12ـ التزام الفتاة بطابع السُّلوك الأنثوي

ويُقصد بالسلوك الأنثوي: طبيعة وسمات الأنثى البشرية، وتفاعلها الاجتماعي والنفسي في الوسط المجتمعي، حيث اقتضت الحكمة الربانية قيام الحياة على نوعي الإنسان: ذكورة تحمل مقومات القوامة من القوة والسيطرة والجرأة، وأنوثة تحمل سمات طبعها في مسلبتين ونقيصتين خُلُقيتين، هما في الحقيقة فضيلتان في حق النساء: الضعف والجبن، فالضعف فيهنّ مُعْتبر، فهو سلوك غالب إناث الحيوان، وأما الجبن فهو ضدُّ الشجاعة التي تُعد محمودة في حق الذكور، وممقوتة في حق الإناث؛ لما فيها من سلوك الوقاحة، الذي لا يتناسب مع الطبع الأنثوي الذي جبل عليه الإناث.

هذه الطباع الخُلقية متأصلة في السلوك الإنساني بالفطرة في أصل الخِلْقة، قبل أن تكون أثراً مصطنعاً من آثار البيئة الاجتماعية، أو المناهج التربوية، كما يزعم بعضهم، فإن "الرجل ذكرٌ والمرأة أنثى، وهما مختلفان بحكم الطبيعة،وليس في هذا الاختلاف ما يدعو إلى القلق، غير أن المتاعب تنجم… إذا اتُّخذ هذا الاختلاف ذريعة لحيف اجتماعي، أو منزلي بالنسبة لأحد الجنسين"، ومن هنا تنبع مشكلة الشعور بالدونية عند الفتيات حين يُقلل المجتمع من شأنهن، ويحطُّ من قدرهن، وتمارس الأسرة صوراً من الحيف معهن، فيتمنين أن لو كن ذكوراً؛ ليخرجن من هذا المأزق النفسي المؤلم، ويحصلن على شيء من الامتيازات الاجتماعية التي يتمتع بها الذكور. وربما ذهب بعضهن – تحت هذا الضغط النفسي- إلى إثبات جدارتهن بالعدوان، والتَّنكُّر للسلوك الأنثوي، وربما سعى بعضهن – من خلال حركة التمركز حول الأنثى – نحو صبغ الحياة الإنسانية بالصبغة الأنثوية مقابل إلغاء مظاهر الحياة الذكورية، وإحياء ما يسمى بالمجتمع الأمومي، الذي تسيطر فيه الأنثى على الحياة بأسرها، وربما انساق بعضهن نحو الإغراء والدعارة؛ لإثبات قوة سيطرة الأنوثة وتفوقها على الذكورة، وربما صعب على بعضهن تكوين علاقة حميمة مع أزواجهن ما داموا قائمين بمستلزمات القوامة الأسرية في شخصياتهم، وطبائعهم الذكورية السوية، إلى مظاهر أخرى من الانحرافات الفكرية والسلوكية.

إن الأصل الذي يهدف إليه منهج التربية الإسلامية لحل هذه المشكلة النفسية: أن يعتزَّ كل من الجنسين بما أودعه الله تعالى فيه من الخصال الفطرية، فالمرأة "ذات الفطرة السوية تعتز بأنوثتها، كما يعتزُّ الرجل السوي برجولته سواء بسواء، فتستمتع بما أودعه الله تعالى في كينونتها، وألصقه بأنوثتها من العاطفة الجياشة، وشدة الحنان، والنظافة، والحياء، والاستكانة، والانصياع لقوامة الرجل السوي.

إن الحرية الاجتماعية والفكرية التي طغت على مظاهر الحياة المعاصرة، وصبغتها بصبغة سلوكية موحَّدة: أفرزت جماعات من الجنسين يتشبَّه كل منهما بالجنس الآخر في أخلاقه وسلوكياته، حتى تسلك فيه الفتيات مسلك العنف كالذكور، واندفع بعضهم – في هذا الوسط التربوي المتداخل – ليقنِّنوا للجنسين أهداف التربية، وأساليبها على منهج تربوي واحد، يُخرِّج صنفاً واحداً من الخلْق، لا يختلفون في سلوكهم النوعي، ولا يتباينون في طباعهم الفطرية ، إلا في بعض مظاهر الخِلْقة الجسدية، التي لا بد منها ، زعماً منهم أن هذا النهج ينهي أزمة التفرقة بسبب الجنس.

ولقد كان لطبيعة أنظمة التعليم المعاصر ومناهجه دور كبير في تذويب الفروق بين الجنسين، وتقارب طبائعهما الخلقية والسلوكية، إلى جانب طبيعة الحياة المعاصرة في تطورها غير المنضبط؛ فإنه "كلما زاد التطور اختفت الفروق بين الجنسين في كثير من الظواهر السلوكية".

