكان المناسب ويستقبلوه، وهناك يشغل أولاده بنشاطات تلك المراكز الإسلامية، ولقاءات الطلاب المسلمين فيها، مراعياً أن يكون سكنه بجوار إحدى هذه المراكز، وبالقرب من العائلات المسلمة في تلك البلاد وعليه أن يسارع بالعودة إذا انتهت مهمته ولا يطيل البقاء.