معلومات
تاريخ الإضافة: 1/11/1436
عدد القراء: 3113
خدمات
نسخة للطباعة     إرسال لصديق

      مقال شهر ذي القعدة 1436هـ

الرضيع السياسي

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد ... فإن العمل السياسي في مفهوم الإسلام عبادة يتعبَّد بها السياسيون ، وقربة يتقربون بها إلى الله تعالى ، ضمن الغاية الكبرى التي خُلق الإنسان من أجلها ؛ ولهذا يسمَّى العمل السياسي في التراث الإسلامي بالسياسة الشرعية ؛ لأنه - في حقيقته - عبارة عن : أعمال ، وإجراءات ، وتصرُّفات ، مستقاة من الشرع الحنيف ، إما بصورة مباشرة ، من خلال نصوص واضحة صريحة الدلالة ، وإما بصورة غير مباشرة ، من خلال نصوص عامة واسعة ، وقواعد استنباط محكمة ، تستوعب الجزئيات التفصيلية الكثيرة ، وتستشرف مستلهمة مستجدات التفاعلات الإنسانية المستقبلية ، ضمن إطار رباني يتَّسع لكلِّ جديد ، وصبغة شرعية متطوِّرة غير متناهية العطاء ، تهدف - في مجموعها - إلى إصلاح الدين والدنيا معاً ، وفي وقت واحد ، وتتناول ملبِّية حاجات البشر الفردية والجماعية في كلِّ عصر ؛ بحيث يعالج التشريع - من خلال اتساعه ونموِّه المستمر - حاجات الأمة الكثيرة والمستجدة ، ويستوعب قضاياها ومسائلها المتنوِّعة والمختلفة ، متى استفتته في ذلك ، وراجعته مسترشدة به ، ومذعنة له ، ومنقادة إليه ؛ لكونه إرادة الله الشرعية من عبيده المكلَّفين .

ولما كانت السياسة الشرعية المعتبرة هي نتاج التفاعل الناضج بين النصوص الشرعية والمسالك النبوية من جهة ، وبين الوقائع الحياتية المعاشة ومستجدَّاتها الاجتماعية من جهة أخرى ؛ فإن الضرورة الشرعية ، والمنطق العقلي يُلحَّان على بناء الشخصية السياسية الحكيمة ، التي تجمع بكفاءة بين الدرس الشرعي ، المستوعب للوعي الفقهي ، وبين متعلِّقاته الواقعية ، وتفاعلاته الاجتماعية ، وهو ما يعرف عند الفقهاء الأصوليين بتحقيق المناط .

إن قدراً وافراً من الرجاحة العقلية ، وحزمة متينة من القيم الخلقية ، وحجماً واسعاً من الخبرات التراكمية : ضرورة لا بد منها لبناء الشخصية السياسية الناجحة ، فإنه لا يتصوَّر الاستغناء عنها بحال من الأحوال لتسديد القرار السياسي ، وتصويب اختياره ، الذي تعقَّد في هذا العصر ، وتشعَّبت مداخله ، وتعدَّدت سبله ، حين داخلته عوامل ومتغيرات كثيرة ، حالت دون تمام سداده ، ووقفت دون كمال صوابه ، حتى غدت مقاربة الصواب في عرف السياسيين صواباً ، من شدَّة الغموض والتداخل والتشعُّب ، الذي يكتنف العمل السياسي وقراراته .

ولهذا فإن العمل السياسي المعاصر لا يتحمَّل المراهقات السياسية ، ولا المجازفات الصبيانية ، ولا المغامرات الطفولية ، التي تنمُّ عن ضمور النمو الطبيعي للشخصية القيادية ، وقصور أدائها العقلي عن الاختيارات السياسية الناضجة ، والقرارات المصيرية الموفَّقة ، التي لا بد منها - على وجه الضرورة - للسلامة من الإخفاقات الخطيرة في الواقع السياسي الصعب ، الذي يهدِّد المراهقين السياسيين بالهلاك ، ويعرِّض المجتمعات الإنسانية للزَّوال .