ولئن كان الرجل والمرأة نوعين من جنس واحد، فإن التصور التربوي الإسلامي ابتداء يُفرِّق بين الذكر والأنثى في المهام والمسؤوليات المبنية على الطبائع؛ فيقول اللطيف الخبير: {…. وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى …} [آل عمران:36] يعني فيما يكون صالحاً لهما من الأعمال والمهام، فما قد يصلح للذكر ليس بالضرورة يصلح للأنثى، والعكس أيضاً صحيح؛ فالسلوك العدواني – مثلاً – عُرف منذ فجر التاريخ البشري بأنه سلوك ذكوري الطبع، فلا يستهجنه المجتمع ما دام صادراً عن الذكور، في حين يقلق المربون إذا صدر هذا السلوك العدواني عن الإناث.

والعجيب أن الفتاة الذكورية السلوك يتأثر عقلها الباطن بطبعها الظاهر، فتنطبع رؤاها وأحلامها المنامية بطابع سلوكها الذكوري من تأكيد الذات، والاستقلالية، وثوران الشهوة، والسيطرة، في حين يغلب على الأخريات ممن اتَّصفن بالأنوثة في سلوكهن: رؤى الإيثار، والحب، والعاطفة، ويقل في مناماتهن العنف والغلظة، مما يؤكد خطورة وأهمية دور التربية في تعزيز أحد السلوكيْن على الآخر، بصورة إيجابية أو سلبية.

ومن هنا فإن النهج السوي للتربية الناجحة يستلزم حشد كل الوسائل التربوية المشروعة في البيت، والمدرسة، والمجتمع: للعمل على نُضج خصائص الأنوثة وخصالها الكريمة، ودعم مظاهرها المختلفة عند الفتيات؛ لتوافق طبيعتهن المتميزة، وتُعاضد إفرازاتهن الهرمونية الأنثوية الطبيعية، والضرورية لبلوغهن وتميزهنَّ الفطري عن الذكور على أن تكون بداية هذا التوجيه التربوي المتميِّز في سنوات أعمارهن الأولى في مرحلة الطفولة المبكرة، ومروراً بمراحل العمر الأخرى، خاصة في مرحلة الشباب، ومع بداية إرهاصات البلوغ، حين يقوى لدى الفتيات التوجه الأنثوي المتميز في السلوك والاهتمامات.

ويتأكد في حق الفتيات: تهيئة الجو الأسري السوي، الذي يقوم فيه كل جنس بمهامه الطبيعية المناطة به، ولا تتداخل فيه الأدوار، خاصة دور الأم باعتبارها أنثى، فلا يصح منها أن تهيمن على دور الأب، مع ضرورة إشباع حاجاتهن –خاصة الفتاة الوحيدة في الأسرة– لوسط أنثويٍّ يريْن ويمارسن من خلاله سلوك الإناث، مع تجنيبهن الإفراط في مخالطة المحارم من الذكور؛ خشية تأثرهن بسلوكهم الذكوري.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا التوجه الأنثوي في تربية البنات هو عدم الإفراط في حشد الطاقات المجتمعية والأسرية التربوية لدعم السلوك الأنثوي عند الفتيات، بحيث تصبح السلبية السلوكية المفرطة عندهن: علامة السلوك الأنثوي الصحيح،  فتسعى الفتاة – رغم حاجتها النفسية كالذكور للنجاح والإنجاز – لترضي المجتمع من حولها، فتضحِّي بطاقاتها وإمكاناتها المختلفة، وتتجنب كل مظهر من مظاهر السلوك الإيجابي السوي، كالنشاط العقلي ، والتفوق الأكاديمي، معتقدة أن التفوق –بكل مظاهره- سلوك ذكوري، يتنافى مع طبيعة الأنثى السوية.

ولا شك أن منهج التربية الإسلامية لا يهدف لمثل هذا الشعور المفرط في السلبية، والذي يجعل من الأنوثة وسيلة انحطاط وانهزامية؛ بل يؤكد ويهدف من خلال منهجه التربوي للجنسين: أن ينضبط وينطبع السلوك بما يقتضيه نوع الجنس، وأن يستغل كل فرد – ذكراً كان أو أنثى– طاقاته المختلفة، وقدراته الفطرية في خدمة النشاط الإنساني المشروع بما لا يُخِل بطباع جنسه.

ولعل من شواهد الحياة الاجتماعية في القرن الأول الهجري ما يُجلِّي هذا الفهم، فالفتاة القدوة – عائشة رضي الله عنها - التي تمثل من خلال سلوكها معياراً للسلوك الأنثوي الخالد، في أجلِّ وأسمى مظاهره الطبيعية، ضمن المجتمع المثالي "المقياس"، ولم يظهر في سلوكها شيء من السلبية المفرطة ؛ بل كان سلوكها في الغالب- مفعماً بإيجابية الأنثى السوية ضمن طبيعة الكمال الأنثوي "المتناهي  في الفضائل والبر والتقوى وحسن الخصال"، فلم يخرجها هذا النجاح والتفوق عن طبيعة سلوك الأنثى؛ بل وحتى في أشد مواقف بروزها وإنجازها في معركة الجمل، فقد كانت ضمن السلوك الأنثوي – المحافظ – في هودج من حديد لا يُرى من شخصها شيء.