الصفحة الرئيسة @ المقالات التربوية @ التربية الاجتماعية للطفل @ 1ـ تربية الطفل على احترام العلماء ومحبتهم


معلومات
تاريخ الإضافة: 18/8/1427
عدد القراء: 2129
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

العلماء هم ورثة الأنبياء ومشاعل النور للناس، وسادتهم، من اتبعهم على هدى كان من الناجين، ومن خالفهم على عناد وكبر كان من الضالين الهالكين.

وقد جاء عن الله I في كتابه الكريم مدحهم ورفع منزلتهم حيث قال I: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]، وقال I مفرقاً بينهم وبين غيرهم من الجهلاء: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر:9]، ووصفهم I بالخشية فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر:28].

فالعلماء هم أولياء الله وأحباؤه، وأعلم الناس به، وهم أهل خشيته، ولا بد أن يكونوا كذلك. فإن من زاد علمه بالله، وعرف عظمته وقدره، وقعت في نفسه الخشية منه، والمهابة لجلال قدره وعظيم شأنه. ويقول الرسول r في بيان فضل العلماء على غيرهم، وكيف أن الله اختارهم وفضّلهم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" فهم موقع رحمة الله وفضله ومنته، ويقول ابن رجب رحمه الله مبيناً منزلتهم وقدرهم: "إن لم يكن العلماء والفقهاء أولياء الله فليس لله ولي".

ومن هذا البيان يتضح فضل العلماء ومنزلتهم عند الله فإذا كانوا هم أولياء الله وخاصته وأحبابه، فإن حبهم وموالاتهم واجبة، كما أن مخالفتهم، والوقوع في أعراضهم، وعدم الاكتراث بهم، حرام لا يجوز في حق غيرهم من العامة فكيف بهم؟ لهذا يقول عليه الصلاة والسلام آمراً المسلمين بتعظيم حق العالم وتوقيره ومعرفة منزلته: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا" أي يعرف قدر وفضل العالم، ففي العلماء  اجتمعت خصلتان من الحديث: العلم وكبر السن، ففي العادة يكون العلماء من كبار السن.

وفي الأمر بطاعتهم واتباعهم يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59]، وأولوا الأمر هم الفقهاء والعلماء كما قال الضحاك رحمه الله، فطاعتهم في حدود طاعة الله وما أمر به I: واجبة ولازمة قال سهل بن عبد الله رحمه الله: "لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم".

ولما كان الأمر كذلك فإن طاعتهم واتباعهم لا تتم إلا بكمال محبتهم وموالاتهم؛ لهذا فإن مسؤولية الأب في إيجاد هذا الحب والتوقير للعلماء في نفوس الأولاد أمر في غاية الأهمية. وتكون بداية الوالد في إيجاد هذا الحب عند أولاده: بذكر فضائل العلماء عند الله، ومحاسن أفعالهم، حتى يقع في نفوس الأولاد حبهم، ويذكِّرهم الأب بأسمائهم ليحفظوها، ويتعرفوا عليهم.

وتعد صلاة الجمعة من أفضل المناسبات المتكررة التي يلتقي فيها العلماء مع عامة الناس ليعظوهم ويصلوا بهم، وهي فرصة جيدة للأب ليعرف ولده على الخطباء من علماء المسلمين، فيقول له: "يا بني هذا الخطيب هو العالم الفلاني الذي أخبرتك عنه" فإذا انتهت الصلاة أخذ ولده وتقدم إلى المحراب وسلم على الشيخ مقبلاً رأسه توقيراً له، ويأمر ولده بذلك أيضاً، ولو أمره بتقبيل يده فلا بأس فقد ورد ذلك عن السلف. فعن عبد الرحمن بن رزين عن سلمة بن الأكوع قال: "بايعت النبي r بيدي هذه فقبلناها فلم ينكر ذلك" وقد نقل أن ابن عمر قبل يد النبي r وأن بعض اليهود قبلوا يده ورجليه ولكن لا يجعل الأب من تقبيل الأيدي عادة عند الولد، فتندثر شخصيته وتضمحل؛ بل يكون تقبيله لأبيه أو أمه أو العالم في الرأس أو اليد من باب التكريم وتعريف الناس بقدرهم ومنزلتهم، خاصة في زمن قل فيه توقير العلماء وتبجيلهم.

ويوقع الأب في نفس الولد المهابة للعالم، فهذا منهج السلف في توقير العلماء والفضلاء، فقد روى أن ابن عباس رضي الله عنهما هاب أن يسأل عمر بن الخطاب t عن مسألة حتى مر عليه عام، ثم سأله عندما حانت فرصة مناسبة لذلك.

ويعمل الأب جاهداً على إحضار ولده لدروس العلماء ومواعظهم في المساجد، أو الأندية الثقافية، ويحاول أن يربطه بهم في هذه الدروس، فيتعود على حضورها ولا يمل من الجلوس.وإذا بدا للولد سؤال وجهه الوالد لأن يسأل العلماء، فإن كان في المسجد أمره بأن يسأل الخطيب، وإن كان في البيت أمره أن يتصل بأحد العلماء بالهاتف، ولا بأس أن يعوده المراسلة في ذلك، فملازمة العلماء في مجالسهم ومزاحمتهم هي نصيحة لقمان لابنه حيث قال له: " يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بالحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر ".

وتعتبر اللقاءات بين العلماء وعامة الناس مهمة جداً، وذلك ليعيش العلماء مشاكل الناس، ويتعرفوا عليها عن كثب ويصفوا لها الحلول المناسبة كما أن العامة يستفيدون من خلال لقائهم بالعلماء علوماً جديدة، إلى جانب أنهم يشاهدون قدواتهم من فضلاء الأمة الذين يعيشون بالإسلام منهجاً وسلوكاً واقعياً، فيوقنون أن هذا الدين صالح لكل مكان وزمان، خاصة وأن بعض الناس يظنون صعوبة، أو استحالة العيش بالإسلام في جميع شؤون الحياة، وأن هذا الدين قد انتهى، ولم يعد له دور في الحياة.

لهذا ينظم الأب مع أولاده زيارات لبعض العلماء في البلد، فيشعر العالم أو الشيخ بهذه الزيارة ويحدد معه موعدها، ويفضل أن تكون في بيت الشيخ، أو في بيت الأب، وذلك لتحصل الفرصة للأولاد ليتحدثوا مع عالمهم، ويتصلوا به مباشرة، فيسألوه ما بدا لهم، وهو بدوره يرشدهم ويعلمهم ما يناسبهم من العلوم السهلة الموافقة لسنهم.

فإن قرر الوالد ورغب الولد في ملازمة عالم من علماء البلد يدرس على يديه كتاباً، أو تفسيراً للقرآن، أو غير ذلك من العلوم في وقت الفراغ، فإن الوالد يستأذن  الشيخ أولاً فإن وافق شجع ولده على ذلك، وأدبه وعلمه أصول مصاحبة ومرافقة العلماء فقد جمع الغزالي رحمه الله شيئاً من ذلك فقال: "يبدؤه بالسلام، ويُقِلُّ بين يديه الكلام، ويقوم له إذا قام ولا يقول له:  قال فلان خلاف ما قلت، ولا يسأل جليسه في مجلسه، ولا يبتسم عند مخاطبته، ولا يشير عليه بخلاف رأيه، ولا يأخذ بثوبه إذا قام، ولا يستفهمه عن مسألة في طريقه حتى يبلغ إلى منزله، ولا يكثر عليه عند ملله".

فهذه آداب جيدة لو التزمها الولد مع شيخه فإنه سوف يحبه ويتعلم الولد منه الكثير.