الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية الإيمانية للفتاة @ 22ـ الذكورة والأنوثة بقضاء وقدر


معلومات
تاريخ الإضافة: 19/8/1427
عدد القراء: 2265
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

رغم أن الفتيات – في العموم- أكثر إيماناً بالقضاء والقدر من الفتيان، وأقل قلقاً في هذا الجانب، إلا أن مسألة الدور الأنثوي تشكل عند بعضهن مشكلة خاصة لا توجد عند الذكور، فقد اتضح من دراسة أمريكية ميدانية عام 1959م على مجموعة من الفتيات، ومن دراسة أخرى على مجموعة من الفتيات المصريات والسودانيات: أن نسبة كبيرة منهن تصل إلى نحو 78% يشعرن بالدونية بشأن دورهن الأنثوي، ويتمنين أن لو كنَّ ذكوراً، في حين تكاد تنعدم مثل هذه الرغبة عند الذكور من الشباب فقد دلَّ البحث الميداني الغربي أن نسبتها لا تزيد على 1% فقط.

وبلغ البغض للدور الأنثوي عند بعض الفتيات المتزوجات إلى كره الجماع لكونها في وضع سلبي مَفْعُول بها. حتى نسب بعضهم إله "أرتميس" اليوناني –الذي يشير إلى الآلهة العذراء- إلى رغبة الأنثى أن تكون ذكراً، فتسلك سلوكهم، وتأبى دور الأنثى باعتبارها زوجة، حتى بلغ الأمر بإحداهن أن تزعم: أنه ليس للإنسان في أصله طبيعة محددة، ولكن المجتمع بمناهجه هو الذي يُوجد طبيعة الذكر وطبيعة الأنثى.

هذا النفور المقترن بالشعور بالدونية بشأن دور الأنثى في الحياة لا يمكن علاجه إلا من خلال عقيدة القضاء والقدر، فتعلم الفتاة أن الله I قضى: أن تقوم الحياة على هذين الصنفين – كما هي قاعدة الأحياء العامة – لتكون دليلاً على عظمته ووحدانيته؛ إذ جعل منهما وسيلة لاستمرار النوع في آلاف من المخلوقات بصورة مطردة ثم إن "الأنوثة لا تُستوعب إلا مقارنة بالذكورة- أي الوجه المغاير لها- فلا ليل بدون نهار، ولا أبيض بدون أسود… ولا أنوثة بدون ذكورة"، فهما على الحقيقة وجهان لقطعة نقدية واحدة، تتمثل في مسمى "الإنسان"، واختيار الإنسان الذكر، أو الإنسان الأنثى هو اختيار محض لله تعالى وحده، حين يسأل الملك الموكل بالرحم ربه U : "…. أي ربِّ، ذكر أم أنثى…"، وهنا يكون الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره المحتوم، فليس في الوجود أي قوة يمكن أن تتدخل في تحديد هذا المصير، غير إرادة الله تعالى، ومن هنا أيضاً تعلم الفتاة "وتشعر بأن أنوثتها ليست نقصاً في إنسانيتها؛ بل هي ركن في الحياة الإنسانية – تماماً – كرجولة الرجل، فلا تقوم الحياة البشرية الكاملة بأحدهما دون الآخر، ونتيجة ذلك أن تحرص الفتاة على أن تكون أنوثتها كاملة، لأن كمال أنوثتها هو الذي يجعلها امرأة كاملة فاضلة".

وأمَّا ما يلحق بالأنوثة من نقص في الواقع الاجتماعي، وتبعيَّة للذكور في كثير من شؤون الحياة وما يعانيه بعض النساء من هذا الشعور، فهذا أيضاً بقضاء وقدر، يقول ابن العربي ~ٍٍِِ : "فإن قيل: كيف نسب النقص إليهن وليس من فعلهن؟ قلنا: هذا من عدل الله يحطُّ ما شاء، ويرفع ما شاء، ويقضي ما أراد .. وهذا لأنه خلق المخلوقات منازل، ورتَّبَها مراتب، فبيَّن ذلك لنا، فعلمنا وآمنا وسلمنا"، ولهذا كثيراً ما يذكر العلماء – من باب القضاء والقدر – تفضيل جنس الذكور في الجملة على جنس الإناث.

وكذلك في جانب اختصاص الأنثى البشرية بالحيض، وما تعانيه الفتيات من آثاره نفسياً، وجسمياً، فقد يظهر من بعضهن النفور من الدور الأنثوي بسبب الحيض، وقد صدر شيء من هذا التذمر عن السيدة عائشة رضي الله عنها وهي فتاة في السابعة عشرة تقريباً لما دخل عليها رسول الله r بسَرِف، وقد حاضت: فدخلها من الحزن والكآبة والانكسار ما عبَّرت به عن تذمرها برفض الدور الأنثوي، وبغضه فقالت لما سألها عليه الصلاة والسلام:( أنُفِست؟) فقلت: نعم يا رسول الله، ولا أحسب النساء خلقن إلا للشر، فقال r رادًّا قضية الحيض إلى مبدأ القضاء والقدر:(لا، ولكنه شيء ابتلي به نساء بني آدم), فالحيض: قضاء الله وقدره على النساء، "ألزمهن إياه، فهنَّ متعبدات بالصبر عليه".

إن الأساس الذي تُربَّى عليه الفتاة المسلمة هو التسليم القلبي لقضاء الله تعالى وقدره أياً كان: في أصل الخلقة، أو في أحداث الحياة حلوها ومرِّها، والحرص على تجنب إثارة موضوعات القدر، ومناقشتها بعيداً عن الوحي الرباني، مع السعي لاتخاذها هذا الركن دافعاً نحو العمل والجد، والخدمة في طاعة الله تعالى، ومواجهة الحياة بقوة أكبر، وعزيمة أعظم.

وأما ما يجب على المجتمع تجاه الإناث في هذا المقام فهو تجنُّب الحيف الاجتماعي ضدهن، فإن غالب مجتمعات العالم، بما فيها الدول المتقدمة تمارس نوعاً ما من الحيف الاجتماعي ضد الإناث في التعليم، والرعاية، وكثيراً من وجوه التفضيل، التي تعمل – في مجملها- على الحطِّ من مكانة الأنثى، والنيل من كرامتها، حتى اقترن وصف الأنثى في كثير من المجتمعات بالانحطاط والدونية، وبلغ الحال أن يتفق كثير من الناس – ذكوراً وإناثاً- على الاعتقاد بأن المرأة إنما خلقت من أجل خدمة الرجل، فقد وافق (90%) من العينة المختارة للدراسة من طلاب وطالبات جامعة بغداد على عبارة: "خلق الله المرأة لتخفف من قسوة الحياة على الرجل"، ولا شك أن مثل هذا التصور يتعارض تماماً مع الوجهة التربوية الإسلامية التي تحدد الغاية من إيجاد الذكر والأنثى وهي عبادة الله تعالى، كما جاء ذلك مصرحاً به في القرآن الكريم: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].