أزمة الاحتكاك بين الجنسين في المسجد الحرام

مقال شهر ربيع الثاني 1432هـ

أزمة الاحتكاك بين الجنسين في المسجد الحرام 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،,,

            أما بعد ، فقد جرت سنة الله تعالى في الناس على نظام التزاوج بين الجنسين : الذكر والأنثى ، لينتج عنهما النسل ، فيخلف بعضهم بعضاً ، ومن ثمَّ يتحقق مراد الله تعالى القاضي بجعل الإنسان خليفة في الأرض .

              ولما كان التزاوج بين الجنسين ضرورة لاقتناص الولد ، وحتماً لابد منه لبقاء النسل : ربطه الخالق الحكيم بدافع الشهوة المستلذة ؛ فقذفها في القلوب ، وركبها في النفوس ، حتى تمكنت في الخلق ، وأسرت الجنسين لها ، فانقاد لها الناس مندفعين بفطرتهم ، مستجيبين لداعي الشهوة ، حتى تلونت الحياة بالطابع الجنسي ، فانشغل الجنسان ببعضهم البعض ، يلبون نداء الفطرة ، الذي يلح عليهما لإشباعه ، ويصر عليهما لإرضائه ، ولو لا سلطان الشرع الحنيف ، وقوة خُلق الحياء الفطري : لأتى الجنسان من قبائح المسالك ، ورديء الأخلاق ، ما يحطهما دون مرتبة الحيوان ، وواقع المجتمعات المنفلتة من ضوابط الشرع والخُلق ، المتنكرة للفطرة السوية : خير شاهد على هذا المعنى . 

             وبناء على هذه الطبيعة الفطرية جاءت الشريعة الإسلامية المباركة بالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء ؛ لسد باب الإثارة الجنسية غير المرغوب فيها ، وحصرها في نطاق الزوجين وملك اليمين ؛ بحيث يبقى الدافع الجنسي ضمن حدوده المشروعة ، يؤدي دوره الحيوي في بقاء النوع ، واستمرار النسل ، بعيداً عن الفوضى والصخب والإزعاج ، الذي تسببه الإثارة الجنسية خارج دائرة المشروع .

            لذا تواترت الكثير من النصوص الشرعية ، وتضافرت العديد من المذاهب الفقهية على لفت النساء عموماً ، والشابات خصوصاً  إلى بيوتهن ، مرغبة لهن بالمكوث فيها ، مفضلة لها حتى على المساجد ؛ وذلك للمعنى المتقدم من جهة ، وللدور الأسري التربوي المناط بهن من جهة أخرى ؛ فأداء الصلاة المفروضة للمرأة في بيتها أفضل من أدائها خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مسجده ، في الوقت الذي لم يعذر الشرع الرجل الصحيح القادر في ترك الجماعة ؛ فقد ورد في حق المتهاونين بها الوعيد الشديد ، فكيف - والحالة هذه - يتساوى الجنسان في حق المسجد : زماناً ومكاناً ؛ بحيث يُفرض للنساء من طول الزمان ، وسعة المكان ما يُفرض مثله للرجال ، فهذا لا شك من الغبن في حق المكلفين بالجماعة ،  ولهذا كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ؛ ليفسح للرجال أداء الفرض .

              وهذا المفهوم الشرعي لا يتعارض مع التوجيه النبوي بالإذن للنساء في المسجد ؛ إذ هو إذن مشروط بالضوابط الشرعية العامة الواردة في حقهن ، والتي تضبط أحكام خروجهن لحاجاتهن عموماً ، وإلى المسجد خصوصاً ، فالنصوص الشرعية تتوافق ولا تتعارض ؛ ولهذا لما منع كثير من مجتهدي المذاهب الفقهية النساء من شهود الصلوات في المساجد لم يكونوا معاندين في ذلك للإذن النبوي – حاشاهم – وإنما معتمدين على النصوص الشرعية الواردة في حقهن بهذا الخصوص ، وعلى واقع ما أحدثنه من التفريط في طريقة خروجهن إلى المساجد ، وهذا ما صرحت به السيدة عائشة – رضي الله عنها – من عموم فهمها للشرع ، وبناء على تبدل أحوال بعض نساء عصرها ، حيث تقول : ( لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل ) .

             وأهل العلم والغيرة في هذا الزمان يعلمون أن ما أحدثه غالب النساء في هذا العصر من الخروق السلوكية كاف لمنعهن المساجد ، لاسيما إذا اجتمع إليه اختلاطهن بالرجال ، والصف بينهم ، وتخطي رقابهم ، والاحتكاك الجسدي الذي قد يصل أحياناً حد التمازج بين الجنسين ، كما هو حاصل في المسجد الحرام في فترات المواسم ، كل ذلك في سبيل مشاركة النساء في صلاة الجماعة ، أو التنفل بالطواف ، أو الرغبة في تقبيل الحجر ، ونحوها من العبادات التي لا تزيد في حقهن عن درجة الفضيلة كأقصى تقدير ، ومع ذلك قد تهدر في سبيلها ثوابت شرعية لا خلاف فيها . 

