الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية الاجتماعية للفتاة @ 1ـ رحمة الإسلام بالنساء


معلومات
تاريخ الإضافة: 20/8/1427
عدد القراء: 2443
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

إن الله تعالى بعث محمداً r على حين فترة من الرسل عمَّ فيها الجهل، وكثر فيها الظلم، حتى ضاعت معالم الحق، وظهرت رايات الباطل، فكانت بعثته فتحاً للبلاد والأمصار، ونوراً للقلوب والأبصار، ظهر بها الحق، واندحر بها الباطل، فاهتدى الحائرون، وخنس المبطلون، عمَّ بها الخير، وازدهرت بها الدنيا، وقام بها العدل، حتى أخذ الضعيف حقه بعد الغصب، ونالت المرأة نصيبها بعد الاضطهاد، واستمتعت البنت بالحياة بعد الوأد.

ولما كانت  سُنة الله تعالى في خلقه جارية، وإرادته نافذة: دبَّ في الأمة المسلمة داء الأمم من قبلها حين طال عليها الأمد، فإذا بالغفلة تستحكم فيها بعد اليقظة، وإذا بالعجز ينتابها بعد العزيمة، وإذا بحب الدنيا يمتلك القلوب، ويحكم السلوك، فأخذت الأمة تتردَّى في دركات من الانحطاط العام، ويختل توازنها في الأزمات، وتنهزم أمام الأعداء، في مواقف متتابعة، وصور متلاحقة من الإخفاقات والهزائم الحضارية على جميع الأصعدة الواقعية: الفكرية، والنفسية، والمادية. فذاقت الأمة بمجموعها - شعوباً وأفراداً - ويلات التمزق، وقسوة الأعداء، وجور السلطان، وعادت على بدء تحاكي أيام الجاهلية الأولى، ومسالكها الجائرة، ومواقفها الظالمة، فكثر الخبث في بلاد المسلمين، وعمَّ الفساد فيها، وكثرت المظالم على جميع المستويات.

ولما كانت طبيعة المجتمعات الإنسانية حين تتردَّى فيها المعاني الإيمانية، وتختل فيها القيم الأخلاقية: تنحط أول ما تنحط بثقلها على فئات المجتمع الضعيفة، التي تضعف مقاومتها للظلم، وتعجز أمام قوى الطغيان، ولهذا يعاني غالب المساكين والفقراء والنساء والأطفال أكثر من غيرهم في مجتمعات الظلم والاستبداد، فلا يجدون من فئات المجتمع المتسلطة، وأفراده المتنفذين من يدفع عنهم الظلم، أو يرد إليهم الحق.

والناظر في غالب المجتمعات المعاصرة يجد هذه الفئات المستضعفة تعاني ضغط المجتمع، واستبداد الأنظمة في صور من السحق والاستغلال والإجحاف بحقوق الضعفاء. ففي المجتمعات الفقيرة يعاني المستضعفون ضيق العيش، وكثرة الأمراض، والجهل. وفي المجتمعات المتقدمة يعاني المستضعفون استغلال الشركات الكبرى، والإضلال العقائدي، والمسخ الإنساني.

وهذه الانحرافات الاجتماعية تقع بثقلها أشد ما تكون على المرأة؛ حين تعيش في المجتمعات المتخلفة جاهلة فقيرة ذليلة، لا تملك ما تدفع به عن نفسها وولدها كرب الحاجة، وذلَّ المسألة. أو تعيش في مجتمعات متقدمة متطورة تستغل شبابها، وباكورة عمرها: راقصة في ملهى، أو خلفية لدعاية، أو بائعة للزبائن، أو لعبة في يد فاجر غرور. فلا تملك هذه الأخرى- كأختها في المجتمعات الفقيرة - ما تدفع به عن نفسها هذا الحيف الاجتماعي، والاستغلال الجسدي الذي حصرها في سجن جسدها ما دام يصلح للاستمتاع، أو يكدُّ في العمل. فإذا خارت قواها البدنية، وانطفأت مفاتن جمالها الجسدية: فدور الرعاية الاجتماعية مصيرها حتى الموت.

إن هذه الصور الواقعية المقيتة لغالب أحوال النساء في مجتمعات اليوم لا يرضاها الإسلام لأشد الناس كفراً وضلالاً، فضلاً عن أن يرضاها للفتاة المسلمة. إن الإنسان في التصور الإسلامي كائن مكرم، حتى وإن لم يكن مسلماً، وإنما يتردَّى أسفل سافلين حين يدسُّ نفسه، ويقبع بها في حمئة الكفر والضلال، وينساق - برغبة أو رهبة - مع الظلمة والطغاة نحو عطبه وهلاكه.

ولئن كان ظلم المرأة - في صوره المختلفة - في بلاد الكفر أمراً لا يستغرب في ظل الأنظمة الوضعية الضالة، والشركات التجارية المتنافسة، والأحزاب السياسية المتصارعة: فإن ظلمها في بلاد المسلمين - في أي صورة من الصور - لا يستساغُ أبدًا في أي ظرف من الظروف، وتحت أيِّ مسوِّغ من المسوغات. فأيُّ قانون هذا - في بلاد يزعم أهلها أنهم مسلمون - يبيح استغلال الفتيات في أي صورة من صور الاستغلال سواء كان هذا الاستغلال لجهودهن البدنية، أو لمفاتنهن الجسمية، فضلاً عن أن يكون هذا الاستغلال قائماً بدعم سياسي، ومن ثم توجه اجتماعي، ثم يتبعه بعد ذلك خطة تعليمية تربوية تسوغ للأمة- بالأساليب التربوية المتدرجة - التوسع غير المنضبط في اختيار مصادر اشتقاق أهداف تربية الفتيات المسلمات بعيداً عن توجيهات نظام الإسلام التربوي.

إن أيَّ هدف من الأهداف المنشودة في تربية الفتاة المسلمة، مهما كان صغيراً أو محدوداً، وفي أيّ منشط من مناشط العملية التربوية الموجهة إليها، وفي أيّ مرحلة من مراحلها التعليمية: لا يصب في نهاية الأمر في تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى: هو هدف باطل مرفوض في التصور الإسلامي، حتى وإن دعمته الخطة التربوية، أو المصلحة الوطنية، أو الواقع العالمي.

إن الشريعة الإسلامية الخاتمة جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها ودفع المفاسد وتقليلها، فكل ما جاءت به الشريعة فهو عين المصلحة في الدنيا والآخرة، سواء كان ذلك في المأمورات أو المنهيات، أو المستحبات أو المكروهات، أو ما سكتت عنه، كل ذلك ما دام أنه منسوب نسبة صحيحة للشريعة فهو عين المصلحة. فكيف يتوهم مسلم لنفسه - فضلاً عن مجموع الأمة - مصلحة فيما يخالف جزئية محكمة من جزئيات الشريعة، فضلاً عن أن يتوهم المفسدة في جملة ما جاءت به الشريعة، فإن هذا المعتقد لا يمكن أن تنطوي عليه نفس مسلمة، تدرك حقيقة هذا الدين، وتعرف حدوده ومعالمه.

ومن هنا كان لابد من نهضة تربوية إسلامية صادقة تستلهم الماضي المجيد، وتستوعب الحاضر بما فيه، وتستشرف المستقبل، تجمع في مسيرها بين الأصالة والمعاصرة، فلا يستهويها كل جديد، ولا يقيدها كل قديم، وإنما رائدها الحق في كل ذلك، والمصلحة الشرعية المعتبرة، التي لها نصيب وافر من النظر الصحيح.