26ـ التوسعة في النفقة على الزوجة

أوجب المولى U على الرجال - من الأغنياء والفقراء - النفقة لنسائهم، كل حسب سعته، فإن النساء لسن من أهل الكسب، قال الله تعالى : { لِيُنْفِقَ ذُوسَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَا آتَاهُ اللَّهُ … } [الطلاق:7]، وقال عليه الصلاة والسلام : (( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول ))، فمن عجز عن الإنفاق فُرِّق بينه وبين زوجته؛ إلا إن رضيت بحالها معه؛ وذلك لما يلحقها من الضيق والضرر، فإن مجرد الملاطفة، والمحبة بين الزوجين، في حد ذاتها - لا تكفي لقيام الحياة الزوجية دون إنفاق ولو كان يسيراً، قال الإمام الشافعي رحمه الله : " وأقل ما يجب في أمره بالعشرة بالمعروف : أن يؤدي الزوج إلى زوجته ما فرض الله عليه لها من نفقة وكسوة … وجماع المعروف وإعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه، وأداؤه إليه بطيب النفس لا بضرورته إلى طلبه، ولا تأديته بإظهار الكراهية لتأديته "، فيكون إنفاقهم عليهن من منطلق الواجب والتكليف، دون إلجائهن إلى الطلب، والإلحاح، ودون إشعارهن باضطرارهم للإنفاق، بل يكون ذلك بطيب نفس منهم . ولما كان البعض يستثقل النفقة : جعلها الله تعالى أعظم نفقات الرجال على الإطلاق، وأكثرها أجراً، وعدَّها نوعاً من أنواع الصدقات : حتى تخفَّ مؤونتها النفسية عليهم، فتخرج النفقة منهم طيبة وافرة، وفي هذا يقول رسول الله r : (( إن الرجل إذا سقى امرأته من الماء أجر )) .

ولقد جُبل النساء على الرغبة في التوسع، والاستكثار من الممتلكات حتى أكمل النساء في زمن النبوة، فهذه فاطمة رضي الله عنها تشكو للرسولr ضيق عيشها، ورغبتها في التوسعة، ونساء النبي r يجتمعن عليه في طلب مزيد من النفقة، حتى يضَّطر لهجرهن، وتخييرهن بين البقاء معه على حال الشدة أو التسريح . ولما تزوج عبدالله بن عمر صفية رضي الله عنهم أمْهرها أربعمائة درهم، فأرسلت إليه : أن هذا لا يكفي، فبعث إليها سراً بمائتين أخرى . وهكذا طبع النساء في كل زمن، يرغبن دائماً في المزيد، ويشعرن بالأنس، والاستقرار إذا وُسِّع عليهن.

ولعل من أعظم جوانب التوسعة عليهن : الراحة في السكن بحيث تشعر فيه الزوجة بالأنس والاستقلال والحرية، فإن السكن إذا لم يكن ملائماً لهن : تضايقن، وكان من أعظم أسباب الخلاف والشقاق مع الأزواج . لهذا أوجب العلماء على الزوج أن يُسكنها في وحدة آمنة مستقلة بها، ليس فيها أحد من أهله، إلا أن توافق الزوجة على ذلك . وقد دلَّ الواقع المعاصرعلى : أن الفتيات لا يرغبن في السكن المشترك مع أهل الزوج، ويفضلن المسكن المستقل، كما أن كثيراً من الآباء أيضاً يميلون إلى عزل أولادهم عنهم بعد الزواج في وحدات خاصة بهم . وكل ذلك مراعاة لهذه الرغبات النسائية في الاستقلال، والشعور بالحرية، والراحة النفسية، ومن المعروف أن المرأة تُعيَّر بالمسكن الخسيس، فتتضرَّر من ذلك، في حين لا يدري أحد بطعامها وشرابها، فلا تُعيَّر بذلك، ولهذا يُلْحظ كم يُفوِّت نظام زواج المسيار - الذي ظهر مؤخراً - على المرأة من مصالح نفسية واجتماعية واقتصادية حين لا يلتزم فيه الزوج بالنفقة ولا بالمسكن ولا بالمبيت، مما دفع بعض العلماء للقول بتحريمه، أو كراهيته على أقل تقدير، رغم أن بعض الجهات الشرعية الرسمية أجازته إذا استوفى الشروط.

ولعل مما يلحق بهذا الجانب أيضاً : التوسعة على الفتيات في أيام زفافهن، فإن السلف كانوا يوسعون عليهن في المأكل والمشرب، وشيء من اللهو البريء في غير إسراف أو مخيلة . إلا أن ضبط النفس في زمن الأفراح والأتراح في غاية الصعوبة، فقد يقع من البعض سلوكيات خاطئة، وخروج عن المألوف الجائز إلى الإسراف والخيلاء الموقع في الإثم والحرج . فلا بد من مراعاة الاعتدال، فإن التوسعة على الزوجات لا تعني الإسراف والتبذير .