الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية الأخلاقية للطفل @ 26ـ الأضرار النفسية والخلقية للغناء الفاحش والموسيقى


معلومات
تاريخ الإضافة: 18/8/1427
عدد القراء: 2501
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

26 - الأضرار النفسية والخلقية للغناء الفاحش والموسيقى

لا شك أن لكل عمل يقوم به الإنسان أثراً في نفسه وقلبه، فإن كان العمل صالحاً كان الأثر صالحاً، وإن كان سيئاً فكذلك أثره، يقول الغزالي رحمه الله: "كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة، وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قدر يرتفع منه أثره إلى القلب"، ويؤكد هذا المعنى العلامة ابن القيم رحمه الله في بيان أثر المعاصي والمخالفات على النفس، فيقول: "إن الذنوب والمعاصي، تضر، ولا بد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟".

وبناء على ذلك فإن الغناء بما يشتمل عليه اليوم من نشر للرذيلة، وتحريض على الفاحشة، وتميع وتحلل، إلى جانب مصاحبته للموسيقى الصاخبة، والنساء المتبرجات، فإنه بذلك يكون من المعاصي والذنوب التي تضر القلب، وتمرضه، وتسوقه إلى النفاق، يقول ابن مسعود t: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع"، ويقول ابن تيمية رحمه الله مبيناً خطر المعازف، وكيف أنها تسوق صاحبها إلى الكبائر والجرائم العظام: "المعازف هي خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس، فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك ومالوا إلى الفواحش وإلى الظلم، فيشركون ويقتلون النفس التي حرم الله ويزنون … أما الفواحش فالغناء رقية الزنا، وهو من أعظم الأسباب لوقوع الفواحش، ويكون الرجل والصبي والمرأة في غاية العفة والحرية حتى يحضره، فتنحل نفسه وتسهل عليه الفاحشة ويميل لها فاعلاً أو مفعولاً به أو كلاهما كما يحصل بين شاربي الخمر وأكثر".

وهذا كلام صريح وخطير من شيخ الإسلام رحمه الله إذ يبين الضرر النفسي العميق الذي يمكن أن تحدثه المعازف وما يصاحبها من غناء قبيح فاحش منحل، إذ أن العفيف من الناس - كبيراً كان أو صغيراً - تنحل أخلاقه الكريمة، وتذهب عفته بحضور وارتياد أماكن اللهو والمجون التي يسمع فيها الغناء الفاحش.

وقد تنبه ابن القيم رحمه الله إلى هذه القضية التي انتشرت في عصره الذي يعتبر بلا شك أفضل وأقرب إلى الخير من عصرنا، فيحذر الأب من إيراد ولده على مجالس اللهو، فيقول: "يجب أن يتجنب الصبي إذا عقل: مجالس اللهو والباطل، والغناء وسماع الفحش والبدع ومنطق السوء، فإنه إذا علق بسمعه عسر عليه مفارقته في الكبر، وعز على وليه استنقاذه منه".وهذا من الحق فإن الوقاية من شرور هذه المنكرات أفضل بكثير من معالجة الصبي بعد تعلقه وشغفه بها.

وقد أدرك السلف الصالح رضوان الله عليهم خطورة هذه القضية، فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله يكتب لمؤدب ولده قائلاً: "ليكن أول ما يعتقدون في أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن جل جلاله، فإنه قد بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء النبتة".

هذا الإحساس المرهف من عمر بن عبد العزيز رحمه الله لا بد أن يقع مثله في نفس الأب شفقة ورحمة بالأولاد، وحماية لهم من الضلال والزيغ.

ويظهر من الإحصاءات المتقدمة تعلق كثير من شباب المسلمين بالغناء والموسيقى؛ لإهمال أولياء أمورهم، وجهلهم بخطورة هذا الداء الذي يعلق بالقلوب والأفئدة فيفسدها ويهلكها. وبناء على ذلك يمكن تصور طبيعة تلك النفوس التي عمرت بالموسيقى والغناء، وأصبح شغلها الشاغل طوال اليوم لا يكاد أحدهم يغفل عنه ساعة.

والغناء والموسيقى من أعظم وسائل الشيطان التي يستخدمها في إضلال أوليائه، وإذلالهم، والاستخفاف بهم، يقول الله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء:64]. أي استذلهم واستخفهم بصوتك وهو الغناء واللهو والمزامير، فهو وسيلته للضلال، ونشر الباطل، والتعمية عن الصراط المستقيم.

وقد أورد ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان" اثني عشر اسماً مذموماً للغناء استنبطها من القرآن والسنة، وتكلم عليها بكلام حسن يجدر بالأب مراجعته للوقوف على مزيد من البيان والإيضاح في هذه المسألة.

ويحذر الأب من التهاون في هذه القضية فيوقع ولده في حبائل الشيطان، بل يسعى من أول الأمر، ومع نعومة أظفار الولد بحفظ أذنه من هذا الباطل، وعدم أخذه لأي مكان يسمع فيه؛ لئلا يعتاده فيسهل عليه استماعه إذا كبر، وعليه أن يجنبه كل ما له علاقة بالغناء الفاحش وأهمه الشعر الفاحش المتضمن للعشق والغزل، فقد حذر العلماء من ذلك، يقول ابن الجوزي رحمه الله ناصحاً الأب: "وليجنبه أشعار الغزل لأنها بذر الفساد". ويقول ابن الحاج رحمه الله: "ويمنع من سماع الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله … فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان الفساد".

ولا بد للأب أن يعرض عن الاستماع للغناء والموسيقى بالكلية ليكون مطيعاً لله، وقدوة صالحة لولده، وأن يحفظ بيته منها، ويظهر عدم الرضا والسخط عند سماعها في مكان ما، وذلك ليقع في نفس الولد بغضها والإعراض عنها.

ولا بأس في بعض الأحيان إذا سمع الأب صوت غناء وآلات اللهو: أن يضع أصبعيه في أذنيه، اقتداء بالرسول r عندما سمع مزماراً فوضع أصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق، فهذا السلوك يؤكد للولد قبح هذه الأصوات وشناعتها، وضررها على السامعين، كما أن الأب يكون بذلك قدوة حسنة لولده في هذا الجانب.