41ـ موهبة الذكاء عند الفتاة وسبل تنميتها

تعتبر موهبة الذكاء من أهم الملكات العقلية ضرورة للإنسان، فهي العامل الأساس لتكيف الفرد ونجاحه، وحسن تصرفه في المحيطيْن الاجتماعي والمادي؛ لهذا يُلاحظ أن الفتيات المتفوقات في الذكاء أكثر نجاحاً في التعليم، وأحسن توافقاً في علاقاتهن الاجتماعية، وأكبر ثقة بأنفسهن.

وتتصف طبيعة نمو الذكاء في مرحلة الشباب بشيء من البطء مقابل سرعة النمو الجسمي الفائق، حيث يستمر نموه حتى السادسة عشرة، أو الثامنة عشرة، أو ربما استمر نموه عند البعض حتى سن العشرين، خاصة عند الأذكياء والموهوبين، ويرجع منشأ الذكاء عند الإنسان إلى عاملين مهمِّين: الفطرة والبيئة، وليس المعوَّل في منشئه على أحدهما دون الآخر كما ذهب إليه البعض، بل عليهما جميعاً.

وعلامة الذكاء عند الشباب: الحدَّة في سرعة الإدراك والفهم والتعلم، فإن آية العقل: سرعة الفهم، مع القدرة على الابتكار، والإبداع، وشيء من الاستقلال الشخصي والتَّميُّز، إلى جانب البراعة في التعامل مع الآخرين، وقد يبلغ الذكاء عند بعض الفتيات -كما هو عند بعض الذكور- درجة عالية من الدقة والحدَّة، حتى إن إحداهن ربما جوَّدت على القارئ في الكتاب قراءَتَهُ عن ظهر قلب، وربما ناظرت إحداهن كبار علماء عصرها، وربما حفظت إحداهن القرآن الكريم كاملاً مع البلوغ، بل ربما حفظته في الثامنة من عمرها كحال الفاضلة عائشة الباعونية الدمشقية (ت922هـ)، وقد يبلغ الكمال العقلي ذروته السامقة عند إحداهن بما لا يزيد عليه، كما هو الحال مع السيدة عائشة رضي الله عنها فقد رُوي مرسلاً، عن رسول الله r  أنه قال: "لو جُمع علم نساء هذه الأمة فيهن أزواج النبي r  كان علم عائشة أكثر من علمهن"، فقد كانت رضي الله تعالى عنها أفقه وأعلم النساء على الإطلاق، فليس بغريب على عنصر الإناث أن يبلغ بعضهن أعلى الدرجات في معدلات الذكاء، بل إن أعلى درجة ذكاء سُجلت لشخص كانت لفتاة أمريكية بلغت (230) درجة.

إن المعوَّل عليه في نمو الذكاء وحدَّته: سلامة الموروثات الفطرية من خلال تحسين النسل، وصحة البيئة الاجتماعية، وتحسين التربية، فقد ثبت يقيناً عند التربويين أن التعليم هو أعظم وسيلة لتنمية موهبة الذكاء عند الفرد، "وأن الذكاء متوقف على القدرة على التعلم"، بحيث يرتبط الذكاء بالتعليم أكثر بكثير من ارتباطه بالقدرة على الإبداع، ويكون الشخص الأكثر ذكاء هو الشخص الأكثر تعليماً، وليس بالضرورة أن يكون الشخص الذكي هو الأكثر إبداعاً.

وعند مراجعة السيرة النبوية يجد الباحث اهتمام رسول الله r  بهذه العلاقة الوثيقة بين الذكاء والتعليم في تربيته السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد كان عليه السلام على علم تام بفرط ذكائها، وحدَّة فهمها، فأخذ عليه الصلاة والسلام يفتح عليها من المعارف والعلوم مما علمه الله عز وجل حتى أصبحت أعلم الفتيات على الإطلاق في جميع معارف زمانها، وذلك في نحو من تسع سنوات فقط، فما أن توفي رسول الله r  وهي في الثامنة عشرة من عمرها حتى استقلت بالفتوى في زمن أبيها رضي الله عنهما.

إلا أن الذي ينبغي أن يلاحظه المربون أن الأذكياء عادة يراهقون قبل أقرانهم بزمن، "وكثيراً ما يظهر عندهم النضج الجنسي المبكر مصاحباً للنمو العقلي المبكر"، فربما كان منهم -لفرط ذكائهم- أشياء وسلوكيات من الإزعاج لا يرضاها الآباء، كما حصل من السيدة عائشة رضي الله عنها في طفولتها عند أبويها، وفي مقامها عند النبي r، فلا بد للمربين من مراعاة ذلك فيهن مستغلين في توجيههن اليقظة الإيمانية في نفوسهن، والتي تنمو عادة عند الأذكياء مبكرة أيضاً عن غيرهم.