8ـ دور الزواج في تحقيق الراحة النفسية والصحة الجسمية للفتاة

إن الاستقرار النفسي من خلال سنة النكاح يعتبرها الإسلام هدفاً رئيساً من أهداف الزواج، حيث تنبعث بين الزوجين روح المودة والرحمة، اللتين تُسكِّنان اضطراب النفس وثوراتها، المنبعث من داعية النسل، وغريزة بقاء النوع، يقول المولى U : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }، فالنفس لا تزال مضطربة متأرجحة حتى تسكن بالزواج، وتهنأ بالجو الأسري .

وقد اتفق علماء النفس والاجتماع على أن الروابط الزوجية " أكثر الروابط الإنسانية إثراءً للزوجين وللأسرة والمجتمع، بما يعود على الجميع من مزايا على كافة المستويات النفسية والاجتماعية والإنسانية "، كما أكَّد البحث الميداني أن أهم الانفعالات التي تحدد سعادة الإنسان خلال مراحل العمر، هي تلك الانفعالات التي تتعلق بالزواج والأسرة، وأن المشكلات الاجتماعية والعاطفية التي يتعرض لها الشباب يمكن أن تُحل من خلال الحياة الزوجية، كما أن الزواج السعيد الناجح يستوعب أوسع أبواب الصحة النفسية، والاستقرار العاطفي .

وفي الجانب الآخر أثبتت دراسات أخرى متعددة أن العزوبة سبب من أسباب الوساوس والجنون، والاغتراب النفسي، والشعور بالدونية خاصة عند المطلقين والمطلقات، حيث الإحساس بالمنبوذية، مع شدة التوترات الداخلية العميقة، والشعور بالحرمان . في حين لا توجد غالب هذه المشاعر السلبية عند المتزوجين، وتشير بعض الدراسات الميدانية إلى أن الإدمان على المخدرات، وإنهاء الحياة بالانتحار في بعض المجتمعات الإسلامية المعاصرة غالباً ما يصدر عن الشباب العزاب من الجنسين، وهذا فيه إشارة واضحة لارتباط العزوبة عند الجنسين بالانحراف الخلقي المؤدي إلى التوترات النفسية والعصبية، وربما إلى إهلاك النفس وعذابها، لا سيما إذا اقترن ذلك بضعف الإيمان، في حين تعصم الحياة الزوجية، بطبيعتها الحميمية، ونوع علاقاتها المتشعِّبة : المتزوجين من الوقوع في كثير من الانحرافات التي تسبب القلق والتوتر والعذاب النفسي، وتحقق لهم درجات عالية من مراتب السعادة والسكن، التي لا يمكن أن يحياها العزاب في العادة إلا ضمن جهود كبيرة من الأنشطة الروحية المتفوقة .

ومما يشير إلى هذا المعنى كلام زياد بن أبي سفيان حين أراد - وهو في أبهة الإمارة - أن يُبَيِّن لجلسائه من أسعد الناس عيشة " فقال : " رجل مسلم له زوجة مسلمة، لهما كفاف من العيش، قد رضيت به ورضي بها، لا يعرفنا ولا نعرفه "، فلم يجد هذا الأمير تعبيراً أبلغ عن السعادة من استقرار الحياة الزوجية، والألفة بين العشيرين .

وفي جانب الصحة البدنية فقد ثبت أن الزواج من أنفع أسباب حفظ الصحة، فقد دلَّت الإحصاءات على أن معدلات الوفاة بين المتزوجين أقل من معدلاتها بين غير المتزوجين، كما أن ضعف البدن، وعسر الحركة يغلب على العزاب، حتى إن الفتاة العذراء التي لم يسبق لها الزواج تُوصف بأنها مريضة حتى تنكح .