            والمتأمل في السنوات الأخيرة في الحرم المكي الشريف ، في فترات الذروة من المواسم : يشعر بخجل شديد أمام فوضى الاختلاط بين الجنسين ، مما لا يُقره فقيه ، وإنما تُخرج مخرج الضرورة ، التي قد يتوسع فيها بعضهم إلى حد الانفلات ، وما زالت الفضائيات تنقل للعالم بالصورة الواضحة هذا الواقع المحرج ؛ فيرى العالم إمام الحرم وهو يأمر المصلين بتعديل صفوفهم قبل شروعه في الصلاة ، فيصف جمع كبير من الرجال والنساء ، جنباً إلى جنب ، وكتفاً إلى كتف أمام عدسات الكاميرات ،  في الوقت الذي ينصّ فيه جمع من الفقهاء على بطلان مثل هذه الصلاة ! 

             ولا يبعد - في مثل هذه الأجواء المختلطة – أن يقع من المحظورات الشرعية ، والمفاسد السلوكية ، والفواحش الخلقية ما الله به عليم ، فما زال الناس يتناقلون فيما بينهم وقائع ومشاهدات وأخبار مخجلة ، عما يقع أحياناً في المسجد الحرام ، رغم الجهود الأمنية المبذولة للحد من مثل هذه الحوادث الخلقية والسلوكية .

             إن الدافع الفطري بين الجنسين شيء غالب ، فقد ينهزم السوي أمامه ، فضلاً عمن دونه من الانتهازيين ، ولعل في هاتين الروايتين من عصر النبوة الطاهر ما يوضح المعنى المقصود ، ويوضح بجلاء طبيعة العلاقة بين الجنسين :

                          الرواية الأولى : ( أنه اشتكى رجل منهم حتى أضني ، فعاد جلدة على عظم ، فدخلت عليه جارية لبعضهم ، فهش لها ، فوقع عليها فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه  أخبرهم بذلك ، وقال : استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني قد وقعت على جارية دخلت علي ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به ، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ، ما هو إلا جلد على عظم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة ) سنن أبي داود .

                        الرواية الثانية : ( أن امرأة خرجت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد الصلاة ، فتلقاها رجل فتجللها فقضى حاجته منها ، فصاحت فانطلق ، ومر بها رجل فقالت : إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا ، ومرت بعصابة من المهاجرين فقالت : إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا ، فانطلقوا فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها فأتوها فقالت : نعم هو هذا ، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أمر به ليرجم قام صاحبها الذي وقع عليها فقال : يا رسول الله أنا صاحبها ، فقال لها : اذهبي فقد غفر الله لك ، وقال للرجل قولا حسناً ، وقال للرجل الذي وقع عليها : ارجموه ، وقال : لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم ) السلسلة الصحيحة .

                إذا كان هذا النوع من الوقائع السلوكية الخاطئة يمكن أن يحدث في مجتمع المدينة النبوية ، مع قيام الدين ، وانتفاء مظاهر الفتنة الجنسية ، والمباعدة بين الجنسين ، في بيئة غلب عليها الإيمان والتقوى : فكيف بغيرها من المجتمعات ، لا سيما المعاصرة منها ، التي غلبت عليها الأهواء ، وضعف فيها وازع الدين ، وعمت فيها مظاهر الفتنة الجنسية ، بل كيف بملايين الرجال والنساء ، يُحشرون في مكان واحد يضيق بهم ، حتى تلتصق الأجساد بالأجساد ، على مدار أيام ، فما هو حجم المفاسد المتوقعة من اجتماع مثل هذه الحشود منضغطة في مكان واحد ؟ فلو قدر أن أقيمت دراسة ميدانية للكشف عن أنواع المفاسد الخلقية والسلوكية لمثل هذه الجموع المتراكمة لجاءت نتائج الدراسة مذهلة ، بل لو جمعت محاضر الوقائع المسجلة لدى الجهات الأمنية في الحرم المكي عبر سنوات مضت ، ثم صُنفت وحُللت لأعطت مؤشرات غاية في الخطورة .

         والمحلل لهذه الأزمة يجد أن أسبابها متشعبة الجوانب ، إلا أنه ويمكن الإشارة إلى أهم هذه أسباب ، والتي يمكن حصرها في سببين رئيسين :