ومع ذلك فإن واقع كثير من الاختيارات السياسية المعاصرة ، وما تسفر عنه قراراتها القاصرة من نتائج مخفقة تضرُّ بالأوطان ، وتهدد البلدان : لا تدلُّ على مجرَّد مراهقة سياسية فحسب ، بل هي مرحلة قصور دون ذلك ، فهي - في الحقيقة - لم تتجاوز بعد مرحلة طفولة سياسية ، يعيش فيها بعض الساسة مرحلة الرضاعة ، التي يعجز فيها الرضيع السياسي عن الاختيار المناسب لنفسه ، حتى إنه يضعف عن التمييز بين التمرة والجمرة ، مما يسوقه إلى محاولة تقليد الكبار ، ومحاكاة الناضجين ، فيحيا عالة على المجتمع الدولي ، يتكفَّف البالغين في اختياراتهم السياسية ، ويقلِّد الناضجين في اجتهاداتهم الإدارية ، حتى تغدو شخصيته نهباً لتوجُّهات الآخرين ، فتبدو كأنها تشكيلة مخلوطة من الآراء والممارسات التي لا يجمعها كيان ، ولا يضمُّها عنوان ، وإنما هي اختيارات رعناء ، كاختيارات الطفل الصغير من سلوك البالغين .

والعجيب في شخصية الرضيع السياسي أنه متعثر في غالب أحواله حينما يحاول مسالك الكبار ؛ فيجرِّب خطوهم ، ويحاول نهجهم ، فيأتي بالطوام المهلكات ، ما لم يتداركه الآخرون بالرعاية والعناية والمداراة ؛ فإن القاسم المشترك الذي يجمع الرضَّع السياسيين هو عدم التوفيق ، وهذا ما يُلحظ عليهم بوضوح في سلوكهم السياسي ؛ ففي المواقف الدولية والمحلية التي تحتاج بالضرورة إلى التريُّث ، وإعادة النظر ، وإدامة الفكر : ترى الرضيع السياسي متعجِّلاً نحو عطبه ، متهالكاً على فشله ، مقتحماً في ضرره .

وفي المواقف الأخرى الجليَّات الواضحات ، التي يتبيَّن وجهَهَا الأطفال المميِّزون بلا إمعان ولا نظر ، ويفهمها البسطاء السذج بلا تأمل ولا فكر ، فضلاً عن العقلاء المجرِّبين ، والنخب الفاهمين ، فإذا بالرضيع السياسي - بعد الخمسين والستين - يحار في اختياره ، ويتردد في قراره ، ويغرق في إنائه ، وكأنها المعضلة الكبرى ، والرزية العظمى ، التي تحتاج إلى الرؤساء ، وتفتقر إلى القادة والوزراء ، حتى إذا تمت للرضيع المشورة ، واتضحت له الصورة : أتى بما يُعمى البصيرة ، من الفواحش السياسية ، والفواجع الإدارية ، تماماً كما يخطو الرضيع خطواته الأولى فيتعثر ويقع ، حتى إذا ارتطم جسده بالأرض ، ونال رأسه نصيبه من الطرق ، عندها - وبسرعة فائقة - يبلغ الرضيع رشده الإنساني ، فيشبُّ في ليلة ، ويتمُّ له نموه الطبيعي في ساعة ، وهنا ينادي في الجماهير ، ليشعرهم ببلوغه مرحلة الرشد ، على طريقة ابن علي التونسي حين قال للشعب عندما ثاروا عليه : ( فهمتكم .. فهمتكم ) !

وأما ذاكرة الرضيع السياسي فقصيرة ضعيفة ، لا تكاد تستحضر شيئاً من الحوادث السابقة ، ويصعب عليها استرجاع المواقف والحالات المشابهة ، فتفقد بياناتها أولاً بأول ، وتمحو حوادث اليوم وقائع الأمس ، فلا تصطحب شيئاً من تجارب الماضي للحكم على الواقع ، حتى ما تكاد الذاكرة تستلهم الماضي في موقفٍ حاضرٍ مشابه ، تماماً كحال الرضيع الذي قد ينسى أقرب الناس إليه إذا غاب عنه فترة من الزمن ، ويكرِّر أخطاءه مرَّات متعدِّدة ، فلا تستحضر ذاكرته الضيقة والضعيفة التجارب السابقة ، التي تعينه على الحكم السديد في المواقف الجديدة والمشابهة .

وأما مخاطبة الرضيع السياسي للجماهير ، ومحاولة إيصال صوته إليهم ، ضمن إمكاناته الثقافية المحدودة ، وقدراته العقلية العاجزة ، وشخصيته الإنسانية الهزيلة ، فهي تشبه - إلى حدٍّ كبير - المناغاة التي يصدرها الرضيع في شهوره الأولى ، فيصعب على السامعين تبيُّنها ، ويستحيل عليهم تفهُّمها ، فهي لا تعدو أن تكون أصواتاً تلمح إلى وجود الحياة فحسب ، كحال الوليد حينما يستهل صارخاً ثم يموت من لحظته ، ورغم ذلك يُثبت لنفسه الحقوق بهذه الصرخة الوحيدة اليتيمة .

