الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية العقلية للفتاة @ 6ـ دعم اقتصاديات تعليم الفتاة المسلمة


معلومات
تاريخ الإضافة: 20/8/1427
عدد القراء: 2201
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

"يرتبط التعليم ارتباطاً وثيقاً بالجانب الاقتصادي في المجتمع؛ بل يتحدد هيكل النظام التعليمي وبناؤه ومدى أدائه لوظائفه، وتحقيقه لأهدافه بالموارد والإمكانيات الاقتصادية السائدة في المجتمع، كما يعتمد انتشار التعليم وما يخصص له من ميزانية على الظروف الاقتصادية للمجتمع"، فدول الخليج -مثلاً- لم تتوجه بجدية نحو تعليم الفتاة إلا بعد الوفرة الاقتصادية التي عمَّت المنطقة، فأصبح من المعروف الثابت: "أن علاقة التخلف التعليمي بالتخلف الاقتصادي ... علاقة قوية متينة" وأن تقدم دولة ما مرتبط بمقدار إنفاقها على التعليم، بمعدَّل لا يقل عن (20%) من مجمل ميزانيتها العامة، وأن قياس تحضُّر مجتمع ما مرتبط "بمدى قدرة أبناء هذا المجتمع على تلقي العلوم والمعارف والمهارات المستجدة على كافة الأصعدة"، وحتى على المستوى الأسري للأفراد فقد أثبت العديد من الدراسات أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الوفرة الاقتصادية للأسرة من جهة، وبين ذكاء أبنائها، وسلامة نموهم العقلي، وقدرتهم على الابتكار، وتفوقهم الدراسي، وتوافقهم الاجتماعي من جهة أخرى، مما يجعل للاقتصاد العام والخاص أهمية تربوية بالغة جداً.

ومن هذه القاعدة الثابتة، والعلاقة البيِّنة انطلقت دول العالم - خاصة المتقدمة منها- في دعم التعليم بصورة كبيرة، حتى إن اليابان تنفق على التعليم قريباً من ضعفي ما تٌنفقه على النواحي العسكرية والأمنية، فانعكس هذا الإنفاق السَّخي على تلك الدول بمردود اقتصادي غير مباشر؛ حيث ظهرت لهم علاقة إيجابية جديدة بين حجم التعليم وتحسُّن المستوى الاقتصادي، فأصبحت العلاقة الإيجابية بينهما متبادلة، واستقر في الأذهان من جديد أن دعم التعليم في حد ذاته استثمار اقتصادي بصورة أساسية، فانطلقت الدول المتقدمة بصورة أكثر إيجابية نحو التعليم في حد ذاته دون النظر إلى مقدار استهلاكه، أو مردوده الاقتصادي باعتباره استثماراً في رأس المال البشري، الذي يمثل أثمن رؤوس أموال البلاد، فوصلت هذه الدول بعد تجارب، وخبرات طويلة إلى مفهوم الإسلام -المثالي الواقعي- عن العلاقة بين التعليم والاقتصاد، من أن المعرفة الصحيحة في حد ذاتها خير للفرد والجماعة، وهي مع هذا شرط للنمو والتحضر الإنساني، وتعمير الأرض، فالعلاقة بينهما متبادلة متماسكة بطبعها، لا تحتاج لمزيد ربط مُتكلَّف.

وقد أدرك السلف هذه العلاقة منذ عهد الراشدين رضي الله عنهم فدعموا التعليم بكل قوة على جميع المستويات المادية والمعنوية، وجعلوه مشاعاً بلا مقابل، مع تكافؤ الفرص للجميع دون تمييز اجتماعي أو جنسي ضمن الضوابط الشرعية، وفصلوه عن ميزانيات البلاد، وأنظمتها السياسية حتى لا يتأثر بتقلُّباتها ومستجداتها، ودعموه بالأوقاف، والعطايا السخية، وجعلوا أنظمته الإدارية مستقلة غير مركزية، فجاءت ثمار جهودهم واختياراتهم الاجتهادية مثمرة يانعة.

إن هذه النظرة الإيجابية نحو التعليم كاستثمار إنساني, دون النظر للمردود الاقتصادي المباشر، هي النظرة المناسبة لتعليم الفتاة المسلمة حيث تُقدَّم لها المعرفة في جميع المستويات التعليمية لنفع نفسها كعضو في المجتمع الإنساني المسلم دون حساب ذلك من الاستهلاك الاقتصادي، ودون الالتفات من وراء ذلك إلى النفع المادي المباشر، تماماً كما كان السلف ينظرون إلى تعليمهن، فلا ضرر على الأمة من فائض المتعلمين، ولا خطورة من كثرتهم ذكوراً كانوا أو إناثاً؛ إنما الضرر والخطر في نقصهم، وقلة عددهم, وما ضعف التعليم في بلاد المسلمين في هذا العصر إلى الحدِّ المُخجل المحزن: إلا بعد أن أحكم السَّاسة قبضتهم على أنظمته، وربطوه بالسياسة والاقتصاد, وحرموه من العطايا والأوقاف, واستخدموه كأداة تربوية لتوجيه الأفراد للمصالح القاصرة والخاصة.