الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية الاقتصادية للفتاة @ 12ـ ضرورة تربية الفتاة على القناعة الاقتصادية


معلومات
تاريخ الإضافة: 24/8/1427
عدد القراء: 2112
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

إذا تربَّت الفتاة على أن تكون منتجة نافعة، ومنضبطة في إنفاقها المالي، مهتمة بالادخار: فإن هذا لا يعني بالضرورة أن تكون في سعة اقتصادية، فإن قضاء الله غالب، وقدره نافذ، بل قد تكون الفتاة مُخفقة في إنتاجها، ومبذرة في إنفاقها ومع ذلك فقد تبقى في بحبوحة من العيش، فليس للفتاة المسلمة المنتجة المنضبطة سوى الرضا والقناعة بمكانتها الاقتصادية، دون الالتفات إلى الوسط الاجتماعي الذي غالباً ما يقدر الناس على حسب منازلهم من الثروات المالية؛ فإن هذا يَلْزَمُ منه العنت، وقلِّة الشكر، والشكوى الدائمة، والتذمر من حالها، وربما اندفعت إلى الحسد والغيرة من قريناتها، أو انساقت تحت وطأة بهرج الحياة الدنيا وزينتها نحو الفواحش فتبيع جسدها، أو تمدُّ يدها لما لا يحلُّ لها من أموال الناس، رغبة في مزيد من الإشباع، وأقل ما يمكن أن تعمله الفتاة غير الراضية عن وضعها الاقتصادي أن تعكِّر على أفراد أسرتها صفو حياتهم بتكرار نقدها، وإظهار سخطها، وكثرة تذمُّرها؛ ولهذا يحثُّ الرسول r على الزهد، والرضا بالكفاف، والقناعة بذلك فيقول:(طوبى لمن هُديَ إلى الإسلام، وكان عيشُهُ كفافاً، وقنَّعَهُ الله به).

ولقد انصبغت الحياة الحضارية المعاصرة بالصبغة المادية الصرفة، وأصبح إنسان اليوم - في كثير من الأحيان- إنساناً برجماتياً مادياً، لا يعرف من السلوك إلا ما يحقق مصلحته المادية، فقد فرِّغت أفعاله من أي قيمة دينية أو خلقية، وإنما همُّه ما يترتب على سلوكه من أرباح مادية، وصدق الرسول r حين يقول:(ألا إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مُهلكاكُم).

إن من الضروري أن تتربى الفتاة على الزهد والقناعة الاقتصادية فترضى بالقليل، وتكف نفسها عما لا يحل لها، حتى يدخلها الحرج من مجرَّد مسِّ الثوب الذي لا تملك، ويصبح معيار الامتياز الاجتماعي في حسِّها للجهد والعمل وليس لحجم الملكيات والثروات؛ فإن المال -كما هو المفروض- لا يعطي الإنسان مكانته الاجتماعية؛ فإن المكانة للعلم والأخلاق والتقوى، مع قناعتها التامة بأن رزقها المقدَّر في وقته وحجمه لن يفوتها مهما كانت قسوة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية، فلا يعطِّل ذلك استمرار عطائها الأسري، واستثمار جهدها الاقتصادي داخل نطاق العائلة حتى وإن لم يتحقق للأسرة درجة الغنى؛ فإن من الصعوبة بمكان -في ظروف الحياة الاقتصادية المعاصرة- أن يتحقق الغنى لكل أسرة في المجتمع، فما زال هناك فقراء في كل بلاد الدنيا حتى الغنية منها والمتقدمة.

ولعل مما يُعين الفتاة على ذلك علْمها بأن القناعة بالمكانة الاقتصادية ضرورة تربوية لكل أحد غنياً كان أو فقيراً؛ فإن النفس الإنسانية إذا لم تتهذب بآداب الشرع، ولم تترق في درجات الكمال: لا يشبعها شيء من ثروات الدنيا مهما كان عظيماً؛ لأن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، وقد جاء في التوراة: "من قنع شبع"، وما زال الناس بالفطرة يسعون منذ القدم في تلبية حاجاتهم الاقتصادية المختلفة، وإنما الاختلاف بينهم يقع في درجة الإشباع وأسلوبه، وليس في حجم الوفرة الاقتصادية، مما يجعل المشكلة تنحصر في الإنسان ذاته الذي يحتاج دائماً إلى تهذيب وتربية ليرقى إلى درجات القناعة الاقتصادية، فعلى الرغم من أن قلَّة الموارد الاقتصادية تزعج الإنسان، وتثير لديه المشكلات: إلا أن حدَّتها تقل وتضعف بحسب قوة صلته بالله تعالى، وقد أشار كثير من علماء النفس المعاصرين إلى أن السعادة التي يتطلع إليها الفرد إنما تنبع من ذاته، وليست تتأتى من كثرة الأشياء والممتلكات، كما أشارت العديد من الدراسات الحديثة إلى وجود علاقة بين الترف الحضاري وبين التوتر النفسي؛ ولهذا يُلحظ في حال السلف y الاستقرار النفسي في حال الشدة والرخاء على حد سواء، حتى إن أحدهم قد يتلذذ بالفقر كما يتلذذ الناس اليوم بالغنى.

ومما ينبغي أن تعرفه الفتاة أيضاً: أن الوفرة الاقتصادية لا تأتي بالخير بصورة  دائمة فقد يكون فيها كثير من الشر على الأسرة والمجتمع، وأقل ما تسببه الوفرة المالية - رغم ما تحمله من الخير- أن تعرض الشخص للحرام حين يتوسع في المباحات، فإن "من استوعب الحلال: تاقت نفسه إلى الحرام"؛ لذا فإن المترفين في "العادة أكثر الناس استغراقاً في المتاع، وأقربهم إلى الانحراف، وأبعدهم عن التفكير في المصير؛ لأن كثرة المال تدعو إلى السيادة في الدنيا، والخلود إلى المتعة والراحة، وتهوِّن على النفس عمل الفسق، فترتع فيه، وتستهتر بالقيم فلا تبالي بها، وتتعاظم بمالها، على حقوق الآخرين، حتى إن الإنسان قد يكون في أصل الأمر صالحاً في نفسه إلا أن كثرة المال والجاه تعميه عن الحقيقة"؛ ولهذا خشيَ أبو الدرداء t على ابنته من فتنة الدنيا حين أعرض عن تزويجها من الأمير يزيد بن معاوية، وزوجها من رجل صالح فقير، ثم قال معللاً فعله هذا: "إني نظرت للدرداء، ما ظنكم بالدرداء إذا قامت على رأسها الخصيان، ونظرت في بيوت يلتمع فيها بصرها، أين دينها منها يومئذ؟".