                           السبب الأول : إخفاق الجهات المختصة والمعنية بإدارة وتطوير واقتراح وتنفيذ مشاريع المسجد الحرام ؛ فرغم كل الجهود المبذولة والمشكورة التي لا ينكرها أحد ، إلا أن خطط مشروعات المسجد الحرام لم تواكب - بقدر كاف - حجم الأعداد المتنامية من الزوار والمعتمرين والحجاج ، كما أن آليات إدارته ، وتطوير أدائها ، من خلال دراسة أساليب تنظيم حركة الحشود ، لا سيما المرتبطة بالطواف ، من جهة الدخول إليه والخروج منه وسعته ، وسبل ربط المداخل بالأقسام المخصصة للنساء ، ونحوها من آليات الحركة : لا تزال متواضعة ، وفي حاجة لمزيد بحث واستقصاء وتنقيب عن مقترحات هندسية مبدعة ومتفوقة ، تكون نتاج بعدين مهمين : بعد علمي متخصص ، وبعد روحي  متجذر ، فالبعد العلمي يستوعب الأزمة بأبعادها المتشعبة ، فيدرس ويفحص ، ثم يقترح الحل ، والبعد الروحي يستلهم الفتح والصواب من العليم الخبير ، فالكعبة المشرفة ، وحرمها المطهر هو بيته ، الذي ألزم الناس القدوم إليه ، فلابد أن يستوعب الموضع – بصورة دائمة ومتجددة - حجم المكلفين القاصدين له ، القادمين لأداء الفرض ، وإلا كان تكليفهم بما لا يستطاع .

                          السبب الثاني : غلبة الجهل لدى عامة القاصدين للبيت ، وتهاونهم في حدود العلاقة بين الجنسين ، إضافة إلى جموح عواطفهم الدينية ؛ فالجهل والتهاون والعواطف الجامحة يوقعونهم في المحظورات الشرعية ، حتى إن المرأة ربما تفقد حجابها ، وتمازج الرجال ببدنها ، وبما دفعت وشتمت ، كل هذه المحظورات الشرعية وغيرها من أجل أن تقبل الحَجر ، أو تصلي في الحِجر ! وبعضهن تلاصق الرجال كتفاً بكتف ، وربما أكثر من ذلك عند الملتزم ، فإذا نبهها المراقب لهذا الخطأ أنكرت عليه بجفاء ، حتى قال بعضهم : ( غلبنا النساء ) ، ولا تخطئ الآذان من وقت لآخر صوت المرأة الجريئة في المطاف وهي تصيح بالمراقب وتزجره ، حين يكفها عن مزاحمة الرجال ، فيعود أحدهم مطأطأ رأسه يحوقل من جراءة بعضهن ، والعجيب أن إدارة الحرم - في الفترة الأخيرة - جعلت الحجر الأسود مناصفة بين الرجال والنساء ، في سابقة غير معهودة ؛ بحيث يصف الرجال على حدة والنساء على حدة ، ثم يسمح للفريقين على الترتيب بتقبيل الحجر ، مرة لهؤلاء ، ومرة لهؤلاء ، ومثل هذه المشاركات النسائية التي تزاحم الرجال فيما فضلهم الله به من الأمور ،  وألزمه بها من الأحكام لن تقف عند حد ، فقد يتمادى الهوى بالنساء إلى ما هو أبعد من هذا ، في عصر طغى فيه كثير من النساء ، وتهاون فيه غالب الرجال . 

           إن من الصعوبة بمكان تقبل عذر إدارة المسجد الحرام في عجزها عن استصحاب الأحكام الشرعية المتعلقة باحتكاك الجنسين ؛ بحيث يخضع بيت الله لحكم الضرورة لسنوات طويلة ، فتصبح الضرورة هي الأصل دون نكير ، فإذا اعترض معترض ، أو اقترح مفكر : اتهم بالتشدد والتزمت .

                    وخلاصة القول : أن المملكة العربية السعودية هي القدوة في التعبير عن الشرع الحنيف ، والمسجد الحرام هو المعني بتمثل الأحكام الشرعية ، فلا يصح التقصير في ذلك أو التهاون ، والاعتماد على فتاوى الضرورة ؛ فإن الضرورة في الشرع حكم مؤقت ، تقدر بقدرها ، وتزول بزوالها ، وإنما المطلوب والمتعين هما المجاهدة والمصابرة في سبيل التطوير والتحسين ، والخروج من حكم الضرورة الشرعية إلى حكم السلامة الشرعية ، ولن تعجز الأمة - المتوكلة على الله - برجالها المخلصين ، ومفكريها الملهمين ، ومهندسيها المبدعين : أن تجد حلولاً مشروعة لهذه الأزمة ، مع التوعية الثقافية المسبقة لقاصدي البيت الحرام ، بما يحقق تعريفهم - قبل قدومهم - بحرمة المكان وشرف الزمان ، والمقتضيات الخلقية والسلوكية المطلوبة لذلك ، مع التعريف بشيء من أحكام الاختلاط بين الجنسين ، المتضمنة لشيء من فقه الزحام ، وطبيعة اختلاف الأحكام الشرعية بين الجنسين ، إضافة إلى تزويدهم بملخص وجيز في أحكام المناسك ، التي تكثر فيها أخطاء الحجاج والمعتمرين .

            اللهم ألهمنا رشدنا في أحكام ديننا ، ووفقنا للصواب الذي ترتضيه لنا ، وهدنا سبل السلام ، وجنبنا الفواحش والآثام ، ووفق القائمين على بيتك الحرام لسداد الرأي ، وحسن الأداء ، وارزقهم نجاحاً يتبعه فلاح .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل