الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية العقلية للفتاة @ 3ـ التوسع في تعليم الإناث


معلومات
تاريخ الإضافة: 20/8/1427
عدد القراء: 1971
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

إن تاريخ الأمة العلمي شاهد على التوسع المعرفي الذي لا حدَّ له في تعليم الإناث، ضمن ضوابط الشرع؛ فهذه السيدة عائشة رضي الله عنها تبلغ من العلم والمعرفة ما تفوقت به على كثير من أقرانها من الرجال، وتفردت به عن سائر نساء العالمين، فقد استقلت بالفتوى وهي ابنة ثمانية عشر عاماً، حتى إنها ما تكاد تأخذ علماً عن أحد بعد رسول الله r، فلم يكن تفوُّقها هذا لدنِّياً بغير سعي، فقد كانت شغوفة بالعلم، حريصة عليه، تُلحُّ في طلبه من رسول الله r،حتى قال عنها التابعي الجليل ابن أبي مُليكة: "إن عائشة زوج النبي r كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه".

وعلى هذا النهج القويم المنفتح سارت الأمة في تعليم النساء عموماً، والفتيات خصوصاً إلى أن بلغ بعضهن في العلم مبلغاً عظيماً: فعلا صيت بعضهن، حتى ارتحل إليهن الطلاب، وتكاثروا يأخذون عنهن ما تفرَّدن به من الرواية، حتى قال السخاوي عن إحداهن: "وقد حدَّثت بالكثير، سمع عليها الأئمة، وحملتُ عنها ما يفوق الوصف"، وربما وصل ببعضهن التوسع العلمي إلى أن تُوصف بست الفقهاء، أو مُسندة العصر، أو مسندة الشام، أو مسندة القاهرة، أو ست الوزراء، حتى بلغت بإحداهن المكانة العلمية ما جعل أهل الأرض ينزلون بموتها درجة في رواية صحيح البخاري، وبلغ بإحداهن دقَّة الحفظ، وشدَّة الضبط إلى أن تُعدَّل إحدى نسخ "الموطأ" على حفظها، وربما ناظرت إحداهن بعض علماء عصرها فكاتبتهم وحاورتهم.

إن هذا التفوق العلمي المذهل لبعض نساء السلف لم يكن لينطلق من مبدأ العفوية في التعليم، أو الانتقاء الخاص من السلطة الإدارية؛ بل ينطلق من مبدأ الانفتاح العلمي والمعرفة دون حد أو قيد، ودون استثناء أو تمييز لجنس أو عنصر، حتى يبلغ سماع إحداهن من نحو مائتي شيخ تقريباً.

ومع كل هذا التوجه نحو الانفتاح في التعليم الرسمي لا يُفهم معه أنه طريق الفتاة الوحيد للتحصيل العلمي والتوسع المعرفي، أو أن من سلكته من الفتيات فقد تحقق لها التوسع العلمي المطلوب؛ فإن تدني المستوى العلمي لهذه المؤسسات التعليمية المعاصرة: ظاهر لا يكاد يخفى، واقتصار الفتاة عليه دليل ضعف شخصيتها، فإن التعليم بمعناه الشامل يفوق خبرات المؤسسة التعليمية ليصل إلى كل خبرات الحياة، ومعارفها المتنوعة، ووسائلها العلمية المتجددة، خاصة المتوافرة منها في الكلمة المكتوبة، فهي أسمى وسائل المعرفة على الإطلاق.