والغريب في شأن مناغاة الرضيع السياسي : أن جموعاً غفيرة من الشعوب المهجَّنة ، تزعم بيقين أنها تفهمها ، وتستوعب روح معانيها ، وتستلهم منها نوراً لمستقبلها ، ومعالم جديدة لنهضتها ، في حين تقف قلَّة من الناس مشدوهة أمام هذا الفهم والاستيعاب والاستلهام ، عاجزة عن الوعي بشيء من ذلك ، تحاول جاهدة أن تدرك ما أدركته هذه الجموع الذكيَّة من مناغاة الرضيع ولكن دون جدوى .

وهنا يتعجَّب الرضيع السياسي من هؤلاء البلهاء ، حين لم يفهموا مناغاته كما فهمتها الجموع الكثيرة ، ولم يستلهموا مضامينها الجليلة ، ولم يستوعبوا معانيها العميقة ، مما يضطره إلى مساعدتهم على الفهم بالعصا الغليظة ، التي تزيل عوائق العقول ، وتشقُّ غبش العيون ، ليتمكَّنوا من إدراك الدرس ، واستيعاب البيان .

وأما بطش الرضيع المدلَّل بمن يعانده أو يقاومه أو ينتقده ، فهذا شأنٌ آخر ، على طريقة القذافي حين أخذ ينادي في خصومه لما ثاروا عليه : ( من أنتم ؟ ) ؛ فإن أخذه حينئذٍ يأتي في الغالب عشوائياً دون تمييز ، ومُفْرطاً دون ضوابط ، لا يكاد يتحمَّل الآخرين ، ممن لا يأتون على هواه ، كحال الطفل عندما يقاوم من ينازعه في ألعابه ، أو يضبطه في تصرفاته ، فهو ضيق الخلق ، قليل الصبر ، جزوع الطبع ، سريع الانتقام .

إن مما يجهله الرضيع السياسي ، ويشكل عليه فهمه ، ويصعب عليه إدراكه : أن تنفُّس الحرية إدمان يصعب الفطام منه ؛ فجرعة واحدة من مصلها كافية لحصول الاعتماد النفسي الذي لا فكاك منه ، بمعنى أن من ذاق طعم الحرية ساعة من الزمان ، فتذوَّق شهدها ، ورشف خمرها ، وتنسَّم عبيرها : تورَّط في الاعتماد عليها ، فلا يتصوَّر خلاصه منها ؛ كحال المخدِّرات القويَّة ، حين يعتمد عليها الجسم مباشرة من أوَّل جرعة ، فلا يستغني عنها ؛ ولهذا لا يفهم الرضيع السياسي سبب إصرار الشعوب المستضعفة على الحرية ، واسترخاص المهج في سبيلها ، تماماً كسوء فهمنا لسلوك مدمن المخدِّرات ، حين لا يتردد في بذل كلِّ ما يملك في سبيل جرعة واحدة من الهيروين .

إن من الحقائق الراسخة في العرف الإنساني : أن المنصب السياسي لا يعطي القائد قيمته الشخصية ومكانته ، ولا يؤهِّله للأداء السياسي الناجح ؛ وإنما شخصية القائد ، ومكوِّناتها الفكرية والخلقية ، وخبرته التراكمية الناضجة ، وما يبسط الله عليه من كلِّ ذلك : هي التي تضفي على المنصب قيمته ومكانته ، وتؤهل القائد لحسن الأداء السياسي ؛ ولهذا فإن القائد الفذ لا تستفزَّه هيشات المواقف السياسية ، ولا يُثيره ضجيجها العالي ، فهو ثابت الجنان ، راسخ الأركان ، ممتلئ بالإيمان ، يرى بنور الله تعالى ، ويعمل بمقتضى أمره ونهيه ، في حين تستهوي الرضيع السياسي الآراء البراقة ، والمقترحات الأخَّاذة ، فينساق وراءها كما ينساق الرضيع إلى ملهاته .

إن أزمة الرضَّع السياسيين أنهم يتقدَّمون حين يجب عليهم أن يتأخَّروا ، ويتأخَّرون حين يجب عليهم أن يتقدَّموا ، ويتكلَّمون حين يجب عليهم أن يصمتوا ، ويصمتون حين يجب عليهم أن يتكلَّموا ، إنها علامات عدم التوفيق ، ومعالم سوء التدبير ، التي يلزمها الله - بحكمته - سفهاء السياسة ؛ فإن الشرع الحنيف منع من تمكين السفيه من ماله الشخصي - الذي هو حقٌّ له - بسبب السفه ، واحتمال سوء التدبير ، فكيف يأذن له بالتصرُّف السياسي ، الذي قد تضيع معه مصالح المجتمع الكبرى ؟!